Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١ =
٩- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى نَافِعِ فِي لِفْظٍ حَدِيثِهِ) - حديث رقم ٤٤٧٤
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ، حَتَّى يَفْتَرِقَا، أَوْ يَكُونَ بَيْعَ خِيَارٍ، وَرُبَّمَا قَالَ نَافِعٌ: ((أَوْ
يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: اخْتَرْ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
والحديث متفقٌ عليه، كما مضى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٤- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
وَِّ، قَالَ: ((إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، حَتَّى يَفْتَرِقَا))، وَقَالَ مَرَّةً
أُخْرَى: ((مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيْرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيْرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ،
فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، فَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا
الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا السند هو السند الماضي قبله.
وقوله: ((ما لم يتفرقا)): أي فينقطع الخيار. وقوله: ((وكانا جميعا)) تأكيد لذلك.
وقوله: ((أو يخير أحدهما الآخر)): أي فينقطع الخيار. و((يخيّر)) بالجزم عطفًا على
(يفترقا))، أو بالنصب بـ(أن)) مضمرة بعد ((أو))، كما سبق نظيره في قوله: ((أو يكون
بیعهما عن خيار)).
وقال وليّ الدين: والمراد أن يخيّر أحدهما الآخر، فيختار إمضاء البيع، وقد دلّ
على ذلك قوله بعدُ: ((فإن خيّر أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك))، أما لو خيّر أحدهما،
فلم يختر الآخر الإمضاء، فخيار ذلك الساكت باق، وأما خيار المتكلّم، فإنه ينقطع
على الأصح عند أصحابنا يعني الشافعيّة- وقال النوويّ: إنه ظاهر لفظ الحديث، وفيه
نظر، فإنه قد دلّ بتمامه على أن الكلام فيما إذا خيّره، فاختار الإمضاء، إلا أن يعتمد في
ذلك لفظ الرواية الأخرى التي اقتصر فيها على قوله: ((أو يقول أحدهما لصاحبه:
اختر))، لكن الروايات يفسّر بعضها بعضًا، فلا بدّ من النظر في مجموعها، وقد اعتمد
أصحابنا في انقطاع خيار القائل أن تخييره لصاحبه دالٌ على رضاه بإمضاء البيع. انتهى
(طرح التثريب)) ١٥٨/٦.
وقوله: ((فتايبعا على ذلك، فقد وجب البيع)): أي لزم البيع، وانبرم، وبطل الخيار.
وقوله: ((فإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع)): أي لم يفسخه ((فقد
وجب البيع)). وهذا الكلام تأكيد لما فُهم من قوله أوّلًا: ((ما لم يتفرّقا))، مصرّحٌ بأنهما
إذا تفرّقا من غير ترك أحدهما للبيع وجب البيع: أي لزم، والمراد بترك البيع فسخه،

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
وهذه الرواية صريحة في أنه يُكتَفَى في حصول الفسخ بفسخ أحدهما، ولو لم يوافقه
الآخر عليه، بل اختار الإمضاء، وهو الذي صرّح به الفقهاء القائلون بخيار المجلس،
من الشافعيّة، وغيرهم. أفاده في ((طرح التثريب)) ١٥٨/٦ .
وقال في ((الفتح)) ٦١/٥ -: قوله: ((فقد وجب البيع)) أي بعد التفرّق، وهذا ظاهر
جدّا في انفساخ البيع بفسخ أحدهما، قال الخطابي: هذا أوضح شيء في ثبوت خيار
المجلس، وهو مبطل لكل تأويل، مخالف لظاهر الحديث، وكذلك قوله في آخره:
((وإن تفرقا بعد أن تبايعا)): فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن، هو القاطع للخيار، ولو
كان معناه التفرق بالقول، لخلا الحديث عن فائدة. انتهى.
وقد أقدم الداودي على ردّ هذا الحديث، المتفق على صحته، بما لا يُقبَل منه،
فقال: قول الليث في هذا الحديث: ((وكانا جميعا الخ)): ليس بمحفوظ؛ لأن مقام الليث
في نافع، ليس كمقام مالك، ونظرائه. انتهى. وهو رَدِّ لما اتفق الأئمة على ثبوته، بغير
مُستَنَد، وأيُّ لَوْم على من روى الحديث، مُفَسَّرًا لأحد محتملاته، حافظا من ذلك، ما
لم يحفظه غيره، مع وقوع تعدد المجلس، فهو محمول على أن شيخهم حدثهم به تارة
مفسرا، وتارة مختصرا. قاله في ((الفتح)) ٦١/٥ .
والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتِى بْنَ
سَعِيدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ: ((إِنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ
بِالْخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا، مَا لَمْ يَفْتَرِقَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ خِيَارًا»، قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ،
إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ، فَارَقَ صَاحِبَهُ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و((عبد الوهاب)): هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ. و((يحيى بن سعيد)): هو
الأنصاريّ المدنيّ.
وقوله: ((قال نافع: فكان عبد الله الخ)) موصول بالإسناد المذكور، وقد ذكره مسلم
أيضًا من طريق ابن جريج، عن نافع، وهو ظاهر في أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
كان يذهب إلى أن التفرّق المذكور بالأبدان، كما سبق بيانه. والحديث دليلٌ في ثبوت
الخيار لكلّ من المتبايعين ما داما في المجلس. أفاده في ((الفتح)) ٥٤/٥ .
وقوله: ((فارق صاحبه)) أي خوفًا من أن يردّ البائع البيع بما له من الخيار، قال
السنديّ: فانظر إلى ما فهم عبد الله من الحديث، وهو راويه، هل هو الذي يقول

