Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٥٣- (الزیادةُ فِي الوزْنِ) - حديث رقم ٤٥٩٢
وقوله: (رُويدك)) بضم أوله، بصيغة المصغّر: بمعنى أمهلني.
والحديث ضعيفٌ، لما سبق من مخالفة سماك للثقات في رفعه، وقد سبق تمام
البحث فيه قبل باب، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٥٣- (الزِّيَادَةُ فِي الْوَزْنِ)
٤٥٩٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ وَِّ الْمَدِينَةَ، دَعَا بِمِيزَانٍ، فَوَزَنَ لِي،
وَزَادَنِي) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥.
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٢ /٤٧.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤ .
٤- (محارب بن دِثَار) السدوسيّ الكوفيّ القاض، ثقة إمام زاهد [٤] ١٦/ ٦٥٢.
٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَمِيّ رضي اللَّه تعالى
عنهما ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير محارب، فكوفي،
وجابر، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا رَظنّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠)
حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيِّ نَّهِ الْمَدِينَةَ)
من غزوه، لا قدومه في الهجرة، فإن هذه القصّة وقعت في غزوة تبوك، وقيل: في
غزوة ذات الرقاع، ورحجه الحافظ في ((الفتح)) ٦٦٥/٥ - (دَعَا بِمِيزَانٍ) بكسر الميم،
وأصله مِوزان؛ لأنه واويّ، وجمعه موازين (فَوَزَنَ لِي، وَزَادَنِي) أي أمر بأن يوزن لي، لا

== ٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
أنه هو الذي وزن بنفسه؛ لما سيأتي في ٤٦٤١/٧٧- مطوّلًا، وفيه: ((فلما قدمت
المدينة جئته، فقال لبلال: زن له أُوقيّةً، وزده قِيراطًا)). وفيه جواز الزيادة في الثمن عند
الوزن للأداء، وهو محلّ الترجمة هنا، لكن يشترط فيه رضا المالك، وهل هي هبة
مستأنفة، حتى لو رُدّت السلعة بعيب مثلًا، لم يجب ردّها، أو هي تابعة للثمن حتى تردّ
معه؟ فيه احتمال، والظاهر الثاني.
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام شرحه، وتخريجه بعد ثلاثة وعشرين بابا ٧٧-
((البيع يكون فيه الشرط، فيصحّ البيع، والشرط))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
مِسْعَرٍ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَضَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، وَزَادَنِي).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن منصور)): هو الجوّاز المكيّ، من أفراد
المصنّف. و((محمد بن عبد الله بن يزيد)): هو أبو يحيى المكيّ، من أفراد المصنّف،
وابن ماجه. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((مِسعر)): هو ابن كِدام بن ظُهير الهلاليّ
مولاهم، أبو سلمة الكوفيّ الثقة الثبت الفاضل [٧].
والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
٥٤- (الرُّجْحَانُ فِي الْوَزْنِ)
((الرُّجحان)) بضم الراء، وسكون الجيم: مصدر رَجَح الشيءُ يَرْجَحُ، بفتح الجيم في
الماضي، وتثليثها في المضارع رُجُوحًا، ورُجحانًا. أفاده في (القاموس))، وفي
((المصباح)): رجح الشيء يرجح بفتحتين، ورَجَح رُجوحًا من باب قعد لغةٌ، والاسم
الرجحان: إذا زاد وزنه، ويُستعمل متعدّيًا أيضًا، فيقال: رَجَخْته، ورجح الميزانُ
يرجّح، ويرجُحُ: إذا ثقلت كفّته بالموزون، ويتعدّى بالألف، فيقال: أرجحته،
ورجّحت الشيء بالتثقيل: فضّلتُهُ، وقوّيته، وأرجحتُ الرجلَ بالألف: أعطيته راجحًا.
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.

٢٣
٥٤- (الرُجحانُ فِي الوزن) - حديث رقم ٤٥٩٤
٤٥٩٤- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
سِمَاكٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: جَلَّبْتُ أَنَا، وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيُّ بَزَّا، مِنْ هَجَرَ، فَأَتَانَا
رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، وَنَحْنُ بِمِنَّى، وَوَزَّانٌ يَزِنُ بِالْأَجْرِ، فَاشْتَرَى مِنَّا سَرَاوِيلَ، فَقَالَ لِلْوَزَّانِ:
(زِنْ، وَأَزْجِخْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ العنبريّ مولاهم البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩]٤٩/٤٢.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٧/٣٣ .
6- (سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق،
تغير بآخره، فكان ربما يلقّن [٤] ٣٢٥/٢.
٢- (سويد بن قيس) أبو صفوان، ويقال: أبو مرحب، صحابيّ نزل الكوفة، وروى
أن رسول اللّه وَ لّ اشترى منه رجل سراويل، وروى عنه سماك بن حرب، واختلف فيه
على سماك. روى له الأربعة حديث السراويل فقط. انتهى ((تهذيب الكمال)). وقال
الحافظ: ما جزم به من أنَّ كنيته أبو صفوان فيه نظر، والذي يُكنى أبا صفوان اسمه مالك
انتهى (تهذيب التهذيب)) ١٣٦/٢.
وقال في ((الإصابة)) في ((حرف السين)) ٣٠٢/٤ -: سُويد بن قيس العبديّ، أبو
مرحب، روى سماك بن حرب عنه أن النبيّ وَّر اشترى منه رجل سَراويل، أخرجه
أحمد، وأصحاب السنن فيه، واختلف فيه على سماك، فقيل: عنه، عن أبي صفوان
مالك بن عَمِيرة، وسيأتي في ترجمته، وكلام المزيّ يوهم أن سويدًا يُكنى أبا صفوان،
وليس كذلك. اهـ. وقال في ((حرف الميم)) ٩/ ٦٣ -: مالك بن عَمِيرة، أبو صفوان،
وأبوه بفتح العين، وحَكَى فيه البغويّ عُميرًا، مصغّرًا بلا هاء في آخره، حديثه يشبه
حديث سُويد بن قيس، فقيل: إنهما واحد، اختلف في اسمه على سماك بن حرب،
وقيل: هما اثنان. وأخرجه البغويّ من رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، عن
سماك: سمعت أبا صفوان مالك بن عمير، ومن طريق شبابة، عن شعبة، قال: مالك
ابن عمير به. انتهى. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، سوى الصحابي، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل
بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ، وعبد الرحمن، فبصريّ. (ومنها): أن صحابيه من

