Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ ٤١- (بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، مُتُقَاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٦٠ والموزون بالموزون، والمطعوم بالمطعوم عند من يُعلل به، فإنه يحرم بيع أحدهما بالآخر نساء بغير خلاف نعلمه، وذلك قوله عليه السلام: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم؟ يدا بيد))، وفي لفظ: ((لا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضةُ أكثرهما يدا بيد، وأما نسيئة فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير، والشعيرُ أكثرهما يدا بيد، وأما النسيئة فلا))، رواه داود، إلا أن يكون أحد العوضين ثمنا، والآخر مثمنا، فإنه يجوز النساء بينهما بغير خلاف؛ لأن الشرع أرخص في السلم، والأصل في رأس المال الدراهم والدنانير، فلو حرم النساء ههنا لا نسد باب السلم في الموزونات في الغالب. فأما إن اختلفت علتهما كالمكيل بالموزون، مثل بيع اللحم بالبر ففيهما روايتان: [إحداهما] : يحرم النساء فيهما، وهو الذي ذكره الْخِرَقي ههنا؛ لأنهما مالان من أموال الربا، فحرم النساء فيهما، كالمكيل بالمكيل. [والثانية] : يجوز النساء فيهما، وهو قول النخعي؛ لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي علة ربا الفضل، فجاز النساء فيهما، كالثياب بالحيوان. انتهى ((المغني) ٦/ ٦١-٦٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في البحث عن مسائل عصريّة، ابتُلي بها المسلمون في هذه الأعصار المتأخرة، ينبغي أن أتكلّم فيها لمسيس الحاجة إليها، وهي أنواع، نلخّص ما تيسّر منها، وهي مما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسّام حفظه الله تعالى في كتابه ((الاختيارات الجلية)) التي كتبها في هامش كتابه ((نيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب))، فقد لخّصها، وأحسن في ذلك: (فمنها): حكم الآمر بالشراء، وهو أن يتقدّم شخص إلى بنك أو غيره، فيطلب منه شراء سلعة معيّنة، أو سلعة موصوفة؛ ليشتريها البنك لنفسه، ثم يبيعها على الآمر بالشراء بثمن مؤجّل زائد على الثمن الذي اشتراها به، فهذه الصورة إن كان شراء الأول شراء صحيحًا بمعنى أن السلعة دخلت في ملكه، وتحمّل مسؤوليّة الشراء، وتبعات الملك، من تلف، أو خسارة إن قُدّر ذلك، وإن الآمر بالشراء لو عدل عن وعده بالشراء، للزمت المشتري الأول، فهذا بيع صحيحٌ في العقد الأول، وفي العقد الثاني. وأما إن كان الشراء الأول صوريّا فقط، فالمشتري الأول لم يشتر حقيقة، وإنما سلّم ثمن السلعة حاضرةً؛ ليربَح الزيادة المقابلة للأجل، فهذا ليس بيعًا، وإنما هو قرض جرّ نفعًا، وهو محرّم بالإجماع. (ومنها): خيار الشرط الممنوع، وصورته أن يكون لرجل على آخر دينٌ، لا يستطيع وفاءه إلا ببيع عقاره الذي لا يرغب في بيعه حقيقةً، والدائن يريد استيفاء دينه، فيعمِد 1 ٣٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع الدائن والمدين إلى بيع صوريّ، فيه خيار شرط صوريّ أيضًا، وذلك بأن يبيع المدين عقاره على الدائن، ويجعلان خيار شرط في البيع إلى أجل، فيقبض المشتري المبيع، وينتفع به بسكن، أو استثمار، ويتجمّد الدين مدّة الخيار، فهذا البيع، والخيار فيه ما هو إلا ربا الجاهلية، وهذا يسمّيه الحنفيّة بيع الوفاء، ويجيزونه . ولذا فإن المشتري لا يتحقّق غالبًا عن حال البيع، وإنما تحقّقه من أن قيمته لو بيع لغطّت الدين الذي على البائع، والمشتري قد يبيعه هذا البيع بنصف ثمنه؛ لعلمه أنه ليس بيعًا حقيقةً. (ومنها): ودائع البنوك: الودائع البنكية قسمان: [أحدهما] : ودائع بلا فائدة، وحالّة غير مؤجّلة، فهي طلب المودع - بكسر الدال- وهذا ما يُسمّى بالحساب الجاري، فالبنك ملزم بالسداد الفوريّ عند طلب صاحب النقود، فهذا في حقيقته عقد قرض، لا وديعة بمعناها الفقهيّ، وليس هو القرض الحسن، وإنما هو قرض مباح. فالغرض منه لصاحب المال حفظ نقوده بمؤسّسة أمينة، والسحب منه على طريقة منتظمة منضبطة. وغرض البنك من قبضه هو استثمار هذه الودائع لصالحه، وهذه صورة مباحة، لا محذور فيها، إلا أنه ينبغي للمودع إذا وجد مصرفًا لا يتعاطى المعاملات الربويّة أن يؤثره بهذا القرض، ليُعينه على أعماله، ويشجعه على نهجه، وإن لم يجد إلا بنكًا ربويّا أودع عنده للحاجة. [الثاني] : ودائع مؤجّلة بفائدة، وذلك بأن يضع صاحب النقود نقوده عند البنك بفائدة يتلقّاها مقابل استثمار البنك نقوده مدة معلومة، قد حدّد البنك حسب نظامه مدتها، وقدر الفائدة المقابلة لأجلها، فهذه الفوائد هي عين الربا، وقد حرّمها علماء العصر، كما حرّمها أعضاء المجامع الفقهية التي منها: ١ - مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة. ٢- مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية. ٣- مجلس المجمع الفقهي التابع لمؤتمر المنظّمة الإسلامية. ٤- مجلس المجمع الفقهيّ التابع لرابطة العالم الإسلاميّ. (ومنها): قروض البنوك: صورتها أن يقرض المصرف، أو غيره شخصًا محتاجًا للقرض بفائدة محدّدة معلومة، ويخضع المقترض لنظام المصرف من حيث مدّة أجل القرض، ومن قدر الفائدة الذي يقدّرها المصرف. والقرض نوعان: [أحدهما]: القرض الاستهلاكيّ، ومعناه أن غرض المقترض هو سداد حاجته بهذا القرض لبناء مسكن، أو مهر زواج، أو شراء ما هو من ضروراته، أو ٣٤٣ ٤١ - (بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، مُتَفَاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٦٠ حاجته . [الثاني]: القرض الاستثماريّ، ومعناه أن يقصد المقترض استثمار نقود القرض في مشروع إنتاجيّ استثماريّ. وفي كلا الحالين يأخذ المصرف من المقترض فوائد مقابل أجل الدين، وبقاء النقود عند المقترض للاستفادة منها استهلاكًا، أو إنتاجًا . والمجامع الفقهية، والمحقّقون من فقهاء العصر اعتبروا هذه الفوائد فوائد ربويّة في كلا القرضين محرّمة، وأن هذه صفقة جمعت بين ربا الفضل من حيث زيادة أحد العوضين عن الآخر، وربا النسيئة من حيث تأجيل الوفاء. وهذا هو القول المعتبر شرعًا الصحيح دليلًا وتعليلًا. وحصل وَهمّ لأفراد من كتّاب العصر، فقالوا: إن التحريم هو في الفوائد المأخوذة من المقترضين المستهلكين المحتاجين لهذا الغرض، أما المستقرضون للاستثمار فجائزٌ أخذ الفائدة منهم؛ لأنهم مستفيدون، منتجون لهذ القرض. وهذا قولٌ مردود، رفضه العلماء، وردّوا عليه، واعتبروه من الأغلاط على الشرع، وأنه معارض لعموم النصوص التي حرّمت الربا بجميع أنواعه، وأشكاله، وصوره. (ومنها): دفتر التوفير : هذا النوع من أعمال البنوك يشبه ((الحساب الجاري)) من حيث عدم التقيّد بمدّة معيّنة للسحب من الرصيد، غير أنه يخضع لقيود لا يخضع لها الحساب الجاري، فنسبة السحب من دفاتر التوفير أقلّ من الحساب الجاري، ولذلك تستخدم البنوك من أرصدة هذه الدفاتير نسبة أكثر من الحسابات الجارية، وتدفع فوائد على هذه الأرصدة بشروط معيّنة. ومعنى هذا أن البنك تنتقل إليه ملكيّة الأرصدة، يتصرّف فيها، ويستفيد منها في عمليّات الإقراض، وفي مشروعاته المختلفة، ويتعهّد بردّ المثل للمودِعين - المقرضين- والمصرف ضامنٌ في جميع الحالات، وهذا في حقيقته عقد قرض، ثم تأتي الفوائد، وهي النسبة الزائدة على القرض مقابل الزمن الذي يستغرقه هذا القرض. وهذا هو الربا المحرّم. (ومنها): خصم الأرواق التجاريّة : الأوراق التجاريّة تتضمن التزامًا بدفع مبلغ من النقود، وتقبل التداول بطريق التظهير، ويقبلها العرف التجاريّ. ويُقصد بالخصم دفع البنك قيمة الورقة قبل ميعاد استحقاقها بعد خصم مبلغ معيّن بفائدة عن المدّة التي بين تاريخ الوفاء، وتاريخ ميعاد الاستحقاق، وبهذا يُعلم أن هذا الخصم عمليّة ربويّة . (ومنها): السندات: صورة من صور عقد القرض، وذلك حينما يحتاج البنك مثلًا : ٣٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ إلى مبلغ مائة مليون ريال، فيُصدر عشرة آلاف سند، قيمة كلّ سند مائة ألف ريال، ويُحدّد لها فائدة، فيصبح البنك بهذا السند مدينًا بقيمة السند، والزيادة الربويّة، أما مشتري هذا السند فهو الدائن، فهذه من الصور الممنوعة. (ومنها): الأسهم: السهم جزء من الشركة المساهمة، والمساهم فيها يملك أجزاء من الشركة بقدر أسهمه، والشركاء يشتركون في الْغُنْمِ والْغُزْم، كلّ بقدر ما يملك، والمساهم تارة يملك الأسهم من أجل استثمارها، وتارة يتّخذها للتجارة، فيبيع فيها ويشتري. والأسهم تكون حلالًا إذا أُسّست الشركة لأعمال مباحة، وتكون حرامًا إذا أسست لأعمال محرّمة، كتعاطيها الأعمال الربويّة، أو تكون شركة خمور، وغير ذلك. (ومنها): شهادة الاستثمار: هي شهادة يُصدرها البنك لمدّة مؤجّلة محدّدة، فيشتريها الراغب فيها، وفوائدها مختلفة كثرةً وقلّةً، حسب طول المدّة وقصرها، والبنك يستلم ثمن الشهادة، فيستثمرها لمصلحته الخاصّة، أما استثمار مشتري الشهادة فهو الزيادة الربويّة التي يأخذها مقابل بقاء نقوده عند البنك، يستثمرها لمصلحته الخاصّة. وإذا تأملنا هذه الشهادة وجدناها لا تخرج عن كونها عقد قرض بفائدة، فهي الربا المحرّم. وذلك لأنه لا يمكن تخريج النقود على أنها مؤجّرة عند البنك، ولا على أنها وديعة تحفظ بعينها عنده، أما إذا كانت شهادة الاستثمار صادرة من مصرف إسلاميّ، فشهادة الاستثمار تعني وحدة استثمار، يقوم باستثمارها المصرف الإسلاميّ لصالح مالك هذه الوحدة على سبيل المضاربة، فهذه جائزة. (ومنها): الحساب الجاري : الحساب الجاري يُعتبر وديعةً تحت الطلب، فمن حقّ صاحبه أن يأخذ رصيده كلّه، أو جزءًا منه متى شاء، فإن البنك ملتزم بالسداد الفوريّ متى طلب المودع، وتسميته وديعةً اصطلاحٌ بنكيّ عرفيّ، وإلا فهو في حقيقة الأمر قرضٌ، وذلك أنه يختلف في أحكامه عن الوديعة، كما عزّفها الفقهاء، ويختلفان بأمور، منها: ١ - أن المودّع - بفتح الدال- لا يجوز له الانتفاع بالوديعة، واستعمالها، وهذا البنك يتصرّف بالنقود التي وُضعت عنده. ٢- إذا تلفت الوديعة بدون تعدّ، ولا تفريط من المودّع - بفتح الدال - لم يضمن، أما البنك لو حصل عليه كارثة أتلفت موجوداته، ولو بلا تفريط، فإنه ضامنٌ لما وضعه الناس عنده. ٣- ملكيّة النقود انتقلت إلى البنك، بخلاف الوديعة، فملكيتها باقية بعينها لصاحبها . (ومنها): السحب على المكشوف: معنى السحب على المكشوف أن البنك يسمح أحيانًا لبعض عملائه أن يكتبوا ٣٤٥ = ٤١- (بَيْعُ التَّمْرِ بِالثَّمْرِ، متفاَضِلاً) - حديث رقم ٤٥٦٠ شيكات يسحبون بموجبها أكثر مما لهم من رصيد في البنك، والبنك يصرف الشيك؛ لأنه يثق في عميله ثقة تامةً، أو لأن عنده ضمانات أُخر للسداد، والبنك يقيّد عليه المبلغ الذي سحبه، ويقيّد عليه زيادة هي الفائدة الربوية، فالساحب أخذ من البنك قرضًا ربويًا، وهذا ما أجمع علماء المسلمين على تحريمه؛ لأنه من الربا. والحلّ لهذه المعاملة المحرّمة، وأمثالها هو تطبيق الشريعة الإسلاميّة في معاملاتنا كما نطبقها في عباداتنا. والله تعالى ولي التوفيق. البديل الإسلاميّ من أعمال الربا: الحلال بيّن، والحرام بين، ولكن المشكل هو في الأمور المشبهة التي لا يعلمها كثير من الناس، فمن الحلال البيّن البيع، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ومن الحرام البيّن الربا، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الْرِّيَوْ﴾، أما الأمور المشكلة المشبهة، فعلى علماء المسلمين أن يدرسوها دراسة دقيقة عميقة وافيةً، فإذا اتّضح جانب الحلال أخذوا به، وإذا اتضح جانب الحرام اجتنبوه. أما إذا أظلمت الأمور، واشتبهت، ولم تتضح، فعلينا أن نستبرىء لديننا وعرضنا، ولا نحوم حول الحمى، فنقع فيه، وحمى الله تعالى محارمه، والواجب على المسلمين أن يكون لهم شخصيّة مستقلّة في دينهم، ولا يكونوا إمّعةً لأنظمة بنوك، أنشأتها أفكار يهوديّة، ولا يهمها من الأعمال إلا جمع المال بأيّ طريق كان، وبأيّ وسيلة توصّل بها، وإنما واجب المسلمين من علماء، ورجال الاقتصاد أن يُخضعوا البنوك لاقتصاد إسلاميّ مستقلّ متميّز، والبديل الإسلاميّ ليس نظريّة من النظريّات، وإنما هو حقيقة ثابتة مدركة، فالإسلام عاش أزهى عصور اقتصاده قرونا طويلة، بلغت شعوبه من الثروة الطائلة، والرفاهية والرخاء ما لم تبلغه دولة من الدول القديمة والجديدة، وها هي التجربة الثابتة في دولة باكستان التي أعلنت منع التعامل بنظام الفائدة الربويّة في جميع البنوك، فأصبحت تجربة ناجحة رائدة. وإن من البدائل التي يقدّمها الإسلام المعاملاتِ الآتية: ١ - باب السلم الذي فتحه الإسلام في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُمُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقال الَّ: ((من أسلف في شيء، فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))، فبالسلم يستفيد البائع بتعجيل الثمن للقيام بلوازمه، ويستفيد المشتري لشرائه السلعة برخص. ٢- بيع السلع بالتقسيط بآجال معلومة، وأقساط معلومة، فيستفيد البائع بزيادة الثمن في سلعته، ويستفيد المشتري بدفع الثمن بأقساط ميسّرة. ٣٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ٣- مشاركة البنك المستفيد المستثمر في نشاطه الاقتصاديّ، فالبنك يمون المستثمر، ويقدّم له الخبرة، والتوجيه في مشروعه التجاريّ، أو الزراعيّ، أو الصناعيّ، والمستفيد يقوم بالعمل والجهد، ويكون رأس المال للبنك، أما الربح فهو بينهما على ما شرطاه. ٤- إن من عنده مالٌ، فإنه يوظّف ماله في البنك على أساس الشركة مما يحصل من الربح في استثمار البنك له استثمارًا شرعيًا، أو أن البنك يكون وكيلًا باستثمار المال، أما الربح الذي يحصل من استثمار البنك له، فكلّه لصاحب رأس المال. ٥- شركة المضاربة يكون من أحد الرجلين تقديم رأس المال، ويكون من الآخر العمل، فيعمل المضارب في المال، ويكون رأس المال لصاحبه، وأما الربح فهو شركة بينهما على حسب ما اتّفقا عليه. ٦ - يقوم البنك بمساعدة التجّار على توريد السلع، وذلك عن طريق فتح الاعتماد، فإن كان للعميل رصيد يغطّ ثمن السلعة كلّها، فالبنك في هذه الحال وسيط بأجر على وساطته فيما بين العميل والمصدر، وإن لم يكن للعميل رصيد يغطّي الثمن، فالمصرف يكون شريكًا في هذه الصفقة، ويتمّ بيع البضاعة لحساب الشريكين. وهناك طرقٌ شرعيّة أخرى، يكون فيها الكفاية والبديل عن الربا الذي قال اللّه تعالى عنه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرَبَوَا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، وقال: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٩]، فالذي يجب على المسلمين الابتعاد عنه، وأن يُخضعوا معاملاتهم للأحكام الشرعية، فإن الدين عند الله الإسلام، والإسلام ليس فقط عبادات، وإنما عادات، ومعاملات، وعبادات، فكلها جميعًا لا بدّ أن تكون خاضعة لأحكامه، ونظامه، والله تعالى وليّ التوفيق. (اعلم): أن الأصل في المعاملات الإباحة، وأنه لا يحرم منها إلا ما حرّمه الله سبحانه وتعالى ورسوله بَّر، وأن من اذعى تحريم تعامل، أو عقد، فعليه إقامة الدليل على حكم التحريم. وهذه القاعدة مبنية على نصوص كثيرة من الكتاب والسنّة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وكقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ،﴾ الآية [الملك: ١٥]، والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة، ولكن هناك مسائل فيها إشكالٌ، ويكثر السؤال عنها، أحببنا إيضاحها لمن يُشكل عليه حقيقتها، فمن تلك المشكلات أربع صور من المعاملات نذكرها، ونبین حکمھا: ٣٤٧ ٤١- (بَيْعُ الثَّمْرِ بِالتَّمْرِ، مُتُقَاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٦٠ [الأولى]: مسألة التورّق، والتوزّق هو أن يشتري الإنسان السلعة بثمن مؤجّل، لا لذات السلعة، وإنما ليبيعها على غير بائعها عليه، وينتفع بثمنها، والراجح من قولي العلماء جوازها؛ لأن الأصل في الشرع حلّ جميع المعاملات، وأنه لا يحرم منها إلا ما قام الدليل على تحريمه، وأنه لا يُعلم حجة شرعية تمنع من هذه المعاملة، بل عموم الحديث المتفق عليه، من حديث أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة رضي اللّه تعالى عنهما: أن رسول اللَّه ◌َّر استعمل رجلًا على خيبر الحديث الذي تقدّم للنسائيّ في أول هذا الباب أقوى حجة على صحّته. [الثانية] : البيع بالتقسيط، وهذا البيع من البيوع المنتشرة في عصرنا انتشارًا كبيرًا، وكثر التعامل به، واحتاج الناس إليه في شراء مراكبهم، وتأثيث منازلهم، والحصول على حاجاتهم، وضروراتهم، وصفته أن يشتري السلعة من التاجر بثمن مؤجّل مقسّط، زائد على ثمنها لو عُجّل حال الشراء، فيستفيد الطرفان - البائع والمشتري- فالبائع يستفيد الربح من الزيادة في الثمن، والمشتري يستفيد تسهيل دفع الثمن عليه أقساطًا معلومة الأجل والمقدار، فشرط حلّها العلم بالآجال، والعلم بقدر القسط الذي يحل في كل وقت، وهو بيع جائز، لا شبهة فيه، داخل تحت قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُوَاْ إِذَا تَذَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. [الثالثة] : السُّفْتَجَة : وهي أن يكتب الإنسان لمن دفع إليه مالًا على سبيل التمليك لكي يقبض بدلاً عنه في بلد آخر معيّن، والقصد منها تفادي أخطار الطريق بنقل المال عينًا، وفي هذه الطريقة مصلحة مشتركة للطرفين، وقد اختلف العلماء في حكمها، فمنعها الحنفيّة، والشافعيّة؛ لأنها عندهم من القرض الذي جرّ نفعًا، وأجازها الحنابلة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ لأنهم يرونها حوالةً، والمنفعة الحاصلة منها لا تخصّ المقرض، بل ينتفع بها الطرفان، والأصل في المعاملات الحلّ، ولا يوجد محذور شرعيّ يمنع منها، وهي مما اضطرّ الناس إليها في هذا العصر، والأخذ باليسر، من مقاصد الشريعة. وكان عبد الله بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما في مكة، وأخوه مصعب في العراق، فكان الرجل يسلّم نقوده عبد اللَّه، فيرسل معه ورقةً إلى مصعب، فيسلّم الرجل مثل نقوده، ولم ينكر ذلك عليهما من عاصرهما من الصحابة [الرابعة] : تحويلات البنوك، وصورته أن يستلم البنك نقود الرجل في بلد، ويُعطيه بها شيكًا ليستلمها في بلد آخر، وقد يكون التحويل من بنك لآخر في بلد واحد، وفائدة ذلك إذا كان التحويل بين بلدين أنه مخرج حينما تمنع دولة البلد المحال إليها دخول == ٣٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع النقود إليها، أو تمنع الدولة المحال خروج النقود منها، أو يكون في نقلها خطر، وهي شبيهة بالسفتجة، إلا أن بينهما ثلاثةَ فروق(١): الأول: أن السفتجة لا بدّ أن تكون بين بلدين، وأما التحويل البنكيّ، فتارة يكون كذلك، وتارة يكون بين بنكين في بلد واحد. [الثاني] : أن في السفتجة اتحاد جنس النقد المدفوع عند العقد، والمؤدى عند الوفاء، وأما التحويل المصرفيّ، فلا يقتصر على هذا، فإن المصرف في أغلب الأحيان يأخذ النقود من جنس، ويكتب المصرف من جنس آخر، وهذه ليست قرضًا محضًا. [الثالث] : أن السفتجة لا يؤخذ عليها أجر، أما المصرف فيتقاضى أجرًا يُسمّى عمولةً، والحنابلة، وشيخ الإسلام أجازوا السفتجة، والتحويل المصرفيّ إذا كانت العمولة بقدر أتعاب المصرف، فإنه لا يوجد مانع شرعيّ منها . قال شيخ الإسلام: وإذا أقرضه دراهم ليستوفي منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقترض له دراهم في ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيكتب المقترض ورقة إلى بلد المقترض، فقد اختلف العلماء في جوازه، والصحيح