١٤٣
٩- (ذکرُ الاختلافِ علی نافع فِی لفظِ حَدِیثه) - حديث رقم ٤٤٧٦
المثبت للخيار في المجلس، أم هو الذي يقول النافي له. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد السنديّ رحمه اللّه بهذا الكلام الإشارة إلى تأييد قول
من يقول: إن المراد بالحديث إثبات خيار المجلس، حيث إن راوي الحديث رَّه فهم منه
هذا المعنى، وعمل به، حيث كان يفارق صاحبه الذي باع له؛ لئلا يفسخ البيع بناء على أن
له خيار المجلس، فلما فارقه تمّ البيع، ولا يستطيع أن يفسخ، وهذا إنصاف من السنديّ
رحمه الله تعالى مخالفًا لمذهبه الحنفيّ القائل: إن التفرّق هو التفرّق بالأقوال، لا بالأبدان؛
لوضوح دليله، وهكذا ينبغي للعالم أن يكون مع الدليل، لا مع آراء الرجال، كما فعل من
قدّمنا قوله، ممن ردّ ما دلّ عليه ظاهر هذا الحديث بتأويلات سخيفة، قاتل الله التعصّب،
والله المستعان على من خالف ظواهر الأدلّة بتأويلات مُبْتَذَلَة.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٦- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَخْتَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا نَافِعْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ: ((الْمُتَبَابِعَانِ، لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى
يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
وقوله: ((لا بيع بينهما))، قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: أي ليس بينهما بيع لازم،
وليس المراد نفي أصل البيع، وكيف يَنفِي أصلَ البيع، وقد أثبته أوّلًا بقوله:
((المتبايعان))، وقد تمسّك ابن حزم بظاهر هذه اللفظة، وقال: إن البيع غير صحيح، ما
لم يتفرّقا، أو يتخيّرا، والمعروف صحّته، إلا أنه عقد جائزٌ، ما لم يوجد أحد الأمرين.
انتهى ((طرح)) ١٥٨/٦- ١٥٩ ببعض تصرّف.
وقال السنديّ: وقد يقال: هذه الرواية ناظرة إلى قول من يفسّر الافتراق بالافتراق
بالأقوال، فليتأمل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قالوه دعوى بغير بيّنة، فأين الدلالة
المزعومة؟ بل هذه الرواية كسائر الروايات السابقة، بلا فرق، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله
تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
١٠- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ دِينَارٍ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاختلاف الواقع في ألفاظ الحديث في رواية
عبد الله بن دينار ليس مثل الاختلاف الواقع في رواية نافع المتقدّمة في الباب الماضي،
فإن كلّ الرواة عنه رووه بلفظ: ((كلّ بيّعين لا بيع بينهما حتى يتفرّقا، إلا بيع الخيار))، إلا
سفيان ابن عيينة، فإنه رواه بلفظ: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا، أو يكون بينهما عن
خيار))، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٧٧- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((كُلُّ بَيْعَيْنٍ، لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
و((إسماعيل)): هو ابن جعفر ابن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ المدنيّ الثقة الثبت [٨].
و((عبد الله بن دينار)): هو أبو عبدالرحمن العدويّ مولاهم، المدنيّ مولى ابن عمر الثقة
المدنيّ [٤]. والسند من رباعيّات المصنّف، وهو (٢١٤) من رباعيات الكتاب، وهو
أعلى الأسانيد عنده كما سبق غير مرّة.
وقوله: ((البيّعان)): بتشديد التحتانيّة: تثنية بيّع، بمعنى البائع، كضيّق وضائق،
وصيّن وصائن، وليس كبيّن وبائن، فإنهما متغايران، كقيّم وقائم، واستعمال البيّع في
المشتري إما على سبيل التغليب، أو لأن كلا منهما بائع. قاله في ((الفتح)) ٥٣/٥-٥٤.
وقوله: ((لا بيع بينهما)): أي لازم. وقوله: ((حتى يتفرّقا)): أي فيلزم البيع حينئذ
بالتفرّق. وقوله: ((إلا بيع الخيار)): أي فيلزم باشتراطه، كما تقدّم البحث فيه مستوفّى،
وظاهره حصر لزوم البيع في التفرّق، أو في شرط الخيار، والمعنى أن البيع عقدٌ جائزٌ،
فإذا وُجد أحد هذين الأمرين كان لازمًا. قاله في ((الفتح)) ٦٢/٥.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ
الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَّسُولَ اللّهِ وَّهِ، يَقُولُ:
(كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلَا بَيْعَ بَيْتَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير

١٠ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ... - حديث رقم ٤٤٨٠
١٤٥ =
شيخه، فإنه من أفراده، وهو مصريّ ثقة، فقيه [١١].
و((شعيب)): هو ابن الليث بن سعد، شيخه في هذا السند. و((ابن الهاد)): هو يزيد بن
عبد الله بن أسامة الليثيّ المدنيّ، ثقة [٥].
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٧٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدْ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((كُلُّ بَيْعَيْنِ لَا بَيْعَ
بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه
عبد الحميد بن محمد بن الْمُسْتَام، أبي عمرو الحرّانيّ، إمام مسجدها، فإنه من أفراده،
وهو ثقة [١١] ٩٣٢/٢٢.
و((مخلد)): هو ابن يزيد القرشيّ الْحَرّانيّ، صدوق له أوهام، من كبار [١٠] ١٤١/
٢٢٢ .
و((سفيان)): هو الثوريّ.
[تنبيه] : وقع في نسخ «المجتبى)) التي عندي (عمرو بن دینار)) بدل ((عبد الله بن دینار))،
وهو غلطً، والصواب ((عبد الله بن دينار))، كما هو في ((الكبرى)) ٤/ ٩ رقم ٦٠٦٩ وكذا هو
في (صحيح البخاريّ)) رقم ٢١١٣، وكذا في ((تحفة الأشراف)) ٤٥٠/٥.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٠- (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللّهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه
((الربيع بن سليمان))، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وهو المصريّ الجِيزيّ الأعرج، وهو
ثقة [١١] ١٧٣/١٢٢. و((والد إسحاق)): هو بكر بن مضر بن محمد المصريّ، الثقة
الثبت [٨] ١٧٣/١٢٢. و((يزيد بن عبد الله)): هو ابن الهاد المذكور قبل حديث.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((كُلُّ بَيِّعَيْنٍ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا،
حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه، فإنه من أفراده، وهو أبو بُريد الجرميّ البصريّ صدوق [١١] ١٣٠/١٠٠.
و(بهز بن أسد)): هو العمّيّ البصريّ.
والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و((سفيان)): هو ابن عيينة، والسند من رباعيّات المصنّف، كما سبق في السند
المذكور أول الباب، وهو (٢١٥) من رباعيات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَلِّ، قَالَ: ((الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، أَوْ
يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْبَيْعِ مَا هَوِيَ، وَيَتَخَايَرَانِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢- (معاذ بن هشام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوق ربما وهم [٩]
٣٤/٣٠ .
٣- (أبوه) هشام بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، وقد
رمي بالقدر، من كبار [٧] ٣٤/٣٠.
٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسي البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٧/٣٠ .
٥- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل [٣] ٣٢/
٣٦ .
٦- (سمرة) بن جندب بن هلال الفزاريّ، حليف الأنصار الصحابي المشهور، له
أحاديث، ومات بالبصرة سنة (٥٨) وتقدم في ٣٩٣/٢٥ . والله تعالى أعلم.

١٤٧=
١٠ - (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى عَبْدِ اللهِ ... - حديث رقم ٤٤٨٣
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ
الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وتقدّم ذلك غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ: قتادة، عن الحسن البصريّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَمُرَةَ) بن جندب رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وََّ، قَالَ: ((الْبَيْعَانِ) بتشديد
التحتانيّة: أي البائع والمشتري (بِالْخِيَارِ) أي في إمضاء البيع، وفسخه (حَتَّى يَتَفَرَّقًا) أي
بأبدانهما من مجلس العقد (أو) وفي نسخة بالواو (يَأْخُذَ) قال وليّ الدين رحمه الله
تعالى: هو معطوف على قوله: ((يتفرّقا))، وتقدير إدخال ((حتى)) عليه ممكن، لكن يكون
مدلولها غير مدلولها عند الدخول على قوله: ((يتفرّقا))، فهي في دخولها على قوله:
((يتفرّقا)) للغاية، وفي دخولها على قوله: ((يأخذ)) للتعليل: أي إن الخيار ثابت إلى غاية
التفرّق، وأن علّة ثبوته أن يأخذ كلُّ واحد منهما من البيع ما هوِي، وإذا اختلف مدلول
(حتّى)) تعذّر عطف أحد الفعلين على الآخر، فيُقدّر له حينئذ فعلٌ، تقديره: البيّعان
بالخيار حتى يأخذ الخ، ودلّ على هذا المقدّر ((حتّى)) الداخلةُ على قوله: ((يتفرّقا)).
انتهى. (طرح)) ١٦٠/٦. وقوله (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بالرفع فاعل ((يأخذ)) (مِنَ الْبَيْعِ) أي
مما اشتمل عليه عقد البيع، من الثمن، والمثمن، فالبائع بالخيار بين الإجازة، فيأخذ
الثمن، والفسخ، فيأخذ المثمن، والمشتري بعكسه (مَا هَوِيَ) -بكسر الواو- كرضي
وزنًا ومعنى: أي ما أحبّ، فـ((ما)) اسم موصول، مفعول به ل((يأخذ)) (وَيَتَخَايَرَانِ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ) أي يختاران ثلاث مرّات، وهو ندب إلى تكرير التخاير ثلاث مرّات؛ لأنه أطيب
للقلب، وأحوط، وهو استحباب بالإجماع، فيما نعلم، ولفظه خبر، ومعناه الأمر. قال
وليّ الدين رحمه اللع تعالى: قوله: ((ثلاث مرّات)) يحتمل أن يكون معناها أن النبيّ وَل
كرّر هذا اللفظ ثلاث مرار، ويحتمل أن يكون المراد أن التخاير يكون ثلاث مرار،
وعلى هذا الاحتمال الثاني، فهو احتياط، واستظهار، فإن التخاير يحصل بمرّة واحدة،
لا نعلم في ذلك اختلافًا، والظاهر أنه يتعيّن الاحتمال الثاني في رواية البخاريّ: ((يختار
ثلاث مرار)). انتهى ((طرح التثريب)) ٦/ ١٦٠.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنَّ الاحتمال الثاني هو المتعيّن؛ لأنه وقع في
رواية أحمد، عن عفّان، عن همّام، بلفظ: ((وجدت في كتابي: الخيار ثلاث مرار)).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سمرة رضي اللّه تعالى عنه هذا ضعيف، أما على قول من ينفي سماع الحسن
من سمرة تَظَّه مطلقًا، أو يقول: إنه سمع منه حديث العقيقة فقط، فظاهر، وأما على
قول من يثبت سماعه مطلقًا، فلشهرته بالتدليس، وقد عنعنه. وقد جاء الخيار ثلاثًا في
حديث حكيم ابن حزام عند أبي داود بلفظ: ((البيّعان بالخيار، حتى يتفرّقا، أو يختار
ثلاث مرار))، والحديث عند البخاريّ، بلفظ: قال همّام: وجدت في كتابي: يختار
ثلاث مرار)).
[تنبيه] : ردّ أبو محمد ابن حزم رحمه اللّه تعالى هذين الحديثين، فقال رواية الحسن
عن سمرة مرسلة، لم يسمع منه إلا حديث العقيقة وحده، وأما رواية همّام، فإنه لم
يحدّث بهذه اللفظة، وإنما أخبر أنه وجدها في كتابه، ولم يلتزمها، ولا رواها، ولا
أسندها، وما كان هكذا، فلا يجوز الأخذ به، ولا تقوم به حجة. قال: لو ثبت همام
عليها من روايته، أو غيره من الثقات، لقلنا بها؛ لأنها تكون زيادة. انتهى (المحلّ)) ٨/
٣٦٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٠/ ٤٤٨٣ و٤٤٨٤- وفي ((الكبرى)) ٩/ ٦٠٧٣ و٦٠٧٤ . وأخرجه
(ق) في ((التجارات)) ٢١٨٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٤- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا
هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ
مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَيَأْخُذَ(١) أَحَدُهُمَا مَا رَضِيَ مِنْ صَاحِبِهِ، أَوْ هَوِيَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه: ((محمد بن إسماعيل))، وهو المعروف أبوه بابن عليّة، فإنه من أفراده، وهو
بصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة حافظ [١١]. و((يزيد)): هو ابن هارون الواسطيّ
الحجة المشهور. و((همّام)): هو ابن يحيى العَوْذيّ الثقة البصريّ. وقوله: ((أو هوي)»
((أو)) للشكّ من الراوي. والحديث سبق القول فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) وفي نسخة: ((أو يأخذ)).

