Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
٤١- (النَّهْيُ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ) - حديث رقم ٤٤٤٦
ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ◌ِّ، قَالَ: ((لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا
فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
مروزيّ ثقة .
و((عبد الله)): هو ابن المبارك. و((عديّ بن ثابت)): هو الأنصاريّ الكوفيّ، صدوق،
رُمي بالتشيّع [٤] ٦٠٥/٤٩. وشرح الحديث تقدّم في حديث ابن عمر الماضي.
وهو حديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا ٤٤٤٥/٤١ و٤٤٤٦- وفي ((الكبرى))
٤٥٣٢/٤٢ و٤٥٣٣. وأخرجه (م) ((الصيد)» ٣٦١٧ (ت) ((الصيد)) ١٤٧٥ (ق)
((الذبائح)) ٣١٨٧ (أحمد) ((مسند بني هاشم)) ١٨٦٦ و٢٤٧٠ و٢٤٧٦ و ٢٥٢٨ و٢٥٨١
و٢٧٠٠ و٣٢٠٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
٤٤٤٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيِدِ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ
صَالِحٍ، عَنْ عَدِيْ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ
قَالَ: ((لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عُبيد)): هو المحاربيّ النحاس الكوفيّ،
صدوق [١٠]٢٢٦/١٤٤. و((عليّ بن هاشم)): هو ابن الْبَرِيد الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، من
صغار [٨]٤٣/ ٢٢٤٢.
و((العلاء بن صالح)) التيميّ، أو الأسديّ الكوفيّ، صدوقٌ، له أوهام [٧].
قال ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين أيضًا، وأبو زرعة، وأبو حاتم: لا
بأس به. ووثّقه يعقوب بن سفيان، وابن نُمير، والعجليّ. وقال ابن خزيمة: شيخ.
وقال يعقوب بن شيبة: مشهور. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن المدينيّ:
روى أحاديث مناكير. وقال البخاريّ: لا يُتابع. تفرّد به المصنّف، وأبو داود،
والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وعند الترمذيّ حديث
وائل في الصلاة.
وقوله: ((لا تتخذوا شيئًا الخ)) ولفظ ((الكبرى)): ((نهى رسول اللَّه ◌َلّل أن يُتخذ شيء
فیه الروح غرضًا)).
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا
٤٢- (مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقُّهَا)
٤٤٤٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، يَرْفَعُهُ، قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا، فَمَا فَوْقَهَا، بِغَيْرِ حَقْهَا، سَأَلَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: ((حَقُّهَا أَنْ تَذْبَحَهَا
فَتَأْكُلَهَا، وَلَا تَقْطَعْ رَأْسَهَا، فَيُرْمَى بِهَا))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدم هذا الحديث في ٤٣٥١/٣٤ وهو حديث
ضعيف؛ لجهالة صُهيب مولى ابن عامر، كما تقدّم الكلام عليه هناك. و((سفيان)): هو
ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن دينار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٤٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْمِصْيصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ، عَنْ خَلَفِ - يَعْنِي ابْنَ مِهْرَانَ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ
الْأَخْوَلُ، عَنْ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّرِيدَ، يَقُولُ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((مَنْ قَتَلَ عُضَفُورًا عَبَثًا، عَجَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ فُلَانَا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن داود) أبو جعفر المصّيصيّ، ثقة فاضل [١١] ٢٨٧٩/١١٢.
٢- (أحمد بن حنبل) هو أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الحجة الفقيه المجتهد
البغدادي، إمام أهل السنة والجماعة [١٠] ٤٩ /٩٥٨ .
٣- (أبو عُبيدة، عبد الواحد بن واصل) الحدّاد السدوسيّ مولاهم البصريّ، نزيل
بغداد، ثقة تكلّم فيه الأزديّ بغير حجة [٩] ٩٧٢/٥٥ .
٤- (خلف بن مِهْران) العدويّ، أبو الربيع البصريّ، إمام مسجد سعيد بن أبي
عروبة، وهو مسجد بني عديّ بن يشكُر، صدوقٌ بِهِم [٥].
روى عن عامر بن عبد الواحد الأحول، وعمرو بن عثمان بن يعلى بن أُميّة، وعبد
الرحمن بن عبد الله بن الأصمّ. وعنه حرميّ بن عُمارة، وأبو عُبيدة الحدّاد، وقال: كان
ثقة صدوقًا، خيرًا فاضلاً. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
قال الحافظ: وجعل البخاريّ خلَف بن مهران، إمام مسجد بني عديّ، غير خلف
أبي الربيع، إمام مسجد سعيد بن أبي عروبة، وكذا أبو حاتم، وذكر أن إمام مسجد

٤٢- (مَنْ قَتَلَ عُصْفُوراً بِغَيْرِ حَقْهَا) - حديث رقم ٤٤٤٨
٦٣ =
سعيد يروي عن أنس بن مالك. قال البخاريّ: روى عنه عمرو بن حمزة القيسيّ، لا
يتابع في حديثه، وذكر أن إمام مسجد بني عديّ هو الذي أثنى عليه أبو عبيدة الحدّاد،
قال الحافظ: وهو الذي ذكره ابن حبّان في ((ثقاته))، ولكن قال البغويّ: حدّثنا عبد الله
بن عون، حدّثنا أبو عبيدة الحدّاد، حدّثنا خلف بن مهران، أبو الربيع العدويّ، وكان
ثقة. فهذا يدلّ على أنه واحد. وقال ابن خُزيمة لَمّا أخرج حديث خلف، إمام مسجد
سعيد، عن أنس: لا أعرف خلفًا بعدالة، ولا جرح. انتهى. تفرّد به المصنّف بهذا
الحديث فقط .
٥- (عامر الأحول) بن عبد الواحد البصريّ، صدوقٌ يُخطىء [٦] ٦٣٠/٤.
٦- (صالح بن دينار) الجعفيّ، ويقال: الهلاليّ، مقبول [٧].
روى عن عمرو بن الشريد، وعنه عامر الأحول، ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد
به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٧- (عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ) الثقفيّ، أبو الوليد الطائفيّ، ثقة [٣] ٤١٨٤/١٩.
٨- (الشَّرِيدُ بن سويد) الثقفيّ الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنه، شهد بيعة الرضوان،
قيل: كان اسمه مالكًا، تقدّمت ترجمته في ٨/ ٣٦٨٠. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) الثقفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّرِيدَ) بفتح الشين المعجمة،
وكسر الراء، بوزن الطويل ابن سُوَيد الثقفيّ ◌َّه.
(يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ يَقُولُ: ((مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا) بفتحتين، يقال: عَبِثَ
عَبَثًا، من باب تَعِبَ: إذا لعِبَ، وعمل ما لا فائدة فيه (عَجَّ) بتشديد الجيم: أي رفع
صوته (إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أي لأجل الشكوى من الذي قتله لا عبّا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ:
يَا رَبِّ، إِنَّ فُلَانَا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ))) فيه أنه لا ينبغي قتل الحيوان بغير
حاجة. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث ضعيف؛ لجهالة صالح بن دينار، وهو من
أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٤٤٤٨/٤٢ وفي ((الكبرى)) ٤٥٣٥/٤٣.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
٤٣- (النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ)
٤٤٤٩- (أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِيهِ، مُحَمَّدِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ مَرَّةً: عَنْ أَبِيهِ، وَقَّالَ مَّرَّةً: عَنْ جَدْهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، نَّى
يَوْمَ خَيْبَرَ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الْجَلَّالَةِ، وَعَنْ رُكُوبِهَا، وَعَنْ أَكْلٍ لَحْمِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (عثمان بن عبد الله) أبو عمرو البصريّ، نزيل أنطاكية، ثقة، من صغار [١١]
١٥٥/١١٢ من أفراد المصنّف.
٢- (سَهْل بن بكّار) الدارميّ البصريّ، أبو بشر المكفوف، ثقة، ربّما وَهِمَ [١٠]
٢٢٨١/٥١ .
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) سُهيل بن بكّار)) مصغّرًا، وهو غلط، والصواب
((سهل بن بكّار))، مكبّرًا، وهو الذي في ((الكبرى)) ٧٣/٣ رقم ٤٥٣٦ - و((تحفة الأشراف))
٣٢٠/٦ فتنبه. والله تعالى أعلم.
٣- (وُهيب بن خالد) الباهليّ البصريّ الثقة الثبت، لكنه تغيّر قليلاً بآخره [٧] ٢١/
٤٢٧ .
٤ - (ابن طاوس) عبد الله، أبو محمد اليماني، ثقة فاضل عابد [٦] ٥١٤/١١.
٥- (عمرو بن شعيب) بن محمد المدني، ويقال: الطائفي، صدوق [٥] ١٠٥/
١٤٠ .
٦- (أبوه) شعيب بن محمد الطائفي، صدوق [٣] ١٤٠/١٠٥.
٧- (أبوه) محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهميّ الطائفيّ، مقبول [٣]١/
٤٢٢٧ .
٨- (جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما ١١١/٨٩ . والله
تعالى أعلم.
(منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
موثقون. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ورواية الراوي عن
أبيه، عن أبيه عن أبيه: عمرو بن شعيب بن محمد. والله تعالى أعلم.

=
٦٥
٤٣- (النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْجَلَّلَةِ) - حديث رقم ٤٤٤٩
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ) شعيب (عَنْ أَبِيهِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن
العاص (قَالَ مَرَّةً: عَنْ أَبِيهِ) الظاهر أن الضمير لابن طاوس، يعني أن عبد الله بن طاوس
حدّث بهذا الحديث مرّتين، فمرّة قال- بعد ذكر محمد بن عبد الله -: ((عن أبيه))،
والضمير لمحمد، وأبوه هو عبد الله بن عمرو (وَقَالَ مَرَّةً) أخرى (عَنْ جَدِهِ) بدل ((عن
أبيه))، فالضمير على هذا الشعيب، وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
تعالى عنهما.
والحاصل أن عبد الله بن طاوس حدث به مرتين، فمرةً قال: ((عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن أبيه محمد بن عبد اللَّه، عن أبيه، ومرةً قال: ((عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن أبيه محمد بن عبد الله، عن جدّه. والله تعالى أعلم.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم فتح خيبر (عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ)
تقدّم بيانه مستوفَّى في ((كتاب الصيد)) ٤٣٣٦/٣١- فلا تغفل (وَعَنِ الْجَلَالَةِ) بفتح
الجيم، وتشديد اللام: هي تأكل العذِرَة من الدواب. قال في ((الفتح)) ١١/ ٨٠-٨١:
والجلالة عبارة عن الدابة التي تأكل الْجِلَّة -بكسر الجيم، والتشديد- وهي البعر،
وادعى ابن حزم اختصاص الجلالة بذوات الأربع، والمعروف التعميم. وقد أخرج ابن
أبي شيبة، بسند صحيح، عن ابن عمر، أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا (وَعَنْ
رُكُونِهَا) هكذا رواية المصنّف بالواو العاطفة، ورواية أبي داود: ((عن ركوبها)) بدون
عاطف، وهو الظاهر؛ لأن قوله: ((عن ركوبها)) بدل من قوله: ((عن الجلّالة)) بدل تفصيل
من مجمل، والبدل لا يعطف على المبدل منه. وإنما نهى عن ركوبها؛ لأن عرقها
يتنجّس بالعذرة، فيتنجّس به الراكب (وَعَنْ أَكْلِ لَخْمِهَا) لأنه يكون أكلًا للنجاسة، حيث
إنها اعتلفت بالعذرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤٤٩/٤٣- وفي ((الكبرى)) ٤٥٣٦/٤٤. وأخرجه (د) في ((الأطعمة))
٢٨١١ (أحمد) ((مسند المكثرين)) ٦٩٩٩.

٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن أكل لحوم
الحيوانات، إذا كانت جلّالة. (ومنها): النهي عن ركوبها. (ومنها): النهي عن أكل
لحوم الحمر الأهليّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أكل لحم الجلّالة:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: قال أحمد: أكره لحوم الجلالة، وألبانها. قال
القاضي في ((المجرد)): هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة، حرم لحمها
ولبنها، وفي بيضها روايتان، وإن كان أكثر علفها الطاهر، لم يحرم أكلها، ولا لبنها،
وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة، لم نسمعه عن أحمد، ولا هو ظاهر كلامه،
لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها، ويعفى عن اليسير. وقال الليث: إنما
كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها، إلا الرجيع، وما أشبهه. وقال ابن أبي موسى
في الجلالة: روايتان: إحداهما: أنها محرمة. والثانية أنها مكروهة، غير محرمة، وهذا
قول الشافعي، وكره أبو حنيفة لحومها، والعمل عليها، حتى تُحبس. ورخص الحسن
في لحومها وألبانها؛ لأن الحيوان لا ينجس بأكل النجاسات، بدليل أن شارب الخمر،
لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات، لا يكون ظاهره
نجاسا، ولو نجس لَمَا طَهُر بالإسلام، ولا الاغتسال، ولو نجست الجلالة لَمَا طهرت
بالحبس .
واحتجّ الأولون بما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: ((نهى رسول اللَّه وَلِّل
عن أكل الجلالة، وألبانها))، رواه أبو داود، ورَوَى عبدالله بن عمرو بن العاص، قال:
(نهى رسول اللَّه ◌َ لّل عن الإبل الجلالة، أن يؤكل لحمها، ولا يحمل عليها إلا الأُدمُ،
ولا يَركبها الناس حتى تُعلف أربعين ليلة))، رواه الخلال بإسناده(١)، ولأن لحمها يتولد
من النجاسة، فيكون نجسا كرماد النجاسة، وأما شارب الخمر، فليس ذلك أكثر غذائه،
وإنما يتغذى الطاهرات، وكذلك الكافر في الغالب.
وقال في ((الفتح)): قال مالك، والليث: لا بأس بأكل الجلالة، من الدجاج وغيره،
وإنما جاء النهي عنها للتقذر. وقد ورد النهي عن أكل الجلالة، من طرق أصحها ما
أخرجه الترمذي، وصححه، وأبو داود، والنسائي - يعني الحديث الآتي في الباب
التالي، من طريق قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((أن النبي وَّ، نهى عن المجثمة،
(١) وكذا أخرجه البيهقيّ في (السنن الكبرى)) ٣٣٣/٩ وهو ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن
إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف.

٦٧
٤٣- (النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْجَلَّلَةِ) - حديث رقم ٤٤٤٩
وعن لبن الجلالة، وعن الشرب من في السقاء)). وهو على شرط البخاري، في رجاله،
إلا أن أيوب، رواه عن عكرمة، فقال عن أبي هريرة. وأخرجه البيهقي، والبزار، من
وجه آخر، عن أبي هريرة: ((نهى رسول اللَّه ◌َلّر عن الجلالة، وعن شرب ألبانها،
وأكلها، وركوبها))، ولابن أبي شيبة، بسند حسن، عن جابر: ((نهى رسول اللَّه وَله عن
الجلالة، أن يؤكل لحمها، أو يشرب لبنها)»، ولأبي داود، والنسائي -يعني حديث
الباب- من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ((نهى رسول اللَّه ◌َّل، يوم خيبر عن
لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلالة، عن ركوبها، وأكل لحمها))، وسنده حسن. وقد
أطلق الشافعية كراهة أكل الجلالة، إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، وفي وجه إذا أكثرت
من ذلك، ورجح أكثرهم أنها كراهة تنزيه، وهو قضية صنيع أبي موسى تتضمن﴾ (١).
ومن حجتهم أن العلف الطاهر، إذا صار في كَرِشها تنجس، فلا تتغذى إلا
بالنجاسة، ومع ذلك فلا يُحكّم على اللحم واللبن بالنجاسة، فكذلك هذا.
وتعقب بأن العلف الطاهر، إذا تنجس بالمجاورة، جاز إطعامه للدابة؛ لأنها إذا
أكلته، لا تتغذى بالنجاسة، وإنما تتغذى بالعلف، بخلاف الجلالة.
وذهب جماعة من الشافعية، وهو قول الحنابلة إلى أن النهي للتحريم، وبه جزم ابن
دقيق العيد عن الفقهاء، وهو الذي صححه أبو إسحاق المروزي، والقفال، وإمام
الحرمين، والبغوي، والغزالي، وألحقوا بلبنها ولحمها بيضها، وفي معنى الجلالة ما
يتغذى بالنجس، كالشاة تَرْضَع من كلبة، والمعتبر في جواز أكل الجلالة، زوال رائحة
النجاسة، بعد أن تُعلَف بالشيء الطاهر، على الصحيح، وجاء عن السلف فيه توقيت،
فعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر، أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا، كما تقدم،
وأخرج البيهقي بسند فيه نظر (٢)، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعا: ((أنها لا تؤكل حتى
تعلف أربعين يوما)). انتهى ما في ((الفتح)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد اتّضح مما تقدم أن القول بتحريم أكل لحوم
الجلّالة، وشرب ألبانها هو الحقّ؛ لظواهر هذه الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه] : قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وتزول الكراهة بحبسها اتفاقا، واختُلف
في قدره، فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثا، سواء كانت طائرا، أو بهيمة، وكان ابن عمر
(١) يعني أبا موسى الأشعري تنفي الذي تقدّم حديث في قوله للرجل الذي قاله: رأيته يأكل شيئًا،
فقذرته، فردّ عليه أبو موسى بأنه رأى النبيّ مَال# يأكله .
(٢) بل هو ضعيف؛ لأن فيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف.

٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
إذا أراد أكلها، حبسها ثلاثًا، وهذا قول أبي ثور. والأخرى تحبس الدجاجة ثلاثا،
والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين، وهذا قول عطاء في الناقة والبقرة؛ لحديث
عبدالله بن عمرو؛ لأنهما أعظم جسما، وبقاء علفهما فيهما، أكثر من بقائه في
الدجاجة، والحيوان الصغير. والله أعلم. انتهى. ((المغني)) ٣٢٩/١٣ ببعض اختصار.
[تنبيه آخر]: قال ابن قدامة أيضًا: تحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات، أو
سُمِدت بها. وقال ابن عقيل: يحتمل أن يكره ذلك، ولا يحرم، ولا يحكم بتنجيسها؛ لأن
النجاسة تستحيل في باطنها، فتظهر بالاستحالة، كالدم يستحيل في أعضاء الحیوان لحما،
ويصير لبنا، وهذا قول أكثر الفقهاء، منهم: أبو حنيفة، والشافعي، وكان سعد بن أبي
وقاص، يَدْمُلُ أرضع بالْعُرّة، ويقول: مكتل عُرّة مكتل بُرّ، والعرة: عذرة الناس.
ولنا ما روي عن ابن عباس، قال: ((كنا نكري أراضي رسول اللَّه ◌َّر، ونشترط
عليهم أن لا يَدمُلوها بعذرة الناس))(١)، ولأنها تتغذى بالنجاسات، تَتَرَفَّى فيها أجزاؤها،
والاستحالة لا تُطَهْر، فعلى هذا تَطهُرُ إذا سُقِيت الطاهرات، كالجلالة، إذا حُبست،
وأطعمت الطاهرات. انتهى ((المغني)) ٣٣٠/١٣ وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٤٤- (النَّهيُ عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ)
٤٤٥٠- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((َى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَلَبَنِ
الْجَلَّالَةِ، وَالشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ»).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (إسماعيل بن مسعود) الجحدري البصري، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢.
٢- (خالد) ابن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَتْبَر الدستوائيّ البصري، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/
٣٤ .
(١) أخرجه البهقيّ ١٣٩/٦ وضعّفه.

