Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٣٨- (بابُ ذَبَائِح الْيَهُودِ) - حديث رقم ٤٤٣٧ المروزيّ، ثقة فاضل [١٠] ٩٢٤/٣٢. و((الفضل بن موسى)): هو السِّينانيّ المروزيّ، ثقة ثبت، ربما أغرب، من «كبار [٩] ١٠٠/٨٣. و((يزيد بن زياد بن أبي الجعد)): هو الأشجعيّ الكوفيّ، صدوقٌ [٧] ٢٥٣٢/٥١. وقوله: ((نخبا)) بفتح أوله، مهموزًا، يقال: خبأت الشيء، من باب نفع: إذا سترته، والمعنى: كنا ندّخر الكراع، ويحتمل أن يكون بضم أوله، وتشديد الموحّدة، من خبأت الشيء بالتشديد للتكثير. والحديث أخرجه البخاريّ، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٣٦- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنٍ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالُ: نََّى رَسُولُ اللَّهِ وَ، عَنْ إِمْسَاكِ الْأُضْحِيَّةِ، فَوْقَّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ قَالَ: ((كُلُوا، وَأَطْعِمُوا))) . قال أَلجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه: فإنه من أفراده، وهو مروزيّ ثقة. و((عبد الله)): هو ابن المبارك. و((ابن عون)): هو عبد الله. والحديث تقدّم ٣٦/ ٤٤٢٩ مطوّلًا، وتقدّم أنه وقع فيه القلب، وأن الصواب أنه من مسند قتادة بن النعمان رَزّم، لا مسند أبي سعيد الخدريّ ◌َّه ، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٨- (بَابُ ذَبَائِح الْيَهُودِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد ذبائح أهل الكتاب، لا خصوص اليهود، وقد أجاد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى حيث ترجم بأتمّ من ترجمة المصنف رحمه الله تعالى، فقال : ((باب ذبائح أهل الكتاب، وشحومها، من أهل الحرب وغيرهم))، وقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُ الَّيِّبَتُّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُ وَعَامُّكُمْ حِلٌّ لَّ﴾ الآية [المائدة: ٥]، وقال الزهري: لا بأس بذبيحة نصارى العرب، وإن سمعته يسمي لغير الله، فلا تأكل، وإن لم تسمعه فقد أحله الله لك، وعَلِمَ كفرهم. ويُذكر عن عليّ نحوُهُ. وقال ٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا الحسن، وإبراهيم: لا بأس بذبيحة الأقلف. وقال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم)). ثم أورد حديث عبد الله بن مغفّل ◌َّم المذكور في الباب. راجع صحيح البخاري ج: ٥ ص: ٢٠٩٧ . وقال في ((الفتح)): ما حاصله: أشار بهذه الترجمة إلى جواز ذبائح أهل الكتاب، وشحومها، وهو قول الجمهور، وعن مالك، وأحمد تحريم ما حرم الله على أهل الكتاب، كالشحوم. وقال ابن القاسم: لأن الذي أباحه اللَّه طعامهم، وليس الشحوم من طعامهم، ولا يقصدونها عند الذكاة. وتعقب بأن ابن عباس، فَسَّر طعامهم بذبائحهم، كما سيأتي آخر الباب، وإذا أُبيحت ذبائحهم لم يحتج إلى قصدهم أجزاء المذبوح، والتذكية لا تقع على بعض أجزاء المذبوح دون بعض، وإن كانت التذكية شائعة في جميعها، دخل الشحم لا محالة، وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى، نَصّ بأنه حرم عليهم كل ذي ظفر، فكان يلزم على قول هذا القائل، أن اليهودي إذا ذبح ما له ظفر، لا يحل للمسلم أكله، وأهل الكتاب أيضا يُحَرّمون أكل الإبل، فيقع الالزام كذلك. وقوله: وقوله تعالى: ﴿ اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُ الطَّيِّبَتُّ﴾ كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى قوله: ﴿ِلٌّ لَّمْ﴾، وبهذه الزيادة يتبين مراده، من الاستدلال على الحل؛ لأنه لم يخص ذميا من حربي، ولا خص لحما من شحم، وكونُ الشحوم محرمة على أهل الكتاب لا يضر؛ لأنها محرمة عليهم، لا علينا، وغايته بعد أن يتقرر أن ذبائحهم لنا حلال، أن الذي حرم عليهم منها، مسكوت في شرعنا عن تحريمه علينا، فيكون على أصل الإباحة . وقوله: ((وقال الزهري: لا بأس بذبيحة نصارى العرب، وإن سمعته يُهُلّ لغير اللَّه فلا تأكل، وإن لم تسمعه، فقد أحله الله لك، وعَلِم كفرهم»، وصله عبد الرزاق، عن معمر، قال: سألت الزهري عن ذبائح نصارى العرب، فذكر نحوه، وزاد في آخره: قال: وإهلاله أن يقول: باسم المسيح، وكذا قال الشافعي: إن كان لهم ذبحْ يسمون عليه غير اسم الله، مثل اسم المسيح لم يحل، وإن ذكر المسيح على معنى الصلاة عليه لم يحرم. وحكى البيهقي عن الْحَليمي بحثا أن أهل الكتاب، إنما يذبحون لله تعالى، وهم في أصل دينهم لا يقصدون بعبادتهم، إلا اللّه، فإذا كان قصدهم في الأصل ذلك، اعتبرت ذبيحتهم، ولم يضر قول من قال منهم مثلا: باسم المسيح؛ لأنه لا يريد بذلك إلا الله، وإن كان قد كفر بذلك الاعتقاد. وقوله: وقال الحسن، وإبراهيم: لا بأس بذبيحة الأقلف - بالقاف، ثم الفاء- هو ٤٣ ٣٨- (بَأَبُ ذَبَائِح النُهُودِ) - حديث رقم ٤٤٣٧ الذي لم يختن، والقلفة - بالقاف- ويقال: بالغين المعجمة- الغرلة، وهي الجلدة التي تستر الحشفة. وأثر الحسن أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، قال: كان الحسن يُرخّص في الرجل، إذا أسلم بعد ما يكبر، فخاف على نفسه إن اختتن، أن لا يختتن، وكان لا يرى بأكل ذبيحته بأسا. وأما أثر إبراهيم، فأخرجه أبو بكر الخلال، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن مغيرة، عن إبراهيم النخعي، قال: لا بأس بذبيحة الأقلف. وقد ورد ما يخالفه، فأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: الأقلف لا تؤكل ذبيحته، ولا تقبل صلاته ولا شهادته. وقال ابن المنذر: قال جمهور أهل العلم: تجوز ذبيحته؛ لأن اللَّه سبحانه أباح ذبائح أهل الكتاب، ومنهم من لا يختتن. وقوله: وقال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم، هو موصول عند البيهقي، من طريق على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَكُمْ﴾ قال: ذبائحهم، وقائل هذا يلزمه أن يجيز ذبيحة الأقلف؛ لأن كثيرا من أهل الكتاب، لا يختتنون، وقد خاطب النبي ◌َلّ هرقل بقومه بقوله: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآٍِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، وهرقل وقومه ممن لا يختتن، وقد سُمُّوا أهل الكتاب. انتهى ((فتح)) ٦٦/١١-٦٧. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٣٧ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُغِيرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، قَالَ: دُلِّيَ جِرَابَ مِنْ شَخْمِ، يَوْمَ خَيْبَرَ، فَالْتَزَمْتُ، قُلْتُ: لَا أُعْطِي أَحَدَا مِنْهُ شَيْئًا، فَالْتَّفْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ مَ، يَتَبِّسَمُ) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي المذكور في الباب الماضي. ٢- (يحيى بن سعيد) القطان المذكور في الباب الماضي أيضًا. ٣- (سليمان بن المغيرة) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] ٥٤/ ٦١٦. ٤- (حُميد بن هلال) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة عالم [٣] ٤ /٤. ٥- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ) بصيغة اسم المفعول المضعّف، بوزن محمد الصحابيّ المشهور، بايع تحت الشجرة، وكان ممن نزل البصرة، مات رضي اللّه تعالى عنه سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في ٣٦/٣٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي. (ومنها): أن ٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، كما سبق قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن حُميد بن هلال رحمه اللَّه تعالى أنه (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: دُلِّيَ) بالبناء للمفعول من التدلية: أي نزّلوه من القلعة إلى خارجها (جِرَابٌ) بكسر الجيم، وتخفيف الراء (مِنْ شَخم) أى جرابٍ مملوء بشحم (يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم فتح خيبر (فَالْتَزَمْتُهُ) أي أخذته (قُلْتُ:" لَا أَعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا) وفي رواية البخاريّ: ((كنّا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لآخذه، فالتفتّ، فإذا النبيّ وَّ، فاستحييت منه)) (فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ) ((إذا)) هي الفُجائيّة، أي ففجأني وجود رسول اللّه ◌َّر في ذلك المكان (يَتَبَسَّمُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه متبسّما؛ تعجّبًا من حرصه على ذلك الشحم. قال السنديّ رحمه الله تعالى: وهذا تقرير منه وَّر على تناوله، إذ عادة الناس في تلك الأيام أكل الشحم، فلو كان حرامًا لوجب أن يبيّن أنه لا يجوز أكله، ويلزم منه حلّه، وهو يستلزم حلّ ذبائحهم، فإن الشحم شحم ذبائحهم. انتهى. وزاد أبو داود الطيالسيّ في روايته في آخره: ((فقال: هو لك))، وكأنه وَّرِ عرف شدّة حاجته إليه، فسوّغ له الاستئثار به. قاله في ((الفتح)) ٣٨٩/٦ ((كتاب فرض الخمس)). وقال أيضًا: وقد أخرج ابن وهب بسند معضل أن صاحب المغانم كعب بن عمرو بن زيد الأنصاريّ، أخذ منه الجراب، فقال النبيّ رَّ خلّ بينه وبين جرابه))، وبهذا يتبيّن معنى قوله: ((فاستحييت من رسول اللَّه وَ لَه))، ولعله استحيا من فعله ذلك، ومن قوله معًا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن مُغفّل رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٤٣٧/٣٨- وفي ((الكبرى)) ٤٥٢٤/٣٩. وأخرجه (خ) ((فرض و((الذبائح)) ٥٥٠٨ (م)))الجهاد)) ٣٣٢٠ و ٣٣٢١ الخمس)) ٣١٥٣ و((المغازى)) ٤٢١٤ (د) ((الجهاد)) ٢٧٠٢ (أحمد) ((مسند الشاميين)) ١٦٣٤٩ و٢٠٠٤٤ (الدارمي) ((السير)» ٢٥٠٠. والله تعالى أعلم. ٤٥ ٣٨- (بَأَبُ ذَبَائِح الیُهُودِ) - حديث رقم ٤٤٣٧ (المسألة الثالثة): فى فوائده : (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم أكل ذبائح اليهود، وهو الجواز. (ومنها): جواز أكل الشحوم التي توجد عند اليهود، وكانت محرّمة على اليهود، وكرهها مالك، وعن أحمد تحريمها، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أن فيه حجةً على من منع ما حرم عليهم، كالشحوم؛ لأن النبي ◌َّ، أقرّ ابن مغفل على الانتفاع بالجراب المذكور. (ومنها): أن فيه جواز أكل الشحم مما ذبحه أهل الكتاب لو كانوا أهل حرب؛ لأن الله تعالى لم يخصّ حين أحلّ ذبائحهم ذميًا من حربيّ، ولا لحمًا من شحم. (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة * من توقير النبيّ وَّره، ومن معاناة التنزه عن خوارم المروءة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة) في اختلاف أهل العلم في حكم ذبائح أهل الكتاب: قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)) ٢٩٣/١٣-٢٩٤٥ -: أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَكُمْ﴾ الآية [ المائدة: ٥] يعني ذبائحهم. قال البخاري: قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم، وكذلك قال مجاهد، وقتادة، ورُوي معناه عن ابن مسعود، وأكثر أهل العلم، يرون إباحة صيدهم أيضا، قال ذلك عطاء، والليث، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحدا حَرَّم صيد أهل الكتاب، إلا مالكا، أباح ذبائحهم، وحرّم صيدهم، ولا يصح؛ لأن صيدهم من طعامهم، فيدخل في عموم الآية؛ ولأن من حلت ذبيحته حل صيده، كالمسلم. قال: ولا فرق بين العدل والفاسق، من المسلمين، وأهل الكتاب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تؤكل ذبيحة الأقلف، وعن أحمد مثله، والصحيح إباحته، فإنه مسلم، فأشبه سائر المسلمين، وإذا أبيحت ذبيحة القاذف، والزاني، وشارب الخمر، مع تحقّق فسقه، وذبيحة النصراني، وهو كافر أقلف، فالمسلم أولى. قال: ولا فرق بين الحربي والذمي، في إباحة ذبيحة الكتابي منهم، وتحريم ذبيحة من سواه، وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب، فقال: لا بأس بها، حديث عبدالله ابن مغفل في الشحم (١) قال إسحاق أجاد. وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نَحفَظ عنه من أهل العلم، منهم مجاهد، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، (١) هكذا عبارة ((المغني))، ولعل فيها سقطًا، والأصل ((لحديث عبد الله بن مغفّل الخ))، أو نحو ذلك ذلك، فليُحرّر. ٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا فرق بين الكتابي العربي، وغيره، إلا أن في نصارى العرب اختلافا، ذكرناه في باب الجزية. وسُئل مكحول عن ذبائح العرب؟ فقال: أما بُهْرًا، وتَنُوخ، وسُلَيح، فلا بأس، وأما بنو تَغْلِب، فلا خير في ذبائحهم، والصحيح إباحة ذبائح الجميع؛ لعموم الآية فيهم. قال: فإن كان أحد أبوي الكتابي، ممن لا تحل ذبيحته، والآخر ممن تحل ذبيحته، فقال أصحابنا - يعني الحنبليّة -: لا يحل صيده، ولا ذبيحته، وبه قال الشافعي، إذا كان الأب غير كتابي، وإن كان الأب كتابيا، ففيه قولان: [أحدهما] : تباح، وهو قول مالك، وأبو ثور. [والثاني] : لا تباح؛ لأنه وُجد ما يقتضي التحريم والإباحة، فغُلِّب ما يقتضي التحريم، كما لو جرحه مسلم ومجوسي، وبيانُ وجود ما يقتضي التحريم أَنَّ كونه ابن مجوسي، أو وثني، يقتضي تحريم ذبيحته. وقال أبو حنيفة: تباح ذبيحته، بكل حال؛ لعموم النص، ولأنه كتابي ◌ُقَرُّ على دينه، فتحل ذبيحته، كما لو كان ابن كتابيين، وأما إن كان ابن وثنيين، أو مجوسيين، فمقتضى مذهب الأئمة الثلاثة تحريمه، ومقتضى مذهب أبي حنيفة حله؛ لأن الاعتبار بدين الذابح، لا بدين أبيه، بدليل أن الاعتبار في قبول الجزية بذلك، ولعموم النص والقياس. قال: فأما ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم، فننظر فيه، فإن ذبحه لهم مسلم، فهو مباح، نُصَّ عليه. وقال أحمد، وسفيان الثوري، في المجوسي يذبح لإلهه، ويدفع الشاة إلى المسلم يذبحها، فيسمي: يجوز الأكل منها، وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عما يُقَرَّب لآلهتهم، يذبحه رجل مسلم؟ قال: لا بأس به، وإن ذبحها الكتابي، وسمى الله وحده، حَلَّت أيضا؛ لأن شرط الحل وُجد، وإن عُلم أنه ذكر اسم غير الله عليها، أو ترك التسمية عمدا لم تحل. قال حَتْبَل: سمعت أبا عبدالله قال: لا يؤكل يعني ما ذُبح لأعيادهم وكنائسهم؛ لأنه أهل لغير الله به. وقال في موضع: يَدَعُون التسمية على عمد، إنما يذبحون للمسيح، فأما ما سوى ذلك، فرُويت عن أحمد الكراهة فيما ذُبح لكنائسهم، وأعيادهم مطلقا، وهو قول ميمون بن مهران؛ لأنه ذُبح لغير الله، وروي عن أحمد إباحته. وسُئل عنه العرباض بن سارية؟ فقال: كلوا، وأطعموني. وروي مثل ذلك عن أبي أمامة الباهلي، وأبي مسلم الخولاني، وأكله أبو الدرداء، وجبير بن نفير، ورخص فيه عمرو بن الأسود، ومكحول، وضمرة بن حبيب؛ لقول اللّه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ◌ِلٌّ لَّكُ﴾، وهذا من طعامهم، قال القاضي: ما ذبحه الكتابي لعيده، أو نجم، أو صنم، أو نبي، فسماه على ذبيحته حَرُم؛ لقوله تعالى: ٤٧ ٣٩- (ذَبِيحَةُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ) - حديث رقم ٤٤٣٨ ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اُللَّهِ بِهِ﴾ الآية [المائدة: ٣]، وإن سمى الله وحده حلّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٨]، لكنه يكره؛ لقصده بقلبه الذبح لغير الله. انتهى كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى. ((المغني)) ٢٩٣/١٣-٢٩٥. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بحل ذبائح أهل الكتاب على الإطلاق هو الحقّ؛ لإطلاق النصّ بذلك، دون تفصيل؛ فإن الله تعالى في الوقت الذي أخبرنا بأن أهل الكتاب بدّلوا، وغَيَّرُوا، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبُْ اَللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٠]، وقال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ﴾ الآية [المائدة: ٧٣]، فقد أحلّ ذبائحهم، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ حِلٌّ لَّكُ﴾ الآية، فدلّ على أن الحلّ على إطلاقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)). ٣٩- (ذَبِيحَةُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((يُعْرَف)) بالبناء للمفعول: أي ذبح الشخص الذي لم يُعرف أذبيحته حلالٌ لذكره الله تعالى عليها، أم لا؛ لعدمه؟. وقد ترجم الإمام رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((باب ذبيحة الأعراب ونحوهم))، وهي بمعنى ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٣٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بِنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَعْرَابِ، كَانُوا يَأْتُونَا بِلَحْم، وَلَا نَذْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ اذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، وَكُلُوا))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه ثقة ثبت حجة [١٠] ٢/٢ . ٢- (النضر بن شُميل) المازني، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت، ٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا من كبار [٩] ٤٥/٤١. ٣- (هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه ربما دلس [٥] ٦١/٤٩ . ٣- (أبوه) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله المدني الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠ /٤٤ . ٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والنضر، فمروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) هكذا في رواية النضر بن شُميل، عند المصنّف موصولًا بذكر عائشة رضي الله تعالى عنها، ووافقه عليه أبو خالد الأحمر، عند البخاريّ، في ((التوحيد))، ومحمد بن عبد الرحمن الطُّفاويّ، عنده في ((البيوع))، وأسامة بن حفص، عنده أيضًا في ((الذبائح)»، والدراورديّ عند الإسماعيليّ، وآخرون، فكلهم رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، وخالفهم مالك، فرواه عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، ليس فيه ذكر عائشة رضي الله عنها، قال الدارقطنيّ في ((العلل)): رواه عبد الرحيم بن سليمان، ومحاضر بن الموزّع، والنضر بن شُميل، وآخرون، عن هشام موصولًا، ورواه مالك، مرسلًا عن هشام، ووافق مالكًا على إرساله الحمّادان، وابن عيينة، والقطّان، عن هشام، وهو أشبه بالصواب، وذكر أيضًا أن يحيى بن أبي طالب رواه عن عبد الوهاب بن عطاء، عن مالك موصولًا . قال الحافظ: رواية عبد الرحيم عند ابن ماجه، ورواية النضر عند النسائي -يعني رواية الباب- ورواية محاضر عند أبي داود، وقد أخرجه البيهقي، من رواية جعفر بن عون، عن هشام مرسلا. ويستفاد من صنيع البخاري، أن الحديث إذا اختُلِفَ في وصله وإرساله، حُكِم للواصل بشرطين: أحدهما: أن يزيد عدد من وصله على من أرسله. والآخر أن يَحتَفْ بقرينة تُقَوِّي الرواية الموصولة؛ لأن عروة معروف بالرواية عن عائشة، مشهور بالأخذ عنها، ففي ذلك إشعار بحفظ من وصله، عن هشام، دون من أرسله، ويؤخذ من صنيعه أيضا أنه وإن اشترط في الصحيح، أن يكون راويه من أهل الضبط والإتقان، أنه إن كان في الراوي قصور عن ذلك، ووافقه على رواية ذلك الخبر، من هو مثله، انجبر ذلك القصور بذلك، وصح الحديث على شرطه. انتهى. ((الفتح)) = ٤٩ ٣٩- (ذَبِيحَةُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ) - حديث رقم ٤٤٣٨ ٦٣/١١-٦٤ . (أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَعْرَاب) وفي رواية مالك: ((من البادية))، وفي رواية البخاريّ: ((أن قومًا قالوا للنبيّ وَّر: إن قومًا يأتوننا بلحم)) (كَانُوا يَأْتُونَا بِلَخم) وفي رواية أبي خالد الأحمر عند البخاريّ: ((يأتوننا بلحمان)) (وَلَا نَذْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟) وفي رواية أبي داود: ((أم لم يذكروا، أفنأكل منها؟)) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: «اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، وَكُلُوا))) وفي رواية البخاريّ: ((سمّوا عليه أنتم، وكلوا)). وزاد في رواية البخاريّ: ((قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر))، وفي رواية أبي داود: ((بجاهليّة))، وزاد مالك في آخره: ((وذلك في أول الإسلام)). قال في ((الفتح)) ٦٤/١١: وقد تعلق بهذه الزيادة قوم، فزعموا أن هذا الجواب، كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ الَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]. قال ابن عبد البر: وهو تعلق ضعيف، وفي الحديث نفسِهِ ما يرُدُّه؛ لأنه أمرهم فيه بالتسمية عند الأكل، فدلّ على أن الآية كانت نزلت بالأمر بالتسمية عند الأكل، وأيضا فقد اتفقوا على أن ((الأنعام)) مكية، وأن هذه القصة جرت بالمدينة، وأن الأعراب المشار إليهم