١١- (وُجُوبُ الْخِيَارِ لِلْمُتْبَايِعَيْنِ ... - حديث رقم ٤٤٨٥
١٤٩ =
«إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
١١- (وُجُوبُ الْخِيَارِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ
قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا بِأَبْدَانِمَا)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أشار المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة إلى
ترجيح مذهب الجمهور، من إثبات خيار المجلس للمتبايعين، وأن ثبوته مقيّدٌ بعدم
افتراقهما بأبدانهما، لا بأقوالهما، كما قاله البعض، واستدلاله بحديث الباب على هذا
واضح، حيث إن قوله: ((ولا يحلّ له أن يفارقه الخ)) ظاهر في كون التفرّق بالأبدان، لا
بالأقوال. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٨٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدْهِ، أَنَّ النّبِيِّ ◌ََّ، قَالَ: ((الْمُتَبَابِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلَّا أَنَ
يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣٥/٣١ .
٣- (ابن عجلان) هو محمد القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد المدنيّ، صدوق [٥]
٣٦ /٤٠ .
٤- (عمرو بن شعيب) بن محمد المدنيّ، أو الطائفيّ، صدوق [٥] ١٠٥/ ١٤٠.
٥- (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو الطائفيّ، صدوق [٣] ١٠٥/
١٤٠ .
٦- (جدّه) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير عمرو، وأبيه، فإنهما من رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من

= ١٥٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن عمرو، عن أبيه، ورواية الأوّلين من
رواية الأقران، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه. والله تعالى أعلم.
((ابن عجلان)): هو محمد، أبو عبد الله المدنيّ، صدوق [٥] ٤٠/٣٦. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب بن محمد بن عبد الله (عَنْ جَدِهِ) الضمير
الشعيب، لا لعمرو، على الصحيح؛ لأنه لو كان له، لكان مرسلًا؛ لأن جده، وهو
محمد تابعيّ، وأما جدّ شعيب، فهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى
عنهما، وهو صحابيّ مشهور، وقد سبق الكلام على هذا السند غير مرّة، فلا تغفل (أَنَّ
النَّبِيَّ وَِّ، قَالَ: ((الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ) أي بين إمضاء البيع، وفسخه (مَا لَمْ يَتَفَرَّقًا) أي
بأبدانهما، على ما عليه الجمهور، وهو الصواب، ويدلّ عليه قوله هنا: ((ولا يحلّ له أن
يفارقه الخ)) (إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةً خِيَارٍ) بفتح الصاد المهملة، وإسكان الفاء، وفتح
القاف: أي بيعة خيار، وسُمّي البيع صفقةً؛ لأن المتبايعين يضع أحدهما يده في يد
الآخر (وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ) قال السنديّ رحمه اللّه تعالى:
أي يُبطل البيع بسبب ما له من الخيار، فهذا يفيد وجود خيار المجلس، وإلا فلا خشية.
وقيل: بل ينفيه؛ لأن طلب الإقالة إنما يُتصوّر إذا لم يكن له خيار، وإلا فيكفيه ما له من
الخيار في إبطاله البيع عن طلب الإقالة من صاحبه. والله تعالى أعلم. انتهى.
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: قوله: ((إلا أن تكون صفقة خيار)) يحتمل أنه أراد
البيع المشروط فيه الخيار، فإنه لا يلزم بتفرّقهما، ولا يكون تفرّقهما غاية للخيار فيه؛
لكونه ثابتًا به تفرّقهما. ويحتمل أنه أراد البيع الذي شَرَطا فيه أن لا يكون بينهما فيه
خيار، فيلزم بمجرّد العقد من غير تفرّق. وظاهر الحديث تحريم مفارقة أحد المتبايعين
لصاحبه؛ خشيةً من فسخ البيع، وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، فإنه ذُكر له
فعل ابن عُمر، وحديث عمرو بن شعيب، فقال: هذا الآن قول النبيّ وَّر. وهذا اختيار
أبي بكر، وذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد جواز ذلك؛ لأن ابن عمر كان إذا اشترى
شيئًا، يُعجبه فارق صاحبه، متّفقٌ عليه. والأول أصحّ؛ لأن قول النبيّ وَّ يُقدّم على
فعل ابن عمر، والظاهر أن ابن عمر لم يبلغه هذا، ولو بلغه لما خالفه. انتهى ((المغني))
٨/ ١٤-١٥.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن القول الثاني أرجح، ولا تنافي بينه وبين
فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ لإمكان حمل النهي على ما إذا علم المفارق أن

١١- (وُجُوبُ الْخِيَارِ لِلْمُتْبَايِعَيْنِ ... - حديث رقم ٤٤٨٥
١٥١ =
صاحبه سيلحقه بذلك ضررّ يورثه الندم والأسف، وأما إذا لم يكن كذلك، فلا؛ لأن
قوله ◌ََّ: ((ما لم يتفرّقا)) شاملٌ لمفارقة أحدهما للآخر، ودليلٌ على جوازه، فتأمل.
والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: استدلّ بهذه الزيادة - يعني قوله:
((ولا يحلّ له الخ)) على عدم ثبوت خيار المجلس من حيث إنه لولا أن العقد لازم لما
احتاج إلى استقالته، ولا طلب الفرار من الاستقالة، وجوابه من وجهين:
[أحدهما]: أن قوله: ((لا يحلّ)) لفظة منكرة، فإن صخت، فليست على ظاهرها؛
الإجماع المسلمين على أنه جائز له أن يفارقه؛ لينفّذ بيعه، ولا يقيله، إلا أن يشاء.
[ثانيهما] : أنه أراد بالإقالة هنا الفسخ بحكم الخيار، فإنه الذي ينقطع بالمفارقة، أما
طلب الإقالة بالاختيار، فلا فرق بين أن يتفرّقا، أو لا، فإن ذلك إنما يكون بالرضا
منهما، وهو جائز بعد التفرّق. انتهى. ((طرح التثريب)) ٦/ ١٥٢.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الجواب الثاني عندي أقرب؛ لأنه أولى من دعوى
النكارة المذكورة، ويُحمل هذا النهي على ما إذا علم أن صاحبه يتضرّر بمفارقته، حيث
يلزمه البيع، فإذا عرف ذلك، فلا يجوز له أن يوقعه في الضرر، بل يلازمه، ولا يفارقه
حتى يكون له مهلة للتروّي، والتفكّر في مصلحته، فيختار الإمضاء، أو الفسخ. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه هذا حسنٌ، كما قال الترمذيّ رحمه الله
تعالى .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤٨٥/١١- وفي ((الكبرى)) ٦٠٧٥/١٠. وأخرجه (د) في ((البيوع))
٣٤٥٦ (ق) في ((التجارات)) ٢١٨٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثبوت خيار المجلس
للمتبايعين. (ومنها): أن التفرّق يكون بالأبدان، لا بالأقوال، كما قيل. (ومنها): أنه إذا
خيّر أحدهما صاحبه في المجلس، بأن قال له: اختر، فاختار، انقطع خيار المجلس،
ولزم البيع. (ومنها): وجوب النصيحة على المتبايعين، فلا يجوز لأحدهما أن يوقع
الآخر في الندم، باستعجاله في لزوم البيع، وذلك بالمفارقة لمجلس البيع، بل عليه أن

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
يتأنّى، حتى يعطي صاحبه مهلة التروّي، والتفكّر في مصلحته، فيمضي البيع، أو
يفسخه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٢- (الْخَدِيعَةُ فِي الْبَنِع)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْخَدِيعَةُ)) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة:
اسم من الْخَذع -بفتح، فسكون-، قال المجد في ((قاموسه)»: خَدَعه، كمنعه خَذْعًا،
ويُكسر : خَتَلَهُ، وأراد به المكروه من حيث لا يَعلَّم، كاختدعه، فانخدع، والاسم الخديعة،
و («الحرب خدعة)»، مثلّثة، وكهُمَزَة، وروي بهنّ جميعًا: أي تنقضي بخدعة. انتهى.
وترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((باب ما يكره من
الْخِدَاعِ في البيع))، فقال في ((الفتح)): كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الخداع في البيع
مكروه ولكنه لا يفسخ البيع، إلا أن شَرَط المشتري الخيار على ما تُشعِر به القصة
المذكورة في الحديث. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٨٦ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ
رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ، أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَرِ: ((إِذَا بِعْتَ،
فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ))، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَاعَ، يَقُولُ: لَا خِلَابَةَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة بن سعيد) المذكور في الباب السابق.
٢- (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين [٧] ٧/ ٧.
٣- (نافع) مولى ابن عمر، ابو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/١٢.
٤- (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢١٦) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين،
غير شيخه، فبغلانيّ، نسبة إلى ((بَغْلان)) - بفتح الموحّدة، وسكون الغين المعجمة -:
اسم قرية ببلخ. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما من المكثرين السبعة،

١٥٣ =
١٢- (الْخَدِیمةُ فِي البَنع) - حديث رقم ٤٤٨٦
روى (٢٦٣٠) حديثًا، ومن العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا) وفي رواية أحمد، من طريق محمد
ابن إسحاق: حدثني نافع، عن ابن عمر، كان رجل من الأنصار، زاد ابن الجارود في
(المنتقى)) من طريق سفيان، عن نافع، أنه حَبَّن بن مُنقِذ، وهو -بفتح المهملة،
والموحدة الثقيلة -. ورواه الدارقطني، من طريق عبد الأعلى، والبيهقي من طريق يونس
ابن بكير، كلاهما عن ابن إسحاق به، وزاد فيه: قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن
يحيى بن حَبّان، قال: هو جدي مُنقذ بن عمرو، وكذلك رواه ابن منده، من وجه آخر،
عن ابن إسحاق. قاله في ((الفتح)) ٦٧/٥.
وقال النوويّ في ((شرحه)) ٤١٨/١٠: هو حبّان - بفتح الحاء، وبالباء الموحدة - ابن
منقذ بن عمرو الأنصاريّ، والد يحيى، وواسع ابني حَبّان، شَهِدَ أحدًا. وقيل: بل هو
والده منقذ بن عمرو، وكان قد بلغ مائة وثلاثين سنة، وكان قد شُجَ في بعض مغازيه مع
النبيّ وَّر في بعض الحصون بحجر، فأصابته في رأسه مأمومة، فتغيّر بها لسانه، وعقله،
لكن لم يخرج عن التمييز. وذكر الدار قطنيّ أنه كان ضريرًا. انتهى.
(ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ نَّه) وفي رواية ابن إسحاق: ((فشكا إلى النبيّ ◌َّ ما يلقى من
الغبن)) (أَنَّهُ يُخْدَعُ) بالبناء للمفعول (فِي الْبَيْع) ولفظ البخاريّ: ((في البيوع))، وقد بَيِّن ابن
إسحاق في روايته المذكورة سبب شكواه،َ وهو ما يَلقَى من الغبن، وقد أخرجه أحمد،
وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم من حديث أنس، وهو الحديث التالي
للنسائيّ، بلفظ: ((أن رجلا كان يبايع، وكان في عُقدته ضعف))
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِذَا بِعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ) - بكسر المعجمة، وتخفيف
اللام -: أي لا خَدِيعة، و((لا)) لنفى الجنس: أي لا خديعة في الدين؛ لأن الدين
النصيحة .
زاد ابن إسحاق، في رواية يونس بن بكير، وعبد الأعلى عنه: («ثم أنت بالخيار في
كل سلعة ابتعتها، ثلاث ليال، فإن رضيتَ فأمسك، وإن سخطتَ، فاردد))، فبقي حتى
أدرك زمان عثمان، وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فكثر الناس في زمن عثمان، وكان إذا
اشترى شيئا، فقيل له: إنك غُبِنتَ، فيه رجع به، فيَشهَد له الرجلُ، من الصحابة بأن
النبي ◌َّر ، قد جعله بالخيار ثلاثا، فيرد له دراهمه.
قال العلماء: لقنه النبي ◌َّر هذا القول؛ ليتلفظ به عند البيع، فيَطّلع به صاحبه على
أنه ليس من ذوي البصائر، في معرفة السّلَع، ومقادير القيمة، فیَرَى له كما يرى لنفسه؛

