Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٥- (بَيْعُ الْعَرَايَا بِالرُّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٤ ٣٠١ === بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ) قد تقدّم تمام البحث فيه قبل ستّة أبواب (وَرَخَّصَ فِي الْغَرَايَا) أَي في بيع ثمر العرايا (أَنْ تُبَاعَ بِخِرْصِهَا) تقدّم ضبطها بالكسر، والفتح (يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا) منصوب على التمييز، وهو تمييز محوّل عن المفعول، والأصل يأكل أهلها رُطَبًا . وزاد البخاري من رواية عليّ بن المديني، عن ابن عيينة، في آخره قصة ٢ / ٧٦٤ : وقال سفيان مرة أخرى: إلا أنه رَخَّصَ في العربية، يبيعها أهلها بخرصها، يأكلونها رطبا، قال هو سواء، قال سفيان: فقلت ليحيى، وأنا غلام: إن أهل مكة يقولون: إن النبي ◌َلَّه رَخْص في بيع العرايا، فقال: وما يدري أهل مكة؟ قلت: إنهم يروونه عن جابر، فسكت، قال سفيان: إنما أردت أن جابرا من أهل المدينة، قيل لسفيان: وليس فيه: نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه؟، قال: لا. انتهى. قال في ((الفتح)): وقوله: ((وأنا غلام)) جملة حالية، والغرض الإشارة إلى قدم طلبه، وتقدّم فطنته، وأنه كان في سنّ الصبا يُناظر شيوخه، ويباحثهم. وقوله: ((رخّص لهم في بيع العرايا الخ)) محلّ الخلاف بين رواية يحيى بن سعيد، ورواية أهل مكة، أن يحيى بن سعيد، قَيَّد الرخصة في بيع العرايا بالخرص، وأن يأكلها أهلها رُطَبًا، وأما ابن عيينة في روايته عن أهل مكة، فأطلق الرخصة في بيع العرايا، ولم يقيدها بشيء مما ذكر. وقوله: قلت: إنهم يروونه عن جابر، في رواية أحمد في ((مسنده، عن سفيان، قلت: أخبرهم عطاء، أنه سمع من جابر. وقوله: قال سفيان: أي بالإسناد المذكور، إنما أردت: أي الحاملُ لي على قولي ليحيى بن سعيد: إنهم يروونه عن جابر، أن جابرا من أهل المدينة، فيرجع الحديث إلى أهل المدينة، وكان ليحيى بن سعيد أن يقول له: وأهل المدينة رووا أيضا فيه التقييد، فيحمل المطلق على المقيد، حتى يقوم الدليل على العمل بالإطلاق، والتقييد بالخرص زيادة حافظ، فتعين المصير إليها، وأما التقييد بالأكل، فالذي يظهر أنه لبيان الواقع، لا أنه قيد، وعن أبي عبيد، أنه شرطه، والله أعلم. وقوله: ((أليس فيه)) -أي في الحديث المذكور- ((نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه))، قال: لا، أي ليس هو في حديث سهل بن أبي حثمة، وإن كان هو صحيحا من رواية غيره. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لعلّ سفيان نسي ذلك في ذلك الوقت، وإلا فقد ثبت عند المصنّف في هذا الحديث أن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن رواه عنه، وقد ٣٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع تابعه كما قال في ((الفتح)) ١٣٤/٥ - عليه عبد الجبار بن العلاء، فرواه عنه، بهذا اللفظ الذي نفاه سفيان، وحكى الإسماعيلي، عن ابن صاعد، أنه أشار إلى أنه وَهِمَ فيه عبد الجبّار، ورواية عبد الله بن محمد هذه تردّ هذا، وتبيّن أن عبد الجبار، لم ينفرد بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (مسألتان): تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سهل بن أبي حثْمَة ◌َّ هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٤٤/٣٥ و٤٥٤٥ و٤٥٤٦ - وفي ((الكبرى)) ٦١٣٣/٣٥ و٦١٣٤ و٦١٣٥. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٩١ وفي ((المساقاة)) ٢٣٨٤ (م) في ((البيوع)) ٣٨٦٤ و٣٨٦٥ و٣٨٦٦ و٣٨٦٧ و٣٨٦٨ (د) في ((البيوع)) ٣٣٦٣ (ت) في ((البيوع» ١٣٠٣. وفوائد الحديث تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٤٥ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ نََّى عَنِ الْمُزَابَةِ، بَيْعِ الثَّمَرِ بِالثَّمْرِ، إِلَّا لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا، فَإِنْهُ أَذِينَ لَهُمْ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((الحسين بن عيسى)): هو البسطاميّ الْقُومَسيّ، نزِيل نيسابور، صدوقٌ، صاحب حديث [١٠] ٨٦/٦٩. و((أبو أسامة)): هو حمّاد بن أسامة الكوفيّ الحافظ. و((الوليد بن كثير)): هو المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ، عارفٌ بالمغازي، رمي برأي الخوارج [٦] ٤٤/ ٥٢ . وقوله: ((بيع الثمر بالتمر)) بالجزّ بدل من ((المزابنة))، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدإ: أي هو بيع الثمر، وإلى النصب بتقدير فعل: أي أعني بيع الثمر. والحديث صحيح وقد مضى شرحه، وتخريجه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٤٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَخْتِى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: ((رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَزْصِهَا»). ٣٦- (اشْتِرَاءُ التَّمْر بالرُّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٧ = ٣٠٣ == قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((الليث)): هو ابن سعد. و((يحيى)): هو ابن سعيد الأنصاريّ المذكور قبل حديث. وقوله: ((عن أصحاب رسول اللّه مَّ))، وفي رواية مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار، عن بعض أصحاب رسول اللَّه ◌َلتر، من أهل دارهم، منهم سهل بن أبي حثمة: أن رسول اللَّه ◌َ ل نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: ((ذلك الربا، تلك المزابنة))، إلا أنه رخّص في بيع العربيّة: النخلة، والنخلتين، يأخذها أهل البيت، بخِرْصها تَمْرًا، يأكلونها)). وقوله: ((من أهل دراهم)): يعنى بنى حارثة، والمراد بالدار المحلة. وقوله: ((عن بعض أصحاب رسول اللّه وَّ)): أى جماعةٍ منهم، ثم ذكر بعضهم، فقال: منهم سهل ابن أبى حثمة، والبعض يُطلق على القليل والكثير. قال النوويّ: قوله: ((عن بعض أصحاب رسول الله، منهم سهل بن أبى حثمة)): فيه أنه إذا سمع من جماعة ثقات، جاز أن يحذف بعضهم، ويروي عن بعض. انتهى ((شرح مسلم)) ١٠ / ٤٢٧ . والحديث بهذا السياق أخرجه مسلم، وأصله متفق عليه، كما سبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٦- (اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ) ٤٥٤٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، عَنِ الثَّمْرِ بِالرُّطَبِ؟ فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: ((أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا بَيِسَ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْهُ). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤ . ٢- (يحيى) بن سعيد القطّان المذكور قبل باب. ٣- (مالك) إمام دار الهجرة المذكور في الباب الماضي. ٣٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ٤- (عبد الله بن يزيد) المخزوميّ المدنيّ المقرىء الأعور، مولى الأسود بن سفيان، ثقة [٦] ٥١ / ٩٦١ . ٥- (زيد بن عياش) -بتحتانيّة، ومعجمة - أبو عيّاش المدنيّ، صدوق [٣]. وفي (تهذيب التهذيب)) ١/ ٦٧٠: زيد بن عياش، أبو عياش الزُّرَقي، ويقال: المخزومي، ويقال: مولى بني زهرة، المدني، روى عن سعد بن أبي وقاص، وعنه عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنيس السلمي، وروى له الأربعة حديثا واحدا في النهي، عن بيع الرطب بالتمر. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وصحح الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، حديثه المذكور، وقال فيه الدار قطني: ثقة. وقال ابن عبد البر: وأما زيد، فقيل: إنه مجهول، وقد قيل: إنه أبو عياش الزُّرَقي. وقال الطحاوي: قيل فيه: أبو عياش الزرقي، وهو محال؛ لأن أبا عياش الزرقي من جِلَّة الصحابة، لم يدركه ابن يزيد. قال الحافظ: وقد فرق أبو أحمد الحاكم، بين زيد أبي عياش الزرقي الصحابي، وبين زيد أبي عياش الزرقي التابعي. وأما البخاري، فلم يذكر التابعي جملة، بل قال: زيد أبو عياش، هو زيد بن الصامت، من صغار الصحابة. وقال الحاكم في ((المستدرك)): هذا حديث صحيح؛ لإجماع أئمة أهل النقل، على إمامة مالك، وأنه محكم في كل ما يرويه؛ إذ لم يوجد في روايته إلا الصحيح، خصوصا في حديث أهل المدينة، إلى أن قال: والشيخان لم يخرجاه؛ لِمَا خشيا من جهالة زيد بن عياش. وقال أبو حنيفة: مجهول. وتعقبه الخطابي، وكذا قال : ابن حزم: إنه مجهول. انتهى. تفرّد به الأربعة بحديث الباب فقط . [تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) غير الهندية، وكذا في ((الكبرى)) غلط في هذا الاسم، فإنه وقع فيها ((زيد بن أبي عيّاش)) بزيادة كلمة ((أبي))، وهو غلط فاحش، والصواب ما في ((الهندية ((زيد بن عيّاش))، وكنيته أبو عيّاش، فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٦- (سعد) بن أبي وقّاص رضي اللَّه تعالى عنه ١٢١/٩٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير زيد بن عياش، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، إلا شيخه، ويحيى، فبصريّان، وفيه أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة أصحاب الأصول الذين ررووا عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، وتقدّموا غير مرّة. والله تعالى أعلم. ٣٠٥= ٣٦- (اشْتِرَاءُ التَّمْرِ بِالرَّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٧ شرح الحديث (عَنْ سَعْد) بن أبي وقّاص رَِّ، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِهِ عَنِ الثَّمْرِ بِالرُّطَبِ؟) أي عن شرائه به، ففي رواية أبي داود: ((سئل عن شراء التمر بالرَّطَب)) (فَقَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (لِمَنْ حَوْلَهُ) أي للصحابة الجالسين حوله (أَيَنْقُصُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من النقص، ثلاثيّا، وهو يتعدّى، ويلزم، والمناسب هنا اللزوم، قال الفيومي: نقص نقَصًا، من باب قتل، ونُقصانًا، وانتقص: ذهب منه شيء بعد تمامه، ونقصته يتعذّى، ولا يتعدّى، هذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله: ﴿غَيِّرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدّى بالهمزة، والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدّى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نقصتُ زيدًا حقّه، وانتقصته مثله، ودرهم ناقصٌ: غير تام الوزن. انتهى. كلام الفيّومي (الرُّطَبُ) بالرفع على الفاعليّة (إِذَا يَبِسَ؟) بكسر الباء الموحدة، من باب تعب، وفي لغة بكسر الماضي والمضارع: أي إذا جفّ، وذهبت رطوبته . قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: لفظه لفظ استفهام، ومعناه التقرير، والتنبيه فيه على نكتة الحكم، وعلِّهِ؛ ليعتبروها في نظائرها وأخواتها، وذلك أنه لا يجوز أن يخفى عليه وَّر أن الرطب إذا يبس نقص وزنه، فيكونَ سؤاله عنه سؤال تعرّف، واستفهام، وإنما هو على الوجه الذي ذكرته، وهذا كقول جرير [من الوافر]: أَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ؟ ولو كان هذا استفهامًا، لم يكن فيه مدحٌ، وإنما معناه: أنتم خير من ركِب المطايا . وهذا الحديث أصلّ في أبواب كثيرة، من مسائل الربا، وذلك أن كلّ شيء من المطعوم، مما له نداوة، ولجفافه نهايةٌ، فإنه لا يجوز رَطْبه بيابسه، كالعنب، بالزبيب، واللحم النيء بالقديد، ونحوهما، وكذلك لا يجوز على هذا المعنى منه الرُّطَب بالرطب؛ لأن اعتبار المماثلة إنما يصحّ فيهما عند أوان الجفاف، وهما إذا تناهى جفافهما، كانا مختلفين؛ لأن أحدهما قد يكون أرَقْ رِقّةً، وأكثر مائيّة من الآخر، فالجفاف ينال منه أكثر، وتتفاوت مقاديرهما في الكيل عند المماثلة. انتهى («معالم السنن)) ٣٢/٥-٣٣. وقال السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: ((أينقص الرُّطَب)»: تنبيه على علّة المنع بعد اتحاد الجنس، فيجري المنع في كلّ ما تَجري فيه هذه العلة، قال القاضي رحمه الله تعالى في ((شرح المصابيح)): ليس المراد من الاستفهام استفهام القضيّة، فإنها جليّةٌ = ٣٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع مستغنية عن الاستكشاف، بل التنبيه على أن المطلوب تحقّق المماثلة حال اليبوسة، فلا يكفي تماثل الرطب والتمر على رطوبته، ولا على فرض اليبوسة؛ لأنه تخمين وخرص، لا تعيين فيه، فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر، وبه قال أكثر أهل العلم، وجوّزه أبو حنيفة، إذا تساويا كيلًا؛ حملًا للحديث على النسيئة؛ لما روى هذا الراوي أنه مَلل نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة، وضعفُهُ بيّنّ؛ لأن النهي عن بيعه نسيئةً لا يستدعي الإذن في بيعه يدًا بيد، إلا من طريق المفهوم، وهو عنده غير منظور إليه، فضلًا عن أن يسلّط على المنطوق؛ ليُبطل إطلاقه، ثم هذا التقييد يُفسد السؤال والجواب، وترتيب النهي عليهما بالكلّيّة؛ إذ كونه نسيئة يكفي في عدم الجواز، ولا دخل معه للجفاف. قال السنديّ: المشهور عند الحنفيّة في الجواب جهالة زيد بن عيّاش، وردّه الجمهور بأن عدم معرفة بعضٍ لا يضرّ في معرفة غيره، فالأقرب قول الجمهور، ولذلك خالف الإمام صاحباه، فذهبا إلى قول الجمهور. والله تعالى أعلم. انتهى ((شرح السنديّ)) ٢٦٩/٧ . (قَالُوا: نَعَمْ) أي ينقص الرطب إذا يبس (فَتَهَى عَنْهُ) أي عن شراء التمر بالرطب. وفي الحديث قصّة في أوله، ساقها أبو داود، فأخرج بسنده، عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا، أبا عيّاش أخبره، أنه سأل سعد بن أبي وقاص رَّه عن البيضاء بالسُّلت؟ فقال له سعد: أيهما أفضل؟، قال: البيضاء، قال: فنهاه عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله وَلَ﴿ يسأل عن شراء التمر بالرُّطَب؟ فقال رسول اللَّه وَله: ((أينقص إذا يبس؟، قالوا: نعم، فنهاه رسول اللَّه وَلّر عن ذلك. قال الخطابيّ: البيضاء نوع من البرّ، أبيض اللون، وفيه رخاوة، يكون ببلاد مصر، والسُّلْتُ: نوع غير البرّ، وهو أدقّ حبًا منه. وقال بعضهم: البيضاء هو الرَّطْب من السلت، والأول أعرف، إلا أن هذا القول أليق بمعنى الحديث، وعليه يتبيّن موضع التشبيه من الرُّطَب بالتمر، وإذا كان الرَّطْب منها جنسًا، واليابس جنسًا آخر لم يصح التشبيه. انتهى. ((معالم السنن)) ٣٢/٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص تزيّ هذا صحيح. [تنبيه] : قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وقد تكلّم بعض الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقّاص تَّ هذا، وقال: زيد أبو عيّاش راويه ضعيفٌ، ومثل هذا ٣٦- (اشْتِرَاءُ الشَّمْر بِالرُّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٧ ٣٠٧ = الحديث على أصل الشافعيّ لا يجوز أن يُحتجّ به. قال الخطابيّ: وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عيّاش هذا مولى لبني زهرة، معروفٌ، وقد ذكره مالكٌ في ((الموطًا))، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك، وعادته معلوم. انتهى كلام الخطّابيّ ((معالم السنن)) ٣٥/٥. وقال المنذريّ رحمه الله تعالى - بعد ذكر كلام الخطّابيّ- وقد حُكي عن بعضهم أنه قال: زيد أبو عيّاش مجهول، وكيف يكون مجهولا؟ وقد رَوَى عنه اثنان ثقتان: عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج به مسلم في ((صحيحه))، وقد عرفه أئمة هذا الشأن، هذا الإمام مالك قد أخرج حديثه في ((موطئه))، مع شدّة تحزّيه في الرجال، ونقده، وتتبعه لأحوالهم، والترمذيّ قد أخرج حديثه، وصححه، وصحح حديثه أيضًا الحاكم أبو عبد الله النيسابوريّ، وقد ذكره مسلم بن الحجاج في ((كتاب الكنى))، وذكر أنه سمع من سعد بن أبي وقّاص ◌َّهِ ، وذكره أيضًا الحافظ أبو أحمد الكرابيسيّ، في ((كتاب الكنى))، وذكر أنه سمع من سعد ابن أبي وقّاص رَّه، وذكره أيضًا النسائيّ في ((كتاب الكنى))، وما علمت أحدًا ضعفه، والله عز وجل أعلم. انتهى كلام المنذريّ رحمه الله تعالى ((مختصر السنن)) ٥٪ ٣٣-٣٥ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن زيد بن عيّاش ثقة معروف، وحديثه هذا صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه آخر]: أخرج أبو داود رحمه الله تعالى في ((سننه)) حديث سعد رَّه هذا من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، أن أبا عيّاش أخبره، أنه سمع سعد بن أبي وقّاص ◌َمنّه يقول: ((نهى رسول اللَّه وَله عن بيع الرُّطَب بالتمر نسيئة)) انتهى. فزاد ((نسيئة))، قال أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى: خالفه مالك، وإسماعيل بن أُميّة، والضحاك بن عثمان، وأُسامة بن زيد، رووه عن عبد الله ابن يزيد، ولم يقولوا فيه: ((نسيئة))، واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى - يعني ابن أبي كثير- يدلّ على ضبطهم للحديث. وقال أبو بكر البيهقيّ رحمه الله تعالى: ورواه عمران بن أبي أنس، عن أبي عيّاش، نحو رواية مالك، وليست فيه هذه الزيادة. انتهى ((مختصر السنن)) للمنذريّ ٣٥/٥-٣٦. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن هذه الزيادة شاذة مطّرحة؛ لمخالفتها الأحاديث الصحيحة في منع بيع الرطب بالتمر مطلقًا، قال البيهقيّ رحمه الله تعالى: وهذا يخالف رواية الجماعة، وإن كان محفوظًا، فهو حديث آخر، والخبر يصرّح بأن ٣٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع المنع إنما كان لنقصان الرطب في البعض، وحصول الفضل بينهما بذلك، وهذا المعنى يمنع من أن يكون النهي لأجل النسيئة، فلذلك لم تُقبل هذه الزيادة ممن خالف الجماعة بروايتها في هذا الحديث. وقد روينا في الحديث عن ابن المسيّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة تَمّ: أن رسول اللَّه وَل قال: ((لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر)). وفي الحديث الثابت عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن رسول اللَّهِ وَله: ((لا تبيعوا ثمر النخل بتمر النخل))، وفي رواية إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَّر: ((لا تبايعوا الثمر بالتمر))، هكذا روي مقيّدًا. انتهى. وحديث أبي هريرة ◌َّهِ المذكور رواه مسلم. وحديث ابن عمر رضي الله عنهما متّفقٌ عليه، ولفظ ((الصحيحين)): ((نهى رسول اللَّه ◌َله عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع الرُّطَب بالتمر)). انتهى (تهذيب السنن)) لابن القيّم، من هامش ((إعلاء السنن)) ٥٪ ٣٢-٣٣ . والحاصل أن الحديث بدون هذه الزيادة هو الذي يوافق هذه الأحاديث الصحاح، وأما معها فإنه يخالفها، فهي إذًا شاذة منكرة، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٤٧/٣٦ و٤٥٤٨ - وفي ((الكبرى)) ٦١٣٦/٣٦ و٦١٣٧ . وأخرجه (د) في ((البيوع)) ٣٣٥٩ (ت) في ((البيوع)) ١٢٢٥ (ق) في ((التجارات)) ٢٢٦٤ (أحمد) في (مسند العشرة)) ١٥١٨ و١٥٤٧ (الموطأ) في (البيوع)) ١٣١٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان حكم اشتراء التمر بالرطب، وهو المنع؛ لعدم المماثلة مع اتحاد الجنس. (ومنها): أن فيه بيان تحريم الربا، وأن علة تحريمه هو ظلم أحد المتابيعين، بسبب نقص يلحقه. (ومنها): بيان اهتمام الشارع ببيان علّة التحريم، حتى يكون المكلّفون على بصيرة من المنهيات، وأنه إنما نهي عنها للضرر اللاحق ببعضهم ببخس حقّه. (ومنها): أن فيه تحريم أكل أموال الناس بالباطل، كالربا، ونحوه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِّ﴾ الآية [النساء: ٢٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بيع الرَّطْب باليابس من جنس واحد: قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: ولا يباع الرَّطْب مما يجري فيه الربا، ٣٦- (اشْتِرَاءُ التَّمْر بِالرُّطَب) - حديث رقم ٤٥٤٧ = ٣٠٩ == بيابس من جنسه، إلا العرايا، وذلك: كالرُّطَب بالتمر، والعنب بالزبيب، واللبن بالجبن، والحنطة المبلولة، أو الرطبة باليابسة، أو المقلية بالنيئة، ونحو ذلك، وبهذا قال سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيّب، والليث، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد. وقال ابن عبد البرّ: جمهور علماء المسلمين، على أن بيع الرُّطَب بالتمر لا يجوز، بحال من الأحوال. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك؛ لأنه لا يخلو: إما أن يكون من جنسه، فيجوز؛ لقوله وَخير: ((التمر بالتمر، مثلا بمثل))، أو من غير جنسه، فيجوز لقوله وَّير)): ((فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم؟))، ولنا قوله وَله: ((لا تبيعوا الثمر بالتمر))، وفي لفظ: ((نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورَخّص في العرية، أن تباع بخِرصها، يأكلها أهلها رُطَبًا))، متفق عليه، وعن سعد رَّه: أن النبي ◌ََّ، سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر؟ فقال: ((أينقص الرطب إذا يبس؟، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك))، رواه مالك، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والأثرم، ولفظ رواية الأثرم، قال: ((فلا إذن))، فَّى، وعَلَّل بأنه ينقص إذا يبس. وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: ((أن رسول اللّه ◌َلّ، نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلا))، ولأنه جنس فيه الربا، بِيعَ بعضه ببعض، على وجه ينفرد أحدهما بالنقصان، فلم يَجُز، كبيع المقلية بالنيئة، ولا يلزم الحديثُ بالْعَتِيق؛ لأن التفاوت يسير. انتهى («المغني)) ٦/ ٦٧ -٦٨. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما عليه الجمهور من عدم جواز بيع الرطب بالتمر هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع الرُّطَب بالرُّطَب، ونحوه: ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز بيع الرطب بالرطب، والعنب بالعنب، ونحوه من الرَّطْب بمثله. وذهب الشافعي إلى منعه فيما بيبس، أما ما لا بيبس، كالقثاء، والخيار ونحوه، فعلى قولين؛ لأنه لا يُعلم تساويهما حالة الإدخار، فأشبه الرطب بالتمر. واحتج بنهيه ربَّر عن بيع الثمر بالتمر؛ فإن مفهومه إباحة بيع كل واحد منهما بمثله؛ ولأنهما تساويا في الحال، على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان، فجاز كبيع اللبن باللبن، والتمر بالتمر، ولأن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥] عامّ خرج منه المنصوص عليه، وهو بيع الثمر بالتمر، وليس هذا في معناه، فبقي على العموم، وما ذكره الشافعيّ لا يصح، فإن التفاوت كثير، وينفرد أحدهما بالنقصان، = ٣١٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع بخلاف مسألتنا، ولا بأس ببيع الحديث بالعتيق، لأن التفاوت في ذلك يسير، ولا يمكن ضبطه، فيُعفى عنه. أفاده في ((المغني)) ٦٨/٦ -٦٩. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن القول بجواز بيع الرُّطَبٍ بالرُّطَبِ، والعنب بالعنب، ونحو ذلك هو الأرجح؛ لقوّة دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٤٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ سَعْدٍ بْن مَالِكِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ، عَنِ الرُّطَبِ بِالنَّمْرِ؟ فَقَالَ: ((أَيَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، فَتَهَى عَنْهُ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن عليّ بن ميمون)): هو أبو العبّاس العطّار الرَّقْيَ، ثقة [١١] ٤١٨/١٤ من أفراد المصنّف. و((محمد بن يوسف الفريابيّ)): هو الضبيّ مولاهم، نزيل قيسارية، من ساحل الشام، ثقة فاضل، يقال: أخطأ في حديث سفيان، وهو مقدّم فيه مع ذلك عندهم على عبد الرزاق [٩] ٤١٨/١٤. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((إسماعيل بن أميّة)): هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة الأمويّ، الثقة الثبت [٦] ٢٤٦٨/١٦. و((زيد)): هو ابن عيّاش المذكور في السند الماضي. و((سعد بن مالك)): هو سعد بن أبي وقّاص ◌َّه. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٣٧- (بَيْعُ الصُّبْرَةِ مِنَ الثَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ الثَّمْرِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الصبرة)) - بضم الصاد المهملة، وسكون الموحّدة- : جمعها صُبَرّ، - بضم، ففتح- كغُرفة وغُرَف، يقال: اشتريتُ الشيء صُبْرةً: أي بلا ٣٧- (بَيْعُ الصُّبْرَةِ مِنَ الثَّمْرِ، لَ يُعْلَمُ ... - حديث رقم ٤٥٤٩ ٣١١ = كيل، ولا وزن. أفاده الفيوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٤٩- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَثَنَا حَجَّاجٌٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ،َ يَقُولُ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ، عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ الثَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخَتْعَمِيُّ، أبو إسحاق المصّيصيّ، ثقة [١١] ٥١/ ٦٤ . ٢ - (حجاج) بن محمد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت، اختلط في الآخر [٩]٣٢/٢٨. ٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] ٣٢/٢٨. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تدرُس المكيّ، صدوق، يدلس [٤] ٣٥/٣١ . ٥- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَمِيّ رضي الله تعالى عنهما ٣١/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه في ((التفسير)). (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وحجاج، فمصْيصيّان. (ومنها): أن فيه جابرًا رَظّه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن ابن جريج، أنه قال (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (يَقُولُ: ((فَى رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ) بضم، فسكون: هي الطعام المجتمع، كالكُومة، جمعها صُبَر، كغُرَف (مِنَ الثَّمْرِ، لَا يُعْلَمُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (مَكِيلُهَا) بفتح الميم مصدر كال، يقال: كال الطعام يكيله كَيلًا، ومَكِيلًا ومَكّالًا، واكتاله بمعنّى، والاسم الكِيلة بالكسر. قاله في ((القاموس))، والمراد هنا أنه لا يُعلم مقدار كيل تلك الصُبْرة، قال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: قوله: ((لا يُعلم مكيلها)) صفة كاشفة للصبرة؛ لأنه لا يقال لها: صُبرة، إلا إذا كانت مجهولة الكيل. انتهى ((نيل الأوطار)) ٢٠٨/٥ (بِالْكَيْلِ) متعلّقٌ ب(بيع))، والباء للمقابلة (الْمُسَمَّى مِنَ الثَّمْرِ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا ٣١٢ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع تصريح بتحريم بيع التمر بالتمر حتى يُعلم المماثلة، قال العلماء: لأنّ الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة؛ لقوله وَله: ((إلا سواءً بسواء))، ولم يحصُل تحقّق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، وسائر الرِّبويّات إذا بيع بعضها ببعض حكم التمر بالتمر. انتهى. (شرح مسلم) ٤١٣/١٠. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من الحنطة، والشعير، وسائر الربويات، قياسًا على التمر قد جاء منصوصًا عليه في حديث الباب التالي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر رَّ هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٥٤٩/٣٧ ٤٥٥٠/٣٨- وفي ((الكبرى)) ٦١٣٨/٣٧ و٦١٣٩/٣٨. وأخرجه (م) في ((البيوع)) ١٥٣١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم بيع الصبرة المجهولة المقدار بالمعلوم المقدار، وهو التحريم. (ومنها): أنه يدلّ على أنه لا يجوز أن يباع جنس بجنسه، وأحدهما مجهول المقدار؛ لأن العلم بالتساوي مع اتّفاق الجنس شرط، لا يجوز البيع بدونه، ولا شكّ أن الجهل بكلا البدلين، أو بأحدهما فقط، مظِنّة للزيادة والنقصان، وما كان مظنّةً للحرام وجب تجنّبه، وتجنّب هذه المظنّة إنما يكون بكيل المكيل، ووزن الموزون من كلّ من البدلين. قاله في ((النيل)) ٢٠٨/٥. (ومنها): أنه يدلّ بمفهومه على أنه لو باع الصبرة بغير جنسها لجاز. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٩- (بَيْعُ الزَّرْعِ بِالطَّعَام) - حديث رقم ٤٥٥١ ٣١٣ = ٣٨- (بَيْعُ الصُّبْرَةِ مِنَ الطَّعَام بِالصُّبْرَةِ مِنَ الطَّعَامِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم معنى الصبرة في الباب الماضي، وأما الطعام - فهو كما قال الأزهريّ- أن أهل الحجاز إذا أطلقوه عَنَوا به البُرّ خاصّة، وفي العرف: اسم لما يُؤكل، مثل الشراب: اسم لما يُشرب. انتهى ((المصباح)). وقال ابن منظور: الطعام: اسم جامعٌ لكلّ ما يؤكل. وقال ابن الأثير: الطعام عامّ في كلّ ما يُقتات، من الحنطة، والشعير، والتمر، وغير ذلك. انتهى. وهذا الإطلاق هو المراد في هذا الباب. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٥٠- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُوِ الزُّبَيِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ النَِّيُّ وَهِ: ((لَا تُبَاعُ الصُّبْرَةُ مِنَ الطَّعَامِ، بِالصُّبْرَةِ مِنَ الطَّعَامِ، وَلَا الصُّبْرَةُ مِنَ الطَّعَامِ، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّ مِنَ الطَّعَام)»). قالَ الجامع عفا اللَّه تعالَى عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور في الباب الماضي. والحديث صحيح، وقد تقدّم شرحه، وتخريجه فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٩- (بَيْعُ الزَّرْعِ بِالطَّعَامِ) ٤٥٥١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((غَّى رَسُولُ اللّهِ وََّ، عَنِ الْمُزَابَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ خَائِطِهِ، وَإِنْ كَانَ نَخَلَا بِتَمْرِ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمَا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعَا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلٍ طَعَامِ، نََّى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والسند من رباعيات المصنّف، وهو (٢٢١) من رباعيات الكتاب. وقوله: ((وإن كان زرعا، أن يبيعه بكيل طعام)): المراد إذا كان من جنسه، وإلا فلا نهي . ٣١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع قال ابن بطال رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع، قبل أن يُقَطع بالطعام؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم، وأما بيع رَطْبٍ ذلك بيابسه، بعد القطع، وإمكان المماثلة، فالجمهور لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه، لا متفاضلا، ولا متماثلا. انتهى. وقد تقدم البحث في ذلك مستوفّى قبل بابين. وقال في ((الفتح)) ١٥١/٥: واحتج الطحاوي لأبي حنيفة، في جواز بيع الزرع الرَّطْبِ بالحب اليابس، بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب، مِثْلا بمثل، مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر، بل تختلف اختلافا متباينا. وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد، وبأن الرطب بالرطب، وإن تفاوت، لكنه نقصان يسير، فَعُفِي عنه؛ لقلته، بخلاف الرطب بالتمر، فإن تفاوته تفاوت كثير. انتهى، وهو تحقيق نفيسٌ جدًا. والله تعالى أعلم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في ٤٣٣/٣٢ والباب الذي بعده، وسبق تمام البحث فيه، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٢- (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ جَابِرِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُزَّابَنَةٍ، وَالْمُخَّاقَلَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يُطْعَمَ، وَعَنْ بَيْعِ ذَلِكَ، إِلَّا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِم))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسنادَ كلهم رجال الصحيح، غير شَيخه، فإنه من أفراده، وهو حرّانيّ ثقة [١١] ٩٣٢/٢٢. و((مخلد بن يزيد)): هو القرشيّ الحرّانيّ، صدوقٌ له أوهام، من كبار [٩] ٢٢٢/١٤١. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح. وقوله: ((المخابرة)): هي كراء الأرض ببعض ما يخرج، وقيل: غير ذلك. و((المزابنة)): هي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر. و((المحاقلة)): هي بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافيه. وقوله: ((قبل أن يُطعِم)) بالبناء للفاعل: أي يَصلُحَ للأكل، يقال: أَطعمتِ الشجرةُ بالألف: إذا أدرك ثمرها. قاله الفيّوميّ. وقد تقدّم البحث عن هذه الأشياء كلّها مستوفّی . والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم في ٤٥٢٥/٢٨ و٤٥٢٦- ومحلّ الشاهد للترجمة قوله: ((وعن بيع ذلك إلا بالدنانير والدراهم))، فإنه يدلّ على أنه لا يجوز بيعها بطعام من جنسها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٣١٥ == ٤٠- (بَیْعُ السُّنبلُ حَتَّی یَبْضَّ) - حدیث رقم ٤٥٥٣ ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . ٤٠- (بَيْعُ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سُنْبُلُ الزرع: فُتْعُلٌ - بضم الفاء والعين، الواحدة سُنْبُلة، والسَّبَلُ مثله، الواحدة سَبَلَة، مثلُ قصب وقَصَبَة، وسَنْبَل الزرعُ: أخرج سُنْبُله، وأسبل بالألف: أخرج سَبَلَه. قاله في ((المصباح)). والسنبلة : -على ما تفيده عبارة البيضاويّ في ((تفسيره)) عند قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١] - هي الشعبة التي تتفرّع عن ساق الزرع. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٥٣- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، نَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلَةِ، حَتَّى تَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ، فََّى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيّ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة . و((إسماعيل)): هو ابن عليّة. و((أيوب)): هو السختيانيّ. وقوله: ((عن بيع النخلة)): أي ثمارها التي عليها، منفردة عنها. وقوله: ((حتّى تزهو)) بفتح المثنّاة الفوقيّة، من زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، ويقال: أيضًا أزهى بالألف، قال ابن الاعرابي: يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهِي: إذا احمر، أو اصفر. وقال الأصمعى: لا يقال في النخل: أزهى، إنما يقال: زها، وحكاهما أبو زيد لغتين. وقال الخليل: أزهى النخل بدا صلاحه. وقال الخطابى: هكذا يُروَى ((حتى يزهو))، قال: والصواب في العربية: حتى يُزهِي، والإزهاء في الثمر: أن يحمرّ، أو يصفرّ، وذلك علامة الصلاح فيها، ودليل خلاصها من الآفة. وقال ابن الأثير: منهم من أنكر يُزهِي، كما أن منهم من أنكر يَزْهُو. وقال الجوهرى: الزَّهْو -بفتح الزاى- وأهل الحجاز يقولون بضمها: وهو البسر الْمُلَّوَّن، يقال: إذا ظهرت الحمرة، أو الصفرة في النخل، فقد ظهر فيه الزهو، وقد زها النخل زهوا، وأزهى لغة . ٣١٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: فهذه أقوال أهل العلم فيه، ويحصل من مجموعها جواز ذلك كله، فالزيادة من الثقة مقبولة، ومن نقل شيئا لم يعرفه غيره، قبلناه إذا كان ثقة. انتهى. ((شرح مسلم)) ١٠ / ٤١٩ - ٤٢٠. وقوله: حتى يبيضّ)) - بتشديد الضاد المعجمة -: معناه: حتى يشتدّ حبّه، وهو بُدُوّ صلاحه . وقوله: ((ويأمن العاهة)): هي الآفة، تُصيب الزرع، أو الثمر، ونحوه، فتُفسده. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في ٤٥٢١/٢٨ - فراجعه تستفد. ودلالته لما ترجم له المصنّف واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٥٤- (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أَنَّ رَجُلًا مَنْ أَصْحَابِ الشَِّّ ◌َ أَخْبَرَهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَّا نَجِدُ الصَّيْحَانِيَّ، وَلَا الْعَذْقَ بِجَمْعِ الثَّمْرِ، حَتَّى نَزِيدَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((بِعْهُ بِالْوَرِقٍ، ثُمَّ اشْتَرٍ بِهِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حقّ هذا الحديث أن يذكر في الباب التالي، وهذا الصنيع، مما يتكرر للمصنّف رحمه الله تعالى، فقد تقدّم في غير موضع أنه قدّم بعض الأحاديث التي لا تطابق الترجمة بل إنما تطابق الترجمة التالية، فيوردها آخر الباب الأول، ولعله كالتنبيه على المناسبة بين البابين، والله تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٧٩/ ٩٦ . ٣- (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل ورع، لكنه يدلس [٥] ١٨/١٧ . ٤- (حبيب بن أبي ثابت) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة فقيه جليل، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] ١٧٠/١٢١ . ٥- (أبو صالح) ذكوان السمان الزيات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦. ٦- (رجل من أصحاب النبيّ وََّ) لم يُسمّ، ولكن جهالة الصحابيّ لا تضرّ؛ لأنهم كلهم عدول. والله تعالى أعلم. ٣١٧ = ٤٠- (بَيْعُ السُّنُْ حَتَّى يَبْضَ) - حديث رقم ٤٥٥٤ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وأبي صالح، فمدنيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: حبيب عن أبي صالح، وهو من رواية الأقران. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِيِ صَالِح) ذكوان السمّان، الزيّات (أَنَّ رَجُلًا) لم أر من سمّاه (مَنْ أَضْحَابٍ النِّيِّ وَّرَ أَخْبَرَهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَجِدُ) وفي نسخة: ((إني لا أجد)) (الصَّيْحَانِيَّ) - بفتح الصاد المهملة، وسكون المثنّة التحتانيّة -: نوعٌ من التمر، قال الفيّوميّ: الصَّيْحانيّ: تمر معروفٌ بالمدينة، ويقال: كان كَبْشٌ اسمه صَيْحَان، شُدْ بنخلة، فنُسبت إليه، وقيل: صَيْحانيّة. قاله ابن فارس، والأزهريّ. وقال المجد في ((القاموس)): والصَّيْحانيّ: من تمر المدينة، نُسب إلى صَيْحَان، لكبش كان يُربط إليها، أو اسم الكبش الصَّيَّاح، وهو من تغيير النسب، كصَنْعَانيّ. انتهى. وقال في ((اللسان)): الصّيْحانيّ: ضرب من تمر المدينة، قال الأزهريّ: الصيحانيّ: ضرب من التمر أسود صُلْبُ الْمَمْضَغَة، وسُمّي صحانيّا؛ لأن صَيْحان اسم كبش، كان يُربط إلى نخلة بالمدينة، فأثمرت تمرًا، فنُسب إلى صيحان. انتهى. (وَلَّا الْعَذْقَ) قال الفيّوميّ: العِذق -بكسر، فسكون -: الْكِبّاسة، وهو جامع الشماريخ، والجمع أَغْذاقٌ، مثلُ حِمْل وأحمال، والْعَذْق - بفتح، فسكون-، مثال فلس: النخلة نفسها، ويُطلق العَذْقُ على أنواع من التمر، ومنه عَذْق ابن الْحُبَيق، وعَذْق ابن طاب، وعَذق ابن زيد. قاله أبو حاتم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنَّ الْعَذْقَ هنا بفتح فسكون، وأنه أراد به نوعًا خاصًا من التمر، كما في الصَّيْحَانيّ. والله تعالى أعلم. (بِجَمْعِ الثَّمْرِ) أي بتمر مختلط من أنواع متفرّقة، وليس مرغوبًا فيه، ولا يكون غالبًا إلا رديئًا. وقال الفيّوميّ: الجمع: الدّقَلُ؛ لأنه يُجمع، ويُخلط، ثم غلب على التمر الرديء، وأُطلق على كل لون من النخل، لا يُعرف اسمه. انتهى. (حَتَّى نَزِيدَهُمْ) أي ندفع لأصحاب الصيحانيّ، والعذق أكثر مما نأخذ منهم (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: (بِعْهُ) أي الجمع (بِالْوَرِقِ) بفتح، فكسر، أو بفتح، فسكون: الفضّة، قال الفيوميّ: الورق بكسر الراء، والإسكان للتخفيف: الثّقْرة المضروبة، ومنهم من يقول: النقرة مضروبة كانت، أوغير مضروبة، قال الفاربيّ: الورق: المال، من ٣١٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع الدراهم، ويُجمع على أوراق، والرِّقَة، مثلُ عِدَة: الروق. انتهى. و((النقرة)): القطعة المذابة من الفضّة (ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ) أي اشتر يذلك الورق ما تشاء من أنواع التمر الجيّد. ومعنى الحديث: أن أهل التمر الجيّد لا يُعطون من الجيّد في مقابلة الرديء بقدره، ولا يرضون به، فكيف نفعل إذا بعنا الجيّد، هل نزيد لهم من الرديء، فبيّن له النبيّ وَلَه أن من أراد تحصيل الجيّد، ينبغي له أن يبيع الرديء بالدنانير، والدراهم، ثم يشتري به الجيّد. قال السنديّ: وليس فيه أنه يبيع الرديء من صاحب الجيّد، لكن بإطلاقه يشمل ما إذا باع منه، فكأنه لهذا استدلّ به بعضهم على جواز حيلة الربا، لكن رده غير واحد. انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٤٠ /٤٥٥٤- وفي ((الكبرى)) ٤٠/ ٦١٤٤. [فإن قلت] : كيف يصحّ، وفي إسناده الأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، وهما معروفان بالتدليس، وقد