الجواز. انتهى. وكلامه يشمل السفتجة والتحويل المصرفيّ. وقال الشيخ عبد العزيز ابن باز: إذا دعت الضرورة إلى التحويل عن طريق البنوك الربويّة، فلا حرج في ذلك، إن شاء الله، ولا شكّ أن التحويل عن طريقها من الضرورات العامّة في هذا العصر، وهكذا الإيداع فيها للضرورة بدون الفائدة. وكلام الشيخ ابن باز هنا ليس عن جواز التحويل، فهو جائز عنده، وإنما كلامه في التحويل عن طريق البنوك الربوية. والله أعلم. انتهى ما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام. ((الاختيارات الجليّة)) ٨٨/٣-٩٦ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه البحوث التي ذكره الشيخ البسّام جزاه الله تعالى خيرًا بحوث نفيسة نافعة جدًا ينبغي الاهتمام بها؛ لكثرة تداول هذه المعاملات في عصرنا الحاضر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . (١) هذه الفروق الثلاثة محلّ نظر، فإنها ليست واضحة، فتأمل. - ٣٤٩ ٤٢- (بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْر) - حديث رقم ٤٥٦١ ٤٢- (بَيْعُ التَّمْرِ بِالَّمْرِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى أراد بهذه الترجمة بيان حكم بيع التمر بالتمر مثلًا بمثل، وهو الجواز، كما أن الترجمة السابقة بيان حكم بیعه متفاضلًا، وهو التحریم. قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: التمر: من ثمر النخل، كالزبيب من العِنَب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك على النخل بعد إرطابه حتى يجفّ، أو يقارب، ثم يُقطع، ويُترك في الشمس حتى يَيْبَس، قال أبو حاتم: وربّما جُدَّت النخلةُ، وهي باسرة، بعد ما أخلّت؛ ليُجَفّف عنها، أو لخوف السرقة، فتُترك حتى تكون تمرّا، الواحدة تمرة، والجمع تمورٌ، وتُمْرانٌ بالضمّ. والتمر يُذكّر في لغة، ويؤنّث في لغة، فيقال: هو التمر، وهي التمر، وتَمَرْتُ القومَ تَمْرًا، من باب ضرب: أطعمتهم التمر. ورجلٌ تامر، ولابنّ: ذو تمر ولبنٍ. قال ابن فارس: التامر: الذي عنده التمر، والتمّار: الذي يبيعه، وتمّرته تتميرًا: يَبَّسْتُه، فَتَتَمّر هو، وأتمر الرُّطَبُ: حان له أن يصير تمرًا. انتھی . وقوله: ((أَخَلّت)) بشديد اللام: أي صار بَلَحُها خَلالًا بالفتح، قال الفيوميّ في مادة بلح: البلَح: ثمر النخل ما دام أخضر، قريبًا إلى الاستدارة، إلى أن يغلّظ النوى، وهو كالْحِصْرَم من العنب، وأهل البصرة يُسمّونه الْخَلالَ، الواحدة بَلَحَةٌ، وخَلالةٌ، فإذا أخذ في الطول، والتلوّن إلى الحمرة، أو الصُّفْرة، فهو بُسْرٌ، فإذا خَلَصَ لونه، وتكامل إرطابه، فهو الزَّهْوُ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٦١- (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «الثَّمْرُ بِالثَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، يَدَا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، إِلَّ مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (واصل بن عبد الأعلى) الأسديّ الكوفيّ، ثقة [١٠] ٨٣١/٣٩. ٢- (ابن فُضيل) محمد، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] ٧٩٩/١٨ . ٣- (أبوه) فُضيل بن غَزْوان - بفتح المعجمة، وسكون الزاي- ابن جرير الضبّيّ ٣٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقة، من كبار [٧]. قال أحمد، وابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). ووثقه محمد بن عبد اللَّه بن عمّار، ويعقوب بن سفيان. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا أبي، حدّثنا ابن فُضيل، عن أبيه، قال: كنّا نجلس أنا وابن شُبْرُمة، والقعقاع بن يزيد، والحارث العكليّ، نتذاكر الفقه، فربّما لم نقُم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر. وذكر الخالديّ الشاعر أنه قتل في أيام المنصور. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث، وحديث أبي هريرة تظوفيه الآتي في ٤٥٧١/٤٦ ((الذهب بالذهب وزنا بوزن)) الحديث. وحديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما الآتي في ٤٨/ ٤٨٧٠ ((لا يزني العبد حين يزني، وهو مؤمن)) الحديث. ٤- (أبو زرعة) هَرِم بن عمرو بن جرير، وقيل في اسمه غير هذا البجليّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٤٣ /٥٠ . ٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه راويان اشتهرا بالكنية: أبو زرعة، وأبو هريرة رَيه. وفيه أبو هريرة رضيّه أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَ ◌ِّ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ) بكسر الحاء المهملة، وسكون النون -: هو والقَمْح - بفتح فسكون- والبرّ والطعام ألفاظ مترادفة (وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ) بفتح الشين المعجمة، وتكسر، وكسر العين المهملة: حبّ معروف، قال الزجّاج: وأهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. انتهى (وَالْمِلْحُ بِالْمِلْح) بكسر، فسكون، يذكّر ويؤنّث، قال الصغانيّ: والتأنيث أكثر، واقتصر الزمخشرَيّ عليه، وقال ابن الأنباريّ: الملح مؤنّئة، وتصغيرها مُليحة، والجمع ملاحٌ بالكسر، مثلُ بئرٍ وبئار انتهى (يَدًا بِيَدٍ) أي ومثلاً بمثل، ولذلك فرّع عليه قوله: ((فمن زاد الخ))، وهذا التفريع لا يظهر إلا بملاحظة ((مثلًا بمثل))، ففي الحديث اختصار، ويحتمل أن يكون من باب صنعة الاحتباك، وهو الحذف من الأول ٣٥١ = ٤٢- (بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْر) - حديث رقم ٤٥٦١ لدلالة الثاني عليه وبالعكس، فذكر هنا في الحكم ((يدًا بيد))، وترك ((مثلًا بمثل))، ثم ذكر في التفريع تفريع ((مثلًا بمثل))، وترك تفريع ((يدًا بيد))، فتأمّل. أفاده السنديّ. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأولى؛ لما في رواية مسلم عن أبي كريب، وواصل بن عبد الأعلى، كلاهما عن ابن فضيل، بسند المصنّف، بلفظ: ((التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد)، الحديث، فقد ذكر ((مثلًا بمثل))، ثم أخرجه عن أبي سعيد الأشجّ، عن المحاربيّ، عن فضيل بن غَزْوان به، قال: ولم يذكر ((يدًا بيد))، فدلّ على أنه اختصار من بعض الرواة، فبعضهم ذكر ((يدًا بيد))، وترك ((مثلًا بمثل))، كما في رواية المصنّف، وبعضهم ذكر ((مثلًا بمثل))، وترك ((يدًا بيد))، كما في رواية مسلم الثانية. والله تعالى أعلم. (فَمَنْ زَادَ) في الدفع (أَوِ ازْدَادَ) بأخذ الزيادة (فَقَدْ أَرْبَى) أي أتى بالربا، فصار عاصيًا، يريد أن الربا لا يتوقف على أخذ الزيادة، بل يتحقّق بإعطائها أيضًا، فكلّ من المعطي والآخذ عاص. وقال النوويّ: معناه فعل الربا المحرّم، فدافع الزيادة، وآخذها عاصيان مربيان. انتهى (إِلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ))) يعني أجناسه، كما صرّح به في الروايات الباقية. قاله النوويّ . وقال السنديّ: أي أربى في تمام تلك البيوع، إلا في بيع اختلفت ألوان بدليه: أي أجناسه، وبهذا ظهر أن الاستثناء منقطع، مع كون المستثنى منه محذوفًا، وأنه لا بدّ من تقدير حرف الجرّ على خلاف القياس، وأما تقدير المستثنى منه عامًا، حتى يكون الاستثناء متّصلًا، بأن يقال: فقد أربى في كلّ بيع، سواء كان من المذكورات، أو غيرها، إلا في بيع اختلفت ألوان بدليه لا يخلو عن إشكال معنى؛ لأدائه إلى ثبوت الربا إذا اتّحد الجنس في كلّ بيع، فليُتأمّل. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث أبي هريرة ◌َّه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٦١/٤٢ - وفي ((الكبرى)) ٦١٥١/٤٢. وأخرجه (م) في ((البيوع)) ١٥٨٨ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٥٥ (أحمد) في باقي ((مسند المكثرين)) ٧١٣١. (المسألة الثالثة): في فوائده : (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع التمر بالتمر، ٣٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع وهو الجواز إذا كان مثلًا بمثل، يدًا بيد. (ومنها): جواز بيع هذه الأشياء المذكورة في الحديث بعضها ببعض بشرط المماثلة، والتقابض في المجلس. (ومنها): أن الربا لا يختصّ بالآخذ، بل المعطي مثله في الإثم. (ومنها): أنه إذا اختلفت الأجناس جاز التفاضل. (ومنها): ما قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه حجة للعلماء كافّة في وجوب التقابض، وإن اختلف الجنس، وجوّز إسماعيل ابن عليّة التفرّق عند اختلاف الجنس، وهو محجوج بالأحاديث والإجماع، ولعله لم يبلغه الحديث، فلو بلغه لما خالفه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٤٣- (بَابُ بَيْعِ الْبُرِّ بِالْبُرْ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((البُرّ)) بضمّ الموحّدة، وتشديد الراء -: الحنطة، قال المنتخل الْهُذليّ [من البسيط]: لَا دَرَّ دَرْيَ إِنْ أَطْعَمْتُ نَازِلَكُمْ قِرْفَ الْحَتِيِّ (١) وَعِنْدِي الْبُرُّ مَكْنُوزُ ورواه ابن دُريد: رائدهم. قال ابن دُريد: الْبُرّ أفصح من قولهم: الْقَمْحُ، والْحِنْطَة، واحدته بُرّة. قال سيبويه: ولا يقال لصاحبه بَرّارٌ على ما يغلب في هذا النحو؛ لأن هذا الضرب إنما هو سماعيّ، لا اطْراديّ. قال الجوهريّ: ومنع سيبويه أن يُجمع البرّ على أبرار، وجوّزه الْمُبَرّد قياسًا. قاله في))لسان العرب)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٦٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ مُْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكِ، قَالَا: جَمَعَ الْمَنْزِلُ بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَمُعَاوِيَةَ، خَدَّثَهُمْ عُبَادَةُ، قَالَ: ((نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ وََّ، عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقٍ بِالْوَرِقِ، وَالْبُرْ بِالْبُرُّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالثَّمْرِ بِالثَّمْرِ))، قَالَ أَحَدُهُمَا: ((وَالْمِلْحِ بِالْمِلْح))، وَلَمْ يَقُلْهُ الْآخَرُ، ((إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ، يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُّرُ، يَدَا بِيَدِ، كَيْفَ شِئْتَا))، قَالَ أَحَدُهُمَا: ((فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى))). (١) (الْقِرِف)) بالكسر: القشر. اهـ قاموس. والْحَتِّيّ على فَعِيل: سَويق الْمُقْل، وقيل: رديئه. وقيل: يابسه. وقيل: ثُفْلُ التمر، وقُشُوره. اهـ لسان. ٤٣ - (بابُ بَيْعِ الْبُرْ بِالْبُر) - حديث رقم ٤٥٦٢ ٣٥٣ رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن عبد الله بن بزيع) -بفتح الموحدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة: هو البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣ /٥٨٨ . ٢- (يزيد) بن زُريع، أبو معاوية البصريّ ثقة ثبت [٨] ٥/٥ . ٣- (سلمة بن علقمة) التميميّ، أبو بشر البصريّ، ثقة [٦] ١٨٨٩/٣٤. ٤- (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر ابن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت عابد فقيه [٣] ٤٦ /٥٧ . ٥- (مسلم بن يسار) البصريّ، نزيل مكّة، أبو عبد الله الفقيه، مولى بني أمية، وقيل: مولى طلحة، وقيل: مولى مُزينة، ويقال له: مسلم سكرة، ومسلم المصبّح، ثقة عابد [٤]. رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الأشعث الصنعاني، وحمران ابن أبان، وأرسل عن عبادة بن الصامت، وغيرهم. رَوَى عنه ابنه عبد الله، وثابت البناني، ويعلى بن حكيم، ومحمد بن سيرين، وأيوب السختياني، وأبو نضرة بن البختريّ، وقتادة، وصالح أبو الخليل، ومحمد بن واسع، وعمرو بن دينار، وأبان بن أبي عياش، وعدة. قال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وقال أبو داود، عن ابن معين رجل صالح قديم. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: كان يقال له: مسلم الْمُضْبح؛ لأنه كان يُسْرِج المسجد. وقال: روى ابن سعد، عن ابن عون: كان مسلم ابن يسار، لا يُفَضَّل عليه أحد في ذلك الزمان. وقال القطان: لم يسمع قتادة عنه. وقال ابن سعد: قالوا: كان ثقة فاضلا عابدا ورعا، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، سنة مائة، أو إحدى ومائة. وقال خليفة ابن خياط: كان يُعَدُّ خامس خمسة، من فقهاء أهل البصرة، مات سنة مائة، له ذكر في ((اللباس)) من ((صحيح مسلم)). قال الحافظ: ووقع في ((صحيح مسلم)) عن محمد بن عباد، أمرت مسلم بن يسار، مولى نافع بن عبد الحارث، أن يسأل ابن عمر، فهذا هو المكي، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من عباد أهل البصرة، وزهادها، أدرك جماعة من الصحابة، وأكثر روايته عن أبي الأشعث، وأبي قلابة، وشهد الجماجم، وفرق بينه وبين المكي، ثم قال: مسلم المصبح الكوفي، كان رجلا صالحا، وكذا فرق البخاري بين البصري والمكي، وقال في ترجمة المكي المصبح: قال ابن عيينة: كان رجلا صالحا، وقال ابن سعد: قالوا: كان أرفع عندهم من الحسن، حتى خرج مع ابن الأشعث، فوضعه