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
المقلّين من الرواية، فليس له إلا حديث الباب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ) رَِّ أنه (قَالَ: جَلَبْتُ) بفتح اللام، يقال: جلبَ الشيء يجلبه
من بابي ضرب، ونصر جَلْبًا، وجَلَبًا بالتحريك، واجتلبه: ساقه من موضع إلى آخر،
فجلب هو، وانجلب. أفاده في (القاموس)) وقوله (أَنَا) أتى به ليكون عطف ما بعده عليه
فصيحًا، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((خلاصته)):
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلِ مَا وِبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ فِي النَّظْم فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِذْ
(وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيُّ) قيل: مخرفة - بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وبعدها راء
مهملة، وفاء، وتاء تأنيث، وقيل: مَخْرَمة بالميم، بدل الفاء، والأول أصحّ، قال ابن
حبّان: له صحبة. (بَزًا) بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي: الثياب، أو متاع البيت، من
الثياب، ونحوها، وبائعه البَزّاز، وحرفته الْبِزَازة بالكسر. أفاده في ((القاموس))، وقال
الفيّوميّ: البزّ بالفتح: نوع من الثياب، وقيل: الثياب خاصّةً من أمتعة البيت. وقيل:
أمتعة التاجر من الثياب. انتهى (مِنْ هَجَرَ) بفتحتين: قال في ((القاموس)): هجرٌ محرّكةً
بلد باليمن، بينه وبين عَثَّرَ يومٌ وليلةٌ، مذكْرٌ مصروفٌ، وقد يؤنّث، ويُمنع، والنسبة
هَجَريٌّ، وهاجِرِيّ، واسم لجميع أرض البحرين، ومنه المثل: ((كمُبْضِعِ تمرٍ إلى
هجر)). قال: وقرية كانت قرب المدينة، إليها تُنسب القِلال، أو تُنسب إلى هجر اليمن.
انتهى. وقال في ((المصباح)): هجر بفتحتين: بلد بقرب المدينة، يذكّر، فيُصرف، وهو
الأكثر، ويؤنّث، فيُمنع، وإليها تُنسب القِلال على لفظها، فيُقال: هَجَريّةٌ، وقِلالُ هَجَر
بالإضافة إليها، وهجرّ أيضًا بالوجهين من بلاد نجد، والنسبة إليها هاجِرِيّ بزيادة
الألف، وكسر الجيم على غير قياس، فرقًا بين البلدين، وربّما نُسب إليها على لفظها،
وقد أُطلقت على الإقليم، وهو المراد بالحديث أنه رَّر أخذ الجزية من مجوس هَجَر.
انتهى (فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ شَ، وَنَحْنُ بِمِنَّى) بكسر الميم، مقصورًا المكان المعروف
بمكة، والغالب فيه التذكير، فيُصرف، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسمّي منى
لِمَا يُمنى به من الدماء: أي يُراق. قاله الفيّوميّ (وَوَزَّانٌ يَزِنُ بِالْأَجْرِ) مضارع وزن، من
باب وعد، حُذفت الواو منه لوقوعها بين الياء والكسرة، والجملة في محلّ نصب على
الحال، أي والحال أن هناك رجلٌ يزن الأثمان بأجرة يأخذها ممن يزن لهم (فَاشْتَرَى مِنَّا
سَرَاوِيلَ) قال المجد: السراويل: فارسيّةٌ معرّبة، وقد تُذكّر، جمعه سَراويلات، أو جمع

٢٥=
٥٤- (الرُّجْحَانُ فِي الْوَزْنِ) - حديث رقم ٤٥٩٤
سِرْوال، وسِرْوالة، أو سِرْوِيل، بكسرهنّ، وليس في الكلام فِعْويلٌ غيرها، والسراوينُ
بالنون لغةٌ، والشّزوال بالشين لغة. انتهى. وقال الفيوميّ: السراويل أُنثى، وبعض
العرب يظنّ أنها جمعٌ؛ لأنها على وزن الجمع، وبعضهم يذكّر، فيقول: هي السراويل،
وهو السراويل، وفرّق في ((المجرّد بين صيغتي التذكير والتأنيث، فيقال: هي السراويل،
وهو السروال، والجمهور أن السراويل أعجميّة، وقيل: عربيّة، جمع سِرْوالة، تقديرًا،
والجمع سراویلات. انتھی.
(فَقَالَ) وَ (لِلْوَزَّانِ: ((زِنْ، وَأَرْجِخْ) أي أعط راجحا، وتقدّم في أول الباب أنه يقال:
أرجحتُ الرجلَ بالألف: أعطيته راجحًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث سويد بن قيس وظلّه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٥٩٤/٥٤ و٤٥٩٥- وفي ((الكبرى)) ٦١٨٤/٥٥ و٦١٨٥. وأخرجه
(د) في ((البيوع)) ٣٣٣٦ (ت) في ((البيوع)) ١٣٠٥ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٢٠ و(اللباس))
٣٥٧٩ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٦١٩ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٧٢. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة الرجحان في
الوزن. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جوز أخذ الأجرة
على الوزن والكيل، وفي معناهما أجرة القسّام، والحاسب، وكان سعيد بن المسيّب
ينهى عن أجرة القسّام، وكرهها أحمد بن حنبل. (ومنها): أن في مخاطبة النبيّ وَّه
وأمره إياه بالوزن، والإرجاح دليل على أن وزن الثمن على المشتري، وإذا كان الوزن
عليه؛ لأن الإيفاء يلزمه، فيكون أجرة الوزن عليه، وإذا كان ذلك على المشتري،
فقياسه في السلعة المبيعة أن يكون على البائع. قاله الخطابيّ. (ومنها): أن فيه
استحباب لبس السراويل؛ لأنه ◌َّر اشتراه، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((الهدي)):
واشترى ◌َّه سراويل، والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها، وقد رُوي في غير حديث أنه
لبس السراويل، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه. انتهى ((زاد المعاد)) ١٣٩/١.
وأخرج الطبرانيّ في ((الأوسط))، وأبو يعلى في ((مسنده)) من طريق يوسف بن زياد

= ٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
الواسطيّ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقيّ القاضي، عن الأغرّ أبي مسلم،
عن أبي هريرة ◌َّهِ، قال: دخلت يومًا السوق مع رسول اللّه وَّر، فجلس إلى
البزازين، فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكان لأهل السوق وزّان، قال: فقال له
رسول اللّه وَله: ((اتّزن، وأرجح))، فقال الوزّان: إن هذه الكلمة ما سمعتها قط من
أحد، قال أبو هريرة رَّه: فقلت له: كفى بك من الجفاء في دينك أن لا تعرف نبيّك
وَثِّر، فطرح الميزان، ووثب إلى يد رسول اللّه ◌َله فقبلها، فجذب النبيّ ◌َّ يده منه،
وقال: ((هذا إنما تفعله الأعاجم بملوكها، إنما أنا رجلٌ منكم، فزن، وأرجح))، وأخذ
رسول اللَّه وَلَه السراويل، قال أبو هريرة رَّه: فذهبت لأحمله عنه، فقال: ((صاحب
الشيء أحقّ بشيئه أن يحمله، إلا أن يكون ضعيفًا يعجز عنه، فيُعينه أخوه المسلم))،
قال: قلت: يا رسول اللّه، وإنك لتلبس السراويل؟ قال: ((نعم، بالليل والنهار، وفي
السفر والحضر، فإني أَمرت بالستر، فلم أجد شيئًا أستر منه)). قال الطبرانيّ: لم يروه
عن أبي هريرة إلا الأغرّ، ولا عنه إلا عبد الرحمن. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث ضعيفٌ؛ لأن يوسف بن زياد، وعبد
الرحمن الإفريقيّ ضعيفان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَفْوَانَ، قَالَ: بِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّ
سَرَاوِيلَ، قَبْلَ الْهِجْرَةِ، فَأَرْجَحَ لِي).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد)): هو ابن جعفر غندر.
زاد في ((الكبرى)) ٣٥/٤- رقم ٦١٨٥- بعد هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبد
الرحمن: وحديث سفيان أشبه بالصواب من حديث شعبة. انتهى. يعني قوله: ((عن
سُويد بن قيس))، أصوب من قول شعبة: ((سمعت أبا صفوان)).
وقال أبو داود في ((سننه)) بعد ما أخرج الحديث من طريق سفيان، عن سماك بن
حرب: ٣/ ٢٤٥- حدثنا حفص بن عمر، ومسلم بن إبراهيم -المعنى قريب- قالا: ثنا
شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي صفوان بن عَمِيرة، قال: أتيت رسول اللَّه وَيه
بمكة، قبل أن يهاجر، بهذا الحديث، ولم يذكر يزن بأجر، وقد رواه قيس -يعني ابن
الربيع - كما قال سفيان، والقول قول سفيان.
(١) راجع ((مجمع البحرين في زوائد المعجمين)) للحافظ الهيثميّ ٧/ ١٥٢- ١٥٣ تحقيق تحقيق
عبد القدوس بن محمد نذير.

=
٢٧
٥٤- (الرُّجْحَانُ فِي الْوَزْنِ) - حديث رقم ٤٥٩٦
حدثنا ابن أبي رزمة (١)، سمعت أبي، يقول: قال رجل لشعبة: خالفك سفيان،
قال: دَمَغْتَني. وبلغني عن يحيى بن معين، قال: كلُّ من خالف سفيان، فالقول قول
سفيان .
حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا وكيع، عن شعبة قال: كان سفيان أحفظ مني.
وقوله: ((القول قول سفيان)): أي القول الأصح، والأوثق هو قول سفيان. وقال
البيهقي في ((السنن الكبرى)) بعد ما ذكر حديث سفيان: وكذا رواه قيس بن الربيع، عن
سماك، وخالفهما شعبة، ثم أخرجه من طريقه، عن سماك، سمعت أبا صفوان، مالك
ابن عَمِيرة الحديث، ثم ذكر البيهقي، عن أبي داود، أنه قال: القول قول سفيان، لكن
أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) من طريق شعبة، عن سماك، سمعت أبا صفوان،
يقول: سمعت من النبي ◌َّر الحديث، ثم قال الحاكم: أبو صفوان كنيته سُوَيد بن
قيس، هما واحد صحابي من الأنصار، والحديث صحيح على شرط مسلم. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه النسائي، وابن ماجه، ووقع في حديث النسائي، وابن
ماجه: سمعت مالكا أبا صفوان، وقال النسائي: حديث سفيان أشبه بالصواب - يعني
الحديث الأول، الذي فيه سُويد بن قيس، وقال أبو داود: والقول قول سفيان.
وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي: أبو صفوان مالك بن عَمِيرة، ويقال: سُويد بن
قيس، باع من النبي ◌َّ، فأرجح له. وقال أبو عمر النمري: أبو صفوان، مالك بن
عميرة، ويقال: سويد بن قيس، وذكر له هذا الحديث، وهذا يدل على أنه عندهما
رجل واحد، كنيته أبو صفوان، واختلف في اسمه. واللَّه عزوجل أعلم. انتهى ((عون
المعبود» ١٨٥/٩-١٨٨.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل مما تقدّم أن المصنّف، وأبا داود رحمهما
الله تعالى رجّحا رواية سفيان الثوريّ على أن الصحابيّ سُويد بن قيس، وليس أبا
صفوان مالك بن عَميرة، كما رواه شعبة؛ وسبب ترجيحهما كون سفيان أحفظ من
شعبة، كما اعترف به هو نفسه، وغيره، وأيضًا تابعه في ذلك قيس بن الربيع، فكانت
روايته أرجح، لكن الظاهر أنه لا خلاف بين الروايتين، كما أشار إليه أبو أحمد الحاكم،
وابن عبد البرّ، بأن كنيته أبو صفوان، واختلف في اسمه، فهو رجل واحد. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٦- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْمُلَائِيّ، عَنْ سُفْيَانَ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
(١) هو محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة اليشكريّ مولاهم، أبو محمد المروزيّ، ثقة من التاسعة،
مات سنة (٢٠٦).

٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَتْظَلَةَ، عَنْ طَاوُسِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْمِكْيَالُ عَلَى مِكْيَالٍ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْوَزَّنُ عَلَىَ
وَزْنِ أَهْلِ مَكََّ)).
وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم)): هو المعروف أبوه
بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٤٨٩/٢٢ من أفراد المصنّف.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى))، و((الكبرى)): ((محمد بن
إبراهيم))، وهو غلط، والصواب ((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم))، كما هو في ((النسخة
الهندية))، وقال في ((تحفة الأشراف)) ٤٣٩/٥: ((ومحمد بن إسماعيل ابن عُليّة)). فتنبّه.
والله تعالى أعلم.
و((إسحاق)): هو ابن راهويه. و((الملائيّ)): بضمّ الميم: هو الفضل بن دُكين، أبو
نعيم الكوفيّ الحافظ الحجة [٩]. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((حنظلة)): هو ابن سُفيان
الجمحيّ المكيّ، الثقة الحجة [٦]. و((طاوس)): هو ابن كيسان الإمام المشهور.
والسند كله رجال الصحيح، غير شيخه الثاني. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((المكيال على أهل المدينة)): أي المكيال الذي يتعلّق به وجوب الكفّارات،
وصدقات الفطر مقدّر بمكيال أهل المدينة؛ لأنهم أصحاب زراعات، فهم أعلم بأحوال
المكاييل .
وقوله: ((والوزن على وزن أهل مكّة)): أي الوزن المعتبر وزن أهل مكة؛ لأنهم أهل
تجارات، فعهدهم بالموازين، وعلمهم بالأوزان أكثر.
قال السندي رحمه الله تعالى في ((شرحه)) ٢٨٤/٧-٢٨٥: قوله: («المكيال على
مكيال أهل المدينة)): أي الصاع الذي يتعلق به وجوب الكفارات، ويجب إخراج صدقة
الفطر به صاع المدينة، وكانت الصيعان مختلفة في البلاد. والمراد بالوزن وزن الذهب
والفضة فقط: أي الوزن المعتبر في باب الزكاة، وزن أهل مكة، وهي الدراهم التي
العشرةُ منها بسبعة مثاقيل، وكانت الدراهم مختلفة الأوزان في البلاد، وكانت دراهم
أهل مكة هي الدراهم المعتبرة في باب الزكاة، فأرشد ◌ّلّ إلى ذلك بهذا الكلام، كما
أرشد إلى بيان الصاع المعتبر في باب الكفارات، وصدقة الفطر بما سبق. انتهى.
وقال في ((شرح السنة)): الحديث فيما يتعلق بالكيل والوزن من حقوق الله تعالى،
كالزكوات، والكفارات ونحوها، حتى لا تجب الزكاة في الدراهم، حتى تبلغ مائتي
/ درهم بوزن مكة، والصاع في صدقة الفطر، صاع أهل المدينة، كُلُّ صاع خمسة أرطال

٢٩
٥٤- (الرُّجْحَانُ فِي الوزْنِ) - حديث رقم ٤٥٩٦
وثلث رطل. كذا في المرقاة.
وقال في ((نيل الأوطار)): والحديث فيه دليل على أنه يُرجع عند الاختلاف في
الكيل، إلى مكيال المدينة، وعند الاختلاف في الوزن إلى ميزان مكة، أما مقدار ميزان
مكة، فقال ابن حزم: بحثت غاية البحث، عن كل من وثقت بتمييزه، فوجدت كلّاً
يقول: إن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة، وثلاثة أعشار حبة، بالحب من
الشعير، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم سبع وخمسون حبة، وستة أعشار
حبة، وعشر عشر حبة، فالرطل مائة وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
والحديث صحيح، وقد تقدّم في ((كتاب الزكاة)) ٢٥٢٠/٤٤ ((كم الصاع؟)) وتقدم
شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.
[تنبيه] : اختلف في هذا الحديث هل هو من مسند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما،
كما هو عند المصنّف، أم هو من مسند ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما:
قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى بعد أن أخرجه عن عثمان بن أبي شيبة، عن
الفضل بن دُكين، عن الثوريّ بسند المصنّف: ما نصّه: وكذا رواه الفريابيّ، وأبو
أحمد، عن سفيان، وافقهما في المتن، وقال أبو أحمد: عن ابن عبّاس، مكان ابن
عمر، ورواه الوليد بن مسلم، عن حنظلة، فقال: ((وزن المدينة، ومكيال مكة)).
انتھی .
قال في ((عون المعبود)): حديث طاوس، عن ابن عمر سكت عنه المؤلف،
والمنذري، وأخرجه أيضا البزار، وصححه ابن حبان، والدارقطني.
(وكذا رواه الفريابي) بكسر الفاء منسوب إلى فرياب، مدينة ببلاد الترك، كذا في ((جامع
الأصول))، هو محمد بن يوسف، ثقة فاضل عابد، من أجلة أصحاب الثوري. (وأبو
أحمد) الزبيري، الكوفي، ثقة (وافقهما) أي وافق فضلُ بنُ دُكين في هذا المتن الفريابي،
وأبا أحمد الزبيري (وقال أبو أحمد: عن ابن عباس) والمعنى: أي رواه فضل بن دكين عن
سفيان الثوري، بلفظ: ((الوزنُ وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة))، وهكذا رواه
محمد ابن يوسف الفريابي، وأبو أحمد الزبيري، عن الثوري، فهؤلاء الثلاثة اتفقوا في
روايتهم عن الثوري، على هذا اللفظ، أما أبو أحمد الزبيري، فجعله من مسند ابن عباس،
وأما فضل ابن دكين، والفريابي فجعلاه من مسند ابن عمر.
قلت: وكذا جعله أبو نعيم، عن الثوري، من حديث ابن عمر، وروايته عند
النسائي.

٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: وكذا جعله أبو نعيم الخ هذا عجيب، من
صاحب ((العون)) فإن أبا نعيم هو فضل بن دُكين الذي في سند أبي داود، فكأنه توهّمه
غيره. سبحان من لايغفل.
قال المحدثون: طريق سفيان الثوري، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر هي
أصح الروايات، وروى الدارقطني من طريق أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن
حنظلة، عن طاوس، عن ابن عباس، ورواه من طريق أبي نعيم، عن الثوري، عن
حنظلة، عن سالم بدل طاوس، عن ابن عباس، قال الدارقطني: أخطأ أبو أحمد فيه.
انتھی .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الروايات رواية أبي نعيم،
والفريابيّ، كلاهما عن الثوريّ، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن عمر
رضي اللَّه تعالى عنهما، بلفظ: ((المكيال مكيال أهل المدينة، والون وزن أهل مكة)).
وأما جعل أبي أحمد الزبيريّ من مسند ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، وكذا رواية
الوليد بلفظ: ((وزن المدينة، ومكيال مكة))، فمنكران. فتنبّه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٥٥- (بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((يُسْتَوْفَى)) بالبناء للمفعول أي يَقْبِضَهُ وافيًا،
يقال: أوفى فلانًا حقّه: أعطاه وافيًا، كوفّاه، ووافاه، فاستوفاه، وتوفّاه. قاله في
((القاموس)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٥٩٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: (مَنِ
ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ٢٠/١٩.
٢- (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩.

٥٥- (بیْعُ الطَّعَام قبل أنْ يُسْتَوْفَى) - حديث رقم ٤٥٩٧
٣١
٣- (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [١٠]٢٠/١٩.
٤- (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧ /٧ .
٥- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢.
٦- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه ابن عمر من العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنِ ابْتَاعَ) أي
اشترى (طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَّهُ) وفي الرواية التالية: ((حتى يقبضه))، وفيها زيادة
معنّى؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع، ولا يُقبضه للمشتري، بل يَحبسه عنده
لينقُده الثمن مثلًا، ويُستفاد منه أنه لو استوفى المبيع المفصول من البائع، وأبقاه في
منزل البائع، لا يكون قبضًا شرعيًا حتى ينقله المشتري إلى مكان لا اختصاص للبائع به،
كما نُقل عن الشافعيّ رحمه الله تعالى. أفاده في ((الفتح)) ٨٣/٥-٨٤.
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قوله: ((حتى يستوفيه))، وقوله: ((حتى
يقبضه)) بمعنى واحد، فإن الاستيفاء هو القبض، كما دلّت عليه الرواية الأخرى،
والقبض في المنقولات يكون بالنقل، والمراد بالنقل تحويله إلى مكان، لا يختصّ
بالبائع، أو يختصّ بالبائع بإذنه. انتهى ((طرح التثريب)) ١٥٥٥/٥.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ولي الدين تَخّْلهُ من أن الاستيفاء
والقبض بمعنى واحد أظهر مما سبق في عبارة ((الفتح)) من الفرق بينهما، فتأمل. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٥٥ / ٤٥٩٧ و ٤٥٩٨ و ٥٦ / ٤٦٠٦ و ٥٧ /٤٦٠٧ و ٤٦٠٨ و ٤٦٠٩