عنعناه؟. [قلت]: إنما يصح بحديث أبي سعدي الخدريّ ◌َّه الآتي في الباب التالي، فإنه يشهد له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٤١- (بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، مُتَفَاضِلًا) ٤٥٥٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِم، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ، عَنْ سَعِيدٍ ابْنِ الْمُسَيَّبٍ، عَنَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بُطَهِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا، عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَ بِتَمْرِ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟))، قَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَتَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِصَاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (محمد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠ . ٤١- (بَتْعُ التّمْر بالتّمْر، متقاضِلاً) - حديث رقم ٤٥٥٥ ٣١٩= ٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩ / ٩ . ٣- (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩ / ٢٠ . ٤- (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٧ / ٧. ٥- (عبد المجيد بن سُهيل) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبي وهب، أو أبي محمد، ثقة [٦]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حِبّان في ((الثقات)). وقال ابن الْبَرْقيّ: ثقة. وقال الحاكم: شيخ من ثقات المدنيين، عزيز الحديث. روى له الجماعة، سوى الترمذي، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦- (سعيد بن المسيّب) المخزوميّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] ٩/٩. ٧- (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ، رضي الله تعالى عنهما ٦٧ /١٣١٥ . ٨- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه سعيد بن المسيّب من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن صحابييه كانا من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بميم مفتوحة، بعدها جيم، ومن قاله بالمهملة، ثم الميم، فقد صحف. قاله في ((الفتح)) (ابْنِ سُهَيْلٍ) زاد في رواية للبخاريّ: ((ابن عوف)» (عنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) وفي رواية للبخاري، من طريق سليمان بن بلال، عن عبد المجيد: أنه سمع سعيد بن المسيّب (عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنهما. وفي رواية سليمان المذكورة: أن أبا سعيد، وأبا هريرة حدثاه. قال ابن عبد البر: ذكر أبي هريرة لا يوجد في هذا الحديث، إلا لعبد المجيد، وقد رواه قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد وحده، وكذلك رواه جماعة، من أصحاب أبي سعيد عنه. ٣٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع قال الجامع: رواية قتادة هي التي تأتي للنسائي بعد هذا، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عنه، ولكن سياقها مغاير لسياق قصة عبد المجيد. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ) في رواية سليمان المذكورة: ((بعث أخا بني عدي من الأنصار، إلى خيبر، فَأَمَّرَه عليها))، وأخرجه أبو عوانة، والدار قطني، من طريق الدراوردي، عن عبد المجيد، فسماه سَوَاد بن غَزِيّة - وهو بفتح السين المهملة، وتخفيف الواو، وفي آخره دال مهملة- وغزية -بغين معجمة، وزاي، وتحتانية ثقيلة، بوزن عطية- (فَجَاءَ بِتَمْرِ جَنِيبٍ) بجيم، ونون، وتحتانية، وموحدة، وزان عظيم، قال مالك: هو الكبيس، وقال الطحاوي: هو الطيب، وقيل: الصلب، وقيل: الذي أُخرج منه حَشَفُه، ورديئه، وقال غيرهم: هو الذي لا يُخلط بغيره، بخلاف الجمع . (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟))) الهمزة للاستفهام (قَالَ) ذلك الرجل (لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَتَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِصَاعَيْنٍ) ولفظ ((الكبرى)) ((بالصاعين)) بالتعريف، وهو الذي في ((الصحيح))، وزاد في رواية سليمان المذكورة عند البخاريّ: ((من الجمع))، وهو - بفتح الجيم، وسكون الميم -: التمر المختلط، كما سبق (وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثِ) هكذا نسخ ((المجتبى))، ولفظ ((الكبرى)): ((بالثلاثة))، قال في ((الفتح)): قوله: ((بالثلاث)): كذا للأكثر، وللقابسي: ((بالثلاثة))، وكلاهما جائز؛ لأن الصاع یُذكّر، ويؤنث. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا تَفْعَلْ) أي لا تأخذ الجنيب بدفع الزيادة؛ لأنه ربا، فإن احتجت إلى الأخذ (بع الْجَمْعَ) أي التمر الرديء (بِالدَّرَاهِم، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِم جَنِيبًا) وفي رواية سليمان المذكورة: ((ولكن مثلا بمثل)): أي بع المثل بالمثل، وزاد في آخره: ((وكذلك الميزان)): أي في بيع ما يوزن من المقتات بمثله. قال ابن عبد البر: كل من روى عن عبد المجيد هذا الحديث، ذكر فيه الميزان، سوى مالك. وتعقّبه الحافظ، ولم يتبيّن لي سبب اعتراضه. والله تعالى أعلم. قال: وهو أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كلٌّ يقول على أصله: إن كل ما دخله الربا، من جهة التفاضل، فالكيل والوزن فيه واحد، ولكن ما كان أصله الكيل، لا يباع إلا كيلا، وكذا الوزن، ثم ما كان أصله الوزن، لا يصح أن يباع بالكيل، بخلاف ما كان أصله الكيل، فإن بعضهم يُجيز فيه الوزن، ويقول: إن المماثلة تُدرك بالوزن في كل شيء. قال: وأجمعوا على أن التمر بالتمر، لا يجوز بيع بعضه ببعض، إلا مثلًا بمثل، وسواء فيه الطَّيِّب والدُّون، وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد. قال: