Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ = ١٧ - (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلبَادِ) - حديث رقم ٤٤٩٤ ذلك روايتان، ومستند البطلان اقتضاء النهي الفساد، قال أصحابنا، وغيرهم: ولا خيار للمشتري، وروى سحنون، عن ابن القاسم أنه يؤذّب الحاضر إذا باع للبادي، وروى عيسى عنه إن كان معتادًا لذلك، وروى عن ابن وهب أنه لا يؤذّب، سواء كان عالمًا، أو جاهلاً. انتهى (طرح)) ٦/ ٧٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أن القول ببطلان البيع هو الأرجح؛ لأن النهي يقتضي الفساد، ولم يوجد في النصّ ما يصرفه عنه، كما وُجد في بيع المصرّاة، حيث قال اَللّه: ((فمن ابتاع مصرّاة، فهو بخير النظرين)) الحديث، فإن تخييره البائع يصرف النهي فيه عن اقتضائه الفساد، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الشراء لأهل البدو: قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: فأما الشراء لهم، فيصح عند أحمد، وهو قول الحسن، وكرهت طائفة الشراء لهم، كما كرهت البيع، يُروَى عن أنس رَّه، قال: كان يقال: هي كلمة جامعة، يقول: ((لا تبيعنّ له شيئا، ولا تبتاعنّ له شيئا»، وعن مالك في ذلك روايتان، ووجه القول الأول، أن النهي غير متناول للشراء بلفظه، ولا هو في معناه، فإن النهي عن البيع؛ للرفق بأهل الحضر؛ ليتسع عليهم السعر، ويزول عنهم الضرر، وليس ذلك في الشراء لهم، إذ لا يتضررون؛ لعدم الغبن للبادين، بل هو دفع الضرر عنهم، والخلق في نظر الشارع على السواء، فكما شَرَع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر، لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر. انتهى ((المغني)) ٣١١/٦. وقال وليّ الدين رحمه الله تعالى: أما شراء الحاضر للبادي، فاختلف فيه قول مالك، فمرّة منعه، ومرّة قال: لا بأس به، وقال ابن حبيب: الشراء للبادي مثل البيع، ألا ترى قوله وَالر: ((لا يبيع بعضكم على بيع بعض))، إنما هو لا يشتري أحدكم على شراء بعض، قال: فلا يجوز للحضريّ أن يشتري للبدويّ، ولا أن يبيع له، وبه قال ابن حزم الظاهريّ، وقد عرفت الردّ عليه في حمل البيع في ذلك الحديث على الشراء قريبًا، ولم يتعرّض أصحابنا لمنع شراء الحاضر للبادي. انتهى. ((طرح)) ٦/ ٧٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بجواز الشراء هو الأرجح؛ إذ الظاهر عدم تناول قوله: ((ولا يبع حاضر لباد)) للشراء هنا؛ لأن علّة منع البيع هو التوسعة لأهل المدينة ببيع سلعته بسعر يومه، وهذا لا يوجد في الشراء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): بوّب الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((هل يبيع الحاضر للبادي بغير أجر، وهل يُعينه، أو ينصحه، قال رسول اللَّه وَله: ((إذا : ٢٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع استنصح أحدكم أخاه، فلینصح له))، قال: ورخّص فیه عطاء، ثم روی حديث جرير رَوَّ: ((بايعت رسول اللَّه ◌ّل على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والسمع والطاعة، والنصح لكلّ مسلم))، ثم روى حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((لا يبيع حاضر لباد)»، فقيل لابن عباس: ما قوله: ((لا يبيع حاضر لباد؟))، قال: لا یکون له سمسارًا)). ثم بوب (من کره أن یبیع حاضر لباد بأجر))، وروی فیه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((نهى رسول اللَّه ◌َلّر أن يبيع حاضر لباد)»، قال: وبه قال ابن عبّاس، ثم بوّب: ((لا يبيع حاضر لباد بالسمسرة)) قال: وكره ابن سيرين، وإبراهيم البائع والمشتري، وقال إبراهيم: إن العرب تقول: بع لي ثوبًا، وهي تعني الشراء، ثم روى حديث أبي هريرة تَمّه: ((لا يبيع حاضر لباد)». وقال ابن بطال: أراد البخاريّ أن يُجيز بيع الحاضر للبادي بغير أجر، ويمنعه إذا كان بأجر، واستدلّ على ذلك بقول ابن عبّاس: لا يكون له سمسارًا، فكأنه أجاز ذلك لغير السمسار، إذا كان من طريق النصح، قال: ولم يراع الفقهاء في السمسار أجرًا، ولا غيره، والناس في هذا على قولين: فمن كره بيع الحاضر للبادي كرهه بأجر، وبغير أجر، ومن أجازه أجازه بأجر، وبغير أجر. انتهى. ذكره في ((طرح التثريب)) ٦/ ٧٥ - ٧٦. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتحريم بيع الحاضر للبادي مطلقًا - كما هو مذهب الجمهور- هو الحقّ عندي؛ لإطلاق النصوص الواردة فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٩٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: ثُِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِيَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ، أَوْ أَبَاهُ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير: ١- (سالم بن نوح) بن أبي عطاء البصريّ، أبي سعيد العطّار، صدوق، له أوهامٌ [٩]. وفي (تهذيب التهذيب)) ١/ ٦٧٧ -٦٧٨: سالم بن نوح بن أبي عطاء البصري الجزري، أبو سعيد العطار، روى عن سعيد بن إياس الجريري، وابن جريج، وابن أبي عروبة، وعمر بن عامر السلمي، وعمر بن جابر الحنفي، وابن عون، وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل، وعمر بن علي، وقتيبة، وأبو موسى، وبندار، وأبو هشام الرفاعي، وعقبة بن مكرم، ويزيد بن سنان القزاز، وعبد الرحمن بن منصور الحارثي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما بحديثه بأس. وقال الدوري، عن ابن معين: ٢٠٣ = ١٧- (بیعُ الحَاضِرِ لِلبادِ) - حديث رقم ٤٤٩٦ ليس بشيء. وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق، ثقة. وقال أبو حاتم: یکتب حديثه، ولا يحتج به. وقال عمرو بن علي: قلت ليحيى بن سعيد: قال سالم بن نوح: ضاع مني كتاب يونس -يعني ابن عبيد- والجزري، فوجدتهما بعد أربعين سنة، قال يحيى: وما بأس بذلك. وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: عنده غرائب، وأفراد، وأحاديثه محتملة، متقاربة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الساجي: صدوق، ثقة، وأهل البصرة أعلم به، من ابن معين. وذكره ابن شاهين في ((الثقات))، وقال: قال ابن معين: ليس بحديثه بأس. قال البخاري، عن الجراح بن مخلد: مات بعد المائتين. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال ابن قانع: مات سنة (٢٠٠)، وهو بصري ثقة. انتهى. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والباقون، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . والسند مسلسلٌ بالبصريين، كسابقه، ولاحقه، وشيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة، كما سبق فيما قبله. [تنبيه]: زاد في ((الكبرى)) ١٢/٤ رقم ٦٠٨٤ عقب هذا الحديث: ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: سالم بن نوح ليس بالقويّ، ومحمد بن الزبرقان قال(١): أحبّ إلينا منه. انتھی . وقوله: ((نُهينا الخ)) هكذا رواية ابن سيرين بإبهام الناهي، وقد تقدم في رواية الحسن: ((أن النبيّ وَل نهى أن يبيع حاضر لباد))، فعرف أن المبهم هنا هو المفسّر هناك، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهو يقوّي المذهب الصحيح أن لقول الصحابيّ: نُهينا عن كذا حكم الرفع، وأنه في قوّة قوله: قال النبيّ مَّ. انتهى. ((فتح)) ١١٣/٥. والحديث متفق عليه، كما سبق في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٩٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: شُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِيَادٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ. و((ابن عون)): هو عبد الله. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، (١) هكذا النسخة، والظاهر أنها زائد غلط، أو مؤخر من مقدم: والأصل: قال: ومحمد بن الزبرقان أحب إلينا منه. والله أعلم. === ٢٠٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ ونعم الوكيل. ٤٤٩٧ (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِيَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُّ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخثعميّ، أبو إسحاق المصّيصيّ المِقسَميّ، ثقة [١١]. ٢- (حجاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصّيصيّ، ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، اختلط في آخره [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز من جريج المكيّ، نسب لجده، وله كنيتان اشتهر بهما: أبو خالد، وأبو الوليد. ثقة فقيه فاضل يدلس [٦] ٣٢/٢٨. ٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [٤] ٣٥/٣١. ٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام السَّلَمي الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه في ((التفسير)). (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمصّيصيان. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم . شرح الحديث عن ابن جريج، أنه قال: (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّر: ((لَا) نافية، ولذا رُفع الفعل بعده، والمراد بالنفي النهي (يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ) تقدّم تفسيره في شرح حديث أنس رَِّ أول الباب (دَعُوا النَّاسَ) أي اتركوهم على ما هم عليه من التعامل فيما بينهم بالتسامح (يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) بجزم ((يرزق)) على أنه جواب للطلب، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في («خلاصته)): وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْمًا اعْتَمِدْ إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ ويحتمل أن يكون بالرفع على الاستئناف، مرادًا به التعليل؛ أي لأن اللَّه تعالى يرزق ٢٠٥ === ١٧- (بَنِعُ الْحَاضِرِ لِلبادِ) - حديث رقم ٤٤٩٨ بعضهم من بعض. ومعنى رزق الله تعالى بعضهم من بعض هو أن يتبايعوا فيما بينهم بأسعار رخيصة، فتحصل لهم الفائدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٧ / ٤٤٩٧ - وفي («الكبرى» ٦٠٨٦/١٦. وأخرجه (م)٣٨٠٥ و٣٨٠٦ (د) ٣٤٤٢ (ت) في ((البيوع)) ١٢٢٣ (ق) في ((التجارت)) ٢١٧٦ . وفوائده تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٩٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، قَالَ: ((لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلَا يَبِغْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة . و ((أبو الزناد)): هو عبد الله بن ذكوان. و((الأعرج)): هو عبد الرحمن بن هُرْمُز. والسند مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ، وهو من أصح أسانيد أبي هريرة رَّه ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه راويان مشهوران باللقب: أبو الزناد، والأعرج، فأبو الزناد لقب بصورة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، وفيه أبو هريرة تظليه أكثر الصحابة روايةً للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ) ((لا)) ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، و((تلقّوا)) - بفتح أوله، وتشديد القاف المفتوحة، وضمّ الواو- أصله تتلقّوا، فحُذفت منه إحدى التاءين. و((الركبان)»: جمع راكب، والمراد به هنا التجار الذين يأتون إلى البلد بالسلع ليبيعوها فيها. قال في ((الفتح)): هذا خرج مخرج الغالب في أن من يجلُب الطعام يكونون عددًا ركبانًا، ولا مفهوم له، بل لو كان الجالب عددًا، مشاةً، أو واحدًا، راكبًا، أو ماشيًا لم يختلف الحكم. انتهى. وسيأتي تمام البحث عن التلقّي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى (لِلْبَيْعِ) يشمل البيع = ٢٠٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ لهم، والبيع منهم، ويُفهم منه اشتراط قصد ذلك بالتلقّي، فلو تلقّى الركبان أحد للسلام عليهم، أو الفرجة، أو خرج لحاجة له، فوجدهم، فبايعهم، هل يتناوله النهي؟ فيه احتمال، فمن نظر إلى المعنى لم يفترق عنده الحكم بذلك، وهو الأصحَ عند الشافعيّة، وشرط بعض الشافعيّة في النهي أن يبتدىء المتلقّي، فيطلب من الجالب البيع، فلو ابتدأ الجالب بطلب البيع، فاشترى منه المتلقّي لم يدخل في النهي. وذكر إمام الحرمين في صورة التلقّي المحرّم أن يكذب في سعر البلد، ويشتري منهم بأقلّ من ثمن المثل. وذكر المتولّي فيها أن يُخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول. وذكر أبو إسحاق الشيرازيّ أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم. وقد يؤخذ من هذه التقييدات إثبات الخيار لمن وقعت له، ولو لم يكن هناك تلقّ، لكن صرّح الشافعيّة أن كون إخباره كذبًا ليس شرطًا لثبوت الخيار، وإنما يثبت له الخيار إذا ظهر الغبن، فهو المعتبر وجودًا وعدمًا. قاله في ((الفتح)) ١١٤/٥ -١١٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذه القيود التي ذكروها مما لا دليل عليه، فالذي يظهر أن إطلاق نصّ تحريم التلقّي على إطلاقه، حتى يظهر نصّ يقيّده بهذه القيود، أو غيرها. والله تعالى أعلم. (وَلَّا يَبغ) بالجزم لأن ((لا)) ناهية، وفي بعض النسخ: ((ولا يبيع))، فعلى هذا ذ((لا)) نافية، والفعل مرفوع (بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) سيأتي البحث عنه مستوفّى بعد بابين، إن شاء اللّه تعالى (وَلَا تَنَاجَشُوا) جيء بلَفظ التفاعل؛ لأن التجار يتعارضون، فيفعل هذا بصاحبه على أن يكافئه بمثل ما فعل، فنُهوا عن أن يفعلوا معارضة، فضلاً عن أن يفعلوا بدءًا، وسيأتي البحث فيه بعد ثلاثة أبواب، إن شاء اللَّه تعالى (وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ) تقدّم شرحه مستوفّى أول الباب، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٤٩٨/١٧ - وفي ((الكبرى)) ١٦/ ٦٠٨٧. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٥٠ (م) في ((البيوع)) ٣٧٩٤ (د) في ((البيوع)) ٣٤٤٣. وفوائد الحديث تقدمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٩٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ٢٠٧ ١٨ - (التلقي) - حديث رقم ٤٥٠٠ شُعَيْبُ ابْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، أَنَّهُ: ((فَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَالتََّقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرَّ لِبَادٍ)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو مصريّ ثقة [١١]٢٩٤٤/١٥٢. و((أبو شعيب)): هو الليث ابن سعد، إمام أهل مصر. و((كثير بن فرقد)): هو المدنيّ الثقة، نزيل مصر [٧] ١٥٨٩/٣٠. و((عبد اللَّه)): هو ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. والحديث متفق عليه، ويأتي شرحه، وبيان مسائله في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)). ١٨ - (التَّلَقِّي) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((التّلقّي)) مصدر: تلقّي يتلقّى، قال في ((اللسان)): قال الأزهريّ: التلقّي: هو الاستقبال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، قال الفرّاء: يريد ما يلقّى دفع السيّئة بالحسنة، إلا من هو صابرٌ، أو ذو حظّ عظيم، فأنثها لتأنيث إرادة الكلمة. وقيل: أي ما يُعلَّمها، ويوفَّقُ لها إلا الصابر. وتلقّاه: أي استقبله، وفلان يتلقّى فلانًا: أي يستقبله. انتهى. وقال في ((المصباح)): لقِيته ألقاه، من باب تَعِبَ، لُقيّا، والأصل على فُعُول، ولُقّى بالضمّ، مع القصر، ولِقَاءً بالكسر، مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا، أو صادفه: فقد لقيه، ومنه لقاءُ البيتِ، وهو استقباله. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٥٠٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، فَّى عَنِ التَّلَقْي))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة ثبت [١٠] ١٥/١٥. ٢- (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤. ٣- (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو == ٢٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ عثمان المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٤- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢. ٥- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فسرخسيّ، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد الله، عن نافع. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، من المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث، وهو أحد العبادلة الأربعة، المجموعين في قول السيوطيّ في ((ألفية الحدیث)» : وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي وَالْيَخْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرٍو وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهُ والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، نَهَى عَنِ التَّلَّقِّي) أي تلقّي الركبان، وفي الرواية التالية: ((عن تلقّي الجلب، حتى يُدخل بها السوق))، و ((الْجَلَب)) - بفتحتين، أو بفتح، فسكون -: بمعنى الشيء المجلوب. وفي رواية مسلم: ((نهى أن تتلقّى السّلَع حتى تبلغ الأسواق))، و((السلع)) - بكسر، ففتح -: جمع سلعة - بكسر، فسكون -: بمعنى المتاع. قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: فسر أصحابنا تلقّي الركبان بأن يتلقّى طائفةٌ يحملون طعامًا إلى البلد، فيشتريه منهم، قبل قدومهم البلد، ومعرفة سعره، ومقتضى هذا التفسير أن التلقّي لشراء غير الطعام، ليس حكمه كذلك، ولم أر هذا التقييد في کلام غیرهم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التقييد المذكور مما لا دليل عليه، فالصواب المنع مطلقًا، فتنبه. والله تعالى أعلم. والشرط في التحريم - كما قالوا- أن