== ١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
لما تقرر من حَضّ المتبايعين على أداء النصيحة، كما تقدم في قوله {وَّر، في حديث
حكيم بن حزام: «فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما)) الحديث.
(فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَاعَ، يَقُولُ: لَا خِلَابَةَ) هكذا في رواية المصنّف، وفي رواية مسلم:
((فكان إذا بايع يقول: لا خيابة))، قال النوويّ في ((شرحه)) ٤١٨/١٠: هو بياء مثناة
تحتُ، بدل اللام، هكذا هو في جميع النسخ، قال القاضي: ورواه بعضهم:
((لا خيانة)) بالنون، قال: وهو تصحيف، قال: ووقع في بعض الروايات في غير
مسلم: ((خذابة)) بالذال العجمة، والصواب الأول، وكان الرجل الثغ، فكان يقولها
هكذا، ولا يمكنه أن يقول: ((لا خلابة))، ومعنى ((لا خلابة)): لا خديعة: أي لا تحلّ لك
خديعتي، ولا يلزمني خديعتك. انتهى.
ونقل في ((الفتح)) ٣٥٣/١٤-٣٥٤- في ((كتاب الحيل)) عن المهلب، أنه قال: معنى
قوله: ((لا خلابة)): لا تخلُبوني: أي لا تخدعوني، فان ذلك لا يحل. قال الحافظ:
والذي يظهر أنه وارد مورد الشرط: أي إن ظهر في العقد خداع، فهو غير صحيح، كأنه
قال: بشرط أن لا يكون فيه خديعة، أو قال: لا تلزمني خديعتك. قال المهلب: ولا
يدخل في الخداع المحرم الثناءُ على السلعة، والإطناب في مدحها، فإنه متجاوز عنه،
ولا ينتقض به البيع. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢ / ٤٤٨٦ - وفي ((الكبرى)) ٦٠٧٦/١١. وأخرجه (خ) في ((البيوع» ٢١١٧
و((الاستقراض)) ٢٤٠٧ و((الخصومات)) ٢٤١٤ و ((الحيل)) ٦٩٦٤ (م) في ((البيوع)) ١٥٣٣ (د)
في ((البيوع)) ٢٥٠٠ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٥٠١٦ و٥٢٤٩ و ٥٣٨٢ و٥٤٩١ و٥٥٣٦
و ٥٨٢٠ و٥٩٣٤ و٦٠٩٩ (الموطأ) في ((البيوع)» ١٣٩٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الخديعة في البيع،
وهو أنها لا تجوز. (ومنها): أنه استُدِلّ به لأحمد، وأحد قولي مالك، أنه يُرَدّ بالغبن
الفاحش، لمن لم يَعرف قيمة السلعة.
وتعقب بأنه مَّ، إنما جعل له الخيار لضعف عقله، ولو كان الغبن يُملك به الفسخ،

١٥٥ ====
١٢- (الْخَدِيعَةُ فِي البَيْع) - حديث رقم ٤٤٨٦
لما احتاج إلى شرط الخيار.
وقال ابن العربي: يحتمل أن الخديعة في قصة هذا الرجل كانت في العيب، أو في
الكذب، أو في الثمن، أو في الغبن، فلا يُحتج بها في مسألة الغبن بخصوصها، وليست
قصة عامة، وإنما هي خاصة في واقعة عين، فيحتج بها في حق من كان بصفة الرجل،
قال: وأما ما رُوي عن عمر، أنه كُلُم في البيع، فقال: ما أجد لكم شيئا أوسع، مما
جعل رسول اللّه وَ لجر لحبان بن منقذ، ثلاثة أيام، فمداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف.
انتهى .
قال الحافظ: وهو كما قال، أخرجه الطبراني، والدارقطني، وغيرهما من طريقه،
لكن الاحتمالات التي ذكرها، قد تعينت بالرواية التي صُرّح بها، بأنه كان يُغبن في
البيوع. (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن أمد الخيار المشترط ثلاثة أيام، من غير زيادة؛
لأنه حكم ورد على خلاف الأصل، فيُقتصر به على أقصى ما ورد فيه، ويؤيده جعل
الخيار في الْمُصَرّاة ثلاثة أيام، واعتبار الثلاث في غير موضع. وأغرب بعض المالكية،
فقال: إنما قصره على ثلاث؛ لأن معظم بيعه كان في الرقيق. وهذا يحتاج إلى دليل،
ولا يكفي فيه مجرد الاحتمال.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن من قال عند العقد: لا خلابة، أنه يصير في تلك
الصفقة بالخيار، سواء وَجَدَ فيه عيبا، أو غبنا، أم لا، وبالغ ابن حزم في جموده، فقال:
لو قال: لا خديعة، أو لا غش، أو ما أشبه ذلك، لم يكن له الخيار، حتى يقول: لا
خلابة. ومن أسهل ما يُردّ به عليه، أنه ثبت في ((صحيح مسلم)) أنه كان يقول: لا خيابة
-بالتحتانية، بدل اللام، وبالذال المعجمة بدل اللام أيضاً (١)، وكأنه كان لا يفصح
باللام؛ للثغة لسانه، ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه، عند أحد من الصحابة، الذين
كانوا يشهدون له، بأن النبي ◌َّ، جعله بالخيار، فدل على أنهم اكتفوا في ذلك
بالمعنى .
(ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الكبير لا يُحجر عليه، ولو تبين سفهه؛ لما في بعض
طرق حديث أنس: أن أهله أتوا النبي وَلّ، فقالوا: يا رسول الله، احجُر عليه، فدعاه،
فنهاه عن البيع، فقال: لا أصبر عنه، فقال: ((إذا بايعت، فقل: لا خلابة)).
وتُعُقّب بأنه لو كان الحجر على الكبير لا يصح، لأنكر عليهم، وأما كونه لم يحجر
عليه، فلا يدل على منع الحجر على السفيه.
(١) هذا فيه نظر؛ لأن هذه الرواية ليست في مسلم، بل هي في غيره، كما تقدّم عن القاضي عياض
رحمه الله تعالی.