=
٦٩
٤٤- (النَّهْيُ عَنْ لَبَنِ الْجَلاَلَةِ) - حديث رقم ٤٤٥٠
٤- (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٤/٣٠.
٥- (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٣٢٥/٢.
٦- (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي اللّه تعالى
عنهما حبر الأمة، وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: ((نَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِّ عَنِ
الْمُجَثَّمَةِ) تقدّم ضبطها، ومعناها قريبًا (وَلَبَنِ الْجَلَّالَةِ) أي لأنه يتولّد من لحمها، وقد
تنجّس لحمها بسبب كون غذائها نجسًا (وَالشُّزْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ) (في)) لغة في الفم،
وهي من الأسماء الستة التي تُرفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجرّ بالياء، كما قال ابن
مالك في ((خلاصته)) :
وَاجْرُزْ بِيَاءِ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
وَارْفَعْ بَوَارٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ
و((الْفَمُ، حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
مِنْ ذَاكَ (ذُو)) إِنْ صُحِبَةً أَبَانَا
وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَخْسَنُ
(أَبّ)) ((أَخْ)) (حَمْ)) كَذَاكَ وَهَنُ))
وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ
وَفِي ((أَبٍ)) وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ
و((السقاء)) بكسر السين المهملة، وتخفيف القاف))، ككساء: جلد السَّخْلَة إذا أجذع،
يكون للماء واللبن، جمعه أسقية، وأسقيات، وأساق. قاله في ((القاموس)).
وأخرج الحديث البخاريّ من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، مختصرًا على
الشرب من في السقاء، ولفظه: ((عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: نهى النبيّ وَّل
عن الشرب من في السقاء)). قال في ((الفتح)) ٢٢٤/١١: زاد أحمد، عن إسماعيل بهذا
الإسناد والمتن، قال أيوب: ((فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء، فخرجت حية))،
وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية عباد بن موسى، عن إسماعيل، ووَهِمَ الحاكم،
فأخرج الحديث في ((المستدرك)) بزيادته، والزيادة المذكورة، ليست على شرط

٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا
(الصحيح))؛ لأن راويها لم يُسَمَّ، وليست موصولة، لكن أخرجها ابن ماجه من رواية
سلمة بن وَهْرَام، عن عكرمة، بنحو المرفوع، وفي آخره: ((وأن رجلا قام من الليل بعد
النهي، إلى سقاء، فاختنثه، فخرجت عليه منه حية))، وهذا صريح في أن ذلك وقع بعد
النهي، بخلاف ما تقدم من رواية بن أبي ذئب، في أن ذلك كان سبب النهي، ويمكن
الجمع، بأن يكون ذلك، وقع قبل النهي، فكان من أسباب النهي، ثم وقع أيضا بعد
النهي، تأكيدا. انتهى ما في ((الفتح)) ٢٢٤/١١ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٤/ ٤٤٥٠- وفي ((الكبرى)) ٤٥٣٧/٤٥. وأخرج (خ) جزء الشرب من
في السقاء فقط في ((الأشربة)) ٥٦٢٩ وأخرجه (د) في ((الأشربة)) ٣٧١٩ (ت) في ((الأطعمة))
١٨٢٥ (ق) في ((الأشربة)) ٣٤٢١ (أحمد) في «مسند بني هاشم)) ١٩٩٠ و٢١٦٢ و٢٦٦٦
و٢٩٤٤ و٣١٣٢ (الدارمي) في ((الأضاحي)) ١٩٧٥ و((الأشربة)) ٢١١٧. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): إنه قد سبق الكلام في المجثّمة، والجلّالة قريبًا، وبقي الكلام في
الشرب من في السقاء، وبيان ما قاله أهل العلم في ذلك، ودونك ملخّص كلامهم:
قال النووي رحمه اللّه تعالى: اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه، لا للتحريم، قال
الحافظ: كذا قال، وفي نقل الاتفاق نظر؛ لما سأذكره، فقد نقل ابن التين وغيره، عن
مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب، وقال: لم يبلغني فيه نهي، وبالغ ابن بطال في ردّ
هذا القول، واعتذر عنه ابن الْمُنَيِّر باحتمال أنه كان لا يحمل النهي فيه على التحريم،
كذا قال، مع النقل عن مالك، أنه لم يبلغه فيه نهي، فالاعتذار عنه بهذا القول أولى،
والحجة قائمة على من بلغه النهي، قال النووي: ويؤيد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث
الرخصة في ذلك.
قال الحافظ: لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة، ما يدل على الجواز، إلا من
فعله وَّه، وأحاديث النهي كلها من قوله، فهي أرجح إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك،
فإن جميع ما ذكره العلماء في ذلك، يقتضي أنه مأمون منه وَّر، أما أولًا فلعصمته،
ولطيب نكهته، وأما ثانيا فلرفقه في صب الماء، وبيان ذلك بسياق ما ورد في علة

٤٤- (النَّهْيُ عَنْ لَبَنِ الْجَلاَلَةِ) - حديث رقم ٤٤٥٠
٧١ =
النهي، فمنها ما تقدم، من أنه لا يؤمن دخول شيء من الهوام، مع الماء في جوف
السقاء، فيدخل فمَ الشارب، وهو لا يشعر، وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء، وهو
يشاهد الماء، يدخل فيه، ثم ربطه ربطا محكما، ثم لما أراد أن يشرب حلّه، فشربه
منه، لا يتناوله النهي. ومنها ما أخرجه الحاكم، من حديث عائشة، بسند قوي، بلفظ :
(نهى أن يُشرب من في السقاء؛ لأن ذلك ينتنه))، وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصا بمن
يشرب، فيتنفس داخل الإناء، أو باشر بفمه باطن السقاء، أما من صب من القربة داخل
فمه، من غير مماسة فلا. ومنها أن الذي يشرب من فم السقاء، قد يغلبه الماء، فينصب
منه أكثر من حاجته، فلا يأمن أن يُشرَق به، أو تَبْتَلَ ثيابه، قال ابن العربي: وواحدة من
الثلاثة، تكفي في ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوى الكراهة جدًا.
وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة: ما مُلَخّصه: اختلف في علة النهي، فقيل يُخشى أن
يكون في الوعاء حيوان، أو ينصب بقوة، فيُشرق به، أو يقطع العروق الضعيفة، التي
بإزاء القلب، فربما كان سبب الهلاك، أو بما يتعلق بفم السقاء، من بُخَار النَّفَس، أو بما
يخالط الماء من ريق الشارب، فيتقذره غيره، أو لأن الوعاء يفسد بذلك في العادة،
فيكون من إضاعة المال، قال: والذي يقتضيه الفقه، أنه لا يبعد أن يكون النهي
لمجموع هذه الأمور، وفيها ما يقتضي الكراهة، وفيها ما يقتضي التحريم، والقاعدة في
مثل ذلك، ترجيح القول بالتحريم، وقد جزم ابن حزم بالتحريم؛ لثبوت النهي، وحمل
أحاديث الرخصة على أصل الإباحة، وأطلق أبو بكر الأثرم، صاحب أحمد، أن
أحاديث النهي ناسخة للإباحة؛ لأنهم كانوا أوّلًا يفعلون ذلك، حتى وقع دخول الحية
في بطن الذي شرب من فم السقاء، فنسخ الجواز. قال الحافظ: ومن الأحاديث الواردة
في الجواز: ما أخرجه الترمذي، وصححه من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن
جدته كبشة، قالت: دخلت على رسول اللَّه ◌َّر، فشرب من في قربة معلقة، وفي الباب
عن عبد الله بن أنيس، عند أبي داود، والترمذي، وعن أم سلمة في ((الشمائل))، وفي
((مسند أحمد))، والطبراني، و((المعاني)) للطحاوي.
قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذي)»: لو فُرْق بين ما يكون لعذر، كأن تكون
القربة معلقة، ولم يجد المحتاجُ إلى الشرب إناء متيسرا، ولم يتمكن من التناول بكفه،
فلا كراهة حينئذ، وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر،
فتحمل عليه أحاديث النهي.
قال الحافظ: ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها، فيها أن القربة كانت معلقة، والشرب
من القربة المعلقة، أخص من الشرب من مطلق القربة، ولا دلالة في أخبار الجواز على

= ٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
الرخصة مطلقا، بل على تلك الصورة وحدها، وحملها على حال الضرورة، جمعا بين
الخبرين أولى، من حملها على النسخ. والله أعلم.
وقد سبق ابنُ العربي إلى نحو ما أشار إليه العراقيّ، فقال: يحتمل أن يكون شربه وَل
في حال ضرورة، إما عند الحرب، وإما عند عدم الإناء، أو مع وجوده، لكن لم
يتمكن؛ لشغله من التفريغ من السقاء في الإناء، ثم قال: ويحتمل أن يكون شَرِبَ من
إداوة، والنهي محمول على ما إذا كانت القربة كبيرة؛ لأنها مظنة وجود الهوامّ، كذا
قال، والقربة الصغيرة، لا يمتنع وجود شيء من الهوام فيها، والضرر يحصل به، ولو
كان حقيرا، والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)) ٢٢٤/١١-٢٢٥.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم أن أرجح الأقوال القول بتحريم
الشرب من في السقاء؛ لقوّة دليله، وأما أحاديث الرخصة، فلا تعارضها؛ لأنها محمولة
على حالة الضرورة، والحاجة، لا على إطلاقها، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٤٣- (كتاب البيوع)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((البيوع)): جمع بيع، وإنما جُمع، وإن كان المصدر لا
يُجمع، ولا يُثنّى، نظرًا إلى أنواعه، و((البيع)) في الأصل مصدر باعه يبيعه بيعًا، ومَبِيعًا،
فهو بائعٌ، وبَيْعٌ، وأباعه بالألف لغة، قاله ابن القطّاع، والبيع من الأضداد، مثل الشراء،
يقال كلّ منهما لكلّ منهما، فمن استعمال البيع بمعنى الشراء، قول الشاعر [من
الکامل] :
إِنَّ الشَّبَابَ لَرَابِحْ مَنْ بَاعَهُ وَالشَّيْبُ لَيْسَ لِبَائِعِهِ تِجَارُ
يعني من اشتراه. ومن استعمال الشراء بمعنى البيع قوله تعالى: ﴿وَشَرَوَهُ بِثَمَنٍ
يَخٍْ﴾ الآية. أي باعوه. ويُطلق على كلّ من المتعاقدين أنه بائعٌ، ولكن إذا أطلق
البائع، فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة، ويُطلق البيع أيضًا على المبيع، فيقال: بيعٌ
جيّدٌ، وبعت زيدًا الدارَ، يتعدّى إلى مفعولين، وكثر الاقتصار على الثاني؛ لأنه
المقصود بالإسناد، ولهذا تتمّ به الفائدة، نحو بعت الدار، ويجوز الاقتصار على الأول،
عند عدم اللبس، نحو بعت الأميرَ؛ لأن الأمير لا يكون مملوكًا يُباع، وقد تدخل ((من)) .

٧٣
٤٣ - (كتاب البيوع)
على المفعول الأول على وجه التأكيد، فيقال: بعت من زيد الدارَ، كما يقال: كتمته
الحديثَ، وكتمتُ منه الحديث، وربّما دخلت اللام مكان ((من)»، فيقال: بعتك الشيء،
وبعته لك، فاللام زائدة زيادتَهَا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْزَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾
الآية، والأصل بوأنا إبراهيم، وابتاع زيد الدار بمعنى اشتراها، وابتاعها لغيره: اشتراها
له، وباع عليه القاضي، أي من غير رضاه. والمبتاعُ مَبِيعٌ على النقص، ومبيُوعٌ على
التمام، مثلُ مَخِيط، ومخيوط. والأصل في البيع مبادلة مال بمال؛ لقولهم: بيعٌ رابحٌ،
وبيعٌ خاسرٌ، وذلك حقيقة في وصف الأعيان، لكنه أُطلق على العقد مجازًا؛ لأنه سبب
التمليك، والتملّك. وقولهم: صحّ البيع، أو بطل، ونحوُهُ: أي صيغة البيع، لكن لَمّا
حُذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مُقامه، وهو مذكرٌ أُسند الفعل إليه بلفظ التذكير.
والْبَيْعة: الصَّفْقة على إيجاب البيع، وجمعها بيعات بالسكون، وتُحرّك في لغة هُذيل، كما
بيضة وبيْضَات. وتُطلق أيضًا على المبايعة والطاعة، ومنه ((أيمان البيعة))، وهي التي
رتّبها الحجّاج، مشتملةً على أمور مغلّظة، من طلاق، وعتق، وصوم، ونحو ذلك. قاله
الفيّوميّ رحمه الله تعالى ((المصباح المنير)) ٦٩/١ .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: البيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا: أي
دفع معوضًا، وأخذ عِوَضًا منه، وهو يقتضي بائعًا، وهو المالك، أو من يتنزل منزلته،
ومُبتاعًا، وهو الذي يبذل الثمن، ومَبِيعًا، وهو الْمُثْمَن، وهو الذي يُبذل في مقابلة
الثمن، وعلى هذا فأركان البيع أربعة: البائع، والمبتاع، والثمن، والْمُثْمَن، وكلّ واحد
من هذه يتعلّق النظر فيها بشروط، ومسائل، ستراها إن شاء اللّه تعالى. والمعاوضة عند
العرب تختلف بحسب اختلاف ما يُضاف إليه، فإن كان أحد العوضين في مقابلة الرقبة
سُمّي بيعًا، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة، فإن كانت منفعة بُضع سُمّي نكاحًا، وإن
كانت منفعةً غيرها سُمّي إجارةً. انتهى ((المفهم)) ٤/ ٣٦٠.
وقال في الفتح»: ٣/٥: والبيوع جمع بيع، وجُمع لاختلاف أنواعه، والبيع: نقل ملك
إلى الغير بثمن، والشراء قبوله، ويطلق كل منهما على الآخر. وأجمع المسلمون على
جواز البيع، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبا،
وصاحبه قد لا يبذله له، ففي تشريع البيع، وسيلة إلى بلوغ الغرض، من غيرٍ حرج.
قال: والأصل في جواز البيع قوله عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَواْ﴾ الآية
[البقرة: ٢٧٥]. وللعلماء في هذه الآية أقوال: أصحها أنه عام مخصوص، فإن اللفظ
لفظ عموم، يتناول كل بيع، فيقتضى إباحة الجميع، لكن قد مَنَع الشارع بيوعا أخرى،
وحرمها، فهو عام في الإباحة، مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه. وقيل: عام

٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
أريد به الخصوص. وقيل: مجملٌ، بَيْنَتْه السنة، وكل هذه الأقوال تقتضي أن المفرد
المحلى بالألف واللام يعم، والقول الرابع: أن اللام في ﴿الْبَيْعُ﴾ للعهد، وإنها نزلت
بعد أن أباح الشرع بيوعا، وحرم بيوعا، فأريد بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾: أي الذي
أحله الشرع من قبل، ومباحث الشافعي وغيره، تدل على أن البيوع الفاسدة، تسمى
بيعا، وإن كانت لا يقع بها الحنث؛ لبناء الأيمان على العرف، قال: وقوله عز وجل:
﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢] تدل على إباحة
التجارة في البيوع الحالّة، ويدلّ أول الآية - يعني آية المداينة في البيوع المؤجلة. انتهى
((فتح)) بتصرّف.
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: البيع مبادلة المال بالمال ، تمليكا وتملكا،
واشتقاقه من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يَمُدّ باعه للأخذ والإعطاء، ويحتمل أن
كل واحد منهما كان يبايع صاحبه: أي يصافحه عند البيع، ولذلك سُمّي البيع صفقة .
وقال بعض أصحابنا: هو الإيجاب والقبول، إذ تضمن عينين للتمليك، وهو حدّ
قاصر؛ لخروج بيع المعاطاة منه، ودخول عقودٍ سوى البيع فيه.
والبيع جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ
اُلْبَيْعَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُرَّ﴾ الآية
[البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ﴾ الآية
[النساء: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾
الآية [البقرة: ١٩٨]. وروى البخاري، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ، ومَجَنَّةُ، وذو
المجاز أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا فيه، فأنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ
أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِن رَّبِّكُمْ﴾، يعني في مواسم الحج. وعن الزبير نحوه.
وأما السنة فقول النبي وَلَر: ((البَيْعَان بالخيار، ما لم يتفرقا))، متفق عليه. وروى
رِفاعة رَّه، أنه خرج مع النبي ◌َّ إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: ((يا
معشر التجار))، فاستجابوا لرسول اللّه ◌َ لتر، ورفعوا أعناقهم، وأبصارهم إليه، فقال:
((إن التجار يبعثون يوم القيامة فُجَارا، إلا من بَرّ، وصَدَقَ))، قال الترمذي: هذا حديث
حسن صحيح(١). وروى أبو سعيد، عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((التاجر الصدوق الأمين،
مع النبيين، والصديقين، والشهداء))، قال الترمذي: هذا حديث حسن(٢)، في أحاديث
(١) بل في سنده إسماعيل بن عبيد لم يرو عنه غير ابن خثيم، فهو مجهول عين.
(٢) بل هو ضعيف، فإن فيه انقطاعًا، لأن الحسن البصريّ لم يسمع من أبي سعيد الخدريّ، كما في
ترجمته من ((تهذيب التهذيب)) ٣٨٩/١-٣٩٠ ..

٧٥
٤٣ - (كتاب البيوع)
كثيرة سوى هذه.
وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان
تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع، وتجويزه شرع
طريق إلى إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه، ودفع حاجته. انتهى كلام ابن قُدامة .
وقال العلامة العينيّ رحمه الله تعالى: ثم للبيع تفسيرٌ لغة، وشرعًا، وركنٌ، وشرطٌ،
ومحلٌّ، وحكمٌ، وحكمة، أما تفسيره لغة، فمطلق المبادلة، وهو ضدّ الشراء، والبيع
الشراء أيضًا، باعه الشيء، وباعه منه جميعا فيهما، وابتاع الشيء: اشتراه، وأباعه:
عرّضه للبيع، وأما تفسيره شرعًا، فهو مبادلة المال بالمال على سبيل التراضي، وأما
ركنه، فالإيجاب والقبول.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون الإيجاب والقبول ركنا للبيع فيه نظر، والصحيح
أنهما ليسا ركنًا له، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى.
قال: وأما شرطه، فأهلية المتعاقدين، وأما محلّه فهو المال؛ لأنه يُنبىء عنه شرعًا.
وأما حُكمه، فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع، وللبائع في الثمن، إذا كان تامًا،
وعند الإجازة إذا كان موقوفًا. وأما حِكمته، فهي كثيرةٌ:
(منها): اتّساع أمور المعاش والبقاء. (ومنها): إطفاء نار المنازعات، والنهب،
والسرقة، والطرّ، والخيانات، والحيل المكروهة. (ومنها): بقاء نظام المعاش، وبقاء
العالم؛ لأن المحتاج يميل إلى ما في يد غيره، فبغير المعاملة، يفضي إلى التقاتل،
والتنازع، وفناء العالم، واختلال نظام المعاش، وغير ذلك.
وثبوته بالكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّيَوْ﴾. والسنّة، وهي أن
النبيّ وَّ بُعث والناس يتعاملون، فأقرّهم عليه، والإجماع منعقد على شرعيته. انتهى
((عمدة القاري)) باختصار ٢٣٧/٩-٢٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
[تنبيه] : قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: البيع على ضربين:
(أحدهما): الإيجاب والقبول، فالإيجاب أن يقول: بعتك، أو ملّكتك، أو لفظ يدل
عليهما، والقبول أن يقول، اشتريت، أو قبلت، ونحوهما، فإن تقدم القبول على
الإيجاب، بلفظ الماضي، فقال: ابتعت منك، فقال: بعتك صح؛ لأن لفظ الإيجاب
والقبول وجد منهما، على وجه تحصل منه الدلالة، على تراضيهما به، فصح كما لو
تقدم الإيجاب، وإن تقدم بلفظ الطلب، فقال: بعني ثوبك، فقال: بعتك، ففيه
روايتان: إحداهما: يصح كذلك، وهو قول مالك، والشافعي، والثانية: لا يصح، وهو

= ٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوعِ
قول أبي حنيفة؛ لأنه لو تأخر عن الإيجاب، لم يصح به البيع، فلم يصح إذا تقدم،
كلفظ الاستفهام، ولأنه عَقْدٌ عَرِيَ عن القبول، فلم ينعقد، كما لو لم يطلب، وحَكَى
أبو الخطاب، فيما إذا تقدم بلفظ الماضي روايتين أيضا، فأما إن تقدم بلفظ الاستفهام،
مثل أن يقول: أتبيعني ثوبك بكذا، فيقول: بعتك لم يصح بحال، نص عليه أحمد، وبه
يقول أبو حنيفة، والشافعي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم؛ لأن ذلك ليس بقبول، ولا
استدعاء .
(الضرب الثاني): المعاطاة، مثل أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزا، فيعطيه ما
يرضيه، أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار، فيأخذه، فهذا بيع صحيح، نصّ عليه أحمد،
فيمن قال لخباز: كيف تبيع الخبز؟ قال: كذا بدرهم، قال: زنه، وتصدق به، فإذا
وزنه، فهو عليه، وقول مالك نحوّ من هذا، فإنه قال: يقع البيع بما يعتقده الناس بيعا،
وقال بعض الحنفية: يصح في خسائس الأشياء، وحكي عن القاضي مثل هذا، قال:
يصح في الأشياء اليسيرة، دون الكبيرة، ومذهب الشافعي رحمه الله، أن البيع لا يصح
إلا بالإيجاب والقبول، وذهب بعض أصحابه إلى مثل قولنا، ولنا إن اللَّه أحل البيع،
ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه في القبض والإحراز
والتفرق، والمسلمون في أسواقهم، وبياعاتهم على ذلك، ولأن البيع كان موجودا
بينهم، معلوما عندهم، وإنما عَلّق الشرع عليه أحكاما، وأبقاه على ما كان، فلا يجوز
تغييره بالرأي والتحكم، ولم يُنقَّل عن النبي ◌ََّ، ولا عن أصحابه، مع كثرة وقوع البيع
بينهم، استعمال الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم، لنقل نقلا شائعا،
ولو كان ذلك شرطا، لوجب نقله، ولم يتصور منهم إهماله، والغفلة عن نقله، ولأن
البيع مما تعم به البلوى، فلو اشترط له الإيجاب والقبول، لبينه وَلَه بيانا عاما، ولم
يُخْفِ حكمه؛ لأنه يفضي إلى وقوع النقود الفاسدة كثيرا، وأكلهم المال بالباطل، ولم
ينقل ذلك عن النبي ◌َّر، ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه، ولأن الناس يتبايعون
في أسواقهم بالمعاطاة، في كل عصر، ولم ينقل إنكاره قبل مخالفينا، فكان ذلك
إجماعا، وكذلك الحكم في الإيجاب والقبول في الهبة، والهدية، والصدقة، ولم يُنقل
عن النبي ◌ََّ، ولا عن أحد من أصحابه، استعمال ذلك فيه، وقد أُهدي إلى رسول الله
وَلّر من الحبشة وغيرها، وكان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، متفق عليه. ورَوَى
البخاري عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللَّه ◌َّر، إذا أتى بطعام، سأل عنه أهدية أم
صدقة؟، فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية ضرب
بيده، وأكل معهم. وفي حديث سلمان ◌َّه، حين جاء إلى النبي ◌َّ بتمر، فقال:

٧٧
١- (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْكَسْب) - حديث رقم ٤٤٥١
هذا شيء من الصدقة، رأيتك أنت وأصحابك أحق الناس به، فقال النبي ◌َّر لأصحابه:
((كلوا، ولم يأكل))، ثم أتاه ثانية بتمر، فقال: رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذا شيء أهديته
لك، فقال النبي وَلّر: ((بسم الله))، وأكل، ولم يُنقل قبول، ولا أمر بإيجاب، وإنما سأل
لَيَعلَم هل هو صدقة، أو هدية؟، وفي أكثر الأخبار لم ينقل إيجاب، ولا قبول، وليس
إلا المعاطاة، والتفرقُ عن تراض يدل على صحته، ولو كان الإيجاب والقبول شرطا في
هذه العقود، لشق ذلك، ولكانت أكثر عقود المسلمين فاسدة، وأكثر أموالهم محرمة،
ولأن الإيجاب والقبول، إنما يرادان للدلالة على التراضي، فإذا وُجد ما يدل عليه، من
المساومة، والتعاطي، قام مقامهما، وأجزأ عنهما؛ لعدم التعبد فيه. انتهى كلام ابن
قدامة رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي حققه العلامة ابن قدامة، من عدم اشتراط
الإيجاب والقبول في العقود، كالبيع، والهبة، والصدقة، ونحوها؛ لعدم ثبوته عن الشارع
الحكيم هو الحقّ، فتبصّر، ولا تتحيّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
١- (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْكَسْبِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الحثّ)) - بفتح الحاء المهملة -: مصدر حَثَثته،
يقال: حَثَثتُ الإنسان على الشيء حَثًا، من باب نصر: إذا حَرَّضتَه، وذهب حثيثًا: أي
مُسرعًا، وحَثَنتُ الفرسَ على الْعَذْوِ: صِحْتُ به، أو وَكَزْته برِجْل، أو ضربٍ،
واستحثثته كذلك. قاله الفيّوميّ.
و((الكسب)) - بفتح، فسكون -: مصدر كَسَب، يقال: كسبتُ مالًا كسبًا، من باب
ضرب: إذا ربحته، واكتسبته كذلك، وكسب لأهله، واكتسب: طلب المعيشة، وكسب
الإثمَ، واكتسبه: تحمّله، ويتعدّى بنفسه إلى مفعول ثان، فيقال: كسبتُ زيدًا مالًا، وعلمًا:
أي أنلته. قال ثعلب: وكلُّهم يقول: كَسَبَك فلانٌ خيرًا، إلا ابن الأعرابيّ، فإنه يقول:
أكسبك بالألف، واستكسبتُ العبدَ: جعلته يكتسب، وأصل السين للطلب، ويكون بمعنى
فَعَلْتُ، مثلُ استخرجته، بمعنى أخرجته. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٤٥١- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو قُدَامَةَ السَّرْخَسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ
سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ

شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
٧٨
مِنْ كَسْبِهِ))) .
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (عبيد الله بن سعيدن أبو قُدَامة السرخسيّ) نزيل نيسابور، ثقة ثبت سنّيّ [١٠]
١٥/ ١٥ .
٢ - (يحيى بن سعيد) بن فرَّوخ القطان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩]٤/٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة فقيه [٧] ٣٣/
٣٧ .
٤- (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/٢.
٥- (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه، يرسل كثيرًا [٥]
٣٣/٢٩ .
٦- (عمارة بن عمير) التيميّ الكوفي، ثقة ثبت [٤] ٦٠٨/٤٩.
٧- (عمة عمارة) مجهولة .
٨- (عائشة) رضي الله تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير عمة عمارة، فمجهولة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه،
فسرخسي، ثم نيسابري، ويحيى بن سعيد، فبصريّ، وعائشة رضي اللَّه تعالى عنها،
فمدنية. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: إبراهيم، عن
عمارة، عن عمته، وعلى قول من جعل منصورًا من صغار التابعين يكونون أربعة.
(ومنها): أن فيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)
أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ) التيميّ (عَنْ عَمَّتِهِ) لم تُعرف، وفي رواية أبي داود من طريق
الحكم، عن عُمارة بن عمير، عن أمه (عَنْ عَائِشَةَ) وفي رواية أبي داود: أنها سألت
عائشة رضي الله عنها: في حجري يتيمٌ، أفآكل من ماله؟، فقالت: قال رسول الله
وَلَه: ((إن أطيب ما أكل الرجل)) الحديث (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ
الرَّجُلُ) أي أحلّه، وأهنأه، قال السنديّ رحمه الله تعالى: الطيّب الحلال، والتفضيل فيه
بناء على بعده من الشبهات، ومظانّها، والكسب السعيُّ، وتحصيل الرزق، وغيره،