يعلم النهي عن التلقّي، وهذا شرط في سائر المناهي، وروى سحنون عن ابن القاسم أنه يؤدّب، إلا أن يُعذر بالجهل، وروى عيسى ابن دينار، عن ابن القاسم أنه يؤدب إذا كان معتادًا لذلك. واختلفوا في قصد التلقّي، ٢٠٩ ١٨ - (التلقي) - حديث رقم ٤٥٠٠ فلو لم يقصده، بل خرج لشغل، فاشترى منهم، ففي تحريمه خلاف عند الشافعيّة، والمالكية، والأصحّ عند الشافعيّة تحريمه؛ لوجود المعنى، وهو الحقّ. وقال وليّ الدين رحمه الله تعالى: وشرط بعض أصحابنا للتحريم شرطًا آخر، وهو أن يبتدىء المتلقّي القافلةَ بطلب الشراء منهم، فلو ابتدؤوه، فالتمسوا منه الشراء منهم، وهم عالمون بسعر البلد، أو غير عالمين، فجعلوه على الخلاف فيما لو بان أن الشراء بسعر البلد، أو أكثر، والأصحّ أنه لا خيار في هذه الصورة. انتهى. وقال في ((الفتح)): وظاهر الحديث منع التلقّي مطلقًا، سواء كان قريبًا، أم بعيدًا، وسواء كان لأجل الشراء منهم، أم لا. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٧ /٤٤٩٩ و٤٥٠٠/١٨ و٤٥٠٧/٢١ - وفي ((الكبرى)) ٦٠٨٨/١٦ و٦٠٨٩/١٧ و٦٠٩٠ و٦٠٩٦/٢٠. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٤٢ و٢١٥٩ و(الحيل)) ٦٩٦٣ (م) في ((البيوع)) ١٥١٦ (د) في ((البيوع)) ٣٤٣٦ (ق) في ((التجارات)) ٢١٧٣ (أحمد) في ((مسند المكثرين)» ٤٥١٧ و٤٩٩٠ و٥٢٨٢ و٥٨٢٨ (الموطأ) في ((البيوع)) ١٣٩٢ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٥٤. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم تلقّي الركبان: ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور إلى تحريمه. وذهب أبو حنيفة، والأوزاعيّ إلى جوازه، إذا لم يضرّ بالناس، فإن أضرّ كُره، كذا حكاه النوويّ، وقال: والصحيح الأول؛ للنهي الصريح. قال وليّ الدين: والذي في كتب الحنفيّة الكراهة في حالتين: [إحداهما] : أن يضرّ بأهل البلد. [والثانية] : أن يلبّس السعر على الواردين، فإن أراد النوويّ ضرر أهل البلد، فيرد عليه الحالة الثانية، وإن أراد مطلق الناس، تناول الصورتين، ثم إن الكراهة عند بعضهم للتحريم، فإن أرادوا ذلك هنا كان مذهبهم موافقًا لمذهب الجمهور، لكن قال ابن حزم: إن أبا حنيفة كرهه، إن أضرّ بأهل البلد، دون أن يحظره، قال: وما نعلم أحدًا قاله قبله، وحكى ابن حزم عن مالك أنه لا يجوز فعله للتجارة، ولا بأس به لابتياع ٢١٠ : = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع القوت من الطعام، والأضحية، قال: ولا نعلمه عن أحد قبل مالك. انتهى. ((طرح)) ٦/ ٦٤-٦٥ . وقال في ((المغني)): وكره التلفّي أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وحكي عن أبي حنيفة، أنه لم ير بذلك بأسا، وسنة رسول اللَّه وَالر أحق أن تتبع. انتهى. ٣١٢/٦. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الجمهور على تحريم تلقّي الركبان، وهو الحقّ؛ الأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بطلان البيع بالتلقّي: قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: واختلفوا، في أن البيع هل يبطل، أم لا؟، فقال الشافعيّ، وأحمد: لا يبطل، فإن النهي لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يُخلّ هذا الفعل بشيء من أركانه، وشرائطه، وإنما هو لأجل الإضرار بالركبان، وذلك لا يقدح في نفس البيع. وقال آخرون: يبطل؛ لأن النهي يقتضي الفساد، وحكاه الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)) عن غير الشافعيّ من العلماء، وهذه الصيغة، لا عموم فيها، وليس المراد أن جميع العلماء غير الشافعيّ قائلون بالبطلان، وإن كانت العبارة توهم ذلك، وهذا قول في مذهب مالك، حكاه سحنون عن غير ابن القاسم، وقال ابن خويز منداد: البيع صحيح على قول الجميع، وإنما الخلاف في أن المشتري لا يفوز بالسلعة، ويشركه فيها أهل الأسواق، ولا خيار للبائع، أوأن البائع بالخيار. وقال ابن عبد البرّ: ما حكاه ابن خويز منداد عن الجميع في جواز البيع هو الصحيح، لا ما حكاه سحنون عن غير ابن القاسم أنه يُفسخ البيع، قال: وكان ابن حبيب يذهب إلى فسخ البيع في ذلك، فإن لم يوجد، عُرضت السلعة على أهل السوق، واشتركوا فيها، إن أحبّوا، وإن أبوها رُدّت على مبتاعها. انتهى ((طرح)) ٦/ ٦٥. وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: فإن خالف، وتلقى الركبان، واشترى منهم، فالبيع صحيح، في قول الجميع، وقاله ابن عبد البر: وحُكي عن أحمد، رواية أخرى، أن البيع فاسد؛ لظاهر النهي، والأول أصح؛ لأن أبا هريرة تنّه ، روى أن رسول الله وَّة، قال: ((لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، واشترى منه، فإذا أتى السوق، فهو بالخيار))، رواه مسلم، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح؛ ولأن النهي لا لمعنى في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة، يمكن استدراكها بإثبات الخيار، فأشبه بيع المصراة، ٢١١ = ١٨ - (التلقّي) - حديث رقم ٤٥٠٠ وفارق بيع الحاضر للبادي، فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار، إذ ليس الضرر عليه، إنما هو على المسلمين. انتهى ((المغني)) ٣١٣/٦. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الجمهور على أن البيع صحيح؛ لأن الشارع خيّر البائع، بين إمضاء البيع، وفسخه، وإنما يكون الخيار بينهما في عقد صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى الخيار الذي ثبت في هذه المسألة : قال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: قال الشافعيّة: لا خيار للبائع قبل أن يقدم، ويعلم السعر، فإذا قدم، فإن كان الشراء بأرخص من سعر البلد، ثبت له الخيار، سواء أخبر المتلقّي بالسعر كاذبًا، أم لم يخبر، وإن كان الشراء بسعر البلد، أو أكثر، فوجهان: [أصحهما] عندهم أنه لا خيار له؛ لعدم الغبن. [والثاني] : ثبوته؛ لإطلاق الحديث، حيث قال ◌َ: ((فمن تلقّاه، فاشترى منه، فإذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار)). وقال الحنابلة أيضًا بثبوت الخيار، لكنهم قيّدوه بأن يُغبن بما لا يُغبن به عادةً، واختلفوا في تقديره، فقدّره بعضهم بالثلث، وبعضهم بالسدس. واختلف المالكية القائلون بأن البيع لا يبطل على قولين: [أحدهما]: أن السلعة تُعرض على أهل السلع في السوق، فيشتركون فيها بذلك الثمن، بلا زيادة، فإن لم يوجد لها سوقٌ، عُرضت على الناس في المصر، فيشتركون فيها، إن أحبّوا، فإن نقصت عن ذلك الثمن، لزمت المشتري، قاله ابن القاسم، وأصبغ. [والثاني] : يفوز بها المشتري. وقال الليث بن سعد: إن كان بائعها لم يذهب رُدّت إليه، حتى تباع في السوق، وإن كان قد ذهب، ارتُجعت منه، وبيعت في السوق، ودفع إليه ثمنها. انتهى ((طرح)) ٦/ ٦٥ - ٦٦ . وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر ما تقدّم في المسألة السابقة من الخلاف: فإذا تقرر هذا، فللبائع الخيار، إذا علم أنه قد غبن، وقال أصحاب الرأي: لا خيار له، وقد روينا قول رسول اللّه وَ لّ في هذا، ولا قول لأحد مع قوله. وظاهر المذهب، أنه لا خيار له إلا مع الغبن؛ لأنه إنما ثبت لأجل الخديعة، ودفع الضرر، ولا ضرر مع عدم الغبن، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ويحمل إطلاق الحديث في إثبات الخيار، على هذا، لعلمنا بمعناه ومراده؛ لأنه معنى يتعلق الخيار بمثله، ولأن النبي ◌َّ جعل له الخيار، إذا أتى السوق، فيفهم منه أنه أشار إلى معرفته بالغبن في ٢١٢ = = شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع السوق، ولولا ذلك لكان الخيار له، من حين البيع. قال: وينبغي أن يتقيد الغبن المثبت للخيار بما يخرج عن العادة؛ لأن ما دون ذلك لا ينضبط . وقال أصحاب مالك: إنما نهي عن تلقي الركبان؛ لما يفوت به من الرفق لأهل السوق؛ لئلا يُقطع عنهم ماله جلسوا، من ابتغاء فضل الله تعالى، قال ابن القاسم: فإن تلقاها مُتَلَقّ، فاشتراها، عُرِضت على أهل السوق، فيشتركون فيها. وقال الليث بن سعد: تباع في السوق، وهذا مخالف لمدلول الحديث، فإن النبي وَّ، جعل الخيار للبائع، إذا دخل السوق، ولم يجعلوا له خيارا، وجَعْلُ النبي ◌َّر الخيار له، يدل على أن النهي عن تلقي الركبان؛ لحقه، لا لحق غيره، ولأن الجالس في السوق، كالمتلقي في أن كل واحد منهما، مبتغ لفضل الله تعالى، فلا يليق بالحكمة فسخ عقد أحدهما، وإلحاق الضرر به، دفعا للضرر عن مثله، وليس رعاية حق الجالس، أولى من رعاية حق المتلقي، ولا يمكن اشتراك أهل السوق كلهم في سلعته، فلا يُعَرَّجُ على مثل هذا. والله أعلم. انتهى ((المغني)) ٣١٣/٦-٣١٤. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن قدامة رحمه الله تعالى في الرد على أصحاب مالك، رحمهم الله تعالى فيما قالوه؛ لمخالفته صريح الحديث، حسنٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): فيما ذكره أهل العلم في سبب النهي عن التلقّي المذكور: قال النوويّ رحمه الله تعالى: قال العلماء: وسبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب، وصيانته ممن يخدعه، قال الامام، أبو عبد الله المازريّ: [فإن قيل] : المنع من بيع الحاضر للبادى سببه الرفق بأهل البلد، واحتُمِل فيه غبن البادي، والمنع من التلقي أن لا يُغْبَن البادي، ولهذا قال ◌َّ: «فإذا أتى سيدُهُ السوقَ، فهو بالخيار)). [فالجواب] : أن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل، إلى مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن يُنظَر للجماعة على الواحد، لا للواحد على الواحد، فلما كان البادي، إذا باع بنفسه، انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصا، فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشرع لأهل البلد على البادي، ولما كان فى التلقي، إنما ينتفع المتلقي خاصة، وهو واحد فى قُبالة واحد، لم يكن فى إباحة التلقي مصلحة، لا سيما وينضاف إلى ذلك علة ثانية، وهى لحوق الضرر بأهل السوق، فى انفراد المتلقي عنهم بالرخص، وقطع الموادّ عنهم، وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشرع لهم عليه، فلا تناقض بين المسئلتين، بل هما متفقتان فى الحكمة، والمصلحة. والله أعلم. انتهى ((شرح مسلم)) ١٠/ ٤٠٣. ٢١٣ ١٨ - (التلقي) - حديث رقم ٤٥٠٠ : ذلك لحقّ وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: واختلف في وجه النهي عن التلقّي، الله تعالى، وعلى هذا، فيُفسخ البيع أبدًا، وقال به بعض أصحابنا، وهذا إنما يليق بأصول أهل الظاهر. والجمهور: على أنه لحقّ الآدميّ؛ لما يدخل عليه من الضرر، ثم اختلفوا فيمن يرجع إليه هذا الضرر، فقال الشافعيّ: هو البائع، فيدخل عيه ضرر الغبن، وعلى هذا، فلو وقع لم يُفسخ، ويكون صاحبه بالخيار، وعلى هذا يدلّ ظاهر الحديث، فإنه قال فيه: ((إذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار)). وقال مالك: بل هم أهل السوق بما يدخل عليهم من غلاء السلع، ومقصود الشرع الرفقُ بأهل الحاضرة، كما قد قال: ((دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض))، وكأن مالكًا لم تبلغه هذه الزيادة ، أو لم تثبت عنده أنها من قول النبيّ وَّر، وعلى قول مالك فلا يُفسخ، ولكن يخيّر أهل السوق، فإن لم يكن سوقٌ، فأهل المصر بالخيار، وهل يدخل المتلقّي معه، أو لا؟ قولان، سبب المنع عقوبته بنقيض قصده. وقد أجاز أبو حنيفة، والأوزاعيّ التلقّي إلا أن يضرّ بالناس، فيكره، وهذه الأحاديث حجةٌ عليهما. انتهى ((المفهم)) ٣٦٦/٤ -٣٦٧ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب ما قاله الشافعيّ رحمه الله تعالى من أن النهي لحقّ البائع، وأن له الخيار؛ لموافقته للنص الصحيح الصريح: ((فإذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار))، فإنه يدلّ على أن البائع هو سبب النهي، وأن البيع إذا أجازه جاز، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم هل يُقدّر النهي عن التلقّي بمسافة، أم لا: قال وليّ الدين العراقيّ رحمه الله تعالى: ظاهر الحديث أنه لا فرق في النهي عن التلقّي بين أن تكون المسافة التي يُتلقّى إليها قريبة، أو بعيدة، وهو الذي يقتضيه إطلاق أصحابنا، وغيرهم، وقيّد المالكيّة محل النهي بحدّ مخصوص، واختلفوا في ذلك الحدّ، فقال بعضهم: ميل. وقال بعضهم: فرسخان. وقال بعضهم: يومان، وهو معنى ما رواه أبو قرّة، عن مالك أنه قال: إني لأكره تلقي السلع، وأن يُبلغ به أربعة برود. انتهى. فإن زادت المسافة على ذلك لم تدخل تحت النهي، وقيل لمالك: أرأيت إن كان ذلك على رأس ستة أميال؟ فقال: لا بأس بذلك، وكأن ذلك جاز على طريقته في أن النظر لأهل البلد، وإنما تتشوّف أطماعهم لمن قرُب منهم، وأما البعيد، فلا تشوّف لهم إليه، ولعلّ النظر في تحديد القرب للعرف. وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه منهيّ عنه إذا كان بحيث لا تقصر الصلاة إليه، فإن تلقّاها بحيث تقصر الصلاة، فصاعدًا، فلا بأس بذلك. انتهى ((طرح التثريب)) ٦/ ٦٧ -٦٨. وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: وقد اختلف أصحابنا - يعني المالكية- ٢١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع في مسافة منع التلقّي، فقيل: يومان، وقيل ستة أميال، وقيل: قرب المصر. قلت: هذه التحديدات متعارضةٌ، لا معنى لها؛ إذ لا توقيف، وإنما محلّ المنع أن ينفرد المتلقّي بالقادم خارج السوق بحيث لا يعرف ذلك أهل السوق غالبًا، وعلى هذا، فيكون ذلك في القريب والبعيد، حتى يصحّ قول بعض أصحابنا: لو تلقّى الجلب في أطراف البلد، أو أقاصيه، لكان تلقّا منهيّا عنه، وهو الصحيح؛ لنهيه بَّر في الرواية الأخرى عن تلقّي السلع حتى تورد الأسواق، فلو لم يكن للسلعة سوقٌ، فلا يخرج إليها؛ لأنه التلقّي المنهيّ عنه، غير أنه يجوز أن يشتري في أطراف البلد؛ لأن البلد كلّه سوقها. انتهى ((المفهم)) ٣٦٦/٤ . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب هو ما عليه الجمهور من أن التلقيّ حرام مطلقًا، سواء كانت المسافة قريبة، أم بعيدة، إذا كان خارج السوق؛ لإطلاق النصوص في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): قد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بابًا لمنتهى التلقّي، فقال: ((باب منتهى التلقّي))، ثم أورد فيه حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: ((كنّا نتلقّى الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبيّ ◌َّ أن نبيعه، حتى نبلغ به سوق الطعام))، وحديثه: ((كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم النبيّ بَّر أن يبيعوه في مكانه، حتى ينقلوه))، فبيّن بالرواية الثانية أن التلقّي كان إلى أعلى السوق من غير خروج عن البلد، فإن خرج منها، وقع في التلقّي المنهيّ عنه، قال وليّ الدين: وكلام أصحابنا يوافق هذا، حيث قالوا في تعريفه الذي قدّمت ذكره ((قبل قدومهم البلد))، والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظّ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك، فهو بتقصيرهم، وأما قبل دخول البلد، فإنهم لا يعرفون السعر، ولو أمكنهم تعرّفه، فنادرٌ، لا يترتب عليه حكم. وذكر ابن بطّال أن ما كان خارجًا عن السوق في الحاضرة، أو قريبًا منها بحيث يجد من يسأله عن سعرها أنه لا يجوز الشراء هنالك؛ لأنه داخل في معنى التلقّي، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك، فيجوز فيه البيع، وليس بتلقّ. قال مالك: وأكره أن يشتري في نواحي المصر حتى يهبط به السوق. قال ابن المنذر: وبلغني هذا القول عن أحمد، وإسحاق أنهما نهيا عن التلقّي خارج السوق، ورخّصا في ذلك في أعلى السوق إلى آخر كلامه، فرد تبويب البخاري إلى مذهبه، والمعنى الذي ذكره في أنه إذا وجد من يسأله عن السعر كان الشراء حرامًا، وإن لم يجد من يسأله عن السعر، كان جائزًا غير ملائم، والذي يقتضيه النظر عكسه. والله أعلم. ٢١٥ ١٨ - (التَّقي) - حديث رقم ٤٥٠١ وحكى ابن عبد البرّ عن الليث بن سعد أنه قال: أكره تلقي السلع، وشراءها في الطريق، أو على بابك، حتى تقف السلعة في سوقها التي تباع فيها، قال: وإن كان على بابه، أو في طريقه، فمرّت به سلعة، يريد صاحبها سوق تلك السلعة، فلا بأس أن يشتريها، إذا لم يقصد التلقّي، إنما التلقّي أن يقصد لذلك. انتهى ((طرح التثريب)) ٦ /٦٨ - ٦٩. وذكر ابن حزم أن حديث ابن عمر هذا استدلّ به من أجاز التلقّي، قال: ولا حجة لهم فيه؛ لستّة أوجه : [أحدها] : أن المحتجين به هم القائلون بأن الصاحب إذا روى خبرًا، ثم خالفه، فقوله حجة في ردّ الخبر، وقد صحّ عن ابن عمر الفتيا بترك التلقّي. [ثانيها] : أنه لا كراهة عندهم في بيع الطعام حيث ابتاعه. [ثالثها]: أن معنى قوله: ((فنهانا أن نبيعه)): أن نبتاعه. [رابعها] : أن هذا منسوخ بالنهي. [خامسها] : أنه محمول على أن البائعين أجازوا البيع. [سادسها] : ما قدّمته من أن الرواية الأخرى بيّنت أن التلقّي كان إلى أعلى السوق من غير خروج عنه. انتهى من ((المحلّى)) ٤٥١/٨ باختصار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((نَى رَسُولُ اللَّهِ وَرَ، عَنْ تَلَقِي الْجَلَبِ، حَتَّى يُدْخَلَ بِهَا السُّوقُ؟، فَأَقَرَّ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ، وَقَالَ: نَعَمْ)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة . و((أبو أسامة)): هو حماد بن أُسامة. وقوله: ((قلت لأبي أسامة الخ)) هذا طريق من طرق تحمّل الحديث، يسمّى العَرْض، وهو القراءة على الشيخ، وهو صحيح، بلا خلاف بين الجمهور، إذا أقرّ الشيخ بذلك لفظا، كما في هذه الرواية، حيث قال أبو أسامة: نعم، وإنما الخلاف فيما إذا سكت، والأكثرون على صحة الرواية بها. قال في ((تدريب الراوي)): إذا قرأ على الشيخ، قائلا: أخبرك فلان، أو نحوه، كقلتَ: أخبرنا فلان، والشيخ مصغ إليه، فاهم له، غير منكر، ولا مُقِرّ لفظا، صح السماع، وجازت الرواية به؛ اكتفاء بالقرائن الظاهرة، ولا يشترط نطق الشيخ بالإقرار، كقوله: نعم على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الحديث، والفقه، والأصول، وشرط بعض الشافعيين، كالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وسُلَيم الرازي، وبعض الظاهريين نطقه به، وقال ابن الصباغ: ليس له إذا رواه عنه، أن يقول: حدثني، . = ٢١٦ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع ولا أخبرني، وله أن يعمل به، وأن يرويه قائلا: قرأت عليه، أو قرئ عليه، وهو يسمع، وصححه الغزالي، والآمدي، وحكاه عن المتكلمين، وحكى تجويز ذلك عن الفقهاء والمحدثين، وحكاه الحاكم عن الأئمة الأربعة، وصححه ابن الحاجب، وقال الزركشي: يشترط أن يكون سكوته، لا عن غفلة، أو إكراه، وفيه نظر. ولو أشار الشيخ برأسه، أو أصبعه للإقرار، ولم يتلفظ، فجزم في المحصول، بأنه لا يقول: حدثني، ولا أخبرني، قال العراقي: وفيه نظر. انتهى. وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية الحديث)) بقوله: إِذَا قُرِي وَلَمْ يُقِرَّ الْمُسْمَعُ لَفْظًا كَفَى وَقِيلَ لَيْسَ يَنْفَعُ ثَالِثُهَا يَعْمَلُ أَوْ يَزْوِيهِ بِقَذْ قَرَأْتُ أَوْ قُرِي عَلَيْهِ وقوله: ((تلقّي الجلب)): هو بفتحتين فَعَلٌ، بمعنى مفعول: وهو ما تجلُبُه من بلد إلى بلد. قاله الفيّوميّ. وقال في ((القاموس)): جلبه يجلبه، من بابي ضرب، ونصر، جَلْبًا - بالسكون-، وجَلَبًا -بفتحتين- واجتلبه: ساقه من موضع إلى آخر، فجَلَبَ هو، وانجلب. انتھی بإيضاح. فعلم من هذا أن الجلب هنا بفتحتين، فقول السنديّ في ((شرحه)): هو بفتح اللام، وسكونها، لا وجه له؛ لأن جواز الوجهين في المصدر، لا في الجلب بمعنى المجلوب. فتنبه. والحديث سبق تخريجه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((نَّى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ،َ وَأَنَّ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ))، قُلْتُ لِأَبْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة . و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام الصنعانيّ. و((معمر)): هو ابن راشد. و((ابن طاوس)): هو عبد الله. والسند مسلسل باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، حبر الأمة، وبحرها، وأحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. وقوله: (أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ) بناء الفعل للمفعول. وقوله: «مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟»: أي ما المراد بقوله وَخر: ((لا يبيع حاضر لباد؟. وقوله: ((لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا)) هكذا في النسخة الهندية بالنصب، خبرًا ل((يكون))، ووقع في النسخ المطبوعة، و((الكبرى)) ١٨ - (التلقي) - حديث رقم ٤٥٠٣ ٢١٧= سمسار))، والأول أولى، وللثاني أيضًا وجه، وهو أن يكون كتب على لغة ربيعة، حيث إنهم يقفون على المنصوب المنون بالسكون، كالمرفوع، والمجرور، أو أَنَّ ((يكون)) عملت في ضمير الشأن، وجملة ((له سمسار))خبرها . و(السمسار)) - بمهملتين، الأولى مكسورة: قال في ((الفتح)): هو في الأصل: القيّم بالأمر، والحافظ له، ثم استُعمل في متولّي البيع والشراء لغيره. انتهى. وقال في ((اللسان)): السمسار الذي يبيع البرّ للناس. وقال الليث: السمسار: فارسيّة معرّبة، والجمع السماسرة. قال: وقيل: السمسار: القيّم بالأمر الحافظ له، وهو في البيع اسم للذي يدخل بين البائع والمشتري، متوسّطًا لإمضاء البيع. قال: والسمسرة البيع والشراء. انتهى باختصار ٣٨٠/٤-٣٨١. وفي هذا التفسير تعقّب على من فسّر قوله: ((لا يبيع حاضر لباد)) بأن المراد نهي الحاضر أن يبيع للبادي في زمن الغلاء شيئًا يحتاج إليه أهل البلد، وهو مذكور في كتب الحنفيّة. أفاده في ((الفتح)) ١١٠/٥. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٨ / ٤٥٠٢- وفي ((الكبرى)) ٦٠٩١/١٧. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢١٥٨ و٢١٦٣ و((الإجارة)» ٢٢٧٤ (م) في ((البيوع)) ١٥٢١ (د) في ((البيوع)) ٣٤٣٩ (ق) في ((التجارات)) ٢١٧٧ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٣٤٧٢. وفوائد الحديث تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥٠٣- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، قَالَ: أَنْبَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ الْقُرْدُوسِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ سِيرِينَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّهُ، فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَّى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد إلى ابن جريج، سبق في الباب الماضي. و((هسام بن حسّان القُرْدُوسيّ)): هو الأزديّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقالٌ؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما [٦] ٣٠٠/١٨٨. [تنبيه]: ((القردوسيّ)): بضم القاف والدال، وإسكان الراء بينهما: منسوب إلى = ٢١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ القراديس، قبيلة معروفة. قاله النوويّ في ((شرح مسلم)) ١٠/ ٤٠٣. وقوله: ((فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار)): المراد بالسيّد: هو الجالب. قال النوويّ: قال أصحابنا: لا خيار للبائع قبل أن يَقدَم، ويَعلَم السعر، فإذا قَدِم، فإن كان الشراء بأرخص من سعر البلد، ثبت له الخيار، سواء أخبر الْمُتَلَقّي بالسعر كاذبا، أم لم يخبر، وإن كان الشراء بسعر البلد، أو أكثر فوجهان: الأصح لا خيار له؛ لعدم الغبن، والثانى ثبوته؛ لاطلاق الحديث. والله أعلم. انتهى. ((شرح مسلم)) ١٠/ ٤٠٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٨/ ٤٥٠٣- وفي ((الكبرى)) ٦٠٩٢/١٧. وأخرجه (م) في ((البيوع)) ٣٨٠٢. وبقية المسائل تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ١٩ - (سَوْمُ الرَّجُلِ عَلَى سَوْم أَخِيهِ) ٤٥٠٤- (حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَّا يُسَاوِمِ الرَّجُلُ عَلَى سَوْم أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَّلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، لِتَكْتَفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا، وَلِتُنْكَحَ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((إسماعيل)): هو ابن عليّة. وقوله: ((ولا تسأل المرأة طلاق أختها)): أي لا تطلب المرأة المخطوبة أن يطلّق الخاطب امرأته الموجودة في بيته، يعني أنه لا تقول: لاَّ أقبل النكاح، ولا أرضى به إلا بطلاقك زوجتك التي معك . ٢١٩ === ١٩ - (سَوْمُ الرَّجُلِ عَلَى سَوْم أَخِيهِ) - حديث رقم ٤٥٠٤ وقوله: ((لتكفىء)) بالبناء للفاعل، افتعال من كفأ بالهمزة: أي لتكبّ ما في إنائها من الخير، وهو عّة للسؤال، والمراد أنها لا تسأل طلاقها لتصرف به ما لها من النفقة، والكسوة من الزوج عنها إليها . وقوله: ((ولتُنكح)) بالبناء للمفعول، وهو منصوب بالعطف على (تكفىءَ))، وقد تقدّم بيان ما يتعلّق به، وبالخطبة على خطبة أخيه، مستوفَى في ((كتاب النكاح))، فراجعه تستفد . والحديث متفق عليه، وقد تقدّم في ((كتاب النكاح)) ٢٠/ ٣٢٤٠ - وتقدّم شرحه، وبيان مسائله، فما بقي إلا أن أتكلّم على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو السوم على سوم أخيه، فأقول: (مسألة): في أقوال أهل العلم في معنى السوم على سوم أخيه، وحكمه: قال النوويّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: معنى ((سوم الرجل على سوم أخيه))، هو أن يكون، قد اتفق مالك السلعة، والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع: أنا أشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن، وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد، فليس بحرام. انتهى ((شرح مسلم)) ٣٩٨/١٠. وقال في ((الفتح)): قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة، في زمن الخيار: افسَخْ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيد، وهو مجمع عليه. وأما السوم، فصورته أن يأخذ شيئا ليشتريه، فيقول له: رُدّه لأبيعك خيرا منه بثمنه، أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استَرِدَّه لأشتريه منك بأكثر، ومحله بعد استقرار الثمن، وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك صريحا، فلا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهرا ففيه وجهان للشافعية . ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك، وقال: إن لفظ الحديث لا يدل عليه. وتعقب بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم؛ لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد، لا يحرم اتفاقا، كما نقله ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك. وقد استثنى بعض الشافعية، من تحريم البيع والسوم على الآخر، ما إذا لم يكن المشترى مغبونا غبنا فاحشا، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث: («الدينُ النصيحة)»، لكن لم تنحصر النصيحة في البيع والسوم، فله أن يُعَرّفه أن قيمتها كذا، وأنك إن بعتها بكذا مغبون، من غير أن يزيد فيها، فيجمع بذلك بين المصلحتين. ٢٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع وذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور، مع تأثيم فاعله، وعند المالكية، والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر. والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)) ٨٨/٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه المالكية، والحنابلة، وأهل الظاهر من فساد البيع هو الأرجح؛ لأن النهي للفساد. والله تعالى أعلم. وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: سوم الرجل على سوم أخيه: لا يخلو من أربعة أقسام: [أحدها] : أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع، فهذا يحرم السوم على غير ذلك المشتري، وهو الذي تناوله النهي. [الثاني] : أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا، فلا يحرم السوم؛ لأن النبي ◌َّر، باع فيمن يزيد، كما سيأتي حديث أنس رَّه بعد بابين، إن شاء الله تعالى، قال: وهذا أيضا إجماع المسلمين، يبيعون في أسواقهم بالمزايدة. [الثالث] : أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا، ولا على عدمه، فلا يجوز له السوم أيضا، ولا الزيادة؛ استدلالًا بحديث فاطمة بنت قيس، حين ذكرت للنبي وَلهر، أن معاوية، وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة، وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سوم أخيه، فما أبيح في أحدهما، أبيح في الآخر . [الرابع] : أن يظهر منه ما يدل على الرضا، من غير تصريح، فقال القاضي: لا تحرم المساومة، وذكر أن أحمد نص عليه في الخطبة، استدلالا بحديث فاطمة، ولأن الأصل إباحة السوم، والخطبة، فحرم منع ما وجد فيه التصريح بالرضا، وما عداه يبقى على الأصل، ولو قيل بالتحريم ههنا: لكان وجها حسنا، فإن النهي عام، خرجت منه الصور المخصوصة بأدلتها، فتبقى هذه الصورة على مقتضى العموم، ولأنه وجد منه دليل الرضا، فأشبه ما لو صرح به، ولا يضر اختلاف الدليل بعد التساوي في الدلالة، وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضا؛ لأنها جاءت مستشيرة للنبي ◌َّر، وليس ذلك دليلا على الرضا، فكيف ترضى، وقد نهاها النبي وَلّ بقوله: ((لا تفوتينا بنفسك))، فلم تكن تفعل شيئا، قبل مراجعة النبي ◌َّر، والحكم في الفساد كالحكم في البيع على بيع أخيه، في الموضع الذي حكمنا بالتحريم فيه. انتهى ((المغني)) ٣٠٦/٦-٣٠٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).