Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
E
١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩
وطلب التمر، لم يكن له ذلك، إذا كان بحاله لم يتغير. وقيل: لا يلزمه قبوله لظاهر
الخبر، ولأنه قد نقص بالحلب، وكونه في الضرع أحفظ له، ولنا إنه قدر على رد
المبدل، فلم يلزمه البدل، كسائر المبدلات مع أبدالها، والحديث المراد به التمر، حالة
عدم اللبن؛ لقوله: ((ففي حلبتها صاع من تمر))، ولما ذكرنا من المعنى، وقولهم: إن
الضرع أحفظ له لا يصح؛ لأنه لا يمكن إبقاؤه في الضرع على الدوام، وبقاؤه يضر
بالحيوان، وإن كان اللبن قد تغير ففيه وجهان: أحدهما لا يلزمه قبوله، وهذا قول
مالك؛ للخبر، ولأنه قد نقص بالحموضة، فأشبه ما لو أتلفه. والثاني يلزمه قبوله؛ لأن
النقص حصل بإسلام المبيع، وبتغرير البائع، وتسليطه على حلبه، فلم يمنع الرد كلبن
غير المصراة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في ثبوت التصرية في البقرة:
ذهب الجمهور إلى أنه لا فرق في التصرية، بين الشاة، والناقة، والبقرة، وشذ داود،
فقال: لا يثبت الخيار بتصرية البقرة؛ لأن الحديث: ((لا تصروا الإبل والغنم))، فدل
على أن ما عداهما بخلافهما، ولأن الحكم ثبت فيهما بالنص، والقياس لا تثبت به
الأحكام، واحتج الجمهور بعموم قوله: ((من اشترى مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام))،
وفي حديث ابن عمر: ((من ابتاع مُحَفِّلة))، ولم يفصل، ولأنه تصرية بلبن من بهيمة
الأنعام، فأشبه الإبل والغنم، والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر؛ لأن لبنها أغزر، وأكثر
نفعا، وقولهم: إن الأحكام لا تثبت بالقياس ممنوع، ثم هو ههنا ثبت بالتنبيه، وهو
حجة عند الجميع. قاله في ((المغني)) ٢٢١/٦-٢٢٢. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حكم مصرّاة غير بهيمة الأنعام:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: فإن اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام، كالأمة،
والأتان، والفرس، ففيه وجهان: [أحدهما]: يثبت له الخيار، اختاره ابن عقيل، وهو
ظاهر مذهب الشافعي؛ لعموم قوله: ((من اشترى مصراة))، و((من اشترى محفلة)»، ولأنه
تصرية بما يختلف الثمن به، فأثبت الخيار، كتصرية بهيمة الأنعام، وذلك أن لبن الآدمية
يراد للرضاع، ويرغب فيها ظهرا، ويُحَسِّن ثديها، ولذلك لو اشترط كثرة لبنها، فبان
بخلافه، مَلَك الفسخ، ولولم يكن مقصودا لما ثبت باشتراطه، ولا ملك الفسخ بعدمه،
ولأن الأتان والفرس يرادان لولدهما.
[والثاني] : لا يثبت به الخيار؛ لأن لبنها لا يعتاض عنه في العادة، ولا يُقصد قصد
لبن بهيمة الأنعام، والخبر ورد في بهيمة الأنعام، ولا يصح القياس عليه؛ لأن قصد لبن

١٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
بهيمة الأنعام أكثر، واللفظ العام أريد به الخاص، بدليل أنه أمر في ردها بصاع من تمر،
ولا يجب في لبن غيرها، ولأنه ورد عاما وخاصا في قضية واحدة، فيحمل العام على
الخاص، ويكون المراد بالعام في أحد الحديثين الخاصَّ في الحديث الآخر.
وعلى الوجه الأول، إذا ردها لم يلزم بدل لبنها، ولا يرد معها شيئا؛ لأن هذا اللبن
لا یباع عادة، ولا یعاوض عنه. انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الثاني - وهو عدم ثبوت الخيار في غير
بهيمة الأنعام- أرجح؛ لقوة أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: [إن قلت] : قوله:
((بعد أن يحلبها)) يقتضي أنه لا يثبت الخيار إلا بعد الحلب، مع أنه ثابتٌ قبله، إذا علم
التصرية. [قلت]: قال الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)): جوابه أنه يقتضي إثبات
الخيار في هذين الأمرين المعنيين، أعني الإمساك والرّ مع الصاع، وهذا إنما يكون بعد
الحلب؛ لتوقّف هذين المعنيين على الحلب؛ لأن الصاع عوض عن اللبن، ومن
ضرورة ذلك الحلب. انتهى.
قال وليّ الدين: وقد يجاب عنه بأن التصرية لا تعرف غالبًا إلا بالحلب؛ لأنه إذا
حلب أوّلًا لبنًا غزيرًا، ثم حلب ثانيًا لبنًا قليلًا، عُرف حينئذ ذلك، فعبّر بالحلب عن
معرفة التصرية؛ لأنه ملازم له غالبًا. والله أعلم. انتهى ((طرح التثريب) ٧٨/٦. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في الردّ، هل هو على الفور، أم لا؟:
ذهب بعضهم إلى أنه على الفور؛ كسائر العيوب، وصححه البغويّ، والرافعيّ،
والنوويّ. لظاهر قوله: ((وإن كرهها ردّها)).
وذهب بعضهم إلى أنه يمتدّ إلى ثلاثة أيام؛ لقوله: ((فهو بالخيار ثلاثة أيام))، وصوّبه
ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)»، وهو الصحيح، وحكي عن نصّ الشافعيّ، وقال ابن
المنذر: إنه مذهب الشافعيّ، وهو مذهب الحنابلة. وجواب الأولين عن هذه الرواية
بحملها على ما إذا لم يعلم أنها مصرّاة إلا في ثلاثة أيام؛ لأن الغالب أنه لا يُعلم فيما
دون ذلك، فإنه إذا نقص لبنها في اليوم الثاني عن الأول، احتمل كون النقص لعارض،
من سوء مرعاها في ذلك اليوم، أو غير ذلك، فإذا استمرّ كذلك ثلاثة أيام، عُلم أنها
مصرّاة، مما لا يُلتفت إليه؛ لكونه خلاف الظاهر. والله تعالى أعلم.
ثم اختلف القائلون بامتداد الخيار ثلاثة أيام في ابتدائها، وللشافعيّة في ذلك وجهان:
[أحدهما]: أن ابتداءها من العقد. [الثاني] : أنه من التفرّق، وشبهوا الوجهين