٧٩
١- (بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْكَسْبِ) - حديث رقم ٤٤٥١
والمراد المكسوب الحاصل بالطلب، والجدّ في تحصيله بالوجه المشروع. انتهى (مِنْ
كَسْبِهِ) أي مما كسبه بنفسه، من غير واسطة. وقال السنديّ: أي من المكسوب الحاصل
بالجدّ والطلب، ومباشرة أسبابه. انتهى (وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ)) أي لأنه بعضه،
وحكم بعضه حكم نفسه، وسُمّي الولد كسبًا مجازًا. قاله المناويّ. وفي رواية عند
أحمد: ((إن ولد الرجل من أطيب كسبه، فكلوا من أموالهم هنيئا)». وفي حديث جابر
رَوفيه: ((أنت ومالك لأبيك)). قال ابن رسلان: اللام للإباحة، لا للتمليك؛ لأن مال
الولد له، وزكاته عليه، وهو موروث عنه. انتهى.
قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى في ((جامعه)): والعمل على هذا عند بعض أهل
العلم، من أصحاب النبيّ وَّرَ، وغيرهم، قالوا: إن يد الوالد مبسوطة في مال ولده،
يأخذ ما شاء، وقال بعضهم: لا يأخذ من ماله إلا عند الحاجة إليه. انتهى.
وقال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: الحديث يدلّ على أن الرجل مشارك لولده في
ماله، فيجوز له الأكل منه، سواء أذن له الولد، أو لم يأذن، ويجوز له أيضًا أن يتصرّف
به كما يتصرّف بماله، ما لم يكن ذلك على وجه السرّف، والسَّفَه. وقد حكى في
((البحر)) الإجماع على أنه يجب على الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين. انتهى.
وقال ابن الهمام رحمه الله تعالى بعد ذكر حديث عائشة المذكور: [فإن قيل] : هذا
يقتضي أن له ملكًا ناجزًا في ماله. [قلنا] : نعم، لو لم يُقيّده حديث رواه الحاكم،
وصححه، والبيهقيّ عنها، مرفوعًا: ((إن أولادكم هبة، يهب لمن يشاء إناثًا، ويهب لمن
يشاء الذكور، وأموالهم لكم، إذا احتجتم إليها))، ومما يؤيّد أن الحديث مؤول أنه تعالى
ورّث الأب من ابنه السدس، مع ولد ولده، فلو كان الكلّ ملكه، لم يكن لغيره شيء،
مع وجوده. انتھی بتصرّف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ادعاه ابن الهمام من التقييد مستدلا
بالحديث المذكور، غير صحيح؛ لأن قوله: ((إذا احتجتم إليها)) زيادة غير صحيحة، فقد
قال أبو داود رحمه الله في ((سننه)): حماد بن أبي سليمان زاد فيه: ((إذا احتجتم)) وهو
منكر. انتهى. ونقل الحافظ في ((التلخيص)): عن ابن المبارك، عن سفيان، قال: حدّثنا
به حماد، ووهم فیه. انتھی.
فثبت بهذا أن القيد بالحاجة غير معتبر، بل للوالد أن يتصرف في مال ولده مطلقًا
على ما هو ظاهر النصّ، وقد أخرج أبو داود، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جدّه: أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، إن لي مالًا، وولدًا، وإن والدي
يجتاح مالي، قال: ((أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من

شرح سنن النسائي - كِتَابُ البيوع
:
٨٠
كسب أولادكم)). وأخرج ابن ماجه بإسناد رجاله ثقات، عن جابر بن عبد الله رضي الله
تعالى عنهما: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا، وولدًا، وإن أبي يجتاح مالي،
فقال: ((أنت ومالك لأبيك)). فهذه النصوص تدلّ على جواز تصرّفه مطلقًا، فليُتنبه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا صحيح، ولا يضرّ فيه جهالة عمة عُمارة بن
عُمير؛ لأنه ثبت من رواية الأسود عنها، كما سيأتي بعد حديث. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٤٥١/١ و٤٤٥٢ و٤٤٥٣ و٤٤٥٤ - وفي ((الكبرى)) ٦٠٤٣/٢
و ٦٠٤٤ و٦٠٤٥ و٦٠٤٦ و٦٠٤٧. وأخرجه (د) في ((البيوع)) ٣٠٦١ و٣٠٦٢ (ت) في
((الأحكام)) ١٢٧٨ (ق) فى ((التجارات)) ٢١٢٨ و٢٢٨١ (أحمد) في ((باقي مسند
الأنصار)) ٢٢٩٠٤ و٢٣٠٠٥ و٢٣٨٠٩ و٢٤١٣٣ و٢٤٢٣١ و٢٤٤٣٣ و٢٤٤٧٤
و٢٤٤٨٨ و٢٤٦٦٢ (الدارمي) في ((البيوع)) ٢٤٢٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الحثّ على الكسب؛ لأنه
وَّلّر جعله من أطيب كسب الرجل. (ومنها): جواز تصرّف الوالد في مال ولده بغير
إذنه. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ رحمه الله تعالى: فيه من الفقه أن نفقة الوالدين واجبة
على الولد، إذا كان واجدًا لها، واختلفوا في صفة من يجب لهم النفقة، من الآباء
والأمهات، فقال الشافعيّ: إنما يجب ذلك للأب الفقير الزمِنِ، فإن كان له مالٌ، أو كان
صحيح البدن، غير زمن، فلا نفقة له عليه، وقال سائر الفقهاء: نفقة الوالدين واجبةٌ
على الولد، ولا أعلم أن أحدًا منهم اشترط فيها الزمانة، كما اشترط الشافعيّ. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٤٥٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمَّةٍ لَهُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَِّيَّ نَِّ، قَالَ: إِنَّ أَوْلَادَكُمْ
مِنْ أَطْيَبٍ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ كَسْبٍ أَوْلَادِكُمْ)) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير
شيخه: محمد بن منصور الْجَوّاز المكيّ، وهو ثقة. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
والحديث صحيح، سبق شرحه، وتخريجه في الحديث الماضي . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.