٣٢
=
ـبيـ
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
و ٤٦١٠ - وفي ((الكبرى)) ٦١٨٧/٥٦ و٦١٩٧/٦١٨٨٥٧ و٦١٩٨/٥٨ و٦١٩٩ و٦٢٠٠
و٦٢٠١ . وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٢٤ و٢١٢٦ و٢١٣١ و٢١٣٣ و٢١٣٦ و ٢١٣٧
و٢١٦٦ و٢١٦٧ و((الحدود)) ٦٨٥٢ (م) في ((البيوع)) ١٥٢٦ و١٥٢٧ (د) في ((البيوع))
٣٤٩٢ و٣٤٩٣ و٣٤٩٤ و٣٤٩٥ و٣٤٩٨ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٢٦ و٢٢٢٩ (أحمد) في
(مسند العشرة)) ٣٩٧ و((مسند المكثرين)) ٤٦٢٥ و٤٧٠٢ و٥٢١٣ و٥٢٧٢ و ٤٤٠٣
و٥٤٧٦ و٥٨٢٧ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٣٥ و١٣٣٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في النهي عن بيع الطعام قبل القبض:
اختلفوا في هذه المسألة على سبعة أقوال:
(القول الأول): اختصاص ذلك بالمطعومات، كما هو مقتضى الحديث، فأما غيره،
فيجوز بيعه قبل قبضه، وهذا مذهب مالك، وحَكَى عنه ابن عبد البرّ استثناء أمرين من
المطعوم يجوز بيعهما قبل القبض:
[أحدهما] : الماء، وحكى ابن حزم عنه في الماء روايتين.
[الأمر الثاني] : الطعام المشترى جزافًا، فالمشهور من مذهب مالك جواز بيعه قبل
القبض، وبه قال الأوزاعيّ، ثم قال: ولا أعلم أحدًا تابع مالكًا من جماعة فقهاء الأمصار
على تفرقته بين ما اشتُري جِزافًا من الطعام، وبين ما اشتُري منه كيلاً إلا الأوزاعيّ، فإنه
قال: من اشترى طعامًا جزافًا، فهلك قبل القبض فهو من المشتري، وإن اشتراه مكايلةً،
فهو من البائع، وهو نصّ قول مالك، وقد قال الأوزاعيّ: من اشترى ثمرة لم يجز له
بيعها قبل القبض، وهذا تناقض، ثم استدلّ ابن عبد البرّ لمالك برواية القاسم، عن ابن
عمر أن رسول اللّه وَله: ((نهى أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه))، قال:
فقوله: ((بكيل)) دليل على أن ما خالفه بخلافه.
وتُعُقّب بأن الرويات الآتية في نهي الَّذِين يبتاعون الطعام جزافًا عن بيعه حتى ينقلوه
من مكانه صريحٌ في الرّدّ على من جوّز بيع الطعام قبل قبضه، إذا كان اشتراه جزافًا .
والله تعالى أعلم.
(القول الثاني): اختصاص ذلك بالمطعوم، سواء اشتُري جزافًا، أو مقدّرًا بكيل، أو
وزن، أو غيرهما، وبه قال بعض المالكيّة، وحكاه عن مالك، واختاره أبو بكر الوقار،
وصححه أبو عمرو بن الحاجب، وحكاه ابن عبد البرّ عن أحمد، وأبي ثور، قال: وهو
الصحيح عندي؛ لثبوت الخبر بذلك، عن النبيّ وَّ، وعمل أصحابه، وعليه جمهور أهل
العلم، قال: وحجْتهم عموم قوله ◌ِّ: ((من ابتاع طعامًا))، لم يقل: جزافًا، ولا كيلًا،
بل ثبت عنه فيمن ابتاع طعامًا جزافًا أن لا يبيعه حتى ينقله، ويقبضه، قال: وضعّفوا
الزيادة في قوله: ((طعاما بكيل)).

٣٣
٥٥- (بَيْعُ الطَّعَامِ قَبَلَ أَنْ يُسْتَوْفَى) - حديث رقم ٤٥٩٧
(القول الثالث): اختصاص ذلك بما اشتُري مقدّرًا بكيل، أو وزن، أو ذرع، أو
عدد، سواء كان مطعومًا، أم لا؟ فإن اشتُري بغير تقدير جاز بيعه قبل قبضه، وهذا هو
المشهور عن أحمد، كما قال الشيخ مجد الدين ابن تيميّة في ((المحرّر)»، وقال ابن عبد
البرّ: رُوي عن عثمان بن عفّان، وسعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، والحكم بن
عُتيبة، وحمّاد بن أبي سُليمان، وبه قال إسحاق بن راهويه، ورُوي عن أحمد بن حنبل،
والأول أصحّ عنه. انتهى. والمعتمد في ذلك قول ابن تيميّة، فإنه أعرف بمذهبه. قال
ابن عبد البرّ: وحجتهم أن الطعام المنصوص عليه أصله الكيل، أو الوزن، فكلّ مكيل،
أو موزون، فذلك حکمه.
وتُعُقّب بأن النهي الوارد عن بيع المشترَى جزافًا قبل قبضه يردّ هذا، كما تقدّم بيانه.
وعن أحمد رواية أخرى: أن صبر المكيل والموزون خاصّة كبيعهما كيلاً، ووزنًا.
(القول الرابع): طرد ذلك في جميع الأشياء، المطعوم، وغيره، والمقدّر، وغيره،
فلا يجوز بيعها قبل قبضها، إلا العقار، وبهذا قال أبو حنيفة، وأبو يوسف.
(القول الخامس): منع المبيع قبل القبض مطلقًا، حتى في العقار، وبهذا قال
الشافعيّ، ومحمد بن الحسن، وهو روايةٌ عن أحمد، وحكاه ابن عبد البرّ عن عبد الله
ابن عباس، وجابر بن عبد الله ، وسفيان الثوريّ، وسفيان بن عيينة، ويدلّ لذلك
أن ابن عبّاس رضي اللَّه عنهما، لَمّا روى عن النبيّ وَّ ((أنه نهى عن بيع الطعام حتى
يُستوفَى))، قال: ولا أحسب كلّ شيء إلا مثله، رواه الأئمة الستّة، وهذا لفظ البخاريّ،
ولفظ مسلم: ((وأحسب كلّ شيء مثله))، وفي لفظ: ((وأحسب كلّ شيء بمنزلة
الطعام))، وفي لفظ له: ((حتى يكتاله))، وكذلك قال جابر رَظ ◌ّ أي أن غير الطعام مثله،
قال ابن عبد البرّ: فدلّ على أنهما فَهِما عن النبيّ وَّر المراد والمغزى. وعن حكيم بن
حِزام رَّه قال: قلت: يا رسول اللَّه إني أشتري بيوعًا، فما يحلّ لي منها، وما يحرم؟
قال: ((إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه))، رواه النسائيّ باختلاف في إسناده،
ومتنه، وصححه ابن حزم، وقال ابن عبد البرّ: هذا الإسناد، وإن كان فيه مقالٌ، ففيه
لهذا المذهب استظهار. وروى أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول
اللَّهِ وَرَ: ((لا يحلّ بيعٌ وسلف، ولا بيع ما لم يُضمن، ولا بيع ما ليس عندك))، وهو
حديث صحيح، وعن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، عن النبيّ ◌َّ: ((أنه نهى أن تباع
السِّلَعُ حيث تُشترى حتى يحوزها الذي اشتراها إلى رحله))، رواه الحاكم، وقال:
صحيح على شرط مسلم، لكن فيه عنعنة ابن إسحاق.
فهذه الأحاديث حجة لهذا المذهب، والذي قبله إلا أن صاحب المذهب الذي قبله

== ٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
استثنى من ذلك العقار؛ لانتفاء الغرر فيه، فإن الهلاك فيه نادر بخلاف غيره.
(القول السادس): جواز البيع قبل القبض مطلقًا في كلّ شيء، وبهذا قال عثمان
البتّيّ، قال ابن عبد البرّ: هذا قول مردود بالسنّة، والحجة المجمعة على الطعام فقط،
وأظنّه لم يبلغه الحديث، ومثل هذا لا يُلتفت إليه. وقال النوويّ: وحكاه المازريّ،
والقاضي عياض، ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع
قبل قبضه، قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه، فهو شاذْ متروك. قال وليّ الدين: وحكاه
ابن حزم عن عطاء بن أبي رباح.
(القول السابع): منع البيع قبل القبض في القَمْح مطلقًا، وفي غيره إن ملكه بالشراء
خاصّةً، ويُعتبر أيضًا في القمح خاصَّةً مع القبض، وهو إطلاق اليد عليه، وعدم
الحيلولة بينه وبين أن ينقله عن موضعه الذي هو فيه إلى مكان آخر، فإن اشتراه بكيل لم
يحلّ له بيعه حتى يكتاله، فإذا اكتاله حلّ له بيعه، وإن لم ينقله عن موضعه، وبهذا قال
ابن حزم الظاهريّ، وتمسّك في القمح بحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما: ((أما الذي
نهى رسول اللَّه وَليلأن يُباع حتى يُقبض، فهو الطعام))، وقال: فهذا تخصيص للطعام في
البيع خاصّة، وعموم له بأيّ وجه مُلك، واسم الطعام في اللغة لا يُطلق إلا على القمح
وحده، وإنما يُطلق على غيره بإضافة، وتمسّك في غير القمح بحديث حكيم بن حزام
رَمَّهِ المتقدّم، وقال: هذا عموم لكلّ بيع، ولكلّ ابتياع، والمذكور في حديثي ابن
عمر، وابن عبّاس * بعض ما في حديث حكيم بن حزام رَّه ، فهو أعمّ، ثم
حكى مثل قوله عن ابن عبّاس، وجابر، والحسن، وابن شُبْرُمة . هكذا ذكر هذه
الأقوال في ((طرح التثريب)) ١٥٥٥/٥-١٥٥٨ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال هو القول الخامس، وهو منع
البيع قبل القبض، مطلقًا، حتى في العقار، فهو أرجح؛ لثبوت النصوص بذلك:
(فمنها): ما يأتي للمصنّف رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله
تعالى عنهما، قال: قال رسول اللَّه وَ الر: ((لا يحلّ سلَفٌ، وبيعٌ، ولا شرطان في بيع،
ولا ربح ما لم يُضمَن))، وهو حديث صحيحٌ، فمعنى (ربح ما لم يُضمن)) هو ربح مبيع
اشتراه، فباعه، قبل أن ينتقل من ضمان البائع، وهو يعمّ كل شيء، الطعام، وسائر
المنقولات، وغيرها.
(ومنها): حديث حكيم بن حزام تظنّه الذي أخرجه أحمد في ((مسنده)) بلفظ: ((إذا
اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه))، فهو وإن كان في سند راو مبهم، إلا أنه يشهد له
حديث ابن عمرو هذا.

٣٥
٥٥- (بَيِعُ الطَّعَامِ قَبَلَ أَنْ يُسْتَوْفَى) - حديث رقم ٤٥٩٧
(ومنها): ما أخرجه أبو داود، والحاكم، وابن حبان، وصححاه، من حدیث زید بن
ثابت رَّه بلفظ: ((أن النبيّ وَّلـ نهى أن تباع السِّلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجّار إلى
رحالهم))، فهو وإن كان فيه محمد بن إسحاق، وقد عنعنه، لكنه يشهد له ما تقدّم، فهذه
الأحاديث كما رأيت صالحة للحجيّة، ولا سيّما حديث عبد الله بن عَمْرٍو رضي الله
تعالى عنهما، فإنه بمفرده كاف للحجيّة، وأيضًا قول ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما
فيما يأتي: ((فأحسب أن كل شيء بمنزلة الطعام))، وفي رواية البخاريّ: ((ولا أحسب
كل شيء إلا مثله)).
والحاصل أن أرجح الأقوال هو القول الخامس، وهو مذهب الشافعيّ رحمه الله
تعالى وجماعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التصرّف في المبيع قبل القبض بغير
البيع :
اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال:
(القول الأول): قصر المنع على البيع، وتجويز غيره من التصرّفات قبل القبض، قاله
ابن حزم، قال: والشركة، والتولية، والإقالة كلّها بيوعٌ مبتدأة لا يجوز في شيء منها إلا
ما يجوز في سائر البيوع.
(القول الثاني): أن سائر التصرّفات في المنع قبل القبض كالبيع، قال وليّ الدين:
وهذا هو الذي فهمته من مذهب الحنابلة؛ لإطلاق ابن تيميّة في ((المحرّر)) التصرّف من
غير استثناء شيء منه .
(القول الثالث): طرد المنع في كلّ معاوضة فيها حقّ توفية، من كيل، أو شبهه
بخلاف القرض، والهبة، والصدقة، وهذا مذهب مالك، وأرخص في الإقالة،
والتولية، والشركة مع كونها معاوضات فيها حقّ توفية، قال ابن حزم: واحتجّوا بما
رويناه من طريق عبد الرزّاق، قال ابن جريج: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أن
رسول اللَّه ◌َل﴾ قاله حديثًا مستفيضًا في المدينة: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه،
ويستوفيه، إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله))، وقال مالك: إن أهل العلم اجتمع
رأيهم على أنه لا بأس بالشركة، والإقالة، والتولية في الطعام وغيره - يعني قبل القبض-
قال ابن حزم: ما نعلم رُوي هذا إلا عن ربيعة، وطاوس فقط، وقوله عن الحسن في
التولية، قد جاء عنه خلافها، قال ابن حزم: وخبر ربيعة مرسل، ولو استفاضَ عن أصل
صحيح، لكان الزهريّ أولى بأن يعرف ذلك من ربيعة، والزهريّ مخالف له في ذلك،
قال: التولية بيع في الطعام وغيره، ثم ذكر عن الحسن أنه قال: ليس له أن يولّيه حتى

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
يقبضه، فقيل له: أبرأيك تقوله؟ قال: لا، ولكن أخذناه عن سلفنا، وأصحابنا، قال ابن
حزم: سلف الحسن هم الصحابة، أدرك منهم خمسمائة وأكثر، وأصحابه أكابر
التابعين، فلو أقدم امرؤ على دعوى الإجماع هنا لكان أصحّ من الإجماع الذي ذكره
مالك.
(القول الرابع): المنع من سائر التصرّفات، كالبيع، إلا العتق، والاستيلاد،
والتزويج، والقسمة، هذا حاصل الفتوى في مذهب الشافعيّ، مع الخلاف في أكثر
الصور، وأما الوقف، فقال المتولّي في ((التتمّة)): إن قلنا: إن الوقف يفتقر إلى القبول،
فهو كالبيع، وإلا فهو كالإعتاق، وبه قطع الماورديّ في ((الحاوي))، وقال: يصير
قابضًا، حتى لو لم يرفع البائع يده عنه، صار مضمونًا عليه بالقيمة، فمن قصر المنع
على البيع، اقتصر على مورد النصّ، ومن عدّاه إلى غيره، فبالقياس، وذلك متوقّفٌ
على فهم العلّة في ذلك، ووجودها في الفرع المقيس، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح القول الأول، وهو قصر النهي على
البيع فقط؛ عملًا بظواهر النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في بيع ما مُلك بغير البيع قبل القبض:
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: والذي في الحديث المنع فيما مُلك بالبيع،
وهو ساكت عما مُلك بغيره، وللعلماء في ذلك خلاف أيضًا:
قال الشافعيّة: يلتحق بالمملوك بالبيع ما كان في معناه، وهو ما كان مضمونا على من
هو في يده بعقد معاوضة، كالأجرة، والعوض المصالح عليه عن المال، وكذا
الصداق؛ بناءً على أنه مضمون على الزوج ضمان عقد، وهو الأظهر، أما ما ليس
مضمونًا على من هو تحت يده، كالوديعة، والإرث، أو مضمونًا ضمان يد، وهو
المضمون بالقيمة، كالمستام، ونحوه، فيجوز بيعه قبل القبض؛ لتمام الملك فيه.
ومذهب أحمد نحوه، قال ابن تيميّة في ((المحرّر)): وكلّ عين مُلكت بنكاح، أو خُلع،
أو صلح عن دم عمدًا، أو عتق، فهي كالبيع في ذلك كله، لكن يجب بتلفها مثلها، إن
كانت مثليّة، وإلا فقيمتها، ولا فسخ لعقدها بحال، فأما ما ملك بإرث، أو وصيّة من
مكيل، أو غيره، فالتصرّف فيه قبل قبضه جائزٌ. وفرّق ابن حزم في ذلك بين القمح
وغيره، فقال في القمح: إنه بأيّ وجه ملكه لا يحلّ له بيعه قبل قبضه، وقال في غيره:
متى ملكه بغير البيع فله بيعه قبل قبضه. انتهى ((طرح التثريب)) ١٥٥٩/٥.
وقال الموفّق رحمه الله تعالى: وكل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض، لم

=
٣٧
٥٥- (بَيْعُ الطَّعَامِ قَبَلَ أَنْ يُسْتَوْفَى) - حديث رقم ٤٥٩٧
يجز التصرف فيه قبل قبضه، كالذي ذكرنا، والأجرة، وبدل الصلح، إذا كانا من
المكيل، أو الموزون، أو المعدود، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه، جاز التصرف فيه قبل
قبضه، كعوض الخلع، والعتق على مال، وبدل الصلح عن دم العمد، وأرش الجناية،
وقيمة المتلف؛ لأن الْمُطْلِقِ للتصرف الملكُ، وقد وُجد، لكن ما يتوهم فيه غررُ
الانفساخ بهلاك المعقود عليه، لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزا من الغرر، وما لا يتوهم
فيه ذلكَ الغرر انتفى المانع، فجاز العقد عليه، وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك عند
القاضي، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه، وقال الشافعي: لا يجوز
التصرف فيه قبل قبضه، ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين؛ لأنه يخشى رجوعه
بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول، أو انفساخه بسبب من جهة المرأة، أو نصفه
بالطلاق، أو انفساخه بسبب من غير جهتها، وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع،
وهذا التعليل باطل بما بعد القبض، فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول.
وأما ما مُلك بإرث، أو وصية، أو غنيمة، وتعين ملكه فيه، فإنه يجوز له التصرف فيه
بالبيع وغيره قبل قبضه؛ لأنه غير مضمون بعقد معاوضة، فهو كالمبيع المقبوض، وهذا
مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، وإن كان الإنسان في يد
غيره وديعة، أو عارية، أو مضاربة، أو جعله وكيلا فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن
غيره؛ لأنه عين مال مقدور على تسليمها، لا يخشى انفساخ الملك فيها، فجاز بيعها
كالتي في يده ، وإن كان غصبا جاز بيعه ممن هو في يده؛ لأنه مقبوض معه فأشبه بيع
العارية ممن هي في يده، وأما بيعه لغيره فإن كان عاجزا عن استنقاذه، أو ظن أنه
عاجزلم يصح شراؤه له؛ لأنه معجوز عن تسليمه إليه، فأشبه بيع الآبق والشارد، وإن
ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في يده صح البيع؛ لإمكان قبضه، فإن عجز عن
استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء؛ لأن العقد صح؛ لكونه مظنون القدرة على
قبضه، ويثبت له الفسخ للعجز عن القبض، فأشبه ما لو باعه فرسا، فشردت قبل
تسليمها، أو غائبا بالصفة، فعجز عن تسليمه. انتهى («المغني)) ١٩١/٦-١٩٢. وهو
بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في تفسير القبض :
قال الموفّق رحمه الله تعالى: وقبض كل شيء بحسبه، فإن كان مکیلا أو موزونا،
بيع كيلا أو وزنا، فقبضه بكيله ووزنه، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: التخليةُ في
ذلك قبض، وقد روى أبو الخطاب، عن أحمد رواية أخرى: أن القبض في كل شيء
بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خَلَّى بينه وبين المبيع من غير حائل، فكان قبضا له كالعقار.

= ٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
ولنا ما رَوَى أبو هريرة رَّه: أن رسول اللَّهِ وَ لَه قال: ((إذا بعت فكِلْ، وإذا ابتعت
فاكتل))، رواه البخاري، وعن النبي وَلير: ((أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه
الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري))، رواه ابن ماجه(١)، وهذا فيما بيع كيلا، وإن
بيع جزافا فقبضه نقله، لأن ابن عمر قال: ((كانوا يُضرَبون على عهد رسول اللّه وَّ، إذا
اشتروا طعاما جزافا، أن يبيعوه في مكانه، حتى يحولوه))، وفي لفظ: ((كنا نبتاع الطعام
جِزافا، فُبُعِثَ علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه، الذي ابتعناه إلى مكان سواه، قبل أن
نبيعه))، وفي لفظ: ((كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول اللّه وَ لّر أن نبيعه
حتى ننقله))، رواهن مسلم. وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل، وقد دل
على ذلك أيضا قول النبي وَالر: ((إذا سميت الكيل فكل))(٢)، رواه الأثرم.
وإن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضها باليد، وإن كان ثيابا باليد فقبضها نقلها،
وإن كان حيوانا فقبضه تمشيته من مكانه، وإن كان مما لا يُنقل ويحول، فقبضه التخلية
بينه وبين مشتريه، لا حائل دونه، وقد ذكره الْخِرَقي في ((باب الرهن)» فقال: إن كان مما
ينقل فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولا، وإن كان لا ينقل فقبضه تخلية راهنه بينه وبين
مرتهنه، لا حائل دونه، ولأن القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف،
كالإحراز، والتفرق، والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا. انتهى ((المغني)) ١٧٦/٦ -
١٨٨. وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في بيان مَن عليه أجرة الكيل، والوزن:
قال الموفّق رحمه الله تعالى: وأجرة الكيال والوزان، في المكيل والموزون على
البائع ؛ لأن عليه تقبيضَ المبيع للمشتري، والقبض لا يحصل إلا بذلك، فكان على
البائع، كما أن على بائع الثمرة سقيَهَا، وكذلك أجرة الذي يَعُدّ المعدودات، وأما نقل
المنقولات وما أشبهه، فهو على المشتري؛ لأنه لا يتعلق به حق توفية، نص عليه أحمد
رحمه الله تعالى.
قال: ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده، باختيار البائع، وبغير اختياره؛ لأنه ليس
للبائع حبس المبيع على قبض الثمن، ولأن التسليم من مقتضيات العقد، فمتى وُجد
بعده وقع موقعه كقبض الثمن. انتهى («المغني)) ١٨٨/٦. والله تعالى أعلم بالصواب،
(١) رواه ابن ماجه في ((سننه)) ٢/ ٧٥٠ وفي إسناده محمد بن أبي ليلى، سيء الحفظ، وحسن الحديث
بعضهم .
(٢) رواه ابن ماجه في ((سننه)) ٢/ ٧٥٠ وفي سنده عبد الله بن لهيعة، لكنه من رواية عبد الله بن يزيد
المقرىء، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، ولذلك صحح الحديث بعض المحدّثين.

٥٥- (بَيِعُ الطَّعَامِ قَبَلَ أَنْ يُسْتَوْفَى) - حديث رقم ٤٥٩٩
٣٩
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ، قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَامَا، فَلَا يَبِعْهُ
حَتَّى يَقْبِضَهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث متّفقٌ عليه، وسبق تمام البحث فيه في الحديث
الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٩٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: (مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلاَ يَبِيعُهُ حَتَّى
يَكْتَالَهُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أحمد بن حرب)): هو الطائيّ الموصليّ، صدوق
[١٠] ١٣٥/١٠٢ من أفراد المصنّف.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) ((محمد بن حرب)) بدل ((أحمد بن حرب))،
والصواب ((أحمد بن حرب))، وهو الذي وقع في ((الكبرى)) ٣٦/٤ رقم (٦١٨٩)،
و(تحفة الأشراف)) ١١/٥ . والله تعالى أعلم.
و((قاسم)): هو ابن يزيد الْجَزْميّ، أبو يزيد الموصليّ، ثقة عابد [٩] ١٣٥/١٠٢ من
أفراد المصنّف أيضًا. والباقون كلهم رجال الصحيح. و(سفيان)): هو الثوريّ. و((ابن
طاوس)): هو عبد الله.
وقوله: ((حتى يكتاله)): كناية عن القبض، أو لكون القبض عادةً بالكيل، فهو في
معنى الرواية الآتية: ((حتى يقبضه))، وتمام شرح الحديث سبق في حديث ابن عمر
رضي اللَّه تعالى عنهما، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٥٩٩/٥٥ و٤٦٠٠ و٤٦٠١ و٤٦٠٢ - وفي ((الكبرى)) ٦١٨٩/٥٦
و٦١٩٠ و٦١٩١ و٦١٩٢ و٦١٩٣. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٣٢ (م) في ((البيوع))
١٥٢٥ (د) في (البيوع)) ٣٤٩٦ و٣٤٩٧ (ت) في ((البيوع)) ١٢٩١ (ق) في ((التجارات))
٢٢٢٧ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٥٨٠، وبقيّة المسائل المتعلّقة بالحديث قد
تقدّمت في شرح حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فلتُراجَع هناك. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
٤٦٠٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرو،
عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيَّ نَّهَ بِمِثْلِهِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ: ((حَتَّى يَقِْضَهُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
و((إسحاق بن منصور)): هو الْكَوْسج. و((عبدالرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)):
هو الثوريّ. و((عمرو)): هو ابن دينار.
وقوله: ((بمثله، والذي قبله)): أي إن لفظ حديث عمرو بن دينار عن طاوس، بمثل
لفظ رواية ابن طاوس، عن أبيه، وأيضًا بمثل لفظ الحديث الذي قبله، وهو حديث ابن
عمر، فإن كلا اللفظين واحد: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه)). وقوله: ((حتى يقبضه)) يعني
آخر رواية عمرو بلفظ ((حتى يقبضه))، بخلاف رواية ابن طاوس، فإنها بلفظ: ((حتى
يكتاله))، وقد سبق أن معنى الروايتين واحد.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٦٠١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنٍ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: (أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ وََّ، أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُسْتَوْفَى الطَّعَامُ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
و((سفيان)): هو ابن عيينة.
وقوله: ((أما الذي نهى عنه رسول اللَّه وَلإر الخ))، وفي رواية البخاريّ عن عليّ بن
المدينيّ، قال: حدثنا سفيان، قال: الذي حفظناه من عمرو بن دينار، سمع طاوسًا
يقول: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ((أما الذي نهى عنه النبيّ ◌َّ، فهو
الطعام أن يباع حتى يُقبض)) الحديث.
قال في ((الفتح)) ٨٢/٥-٨٣: وقوله: ((الذي حفظناه من عمرو)): كأن سفيان يشير
إلى أن في رواية غير عمرو بن دينار، عن طاوس، زيادة على ما حدثهم به عمرو بن
دينار عنه، كسؤال طاوس من ابن عباس عن سبب النهي وجوابه، وغير ذلك.
وقوله: ((عن ابن عباس أما الذي نهى عنه الخ)): أي وأما الذي لم أحفظ نهيه فما
سوی ذلك .
وقوله: ((فهو الطعام أن يباع حتى يقبض))، في رواية مسعر، عن عبد الملك بن
ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس: ((من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه))، قال