ذلك عند الناس. وذكر ابن أبي خيثمة في ((تاريخه الكبير)) عن مكحول، قال: رأيت سيدا من ن ٣٥٤ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ساداتكم - يعني مسلم بن يسار -. وعن ابن سلام، قال: كان مسلم مفتي أهل البصرة قبل الحسن. وعن حميد بن هلال، قال: كان مسلم إذا قام يصلي، كأنه نورٌ مُلْقَى. وعن ابن عون، قال: كان مسلم بن يسار، إذا كان في غير صلاة، كأنه كان في صلاة، وإذا كان في صلاة، كأنه وتد لا يتحرك شيء منه. روى له المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث عبادة هذا كرّره أربع مرّات(١). ٦- (عبد الله بن عتيك) ويقال: ابن عتيق بالقاف، ويقال: ابن عُبيد بالتصغير، وهو الأرجح، ويُدعى ابن هُزْمز، مقبول [٣]. رَوَى عن معاوية، وعبادة بن الصامت، وعنه محمد بن سيرين، ذكره ابن حبان في (الثقات))، رَوى له النسائي، وابن ماجه حديثا واحدا، في بيع الذهب بالذهب. يعني حديث الباب، وكرّره المصنف ثلاث مرّات. وذكر ابن عساكر في رواية ابن علية، وبشر بن المفضل، عبد الله بن عبيد، وفي رواية يزيد بن زريع عبد الله بن عتيك انتهى. والصواب ابن عبيد، وبذلك جزم المزّيّ في (الأطراف)) تبعا لابن عساكر، فقال: رواية ابن زريع وَهَمْ، وقفت على قبره، وعليه بلاطة، فيها اسمه ونسبه، وليس فيها تاريخ وفاته، وهكذا ذكره البخاري، وابن أبي حاتم، وابن أبي خيثمة، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان، وهكذا وقع في ((السنن الكبرى)) رواية ابن الأحمر، عن النسائي في جميع طرقه. ٧- (عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجيّ، أبو الوليد المدنيّ، أحد النقباء البدريّ، مات ◌َّ بالرملة سنة (٣٤) وله (٧٢) سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية رَّهُ، تقدم في ٤١١/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات غير عبد الله بن عتيك، وقد وثقه ابن حبان. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ) تقدّم آنفًا أن قوله: ((ابن عتيك)) في هذه الرواية وَهَمّ، والصواب أنه ابن عُبيد، كما يأتي في رواية ابن عليّة، وبشر بن المفضّل، وكما هو في جميع طرق ((الكبرى)) (قَالًا: جَمَعَ الْمَنْزِلُ) بالرفع فاعل ((جمع)): يعني أنهما (١) راجع ((تهذيب التهذيب)) ٤/ ٧٣ -٧٤. ٣٥٥ == ٤٣- (بابُ بَيْعِ الْبُرِّ بِالْبُر) - حديث رقم ٤٥٦٢ اجتمعا في منزل واحد، والمراد في بلدة واحدة، لا في بيت واحد. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا قال السنديّ، ولا حاجة لحمل المنزل على البلد، بل الصواب حمله على المكان الواحد، لأن ظاهر القصّة التي في رواية مسلم الآتية قريبًا ظاهرة في كون المراد به المكان الواحد، فإن معاوية رَّه خطب الناس منكرًا على عبادة، فبعد خطبته قام عبادة رَّه رادًا عليه، فتفطّن. والله تعالى أعلم. (بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) رَّهِ (وَمُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان بن حرب رَّهِ (حَدَّثَهُمْ عُبَادَةُ) هكذا هنا، وفي ((الكبرى)) بدون واو، ولا فاء، فتكون الجملة مستأنفة. زاد في رواية قتادة، عن مسلم بن يسار الآتية: ((وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَكَانَ بَايَعَ النَِّيَّ ◌ََّ، أَنْ لَا يَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةً لَائِم)) . وسبب هذا التّحديث هو ما رواه مسلم في ((صحيحه)) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب السختيانيّ، عن أبي قلابه، قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حَدْث أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم غزونا غَزَاةً، وعلى الناس معاوية، فغَنِمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غَنِمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطِيَات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال: ((إني سمعت رسول الله مَّة، ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى))، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبا، فقال: ألا ما بال رجال، يتحدثون عن رسول اللَّه ◌َ ل أحاديث، قد كنا نشهده، ونصحبه، فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول اللّه وَّر، وإن كره معاوية، أو قال: وإن رَغِمَ، ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء. انتهى. (قَالَ: نَّهَانَا رَسُولُ اللَّهِ وَّ) جملة القول تفسير لمعنى التحديث (عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ) تقدّم أنه بفتح الواو، وكسر الراء، وتسكّن تخفيفًا: هَي الفضّة المضروبة، وقيل: هي الفضّة مضروبة كانت، أم لا (وَالْبُرّ بِالْبُرْ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالثَّمْرِ بِالثَّمْرِ، قَالَ أَحَدُهُمَا) أي مسلم بن يسار، أو عبد اللَّه بن عتيق (وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، وَلَمْ يَقُلْهُ الْآخَرُ) يعني أن أحدهما اقتصر على ذكر غير الملح (إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلَ) أي إلا متماثلين (بَدًا بِيَدِ) أي إلا متقابضين (وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرْ، يَدَا بِيَدٍ، كَيْفَ شِئْتًا) أي من حيث الكمّيّة، وإلا فلا بدّ من مراعاة التقابض، كما بيّنه بقوله: ((يدًا بيد)) (قَالَ أَحَدُهُمَا: فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ) متعلّق ٣٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع بقوله: ((مثلًا بمثل)) (فَقَدْ أَزْبَى) أي أخذ الربا، وأكله، فيدخل تحت الوعيد الوارد في آكل الربا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبادة بن الصامت وَيّ هذا أخرجه مسلم. [تنبيه]: رواية مسلم بن يسار عن عبادة رَّم منقطعة، كما سبق الإشارة إلى هذا في ترجمته، وقال الحافظ المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) ٢٥٨/٤ -: مسلم ابن يسار البصريّ، عن عبادة بن الصامت، ولم يلقه. انتهى. ويدلّ على هذا رواية قتادة، الآتية برقم (٤٥٦٥) عن مسلم، عن أبي الأشعث الصنعانيّ، وأصرح منه رواية مسلم المتقدّمة، من طريق أيوب، عن أبي قلابة، قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدّث أخانا حديث عبادة بن الصامت ... الحديث. والحاصل أن الحديث صحيح، لأنه تبيّن بما يأتي أن مسلم بن يسار رواه عن أبي الأشعث، عن عبادة تَمّه، ومن طريقه أخرجه مسلم في ((صحيحه))، وأما رواية عبد الله بن عبيد، فالظاهر أنها متّصلة، ويحتمل أن تكون مثل رواية مسلم. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤٣ / ٤٥٦٢ و ٤٥٦٣ و ٤٤ / ٤٥٦٤ و٤٥٦٥ و٤٥٦٦ و٤٥٦٨ - وفى ((الكبرى)) ٤٣ / ٦١٥٢ و٦١٥٣ و٤٤ / ٦١٥٤ و٦١٥٥ و٦١٥٦ و٤٥ / ٦١٥٧ و٦١٥٩ . وأخرجه (م) في ((البيوع)) ١٥٨٧ (د) في ((البيوع)) ٣٣٤٩ (ت) في ((البيوع)) ١٢٤٠ (ق) في ((التجارات)» ٢٢٥٤ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)» ٢٢١٧٥ و٢٢٢١٧ و٢٢٢٢٠ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٦٦ . (المسألة الثالثة): في فوائده(١): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع البرّ بالبر، وهو أنه يجب المماثلة، والتقابض في المجلس. (ومنها): ما كان عليه الصحابة * * من المحافظة على الوفاء بما بايعوا عليه رسول اللَّه وَّله، وإن أدّى ذلك إلى كراهة أميرهم، (١) المراد فوائد حديث عبادة بجميع راوياته المختلفة، لا خصوص هذا السياق، فتنبه. ٤٣ - (بابُ بَيِعِ الْبُرِّ بِالْبُر) - حديث رقم ٤٥٦٣ ٣٥٧ = وذلك أن عبادة ◌َّه كان ممن بايع النبيّ وَّلير أن لا يخاف في الله لومة لائم، فلما أنكر عليه معاوية، لم يسكت، بل أعاد الحديث، وواجهه بما يكرهه، فقال: وإن رَغِم معاوية. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه ما يجب مما أخذ اللّه على العلماء ليبيّنُتّه للناس، ولا يكتمونه، وليكوننّ قوامين بالقسط، شهداء لله، وإغلاظه في اللفظ لمعاوية؛ لمقابلته له على إنكاره تحريمه، مع تحققه حلم معاوية، وصبره. انتهى ((إكمال المعلم)) ٢٦٩/٥. (ومنها): الاهتمام بتبليغ السنن، ونشر العلم، وإن كرهه من كرهه. (ومنها): القول بالحقّ، وإن كان المقول له كبيرًا. (ومنها): جواز بيع هذه الأشياء بشرط المماثلة، والتقابض. (ومنها): جواز التفاضل بينها إذا اختلفت الأجناس، بشرط التقابض في المجلس. (ومنها): أن إعطاء الربا مثل أكله في الإثم. (ومنها): أن فيه الرد على من قال: إن البرّ والشعير جنس واحد، لأنه وَلّ نصّ على جواز بيع البرّ بالشعير كيف شاءوا، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وفقهاء المحدّثين، وآخرون. وقال مالك، والليث، والأوزاعيّ، ومعظم علماء المدينة، والشام من المتقدّمين: إنهما صنف واحد. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٦/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٦٣ - (أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ سَلَمَةً ابْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: خَّدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ، وَقَدْ كَانَ يُذْعَى ابْنَ هُزْمُزَ، قَالَ: ◌َمعَ الْمَنْزِلُ بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَهُمْ عُبَادَةُ، قَالَ: (نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ وََّ، عَنَ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالثَّمْرِ بِالثَّمْرِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرْ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ))، قَالَ أَحَدُهُمَا: ((وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ))، وَلَمْ يَقُلْهُ الْآخَرُ، ((إِلَّا سَوَاءَ بِسَوَاءِ، مِثْلَا بِمِثْلِ))، قَالَ أَحَدُهُمَا: (مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى))، وَلَمْ يَقُلْهُ الْآخَرُ، ((وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ، وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرِّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرْ، يَدَا بِيَدٍ، كَيْفَ شِئْنَا)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((المؤمّل بن هشام)): هو اليشكريّ، أبو هشام البصريّ، ثقة [١٠]٢٦/٢٤. و((إسماعيل ابن عُليّة)): هو الإمام الحجة الثبت إسماعيل بن إبراهيم، وعُليّة أمه، وكان يكره النسبة إليها. والباقون هم المذكورون في السند الماضي. وقوله: ((وكان يُدعى ابن هُرمز)): أي كان عبد الله بن عُبيد يسمّى بابن هرمز بضمٌ الهاء، والميم بينهما راء ساكنة، آخره زاي، ولعله أحد أجداده. وقوله: ((مثلًا بمثل)) تأكيد لقوله: ((سواء بسواء)). والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله ٣٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٤٤- (بيعُ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الشَّعِير)) حبّ معروفٌ، قال الزجّاج: وأهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يُذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. قاله الفيّوميّ. وقال ابن منظور: ((الشعير)) جنس من الحبوب معروف، واحدته شَعيرة، وبائعه شَعِيريٍّ، قال سيبويه: وليس مما بُني على فاعل، ولا فَعّال، كما يغلب في هذا النحو، وأما قول بعضهم: شِعِير، وبِعِير، ورِغِيف، وما أشبه ذلك -يعني بكسر أولها، وثانيها- لتقريب الصوت من الصوت - يعني للمناسبة- فلا يكون هذا إلا مع حروف الحلق. انتهى. (لسان)). والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٦٤- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ابْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بَنُ عُبَيْدٍ، قَالَا: ◌َمعَ الْمَنْزِلُ بَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ عُبَادَةُ: ((نَّى رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ، أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، وَالْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ))، قَالَ أَحَدُهُمَا: (وَالْمِلْحَ بِالْمِلْح))، وَلَمْ يَقُلِ الْآخَرُ، ((إِلَّا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، مِثْلًا بِمِثْلِ))، قَالَ أَحَدُهُمَا: ((مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادٌ، فَقَدْ أَرْبَى))، وَلَمْ يَقُلِ الْآَخَرُ، ((وَأَمَرَنَا أَنْ نَبِيعَ الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، يَدَا بِيَدٍ، كَيْفَ شِئْتَا))، فَبَلَغَ هَذَا الْحَدِيثُ مُعَاوِيَّةَ، فَقَامَ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، قَدْ صَحِبْنَاهُ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقَامَ، فَأَعَادَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: لَنُحَدُثَنَّ بِمَا سَمِعْنَاهُ، مِنْ رَسُولِ اللهِهِ، وَإِنْ رَغَمَ مُعَاوِيَةٌ. خَالَفَهُ قَتَادَةُ، رَوَاهُ عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إسماعيل بن مسعود)): هو الْجحدريّ البصريّ الثقة، من أفراد المصنّف. و((بشر بن المفضّل)): هو أبو إسماعيل البصريّ الثقة الثبت. و((محمد)): هو ابن سيرين. وقوله: ((فقال عبادة)) أي بعد أن ارتكب معاوية * بعض العقود الفاسدة، كما تقدّم في رواية مسلم. ٣٥٩ ٤٤ - (بيعُ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ) - حديث رقم ٤٥٦٥ وقوله: ((ما بال رجال الخ)): أي ما حالهم، وما شأنهم، وهذا إنكار من معاوية رَشيه على عبادة رَمّه، والظاهر أنه من باب الخوف عليه أن ينسى بعض الحديث، فيخطىء على رسول اللَّه وَل ـ [تنبيه] : قال السنديّ: قوله: ((فقال: ما بال رجال)) استدلال بالنفي على رد الحديث الصحيح بعد ثبوته، مع اتّفاق العقلاء على بطلان الاستدلال بالنفي، وظهور بطلانه بأدنى نظر، بل بديهة، فهذا جراءة عظيمة يغفر الله لنا وله. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا أقول: سامح الله السنديّ في هذه الجراءة العظيمة على هذا الصحابيّ الجليل رَّه ، ولو أن إمام مذهبه خالف الحديث الصحيح، لما استجاز أن يقول هذا الكلام في حقّه، بل يعتذر عنه بأعذار، لا تسمن، ولا تغني من جوع، فكيف استجاز هذا الكلام البَشِع على هذا الصحابيّ الجليل وَّه ، بل الصواب أن مثل هذا كثيرًا ما يصدر عن غيره من الصحابة ، إذا سمعوا بعض الأحاديث التي كانوا يظنون أن حكم الشرع بخلافها، ظنّا منهم أن الذي حدّث بها ربما يهم، وربما يحذف نسيانًا بعض القيود، أو الشروط التي ذكرها النبيّ وَّ، فتنبيهًا على هذا يصدر منهم إنكارٌ، لا لرد ما ثبت عنه وَّر، فحاشا معاوية رَّه أن يتهم بمثل هذا، فقد أنكر عمر تَظّمه على عمّار حديث التيمم للجنب، وأنكر على فاطمة بنت قيس حديثها ليس للمطلقة البائن نفقة، ولا سكنى، وأنكرت عائشة على ابن عمر وغيره أحاديث كثيرة، فالواجب علينا إذا سمعنا مثل هذا صدر عن الصحابة ، أن نعتذر عنهم، ولا نطوّل ألستنا، بل نقول: ﴿مَّا يَكُونُ لَنْآَ أَنْ تَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، واللَّه تعالى المستعان على من تطاول على الصحابة الكرام ، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. وقوله: ((وإن رَغَم معاوية)): بفتح الراء، والغين المعجمة، ويقال بكسر الغين، يقال: رَغَمَ أنفه رَغْمًا، من باب قتل، ورَغِمَ، من باب تَعِبَ لغةً: كناية عن الذلّ، كأنه لَصِقَ بالرَّغَامِ هَوَانًا، والرَّغام بالفتح: التراب، ويتعدّى بالألف، فيقال: أرغم اللَّه أنفه، وفعلته على رُغْم أنفه بالفتح، والضَّمّ: أي على كُزه منه. قاله الفيوميّ. وقوله: (خَالَفَهُ قَتَادَةُ) أي خالف محمد بنَ سيرين قتادةُ بنُ دعامة في روايته لهذا الحديث فـ(رَوَاهُ عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ) رَبِّ حاصل ما أشار إليه أن قتادة خالف محمد بن سيرين، حيث رواه عن مسلم يسار، عن عبادة ◌َنَّه ، فرواه عن مسلم بن يسار، عن أبي الأشعث الصنعانيّ، عن عبادة، فأدخل واسطة بين مسلم، وبين عبادة رَمّه ، كما بين روايته بقوله: ٤٥٦٥ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ ٣٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ يَسَّارِ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَكَانَ بَابَعَ الشَّيَّ وَ، أَنْ لَا يَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِم، أَنَّ عُبَادَةَ قَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: ((أََّا النَّاسُ إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ بُيُوعًا، لَا أَدْرِي مَا هِيَ: أَلَا إِنَّ الذَّهُّبَ بِالذّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، تِبْرُهَا وَعَيْتُهَا، وَإِنَّ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ وَزْنَا بِوَزْنٍ، تِبْرُهَا وَعَيْتُهَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا، وَلَا تَضْلُحُ النَّسِيئَةُ، أَلَا إِنَّ الْبُرِّ بِالْيُرِّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، مُذِيَا بِمُذْيٍ، وَلَا بَأْسَ بِبَبْعِ الشّعِيرِ بِالْحِنْطَةِ يَدْا بِيَدٍ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا، وَلَا يَضْلُحُ نَسِيئَةً، أَلَا وَإِنَّ الْتَّمْرَ بِالتَّمْرِ، مُذِيّاً بِمُذْىٍ، حَتَّى ذَكَرَ الْمِلْحَ مُدَّا بِمُدَّ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن آدم)): هو الجهنيّ الْمصْيصيّ، صدوقٌ [١٠] ١١٥/٩٣ من رجال المصنف، وأبي داود. و((عبدة)): هو ابن سليمان الكلابيّ الكوفيّ، الثقة الثبت. و((ابن أبي عروبة)): هو سعيد. و((أبو الأشعث الصنعاني)): هو شَرَاحيل بن آدة بالمدّ، وتخفيف الدال، ويقال: آدة جدّ أبيه، وهو ابن شُرَخبِيل بن كُليب، ثقة [٢] ١٣٧٤/٥. [تنبيه] : تقدّم قريبًا أن رواية قتادة هذه بإدخال الواسطة بين مسلم بن يسار، وبين عبادة رَّه هي الصحيحة، وأما رواية ابن سيرين المتقدّمة بدون واسطة، ففيها انقطاع، ولذلك قدّمها المصنّف رحمه الله تعالى على عادته أنه يذكر الأخبار المعلّلة أوّلًا، ثم يأتي بالأخبار التي لا علّة فيها، ومثله في ذلك الترمذيّ رحمه اللّه تعالى، كما نبه على ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح علل الترمذيّ))، ونصّه فيها: وقد اعتُرض على الترمذيّ رحمه الله بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب، فإنه رحمه اللّه يُبيّن ما فيها من العلل، ثم يُبيّن الصحيح في الإسناد، وكأن قصده رحمه الله ذكر العلل، ولهذا تجد النسائيّ إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلطٌ، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له. انتهى كلامه (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن رجب رحمه الله تعالى كلام مفيد جذًّا، فتنبه له ينفعك في أبواب كثيرة من هذا الكتاب. والله تعالى أعلم. وقوله: ((وكان بايع الخ)) إشارة إلى أن إنكاره على أميره إنما هو قيامًا بالوفاء بما عاهد النبيّ مَّر عليه، من عدم خوف لومة لائم في اللَّه تعالى. وقوله: ((أحدثتم بيوعًا الخ)) تقدم في رواية مسلم أنهم باعوا مما غنموه آنية من فضّة في أعطيات الناس، فأنكر ذلك عليهم عبادة تنموفيه ، لأنه إن كان البيع بالفضّة، فلا بدّ (١) راجع ((شرح علل الترمذي)) للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ص٢٣٦ بتحقيق صبحي السامرائي.