١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٨٩
١٨٣ =
بالوجهين في خيار الشرط، ومقتضى ذلك أن الراجح أن ابتداءها من العقد، وقال
الحنابلة: إن ابتداءها من حين تبيّنت التصرية. قاله في ((الطرح)) ٧٩/٦.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحنابلة هو الأرجح عندي؛ لموافقته لظاهر
الحديث، حيث رتّب ثبوت الخيار بما بعد الحلب، وهو معنى تبيّن التصرية، فافهم.
والله تعالى أعلم.
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: رتّب الشافعيّة على القول بامتداد الخيار ثلاثة
أيام فروعًا: [منها] : أنه لو عرف التصرية قبل ثلاثة أيام امتدّ الخيار إلى آخر الثلاثة فقط.
[ومنها] : أنه لو عرف التصرية في آخر الثلاثة، أو بعدها، فلا خيار على القول بأن مدته
ثلاثة أيام؛ لامتناع مجاوزة الثلاثة. [ومنها] : أنه لو اشترى عالمًا بالتصرية، ثبت له الخيار
ثلاثة أيام، وأما على القول بأنه على الفور، فلا يختلف الحكم في الفرعين الأولين، ولا
خيار في الثالث، كسائر العيوب. قال وليّ الدين رحمه الله: وفيما ذكره أصحابنا في هذه
الفروع نظرٌ، والظاهر أن الشارع إنما اعتبر المدة من حين معرفة سبب الخيار، وإلا كان يلزم
أن يكون الفور متّصلًا بالعقد، ولو لم يعلم به لخيف أنه إذا تأخّر علمه به عن العقد، فات
الخيار، وهذا لا يمكن القول به، ويلزم على ما ذكروه أن يكون الفور أوسع من ثلاث في
الفرع الثاني، وهو بعيد، ويلزم عليه أيضًا أن تُحسب المدّة قبل التمكن من الفسخ، وذلك
يفوّت مقصود التوسيع بالمدّة، ويؤدي إلى نقصانها فيما إذا لم يعلم به إلا بعد مضيّ بعضها،
وهذا مما يقوّي مذهب الحنابلة في ذلك، وهو عندي أظهر، وأوفق للحديث، وللمعنى.
والله أعلم انتهى ((طرحٍ)) ٧٩/٦.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذ الذي قاله الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى،
من ترجيح مذهب الحنابلة؛ لموافقته ظاهر النصّ، إنصاف منه رحمه الله تعالى،
وياليت جميع أتباع المذاهب سلكوا هذا المسلك؛ فإنه عين اتباع الحقّ، والحقّ أحقّ أن
يتبع، لكننا نرى العجب العجاب، حينما يبذل متأخروهم - إلا من عصمه الله- قصارى
جهدهم في الدفاع عن مذهبهم، إذا خالف النصوص بالتأويلات الزائفة، والتكلّفات
الباردة، فإن لله وإنا إليه راجعون.
فياا أيها المسلم الحريص على دينه، اتبع الحقّ، فكن غيورًا على النصوص، وابذل
جهدك في الدفاع عنها، وإن أدى ذلك إلى مخالفة رأي إمامك، فإنك مسئوول عن
الكتاب والسنّة، لا عن آراء الرجال، وآراهم إنما تطلب للاستعانة بها على فهمهما فقط،
فأيّ استعانة إذا خالفتهما؟.
وبالجملة فليس هناك أحد أوجب الله اتباعه، وأناط الهدى والفلاح به، إلا رسول

١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
اللَّهِ وَله، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]،
وقال عز وجل: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿قَالَّذِينَ ءَمَنُواْ بِهِ،
وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، آمين. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أن ظاهره أنه لا خيار فيما إذا لم يقصد البائع التصرية، بل
ترك الحلب، ناسيًا، أو لشغل عرض له، أو تصرّت هي بنفسها؛ لأنه ◌َّ نهى عن
التصرية لأجل البيع، ثم ذكر أن من اشترى ما هو بهذه الصفة تخيّر، وهذه الصورة
المذكورة لم يقع فيها تصرية لأجل البيع، وبهذا جزم الغزاليّ، وتبعه عبد الغفّار القزوينيّ
في ((الحاوي الصغير))، وحكى البغويّ فيها وجهين، وصحح ثبوت الخيار لحصول
الضرر للمشتري، وإن لم يقصد البائع التدليس. قاله في ((الطرح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما صححه البغويّ أرجح؛ نظرًا لتضرّر
المشتري. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): ظاهر الحديث أنه إذا تبين للمشتري التصرية، لكن درّ اللبن
على الحدّ الذي أشعرت به التصرية، واستمرّ كذلك، ثبت له الخيار؛ لأنه مَلّ أطلق
ثبوت الخيار، ولم يفصّل، لكن تغيّر الحال عما كان عليه، وصيرورتها ذات لبن غزير
بعد أن لم تكن كذلك قبل التصرية صورة نادرة، فيظهر أنها مرادة من العموم، فلا خيار
فيها، وفي المسألة وجهان للشافعيّة، قال وليّ الدين: وينبغي بناؤهما على أن الفرع
النادر هل يدخل في العموم، أم لا؟، والصحيح في الأصول دخوله، لكن شبه أصحابنا
الوجهين بالوجهين فيما إذا لم يعرف العيب القديم إلا بعد زواله، وبالقولين فيما لو
عتقت الأمة تحت عبد، ولم تعلم عتقها حتى عتق العبد، ومقتضى التشبيه تصحيح أنه لا
خيار له، كما هو الصحيح في تينك الصورتين. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عدم ثبوت الخيار هو الذي يظهر لي؛ لأنه إنما شُرع
دفعًا للضرر، وقد زال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: أخذ أصحابنا من ثبوت
الخيار في المصرّاة ثبوت الخيار في كلّ موضع حصل فيه تدليسٌ، وتغرير من البائع،
كما لو حبس ماء القناة، أو الرحى، ثم أرسله عند البيع، أو الإجارة، فظنّ المشتري
كثرته، ثم تبيّن له الحال، أو حمّر وجه الجارية، أو سوّد شعرها، أو جعّده، أو أرسل
الزنبور على وجهها، فظنها المشتري سمينة، ثم بان خلافه، فله الخيار في هذه الصور

١٨٥
١٤ - (النَّهْيُ عَنِ الْمُصَرَّةِ، وَهُوَ أَنْ ... - حديث رقم ٤٤٩٠
كلّها. وحكى أصحابنا خلافًا فيما لو لطخ ثوب العبد بمداد، أو ألبسه ثوب الكتّاب، أو
الخبّازين، وخيّل كونه كاتبًا، أو خبّازًا، فبان خلافه، أو أكثر علف البهيمة، حتى انتفخ
بطنها، فظنها المشتري حاملًا، أو أرسل الزنبور على ضرعها، فانتفخ، فظنها لبونًا،
والأصحّ في هذه الصور أنه لا خيار؛ لتقصير المشتري، وأثبت المالكيّة الخيار في
تلطيخ الثوب بالمداد. انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي القول بثبوت الخيار في هذه الصور كلها
أظهر؛ لأن الغرر بها لا يقلّ عن الغرر بالتصرية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٩٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَ لَ، قَالَ: ((مَنِ اشْتَرَى
مُصَرَّةَ، فَإِنَ رَضِيَهَا إِذَا حَلَبَهَا فَلْيُمْسِكْهَا، وَإِنْ كَرِهَهَا فَلْيَرُدَّهَا، وَمَعَهَا صَاعْ مِنْ تَمْرٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((عبد الله بن الحارث)): هو المخزوميّ،
أبو محمد المكيّ، ثقة [٨] ٢١٩٣/٣٩. و((داود بن قيس)): هو الفرّاء الدباغ المدنيّ،
ثقة فاضل [٥] ١٢٠/٩٦. و((ابن يسار)): هو موسى بن يسار المطلبيّ مولاهم المدنيّ،
عمّ محمد بن إسحاق، صاحب المغازي، ثقة [٤] ٣٣٤٩/٦٦ . والسند مسلسل
بالمدنيين، غير شيخه، فإنه نيسابوريّ، وعبد الله بن الحارث، فمكيّ، وفيه رواية
تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رَّه رئيس المكثرين في الرواية.
وقوله: ((إذا حلبها)) ظاهره أن صاع التمر متوقّفٌ على الحلب، كما تقدّم.
وقوله: ((فإن كرهها الخ))، وفي رواية البخاريّ من طريق ثابت مولى عبدالرحمن بن
زيد، عن أبي هريرة تَّه: ((وإن سخطها، ففي حلبتها صاع تمر)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((وفي حلبتها)) - بسكون اللام، على أنه اسم للفعل، ويجوز
الفتح، على إرادة المحلوب، وظاهره أن التمر مقابل للحلبة، وزعم ابن حزم أن التمر
في مقابلة الحلب، لا في مقابلة اللبن؛ لأن الحلبة حقيقة في الحلب، مجازٍ في اللبن،
والحمل على الحقيقة أولي، فلذلك قال: يجب رد التمر واللبن معا، وشَذَّ بذلك عن
الجمهور .
وظاهره أيضًا أن صاع التمر، في مقابل المصراة، سواء كانت واحدة، أو أكثر؛
لقوله: ((من اشترى غنمًا)) ثم قال: ((ففي حلبتها صاع من تمر))، ونقله ابن عبد البرّ عمن
استعمل الحديث، وابن بطال عن أكثر العلماء، وابن قدامة عن الشافعيّة، والحنابلة،

١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وعن أكثر المالكيّة: يردّ عن كلّ واحدة صاعًا حتى قال المازريّ: من المستبشع أن يغرم
متلف لبن ألف شاة، كما يغرم متلف لبن شاة واحدة.
وأجيب بأنّ ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدّم من أن الحكمة في اعتبار الصاع قطع
النزاع، فجُعل حدّا يُرجع إليه عند التخاصم، فاستوى القليل والكثير، ومن المعلوم أن
لبن الشاة الواحدة، أو الناقة الواحدة، يختلف اختلافًا متباينًا، ومع ذلك فالمعتبر
الصاع، سواء قلّ اللبن، أم كثُر، فكذلك هو معتبرٌ، سواء قلّت المصرّاة، أو كثُرت.
والله تعالى أعلم. انتهى ((فتح)) ١٠٧/٥ .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٩١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ،
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ نَّهِ: (مَنِ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً، أَوْ مُصَرَّاةً، فَهُوَ
بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا رَدَّهَا، وَصَاعًا مِنْ
تَمْرٍ، لَا سَمْرَاءَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه، فإنه من أفراده، وهو الجوّاز المكيّ المذكور قبل حديث. و((سفيان)): هو ابن
عيينة. و((أيوب)): هو السختيانيّ. و((محمد)): هو ابن سيرين.
وقوله: ((لا سمراء)): قال وليّ الدين رحمه الله: فيه تنصيص على أن السمراء، وهي
القَمْح لا تجزىء في هذا، وإنما نصّ عليه، دون غيره؛ لفهم غيره من طريق الأولى،
فإنه أغلى الأقوات، وأنفسها، فإذا لم يجزىء، فغيره أولى بذلك. وفي رواية: ((صاعًا
من طعام، لا سمراء)) قال وليّ الدين: يحتمل أن يريد بالطعام فيه التمر، بدليل الرواية
الأخرى، وعلى هذا مشى البيهقيّ، فقال: المراد بالطعام المذكور فيه التمر، واستدلّ
على ذلك بالرواية الأخرى. ويحتمل أن يريد مطلق الطعام، ثم أخرج منه السمراء،
وخرج ما هو أدون منها، من الأقوات، والخضر للأمر بالتمر، كما في الرواية الأخرى،
وهذا الاحتمال يعود في المعنى للذي قبله، لكنه يخالفه في التقدير. انتهى ((طرح
التثريب)» ٨٨/٦.
والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

١٥ - (الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) - حديث رقم ٤٤٩٢
١٨٧
١٥- (الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ)
٤٤٩٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَوَكِيعٌ، قَالًا:
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((قَضَى رَسُولُ
اللَّهِ وََّ، أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ))).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزي ابن راهويه، ثقة ثبت حجة [١٠]٢/٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفي، نزل الشام مرابطًا [٨]٨/٨.
٣- (وكيع) بن الحرّاح بن مليح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت عابد [٩]
٢٥/٢٣ .
٤- (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب
القرشي العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقة فقيه فاضل [٧] ٤١ / ٦٨٥ .
٥- (مخلد بن خُفاف) - بضمَ الخاء المعجمة، وفاءين خفيفتين- ابن إيماء بن
رحضة الغفاريّ، لأبيه، وجدّه صحبة، مقبول [٣].
روى عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ((الخراج بالضمان))، وعنه ابن
أبي ذئب، قال أبو حاتم: لم يرو عنه غيره، وليس هذا إسنادًا تقوم بمثله الحجّة. وقال
ابن عديّ: لا يُعرف له غير هذا الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقد روى
حديثه المذكور الهيثم بن جميل، عن يزيد بن عياض، عن مخلد، وقال البخاريّ: فيه
نظر. انتهى. قال الحافظ: وفي سماع ابن أبي ذئب منه عندي نظر. وتابعه على هذا
الحديث مسلم بن خالد الزنجيّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه به. وقال ابن وضّاح:
مخلد ثقة. روى له الأربعة حديث الباب فقط.
٦- (عروة) بن الزبير بن العوام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]
٤٠ /٤٤ .
٧- (عائشة) رضي اللَّه تعالى عنها٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير مخلد بن خُفاف، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنیین من ابن أبي ذئب، وشيخه مروزي، فنيسابوريّ، وعیسی ووكيع کوفیان.

١٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين
السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: ((قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وََّ، أَنَّ الْخَرَاجَ)
بفح الخاء المعجمة: قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: الخراج: الدَّخل، والمنفعة، ومن
هذا قوله تعالى: ﴿أَمْ تَثَلُهُمْ خَرْحًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ الآية [المؤمنون: ٧٢]. ويقال للعبد
إذا كان لسيّده عليه ضريبة: مُخارج. ومعنى قوله: ((الخراج بالضمان)): المبيع إذا كان
له دخلٌ، وغَّة، فإ مالك الرقبة الذي هو ضامن الأصل يملك الخراج بضمان الأصل،
فإذا ابتاع الرجل أرضًا، فشغلها، أو ماشيةً، فَنَتَجَها، أو دابّةً، فركبها، أو عبدًا،
فاستخدمه، ثم وجد به عيبًا، فله أن يردّ الرقبة، ولا شيء عليه فيما انتفع به؛ لأنها لو
تلفت ما بين مدّة العقد والفسخ، لكانت من ضمان المشتري، فوجب أن يكون الخراج
من حقّه. انتهى. ((معالم السنن)) ١٥٨/٥.
وقال السنديّ رحمه الله تعالى: أريد بالخراج ما يخرج، ويحصل من غَلّة العين
المشتراة، عبدًا كان، أو أمة، أو غيرهما، وذلك بأن يشتريه، فيستغلّه زمانًا، ثم يعثُر منه
على عيب كان فيه عند البائع، فله رد العين المبيعة، وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما
استغلّه؛ لأن المبيع لو تَلِفَ في يده، لكان في ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء.
والباء في قوله (بِالضَّمَانِ) متعلّقة بمحذوف، تقديره: الخراج مستحقّ بالضمان، أي
بسببه، أي ضمان الأصل سبب لملك خراجه. وقيل: الباء للمقابلة، وفيه مضاف
محذوف: تقديره: بقاء الخراج في مقابلة الضمان: أي منافع المبيع بعد القبض تبقى
للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بتلف المبيع، ومن هذا القبيل: الْغُنْمُ بالْغُزْمِ.
انتهى كلام السنديّ.
وقال الفيوميّ: معنى الْغُنْمُ بالْغُزْم: أي مقابل به، فكما أن المالك يختصّ بالغُنْم،
ولا يُشاركه فيه أحد، فكذلك يتحمّل الْغُرْم، ولا يتحمّل معه أحد، وهذا معنى قولهم:
الْغُرم مجبورٌ بالغُنْم. انتهى.
[تنبيه] : في هذا الحديث قصّة، ساقها أبو داود في ((سننه))، فقال:
٣٥٠٩- حدثنا محمود بن خالد، عن سفيان - هو الثوريّ- عن محمد بن عبد
الرحمن، عن مَخْلَد بن خُفَاف الغفاري، قال: كان بيني وبين أناس، شَرِكَة في عبد،
فاقتويته، وبعضنا غائب، فأغَلّ عليّ غلة، فخاصمني في نصيبه، إلى بعض القضاة،
فأمرني أن أرذ الغلة، فأتيت عروة بن الزبير، فحدثته، فأتاه عروة، فحدثه عن عائشة،

١٥- (الْخَرَّجُ بِالضَّمَانِ) - حديث رقم ٤٤٩٢
١٨٩ ==
رضي اللَّه عنها عن رسول اللَّه ◌َلّ، قال: ((الخراج بالضمان)). ومعنى ((اقتويته)):
استخدمته. وقوله: ((فأغلّ العبد)) أي أتاني بالدخل.
وأخرجه أيضًا من طريق مسلم بن خالد الزنجي، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة رضي الله عنها، أن رجلا ابتاع غلاما، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم
وجد به عيبا، فخاصمه إلى النبي ◌ََّ، فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول اللّه قد استغل
غلامي، فقال رسول اللّه وَلجر: ((الخراج بالضمان)). قال أبو داود: هذا إسناد ليس
بذاك. انتهى. أي لأن فيه الزنجيّ، وقد ضعّفه البخاريّ.
وأخرجه البيهقيّ في السنن الكبرى ج: ٥ ص: ٣٢١ من طريق الشافعي، قال:
أخبرني من لا أتّهم، عن ابن أبي ذئب، قال: أخبرني مَخْلَد بن خُفاف، قال: ابتعت
غلاما، فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه، إلى عمر بن عبد العزيز،
فقضى لي برده، وقضى عليَّ برد غلته، فأتيت عروة، فأخبرته، فقال أَرُوح إليه العشية،
فأخبره أن عائشة رضي الله عنها، أخبرتني أن رسول اللَّه ◌َلّر، قضى في مثل هذا: ((أن
الخراج بالضمان))، فعجلت إلى عمر، فأخبرته ما أخبرني عروة، عن عائشة، عن
رسول اللّه وَّ، فقال عمر: فما أيسر عليّ من قضاء قضيته، اللَّه يعلم أني لم أُرد فيه
إلا الحقّ، فبلغتني فيه سنة عن رسول اللَّه وََّ، فَأَرُدُّ قضاء عمر، وأُنفذ سنة رسول الله
مَّة ، فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج، من الذي قضى به عليّ له. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا حسنٌ، فقد صححه الترمذيّ، وابن خُزيمة،
وابن الجارود، وابن حبّان، والحاكم، وابن القطّان، وضعّفه البخاريّ، وأبو داود. قاله
الحافظ في ((بلوغ المرام»، وقال الحافظ المنذيّ في ((مختصر السنن)) ١٦٠/٥ - بعد أن
نقل تحسين الترمذيّ للحديث: قال البخاريّ: هذا حديث منكر، ولا أعرف لمخلد بن
خفاف غير هذا الحديث، قال الترمذيّ: فقلت له: فقد روي هذا الحديث عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة؟ فقال: إنما رواه مسلم بن خالد الزنجيّ، وهو ذاهب
الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه - يعني مخلد بن خُفاف-؟ فقال: لم يرو
عنه غير ابن أبي ذئب، وليس هذا إسنادًا يقوم بمثله الحجة - يعني الحديث الذي يروي
مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة، عن النبيّ وَّر: ((أن الخراج بالضمان)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: زاد في ((الجرح والتعديل)) ٣٤٧/٨: ما نصّه: غير
-

١٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
أني أقول به؛ لأنه أصلح من آراء الرجال. اهـ.
وقال الأزديّ: مخلد بن خفاف ضعيف.
قال المنذريّ بعد إيراد طريق مسلم بن خالد الزنجيّ: قال أبو داود: هذا إسناد ليس
بذاك، يشير إلى ما أشار إليه البخاريّ من تضعيف مسلم بن خالد الزنجيّ، وقد أخرج
الحديث الترمذيّ في ((جامعه)) من حديث عمر بن عليّ الْمُقَدَّمَيّ، عن هشام بن عروة،
عن أبيه، مختصرًا: ((أن النبيّ وَلّ قضى أن الخراج بالضمان))، وقال: هذا حديث حسن
صحيح غريب، من حديث هشام بن عروة. وقال أيضًا: استغرب محمد بن إسماعيل -
يعني البخاريّ- هذا الحديث من حديث عمر بن عليّ، قلت: تراه تدليسًا؟ قال: لا.
وحكى البيهقيّ، عن الترمذيّ: أنه ذكره لمحمد بن إسماعيل البخاريّ، فكأنه أعجبه.
هذا آخر كلامه. وعمر بن عليّ: هو أبو حفص عمر بن عليّ المقدّميّ البصريّ، وقد
اتفق البخاريّ ومسلم على الاحتجاج بحديثه. ورواه عن عمر بن عليّ أبو سلمة يحيى
ابن خلف الْجُوَيباريّ، وهو ممن روى عنه مسلم في ((صحيحه))، وهذا إسناد جيّد،
ولهذا صححه الترمذيّ، وهو غريب، كما أشار إليه البخاريّ، والترمذيّ. والله عز
وجل أعلم. انتهى كلام المنذريّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وخلاصة الأمر أن الحديث لا ينقص عن درجة
الحسن، فإن مخلد بن خفاف وثقه ابن حبّان، وابن وضّاح، كما سبق في ترجمته، وتابعه
مسلم بن خالد الزنجيّ، وهو صدوق، كثير الأوهام، كما قال في ((التقريب))، ومثله
يصلح في المتابعة، والشواهد، وتابعه أيضًا عمر بن عليّ، وهو وإن كان شديد
التدليس، فقد نفى التدليس عنه البخاري في هذا الحديث، فمتابعته أقوى مما قبله.
والحاصل أن الحديث حسن بمجموع هذه الطرق. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٥ / ٤٤٩٢- وفي ((الكبرى)) ١٤/ ٦٠٨١. وأخرجه (د) في ((البيوع))
٣٥٠٨ (ت) في ((البيوع)) ١٢٨٥ (ق) في ((البيوع)) ٢٢٤٢ و٢٢٤٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف العلماء في حكم هذا الحديث:
قال الإمام الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى: اختلف أهل العلم في هذا، فقال الشافعيّ: ما
حَدَث في ملك المشتري، من غَلّة، ونتاج ماشية، وولد أمة، فكلّ ذلك سواء، لا يَرُدّ
منه شيئًا، ويرد المبيع، إن لم يكن ناقصًا عما أخذه. وقال أصحاب الرأي: إذا كان
ماشيةً، فحلبها، أو نخلًا، أو شجرًا، فأكل ثمرها، لم يكن له أن يردّ بالعيب، ويرجع
بالأرش، وقالوا في الدار، والدابة، والعبد: الغلّة له، ويرد بالعيب. وقال مالك في