=
١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
(ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز البيع، بشرط الخيار، وعلى جواز شرط الخيار
للمشترى وحده. (ومنها): أن فيه ما كان أهل ذلك العصر عليه، من الرجوع إلى
الحق، وقبول خبر الواحد، في الحقوق وغيرها. قاله في ((الفتح)) ٦٧/٥-٦٨. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إعلام الموقعين
عن ربّ العالمين)): أحدث بعض المتأخرين حِيّلا، لم يصح القول بها عن أحد من
الأئمة، ومن عَرَف سيرة الشافعي، وفضله، عَلِيم أنه لم يكن يأمر بفعل الحيل، التي
تبنى على الخداع، وان كان يُجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر الى قصد العاقد، إذا
خالف لفظه، فحاشاه أن يُبيح للناس المكر والخديعة، فان الفرق بين إجراء العقد على
ظاهره، فلا يعتبر القصد في العقد، وبين تجويز عقد، قد عُلم بناؤه على المكر، مع
العلم بأن باطنه بخلاف ظاهره ظاهر، ومن نسب حِلَّ الثاني إلى الشافعي، فهو خصمه
عند الله، فان الذي جوزه بمنزلة الحاكم يُجري الحكم على ظاهره، في عدالة الشهود،
فيحكم بظاهر عدالتهم، وان كانوا في الباطن شهود زور، وكذا في مسألة الْعِينَةِ، إنما
جوز أن يبيع السلعة ممن يشتريها، جريا منه على أن ظاهر عقود المسلمين سلامتها من
المكر والخديعة، ولم يجوّز قط أن المتعاقدين يتواطآن على ألف، بألف ومائتين، ثم
يُحضران سلعة، تُحلل الربا، ولا سيما إن لم يقصد البائع بيعها، ولا المشتري شراءها،
ويتأكد ذلك، إذا كانت ليست ملكا للبائع، كأن يكون عنده سلعة لغيره، فيوقع العقد،
ويَدَّعي أنها ملكه، ويصدقه المشتري، فيوقعان العقد على الأكثر، ثم يستعيدها البائع
بالأقل، ويترتب الأكثر في ذمة المشتري في الظاهر، ولو عَلِمَ الذي جَوَّز ذلك بذلك،
لبادر إلى إنكاره؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب، فقد يذكر العالم الشيء، ولا
يستحضر لازمه، حتى إذا عرفه أنكره، وأطال في ذلك جِدّا، وهذا ملخصه.
قال الحافظ: والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه، في ظاهر الحكم،
فالشافعية يجوزون العقود على ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إنّ من عَمِلَ الحيل بالمكر
والخديعة، يإثم في الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله. والله أعلم. انتهى
((الفتح)) ١٤/ ٣٥٣- ٣٥٤.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من مثل الحافظ، فأين الانفصال الذي
زعمه، وبأي دليل انفصل عما أورده الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، من هذا الكلام
المفضّل الذي إذا سمعه من أنصف لا يتأخّر عن الاعتراف به، واعتقاد صحته، وأنه لا
مفرّ عن القول به، فهذه الحيل التي ذكرها، لا نعتقد أحدًا ممن له علم بالكتاب والسنة

١٢- (الْخَدِيعَةُ فِي البَيْع) - حديث رقم ٤٤٨٧
١٥٧=
يُجيزها، فإن عُثر على أن بعض أهل العلم قالوا بجوازها، فيُعتذر عنهم بما اعتذر به
هو، وذلك أنهم جوّزوا نوعًا منها إجمالًا، ولو استُفصلوا بجميع لوازم المسألة، لبادروا
بالإنكار، فضلًا عن القول بجوازها، وهذا هو الذي ندين اللَّه تعالى به في حقّ علماء
الإسلام، فإن هذه الحيل هي التي دخل بها تحريف الأديان السابقة، فكان أحبارهم
يحتالون في مخالفة ما في كتابهم، من التكاليف، فيجيزون للعوام ما هو حرام صرف،
فيشترون بذلك عرض الدنيا الفانية، كما ذمّهم الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، فقال
عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ
ظُهُورِهِمْ وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا فَبْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٨٧ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، كَانَ يُبَايِعُ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوْا النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالُوا:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ احْجُرْ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللَّهِ بِّهِ، فَتَهَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَضْبِرُ عَنِ
الْبَيْعِ، قَالَ: ((إِذَا بِعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ) الْمَعْنيّ- بفتح الميم، وسكون المهملة - أبو يعقوب
البصريّ، ثقة [١٠] ٢٥ /١٧٨٣ .
٢- (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] ٣٨٦/٢٠.
٣- (سعيد) بن أبي عروبة مِهْران البصريّ، ثقة ثبت، لكنه يدلس، واختلط [٦]
٣٨/٣٤ .
٤- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ٦/ ٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا رَزّه
أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة،
مات سنة (٢) أو (٩٣هـ)، وقد جاوز المائة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَجُلًا) هو حَبّان بن منقذ بن عمرو الأنصاريّ

= ١٥٨ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
رَُّ، وقيل: والده منقذ ◌َّه، كما تقدّم في الحديث الماضي (كَانَ فِي عُقْدَتِهِ) -
بضم العين، وفتح الدال المهملتين، بينهما قاف ساكنة -: أي في رأيه، ونظره في
مصالح نفسه وعقله. وقيل: هي العقدة في اللسان لما في بعض الروايات من أنه أصابته
مأمومة، فكسرت لسانه، حتى كان يقول: لا خيابة، بالياء، كما في ((صحيح مسلم))،
أو ((لا خذابة)) بالذال، كما عند غيره (ضَغْفٌ) بفتح الضاد المعجمة، وضمها، قرىء
بهما في السبع، وقال الفيّوميّ: الضَّعف بفتح الضاد في لغة تميم، وبضمّها في لغة
قريش: خلاف القوّة، والصحّة، فالمضموم مصدرُ ضَعُفَ، مثالُ قَرُب قُرْبًا، والمفتوح
مصدر ضَعَفَ ضَعْفًا، من باب قَتَلَ، ومنهم من يجعل المفتوح في الرأي، والمضموم
في الجسد. انتهى (كَانَ يُبَايِعُ) بالبناء للفاعل، أي يبيع للناس، ويشتري منهم، أو بالبناء
للمفعول: أي يبيع له الناس، ويشترون منه (وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوْا النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ
احْجُزْ عَلَيْهِ) بضم الجيم: أمر من الحجر، يقال: حجر عليه حَجْرًا، من باب قتل: إذا
منعه من التصرّف، فهو محجور عليه، والفقهاء يحذفون الصلة؛ تخفيفًا لكثرة
الاستعمال، ويقولون: محجورٌ، وهو سائغ. قاله الفيّوميّ (فَدَعَاهُ نَبِيُّ اللَّهِ وَ طَرِ، فَتَهَاهُ)
أي منعه من التبايع مع الناس؛ لئلا يقع في الغبن (فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَضْبِرُ) بكسر
الباء، من الصبر، وهو الحبس، والفعل من باب ضرب (عَنِ الْبَيْعِ) يعني أنه مُغرَم بحبّ
البيع، فلا يقدر على حبس نفسه عنه (قَالَ) وََّ (إِذَا بِعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ))) أي لا
خديعة، وفي رواية أبي داود: ((إن كنت غير تارك للبيع، فقل: هاء، وهاء، ولا
خلابة))، فقوله: ((هاء)) بالمذّ، وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون. قال في
((المجمع)): هو أن يقول كلّ من المتبايعين: هاء، فيعطيه ما في يده، كحديث ((إلا يدًا
بيد)). وقيل: معناه: هاك، وهات: أي خذ، وأعط .
قال في ((النيل)): اختلف العلماء في هذا الشرط، هل كان خاصًا بهذا الرجل، أم
يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط، فعند أحمد، ومالك في رواية عنه أنه يثبت الرد
لكل من شرط هذا الشرط، ويُثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع. وأجيب بأن
النبيّ وَّ إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي كان في عقله، كما في حديث
أنس رَّه ، فلا يُلحق به إلا من كان مثله في ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا
روي أنه كان إذا غُبن يشهد له رجل من الصحابة أن النبيّ ◌َّ قد جعله بالخيار ثلاثًا،
فيرجع في ذلك، وبهذا يتبيّن أنه لا يصحّ الاستدلال بمثل هذه القصّة على ثبوت الخيار
لكلّ مغبون، وإن كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا
غُبن، ولم يقل هذه المقالة، وهذا مذهب الجمهور، وهو الحقّ. انتهى ملخّصًا.