في الحديث، هم بادية أهل المدينة. وزاد ابن عيينة في روايته: ((واجتَهِدُوا أيمانهم، وكلوا)): أي حَلْفوهم على أنهم سَمُوا حين ذبحوا، وهذه الزيادة غريبة في هذا الحديث، وابن عيينة ثقة، لكن روايته هذه مرسلة، نعم أخرج الطبراني، من حديث أبي سعيد نحوه، لكن قال: ((اجتهدوا أيمانهم أنهم ذبحوها)»، ورجاله ثقات، وللطحاوي في ((المشكل)) سأل ناس من الصحابة، رسولَ اللَّه ◌َ لّ، فقالوا: أعاريب يأتوننا بلحمان، وجُبن وسَمْن، ما ندري ما كُنْهُ إسلامهم، قال: ((انظروا ما حَرَّم الله عليكم، فأمسكوا عنه، وما سكت عنه، فقد عفا لكم عنه، وما كان ربك نسيا، اذكروا اسم الله عليه)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٤٣٨/٣٩- وفي ((الكبرى)) ٤٥٢٥/٤٠. وأخرجه (خ) ((البيوع» ٢٠٥٧ و((الذبائح)) ٥٥٠٧ و((التوحيد)) ٧٣٩٨ (د) ((الضحايا)) ٢٨٢٩ (ق) ((الذبائح)) ٣١٧٤ (الموطأ) ((الذبائح)) ١٠٥٤ (الدارمي) ((الأضاحي)) ١٩٧٦ . والله تعالى أعلم. شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابَا (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ذبيحة من لم يُعرف، هل سمّى اللَّه تعالى عليها، أم لا؟، وهو الحلّ؛ حملًا لحال المسلم على الصلاح. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ** من الورع، حيث إنهم لم يكتفوا بظاهر الحال، بل توزعوا عن أكل ما أتى به من لم يُعرف حاله، حتى سألوا النبيّ وَّر عن ذلك، فبيّن لهم أنه حلال. (ومنها): ما قاله المهلب رحمه اللّه تعالى: هذا الحديث أصل في أن التسمية على الذبيحة لا تجب؛ إذ لو كانت واجبة، لاشترطت على كل حال، وقد أجمعوا على أن التسمية على الأكل ليست فرضا، فلما نابت عن التسمية على الذبح، دَلّ على أنها سنة؛ لأن السنة لا تنوب عن الفرض(١)، ودل هذا على أن الأمر في حديث عدي، وأبي ثعلبة محمول على التنزيه، من أجل إنهما كانا يصيدان على مذهب الجاهلية، فعلّمهما النبي وَلّ أمر الصيد والذبح، فرضه ومندوبه؛ لئلا يواقعا شبهة من ذلك، وليأخذا بأكمل الأمور فيما يستقبلان، وأما الذين سألوا عن هذه الذبائح، فإنهم سألوا عن أمر قد وقع، ويقع لغيرهم، ليس فيه قدرة على الأخذ بالأكمل، فعرّفهم بأصل الحل فيه. وقال ابن التين: يحتمل أن يراد بالتسمية هنا عند الأكل، وبذلك جزم النووي، قال ابن التين: وأما التسمية على ذبح، تولاه غيرهم، من غير علمهم، فلا تكليف عليهم فيه، وإنما يُحمل على غير الصحة، إذا تبين خلافها، ويحتمل أن يريد أن تسميتكم الآن، تستبيحون بها أكل ما لم تعلموا، أذكر اسم الله عليه أم لا؟، إذا كان الذابح، ممن تصح ذبيحته إذا سَمَّي . (ومنها): أنه يستفاد منه أن كل ما يوجد في أسواق المسلمين، محمول على الصحة، وكذا ما ذبحه أعراب المسلمين؛ لأن الغالب أنهم عرفوا التسمية، وبهذا الأخير جزم ابن عبد البر، فقال: فيه أن ما ذبحه المسلم يؤكل، ويُحمّل على أنه سَمَّى؛ لأن المسلم لا يُظَن به في كل شيء إلا الخير، حتى يتبين خلاف ذلك، وعَكَسَ هذا الخطابيّ، فقال: فيه دليل على أن التسمية غير شرط على الذبيحة؛ لأنها لو كانت شرطا، لم تُستَبَح الذبيحة بالأمر المشكوك فيه، كما لو عَرَض الشك في نفس الذبح، فلم يُعلَم، هل وقعت الذكاة المعتبرة، أو لا، وهذا هو المتبادر من سياق الحديث، حيث وقع الجواب فيه: ((فسموا أنتم، وكلوا))، كأنه قيل لهم: لا تهتموا بذلك، بل الذي يُهُمكم أنتم أن تذكروا اسم الله، وتأكلوا، وهذا من أسلوب