١٩١ =
١٥ - (الْخَرَّجُ بِالضَّمَانِ) - حديث رقم ٤٤٩٢
أصواف الماشية وشعورها: إنها للمشتري، ويردّ الماشية إلى البائع، فأما أولادها، فإنه
يردّها مع الأمهات.
واختلفوا في المبيع إذا كان جارية، فوطئها المشتري، ثم وجد بها عيبًا، فقال
أصحاب الرأي: تلزمه، ويرجع على البائع بأرش العيب، وكذلك قال الثوريّ،
وإسحاق بن راهويه. وقال ابن أبي ليلى: يردّها، ويردّ معها مهر مثلها. وقال مالك: إن
كانت ثيًّا ردّها، ولا يردّ معها شيئًا، وإن كانت بكرًا، فعليه ما نقص من ثمنها. وقال
الشافعيّ: إن كانت ثيبًا رذّها، ولا شيء عليه، وإن كانت بكرًا لم يكن له رذها، ويرجع
بما نقصها العيب من أصل الثمن.
وقال(١) أصحاب الرأي: الغصوب على البيوع، من أجل ضمانها على الغاصب،
فلم يجعلوا عليه رد الغلّة، واحتجّوا بالحديث، وعمومه. قال الخطّابيّ: والحديث إنما
جاء في البيع، وهو عقد يكون بين المتعاقدين بالتراضي، وليس الغصب بعقد عن
تراض من المتعاقدين، وإنما هو عدوان، وأصله، وفروعه سواء في وجوب الردّ، ولفظ
الحديث مبهم؛ لأن قوله: ((الخراج بالضمان)) يحتمل أن يكون المعنى: أن ضمان
الخراج بضمان الأصل، واقتضاء العموم من اللفظ المبهم ليس بالبيّن الجواز،
والحديث في نفسه ليس بالقويّ، إلا أن أكثر العلماء قد استعملوه في البيوع، فالأحوط
أن يُتوقّف عنه فيما سواه. انتهى («معالم السنن)) ١٥٩/٥ -١٦٠.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الذي رذ به الخطابيّ رحمه الله تعالى على
أصحاب الرأي قياسهم المغصوب على المبيع، في كون غلته لا تردّ إلى البائع، حسنٌ
جدّا، فالحقّ أن المغصوب يجب ردّه، وردّ غلته معه؛ لأن يد الغاصب يد ظالمة، فلا
تستحقّ شيئًا من فوائد المغصوب، بخلاف المشتري، فإن يده محقّةٌ أمينة، فيستحقّ
لذلك الغّة، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
(١) هكذا نسخة ((المعالم))، والظاهر أن الصواب: ((وقاس)) بالسين بدل اللام، فليحرّر.

١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
١٦- (بَيْعُ الْمُهَاجِرِ لِلأَعْرَابِيّ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المراد بالمهاجر هنا هو الحاضر، المقابل للباد، لا
خصوص المهاجر الذي خرج من بلده إلى بلد آخر، وإنما ذكره بلفظ المهاجر؛ نظرًا
إلى واقع أهل المدينة في ذلك الوقت، وذلك لأن المهاجرين هم الذين كانوا يشتغلون
بالتجارة في ذلك الوقت، وأما الأنصار فكانوا أهل زرع، ليس لهم علاقةٌ بالتجارة، كما
بيّن ذلك أبو هريرة رَني ، فيما أخرجه الشيخان من طريق الأعرج، عنه، قال: ((إن
الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله، ما حدثت حديثا، ثم يتلو:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمِ﴾، إن إخواننا من
المهاجرين، كان يشغلهم الصَّفْقُ بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار، كان يشغلهم
العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة، كان يلزم رسول اللّه وَّر، بشبع بطنه، ويحضر ما لا
يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون)).
والمراد بالأعرابيّ: هنا هو الباد، والأعرابيّ في الأصل واحد الأعراب، قال الفيّوميّ
رحمه الله تعالى: وأما الأعراب بالفتح: فأهل البدو من العرب، الواحد أعرابيّ بالفتح
أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتياد للكلإِ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواء كان
من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَّ بظَعْنهم،
فهم أعرابٌ، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن
ينتمي إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عربًا؛ لأن البلاد
التي سكنوها تُسمّى العرَبَات، ويقال: العرب العاربة: هم الذين تكلّموا بلسان يَعْرُب بن
قَخْطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلّموا بلسان إسماعيل بن
إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وهي لغات الحجاز، وما والاها. انتهى. وتقدّم هذا
غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا، حيث طال به العهد. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٩٣- (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيِم، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: حَدَّثَنِي
شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٌّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (نَى رَسُولُ اللَّهِ وَِّ،
عَنِ التََّقِي، وَأَنْ يَبِيعَ مُهَاجِرٌ لِلْأَغْرَابِيِّ، وَعَنِ الَّصْرِيَةِ، وَالنَّجْشِ، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى
سَوْمٍ أَخِيهِ، وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَّةُ طَلَاقَ أَخْتِهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيم) أبو حميد المصّيصيّ، ثقة [١١] ٣١٩/٢٠٠ .