١٥٩ =
١٢- (الْخَدِيعَةُ فِي البَيْع) - حديث رقم ٤٤٨٧
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الإمام أحمد رَخْدَتهُ من إثبات
خيار الغَبْنِ هو الأرجح، كما سيأتي قريبا، إن شاء اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢ / ٤٤٨٧- وفي ((الكبرى)) ٦٠٧٧/١١. وأخرجه (د) في ((البيوع))
٣٥٠٠ (ت) في ((البيوع)) ١٢٥٠ (ق) في (الأحكام)) ٢٣٥٤ .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الخديعة في البيع، وهو
التحريم. (ومنها): مشروعيّة خيار الغبن لمن كان ضعيف العقل، فباع، أو اشترى، ثم
ظهر الغبن له، وفيه خلاف بين العلماء، قال النوويّ رحمه الله تعالى: واختلف العلماء في
هذا الحديث، فجعله بعضهم خاصًا في حقّه، وأن المغابنة بين المتبايعين لازمة، ولا خيار
للمغبون بسببها، سواء قلّت، أو كثُرت، وهذا مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وآخرين،
وهي أصحّ الروايتين عن مالك، وقال البغداديّون من المالكيّة: للمغبون الخيار لهذا
الحديث، بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة، فإن كان دونه فلا، والصحيح الأول؛ لأنه لم
يثبت أن النبيّ وَّلل أثبت له الخيار، وإنما قال له: قل: ((لا خلابة)): أي لا خديعة، ولا يلزم
من هذا ثبوت الخيار، ولأنه لو ثبت، أو أثبت له الخيار، كانت قضيّة عين، لا عموم لها،
فلا ينفذ منه إلى غيره إلا بدليل. انتهى ((شرح مسلم)) ١٠ / ١٧١.
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)): ويثبت الخيار في البيع للغبن في
مواضع: [أحدها] : تلقي الركبان، إذا تلقاهم، فاشترى منهم، وباعهم، وغبنهم.
[الثاني]: بيع النجش، ويذكران في مواضعهما. [الثالث] : المسترسِل إذا غُبن غبنا
يخرج عن العادة، فله الخيار بين الفسخ والإمضاء، وبهذا قال مالك، وقال ابن أبي
موسى: وقد قيل: قد لزمه البيع، وليس له فسخه، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي؛
لأن نقصان قيمة السلعة مع سلامتها، لا يمنع لزوم العقد، كبيع غير المسترسل،
وكالغبن اليسير. ولنا أنه غبن حصل لجهله بالمبيع، فأثبت الخيار كالغبن في تلقي
الركبان، فأما غير المسترسل، فإنه دخل على بصيرة بالغبن، فهو كالعالم بالعيب، وكذا
لو استعجل، فجهل ما لو تثبت لعلمه، لم يكن له خيار؛ لأنه انبنى على تقصيره
وتفريطه، والمسترسل: هو الجاهل بقيمة السلعة، ولا يُحسِن المبايعة، قال أحمد:

١٦٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
المسترسل: الذي لا يحسن أن يُماكِس، وفي لفظ: الذي لا يماكس، فكأنه استرسل
إلى البائع، فأخذ ما أعطاه، من غير مماسكة، ولا معرفة بغبنه، فأما العالم بذلك،
والذي لو توقف لعرف، إذا استعجل في الحال، فغُبِن فلا خيار لهما. ولا تحديد للغبن
في المنصوص عن أحمد، وحَدَّه أبو بكر في ((التنبيه))، وابن أبي موسى في ((الإرشاد))
بالثلث، وهو قول مالك؛ لأن الثلث كثير، بدليل قول النبي بَّر: ((والثلث كثير))،
وقيل: بالسدس، وقيل: ما لا يتغابن الناس به في العادة؛ لأن ما لا يَرِدُ الشرع
بتحديده، يُرجَع فيه إلى العرف. انتهى كلام ابن قدامة.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد رحمه الله تعالى من
إثبات الخيار في الغبن للمسترسل هو الظاهر؛ لأن الشارع أثبت الخيار في مواضع
كثيرة، من مواضع الغرر، مثل تلقّي الركبان، والمصرّاة، والنجش، وغيرها، فدلّ
ذلك على أن ما كان بمعناها مثلها في الحكم، وهو الغبن. والله تعالى أعلم.
(ومنها): مشروعيّة الحجر على السفيه، قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن
أخرج الحديث: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وقالوا: الحجر على
الرجل الحرّ في البيع والشراء، إذا كان ضعيف العقل، وهو قول أحمد، وإسحاق، ولم
ير بعضهم أن يُحجر على الحرّ البالغ. انتهى. وحجة الأولين هذا الحديث، ووجهه أن
أهل ذلك الرجل لما طلبوا منه وَلَّ الحجر عليه، لم ينكر عليهم، بل منعه من البيع، إلا
أنه لمّا رأى أنه لا يترك ذلك، عَلَّمَهُ أن يقول: ((لا خلابة)). واحتجّ المانعون أيضا بهذا
الحديث، ووجهه أنه بَّر لم يحجر عليه، فلو كان الحجر جائزًا لحجر عليه. وتُعقّب
بأنه حجر عليه، لكنه لمّا رأى أنه لا ينفع الحجر فيه، لكونه لا يترك البيع علّمه ما يرفع
عنه الضرر، إن لحقه، كما مرّ آنفًا، والحاصل أن دلالة الحديث على ما قاله الأولون
واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)) .
١٣ - (الْمُحَفَّلَةُ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الْمُحَفَّلَةُ)) بتشديد الفاء: اسم مفعول، من التحفيل:
يقال: حَفَل اللبن وغيرُهُ، من باب ضرب، حَفْلًا،، وحُقُولًا: إذا اجتمع، وحفّلتُ الشاةَ