١٩٣ ==
١٦ - (بَيْعُ الْمُهَاجِرِ لِلأَعْرَابِيّ) - حديث رقم ٤٤٩٣
٢- (حجاج) بن محمد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت، اختلط بآخره [٩] ٢٨/ ٣٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (عديّ بن ثابت) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالتشيع [٤] ٦٠٥/٤٩.
٥- (أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفي، ثقة [٣] ١٤٩/١١٠.
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ،
وفيه أبو هريرة رَّه رأس المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ((نَّى رَسُولُ اللَّهِ وََّ، عَنِ التََّقْي)
أي تلقّي الركبان، وسيأتي البحث عنه قريبًا (وَأَنْ يَبِيعَ مُهَاجِرٌ لِلْأَغْرَابِيْ) تقدم أن معناه:
أن يبيع حاضر لباد، وقد وقع عند مسلم بهذا اللفظ (وَعَنِ الَّضْرِيَةِ) مضى البحث عنها
مستوفّى قبل باب (وَالنَّخْشِ) بفتح، فسكون، أو بفتحتين، يقال: نجش الرجل نَجْشًا،
من باب قتل: إذا زاد في سلعة أكثر من ثمنها، وليس قصده أن يشتريها، بل ليغرّ غيره،
فيوقعه فيه، وكذلك في النكاح، وغيره، والاسم النَّجَشُ -بفتحتين- والفاعل ناجشٌ،
ونَجَاشٌ مبالغة، ولا تناجشوا: أي لا تفعلوا ذلك، وأصل النَّجْش الاستتار؛ لأنه يستُرُ
قصده، ومنه يقال: للصائد: ناجشٌ؛ لاستتاره. قاله الفيّوميّ (وَأَنْ يَسْتَامَ) ولفظ
((الكبرى)): ((وأن يُسَاوِمِ)) (الرَّجُلُ عَلَى سَوْم أَخِيهِ) أي يطلب من شخص أن يبيعه شيئًا
طلبه غيره قبله، قال الفيّوميّ: وسام البائع السِّلْعة سَومًا، من باب قال: عَرَضَها للبيع،
وسامها المشتري، واستامها: طلب بيعها، ومنه: ((لا يسوم على سوم أخيه)): أي
يشتري، ويجوز حمله على البائع أيضًا، وصورته أن يَعرِضَ رجل على المشتري سلعته
بثمن، فيقول آخر: عندي مثلها بأقلّ من هذا الثمن، فيكون النهي عامًا في البائع
والمشتري، وقد تزاد الباء في المفعول، فيقال: سُمْتُ به، والتساوم بين اثنين أن يعرض
البائع السلعة بثمن، ويطلبها صاحبه بثمن دون الأول. انتهى (وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ
أَخْتِهَا) قيل: هو نهي للمخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق زوجته، وللمرأة أيضًا من
أن تسأل طلاق ضرّتها، والمراد من الأخت الأختُ في الدين، وفي التعبير باسم الأخت
تشنيعٌ لفعلها، وتأكيد لنهيها عن ذلك، وتحريض لها على تركه، وكذا التعبير باسم الأخ

١٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
في الذي قبله، وقد تقدّم البحث في هذا في ((كتاب الطلاق)) مستوفّى، فراجعه تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤٩٣/١٦- وفي ((الكبرى)) ٦٠٨٢/١٥. وأخرجه (خ) في ((كتاب
الشروط)) ٢٧٢٧ (م) في ((البيوع)) ٣٧٩٣ و٣٧٩٥ . وقد تقدّم تخريجه في ((كتاب
الطلاق)) بأكثر من هذا. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان النهي عن بيع الحاضر
للباد، وهو المراد بقوله: ((بيع المهاجر للأعرابيّ، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب
التالي، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم تلقّي الجلب، وسيأتي بباب مفرد، بعد
باب، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم النجش، وهو الزيادة في ثمن سلعة، لا يريد
شراءها، وإنما يريد تغرير غيره، وسيأتي تمام البحث فيه، بعد أربعة أبواب، إن شاء
اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم السوم على سوم غيره، إذا لم يأذن له صاحبه، وسيأتي بعد
بابين، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم طلب المرأة من الرجل أن يطلّق زوجته، وقد
سبق البحث عنه، مستوفّى في ((كتاب الطلاق))، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)).
١٧ - (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِ)
٤٤٩٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الزُّبْرِقَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
يُونُسُ ابْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ: ((أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ، نََّى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِيَادٍ، وَإِنْ
كَانَ أَبَاهُ، أَوْ أَخَاهُ»).

١٩٥
١٧ - (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلبَادِ) - حديث رقم ٤٤٩٤
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (محمد بن بشار) بن عثمان العبدي بندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠]
٢٤/ ٢٧ .
٢- (محمد بن الزبرقان) -بكسر الزاي، وسكون الموحّدة، وكسر الراء- أبو همّام
الأهوازيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٨].
قال ابن المدينيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح، وسط. وقال أبو
حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ. وقال البخاريّ: معروف الحديث. وقال النسائيّ:
ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال ربّما أخطأ. وقال ابن شاهين في
((الثقات)): قال ابن معين: لم يكن صاحب حديث، ولكن لا بأس به. روى له
الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣- (يونس بن عُبيد) بن دينار العبدي، أبو عبيد البصريّ، ثقة ثبت فاضل ورع [٥]
١٠٩/٨٨ .
٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٣] ٣٦/٣٢.
٥- (أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه٦/٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن شيخه أحد
المشايخ التسعة الذين أخذ عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه
رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا رَّه من المكثرين السبعة، روى
(٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة، مات
سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَس) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، نََّى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ) هو
المقيم بالبلد (لِبَادٍ) هو البدويّ، ومعناه: على ما فسره به الشافعيّة، والحنبليّة: أن يقدم
غريبٌ، بدويّا كان، أو قرويًا بسلعته إلى البلد، يريد بيعها بسعر الوقت؛ ليرجع إلى
وطنه، فيأتيه بلديّ، فيقول: ضَغْ متاعك عندي، لأبيعه على التدريج بأغلى من هذا
السعر، فلم يعتدّوا الحكم بالبادي، وجعلوه منوطًا بمن ليس من أهل البلد، سواء كان
باديًا، أو حاضرًا؛ لأن المعنى في إضرار أهل البلد يتناول الصورتين، وذكر البادي

١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
مثالٌ، لا قيدٌ. وجعله مالك قيدًا، فحكى ابن عبد البرّ أنه قيل له: مَنْ أهل البادية؟ قال:
أهل العمود، قيل له: القرى المسكونة التي لا يفارقها أهلها في نواحي المدينة، يقدم
بعضهم بالسلع، فيبيعها لهم أهل المدينة؟ قال: نعم، إنما معنى الحديث أهل العمود.
وحكى ابن عبد البرّ أيضًا عن مالك أنه قال: تفسير ذلك أهل البادية، وأهل القرى، فأما
أهل المدائن، من أهل الريف، فإنه ليس بالبيع لهم بأس، ممن يرى أنه يعرف السوم،
إلا من كان منهم يشبه أهل البادية، فإني لا أحبّ أن يبيع لهم حاضر، قال: وبه قال ابن
حبيب، قال: والبادي الذي لا يبيع لهم الحاضر هم أهل العمود، وأهل البوادي،
والبراري، مثل الأعراب، قال: وجاء النهي في ذلك؛ إرادةً أن يُصيب الناس ثمرتهم،
ثم ذكر حديث جابر رَّ الآتي بعد حديثين: ((لا يبيع حاضر لباد، دَعُوا الناس يرزق
اللَّه بعضهم من بعض))، قال: فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان سلعتهم، وأسواقها،
فلم يُغْنَوا بهذا الحديث. وحكى ابن عبد البرّ أيضًا، عن ابن القاسم أنه قال: ثم قال -
يعني مالكًا- بعد ذلك: ولا يبيع مصريّ لمدنيّ، ولا مدنيّ لمصريّ، ولكن يشير عليه.
وحكى ابن الحاجب في ((مختصره)» الخلاف في ذلك عن مالك، فقال: وفي ((الموطّا))
يحمله على أهل العمود؛ لجهلهم بالأسعار، وقيل: بعمومه؛ لقوله: ولا يبيع مدنيّ
المصريّ، ولا مصريّ لمدنيّ. انتهى.
وفسر الحنفيّة بيع الحاضر للبادي بصورة أخرى، وهي أن يبيع الحضريّ شيئًا مما
يحتاج إليه أهل الحضر لأهل البادية؛ لطلب زيادة السعر، فقال صاحب ((الهداية)) بعد
ذكره هذا الحديث: وهذا إذا كان أهل البلد في قحط، وعوز، وهو يبيع من أهل البدو؛
طمعًا في الثمن الغالي؛ لما فيه من الإضرار بهم، أما إذا لم يكن كذلك، فلا بأس به؛
لانعدام الضرر. انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: ويردّ حمل الحديث على هذه الصورة قول
ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، لَمّا سئل عن تفسيره: لا يكون له سِمْسَارًا،
والحديثُ الذي رواه أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن سالم المكيّ، أن أعرابيّا حدثه
أنه قدم بجلوبة(١) له، على عهد النبيّ وَّ، فنزل على طلحة بن عُبيد الله، فقال: إن
النبيّ وَّل نهى أن يبيع حاضرٌ لباد، ولكن اذهب إلى السوق، فانظر من يبايعك،
فشاورني حتى آمرك، وأنهاك. انتهى ((طرح التثريب)) ٦/ ٧٢ - ٧٦ .
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)) ج: ٤ ص: ١٥٠ : بيع الحاض للباد:
(١) اختلف في ضبطها، فضبطها بعضهم بالحاء المهملة المفتوحة، وهي الناقة التي تُحلب، وبعضهم
بالجيم المفتوحة: وهي ما يُجلب للبيع من كل شيء. وقيل: غير ذلك.

١٩٧
١٧ - (بَيِعُ الْحَاضِرِ لِلبَادِ) - حديث رقم ٤٤٩٤
هو أن يخرج الحضريّ، إلى البادي، وقد جلب السلعة، فيُعَرِّفه السعر، ويقول: أنا أبيع
لك، فنهى النبي بَّر عن ذلك، فقال: ((دعوا الناس، يرزق اللَّه بعضهم من بعض))،
والبادي ههنا: من يدخل البلدة، من غير أهلها، سواء كان بدويا، أو من قرية، أو بلدة
أخرى، فَّى النبي ◌َّ الحاضر، أن يبيع له، قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما:
(نَّى النبي وَرَ، أن تُتَلَّقَّى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد))، قال: فقلت لابن عباس: ما
قوله: ((حاضر لباد))، قال: لا يكون له سمسارا، متفق عليه. وعن جابر رَمنّه، قال:
قال رسول اللَّه ◌َله: ((لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض))،
رواه مسلم، وروى مثله ابنُ عمر، وأبو هريرة، وأنس .
والمعنى في ذلك: أنه متى تُرك البدوي، يبيع سلعته، اشتراها الناس برخص،
ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها، وامتنع من بيعها، إلا بسعر البلد، ضاق
على أهل البلد، وقد أشار النبي ◌َّر، في تعليله إلى هذا المعنى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن أقرب التفاسير لبيع الحاضر
للبادي، هو الذي فسّر به الشافعيّة، والحنبليّة؛ لأنه الموافق لإطلاق الحديث.
وحاصله أن يقدم غريب بدويّا، أو قرويًا بسلعة إلى البلد يريد بيعها بسعر الوقت؛
ليرجع إلى وطنه، فيأتيه بلديّ، فيطلب منه أن يضع سلعته عنده، حتى يتربّص بها غلاء
السعر، فيبيعها. والله تعالى أعلم.
(وَإِنْ كَانَ أَبَاهُ، أَوْ أَخَاهُ) أي وإن الذي يبيع لأجله من أقرب الناس إليه؛ وإنما جعله
غاية؛ تأكيدًا للنهي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤٩٤/١٧ و٤٤٩٥ و٤٤٩٦ - وفي ((الكبرى)) ٦٠٨٣/١٦ و٦٠٨٤
و ٦٠٨٥ . وأخرجه (خ) دون قوله: ((وإن أباه، أو أخاه)) في ((البيوع)) ٢١٦١ (م) في
((البيوع)) ١٥٢٣ (د) في ((البيوع)) ٢٤٤٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في النهي عن بيع الحاضر للبادي:
ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والأكثرون إلى أنه للتحريم، وذهب بعضهم إلى
أنه للتنزيه، وذهبت طائفة إلى جوازه؛ لحديث: ((الدين النصيحة))، وقالوا: حديث

١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
النهي عن بيع الحاضر للبادي منسوخ، وحُكي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وأبي حنيفة.
وردّه الجمهور بأن النهي الذي هنا خاصّ، فَيُقدّم على عموم الأمر بالنصيحة، ويكون
هذا كالمستثنى منها. قال النوويّ: والصحيح الأول، ولا يُقبل النسخ، ولا كراهة
التنزيه بمجرّد الدعوى. قال القفّال من الشافعيّة: والإثم على البلديّ، دون البدويّ.
ذكره وليّ الدين في ((طرحه)) ٦/ ٧٢.
وقال ابن قُدامة في ((المغني)) ٣٠٩/٦ - ٣١٠ -: وممن كره بيع الحاضر للبادي طلحة
ابن عبيد الله، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، ومالك،
والليث، والشافعي، ونقل أبو إسحاق بن شاقلا، في جملة سماعاته، أن الحسن بن علي
المصري، سأل أحمد عن بيع حاضر لباد؟، فقال: لا بأس به، فقال له: فالخبر الذي
جاء بالنهي؟ قال: كان ذلك مرة، فظاهرُ هذا صحة البيع، وأن النهي اختص بأول
الإسلام، لِمَا كان عليهم من الضيق في ذلك، وهذا قول مجاهد، وأبي حنيفة،
وأصحابه، والمذهبُ: الأول؛ لعموم النهي، وما يثبت في حقهم، يثبت في حقنا، ما
لم يقم على اختصاصهم به دليل. انتهى ((المغني)) ٣٠٩/٦ -٣١٠.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الصواب قول الجمهور، وهو أن بيع
الحاضر للبادي حرام مطلقًا؛ لعموم الأدلة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما ذكره العلماء من الشروط لتحريم بيع الحاضر للبادي:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ظاهر كلام الخرقيّ أنه يحرم بثلاثة شروط:
[أحدهما] : أن يكون الحاضر قصد البادي، ليتولى البيع له. [والثاني] : أن يكون
البادي جاهلا بالسعر؛ لقوله: فيعرّفه السعر، ولا يكون التعريف إلا لجاهل، وقد قال
أحمد، في رواية أبي طالب: إذا كان البادي، عارفا بالسعر لم يحرم. [والثالث] : أن
يكون قد جلب السلع للبيع؛ لقوله: وقد جلب السلع، والجالب هو الذي يأتي بالسلع
ليبيعها، وذكر القاضي شرطين، آخرين: [أحدهما] : أن يكون مريدا لبيعها بسعر
يومها. [الثاني]: أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه، وضيق في تأخير بيعه.
وقال أصحاب الشافعي: إنما يحرم بشروط أربعة، وهي ما ذكرنا، إلا حاجة الناس
إلى متاعه، فمتى اختل منها شرط، لم يحرم البيع. انتهى ((المغني)) ٣٠٩/٦ -٣١٠.
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: إنما يحرم
بشروط: [أحدها] : أن يكون عالمًا بالنهي فيه، وهذا شرط يعمّ جميع المناهي.
[والثاني] : أن يكون المتاع المجلوب مما تعمّ الحاجة إليه، كالأطعمة، ونحوها، فأما

١٩٩ ==
١٧ - (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلبَادِ) - حديث رقم ٤٤٩٤
ما لا يحتاج إليه إلا نادرًا، فلا يدخل في النهي. [والثالث] : أن يظهر ببيع ذلك المتاع
سعة في البلد، فإن لم يظهر لكبر البلد، أو قلّة ما معه، أو لعموم وجوده، ورخص
السعر، فوجهان: أوفقهما للحديث التحريم. [والرابع] : أن يَعرِض الحضريّ ذلك
على البدويّ، ويدعوه إليه، أما إذا التمس البدويّ منه بيعه تدريجيّا، أو قصد الإقامة في
البلد لبيع ذلك، فسأل البدويّ تفويضه إليه، فلا بأس به؛ لأنه لم يضرّ بالناس، ولا
سبيل إلى منع المالك منه.
ولو أن البدويّ استشار البلديّ فيما فيه حظّه، فهل يرشده إلى الادخار، أو البيع على
التدريج؟ وجهان، حكى القاضي ابن كجّ، عن أبي الطيب بن سلمة، وأبي إسحاق
المروزيّ أنه يجب عليه إرشاده إليه؛ أداءً للنصيحة، وعن أبي حفص بن الوكيل: أنه لا
يرشده إليه؛ توسيعًا على الناس، وكذا اعتبر الحنابلة هذه الشروط، وعبارة ابن تيميّة في
((المحرّر)): وبيع الحاضر للبادي منهيّ عنه بخمسة شروط: أن يحضر البادي لبيع شيء
بسعر يومه، وهو جاهلٌ بسعره، وبالناس إليه حاجةٌ، ويقصده الحاضر. وقال مالك في
البدويّ يَقْدَمُ، فيسأل الحاضر عن السعر، أكره له أن يُخبره. وقال أيضًا: لا أرى أن
يبيع مصريّ لمدنيّ، ولا مدنيّ لمصريّ، ولكن يُشير عليه. وقال أيضًا: لا يبيع أهل
القرى لأهل البادية سِلَعَهم، قيل له: فإن بعث بالسلعة إلى أخ له من أهل القرى، لم
يقدم معه سلعته؟ قال: لا ينبغي له ذلك، حكى ذلك كله عنه ابن عبد البرّ، ثم حكى
عن ابن حبيب أنه قال: لا يبعث البدويّ إلى الحضريّ بمتاع يبيعه له، ولا يُشير عليه في
البيع، إن قدم عليه، ثم حكى عن الليث بن سعد أنه قال: لا يشير الحاضر على البادي؛
لأنه إذا أشار عليه، فقد باع له؛ لأن من شأن أهل البادية أن يرخصوا إلى أهل الحضر؛
لقّة معرفتهم بالسوق. وقال الأوزاعيّ: لا يبيع حاضر لباد، ولكن لا بأس أن يُخبره
بالسعر .
وقال الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)): [واعلم] : أن أكثر هذه
الأحكام تدور بين اتّباع المعنى، واتّباع اللفظ، ولكن ينبغي أن يُنظر في المعنى إلى
الظهور والخفاء، فحيث يظهر ظهورًا كثيرًا، فلا بأس باتباعه، وتخصيص النصّ به، أو
تعميمه على قواعد القياس، وحيث يخفى، أو لا يظهر ظهورًا قويًا، فاتباع اللفظ أولى،
وأما ما ذكره في اشتراط أن يلتمس البدويّ ذلك، فلا يقوى؛ لعدم ظهور دلالة اللفظ
عليه، وعدم ظهور المعنى فيه، فإن المذكور الذي علّل به النهي، لا يفترق الحال فيه،
بين سؤال البلديّ وعدمه ظاهرًا. وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه،
فمتوسط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعى مجرّد ربح الناس على ما أشعر به

== ٢٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
التعليل، من قوله: ((دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض. وأما اشتراط أن يظهر
لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد، فكذلك أيضًا، أي أنه متوسّطٌ في الظهور؛ لما
ذكرناه، من احتمال أن يكون المقصود مجرّد تقريب الربح، والرزق على أهل البلد،
وهذه الشروط [منها] : ما يقوم الدليل الشرعيّ عليه، كشرطنا العلم بالنهي، ولا إشكال
فيها. [ومنها] : ما يؤخذ باستنباط المعنى، فيخرّج على قاعدة أصولية، وهي أن النصّ
إذا استُنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص، هل يصحّ، أم لا. انتهى.
وقال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): جواز الإشارة عليه هو الصواب؛ لأنه
إنما نهي عن البيع له، وليس فيه بيع له، وقد أمر بنصحه في بعض طرق هذا الحديث،
وهو قوله وَله: ((وإذا استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له)). انتهى. وبه قال ابن حزم.
ذكره في «طرح التثريب» ٦/ ٧٣ -٧٥.
وقال في ((المغني)) ٣١١/٦ -: وأما إن أشار الحاضر على البادي، من غير أن يباشر
البيع له، فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله، والأوزاعي، وابن المنذر، وكرهه مالك،
والليث، وقول الصحابي حجة ما لم يثبت خلافه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بجواز الإشارة عليه، إذا استشاره هو
الأرجح؛ لعدم تناول النصّ له، مع أن النصيحة له واجبة عليه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في بطلان بيع الحاضر للبادي، إذا
وُجدت الشروط المذكورة:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وإن اجتمعت هذه الشروط، فالبيع حرام، وقد
صرح الخرقي ببطلانه، ونص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، قال: سألت
أحمد عن الرجل الحضري، ببيع للبدوي؟، فقال: أكره ذلك، وأَرُدُّ البيع في ذلك،
وعن أحمد رواية أخرى أن البيع صحيح، وهو مذهب الشافعي؛ لكون النهي لمعنى في
غير المنهي عنه، ولنا إنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. انتهى كلام ابن
قدامة .
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: لو خالف الحاضر، وباع للبادي، حيث
منعناه منه، كان البيع صحيحًا، عند الشافعيّ، وطائفة؛ لجمعه الأركان، والشرائط،
والخلل في غيره، واختلف المالكيّة في ذلك، فقال بعضهم بالصحة، وبعضهم
بالبطلان، ما لم يفت، والقولان عن ابن القاسم، وممن قال بالبطلان ابن حبيب، وابن
حزم الظاهريّ. وقال سحنون: وقال لي غير ابن القاسم: إنه يردّ البيع. وعن أحمد في