الحكيم، كما نَّه عليه الطيبي، ومما يدل على عدم الاشتراط، قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ (١) كلام المهلب هذا فيه نظر لا يخفى، وقد تقدم أن الراجح وجوب التسمية على الذبيحة؛ لوضوح أدلته، فلا تغفل. والله تعالى أعلم. = ٥١ ٣٩- (ذَبِيحَةُ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ) - حديث رقم ٤٤٣٨ لَّكُمْ﴾، فأباح الأكل من ذبائحهم، مع وجود الشك في أنهم سَمُوا أم لا. قاله في ((الفتح)) ٦٤/١١- ٦٥ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم في أوائل ((كتاب الصيد)) أن القوب بوجوب التسمية على الذبيحة هو الحقّ، فلا تغفل. والله تعالى أعلم. [تنبيه] : قال الغزالي في ((الإحياء)» في مراتب الشبهات: المرتبة الأولى ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه، وهو ما يَقْوَى فيه دليل المخالف، فمنه التورع عن أكل متروك التسمية، فإن الآية ظاهرة في الإيجاب، والأخبار متواترة بالأمر بها، ولكن لَمّا صح قوله ◌َّر: ((المؤمن يَذبح على اسم اللّه، سَمَّي، أو لم يسم))، احتمل أن يكون عاما، موجبا لصرف الآية، والأخبار عن ظاهر الأمر، واحتمل أن يُخصص بالناسي، ويبقى مَن عداه على الظاهر، وهذا الاحتمال الثاني أولي. والله أعلم. قال الحافظ: الحديث الذي اعتمد عليه، وحكم بصحته بالغ النووي في إنكاره، فقال: هو مُجمَع على ضعفه، قال: وقد أخرجه البيهقي، من حديث أبي هريرة، وقال منكر، لا يُحتَجَ به، وأخرج أبو داود في ((المراسيل))، عن الصلت، أن النبي ◌َّ، قال: ((ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله، أو لم يذكر)). قال الحافظ: الصلت، يقال له: السدوسي، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وهو مرسل جَيّد، وحديث أبي هريرة ◌َّه ، فيه مروان بن سالم، وهو متروك، ولكن ثبت ذلك عن ابن عباس، واختُلف في رفعه ووقفه، فإذا انضم إلى المرسل المذكور قَوِي، أما كونه يبلغ درجة الصحة فلا. انتهى. ((الفتح)) ٦٤/١١-٦٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في حكم اللحوم المستوردة من بلدان غير الإسلاميّة: قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: اللحوم التي تباع في أسواق دول غير إسلاميّة، إن عُلم أنها من ذبائح أهل الكتاب، فهي حلّ للمسلمين، إذا لم يُعلم أنها ذُبحت على غير الوجه الشرعيّ، إذا الأصل حلّها بالنصّ القرآنيّ، فلا يُعدل عن ذلك إلا بأمر محقّق، يقتضي تحريمها. وأما إن كانت اللحوم من ذبائح بقيّة الكفّار، فهي حرام على المسلمين، ولا يجوز لهم أكلها بالنصّ، والإجماع، ولا تكفي التسمية عليها عند أكلها. انتهى. وقال الشيخ عبد الله بن حُميد رحمه اللّه تعالى: وأما اللحوم المستوردة، فما وردت من بلاد جرت عادتهم، أو أكثرهم يذبحون بالخنق، أو بالصعق الكهربائيّ، ونحو ذلك، فلا شكّ في حرمته. وأما إذا جُهل الأمر، هل يذبحون بالطريقة الشرعيّة، أم == ٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَایَا بغيرها؟ فلا شكّ في حرمتها، تغليبًا لجانب الحظر، كما قرّره أهل العلم، منهم النوويّ، وشيخ الإسلام، وابن القيّم، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في مسألة اللحوم المستورة من البلاد غير الإسلاميّة أن ما اتّضح كونه من ذبائح المسلمين، أو من ذبائح اليهود، أو النصارى، فهو حلالٌ، وما لم يتّضح فهو حرام؛ لأنه إما أن يكون من ذبائح من لا تحلّ ذبيحته، كالوثنيّ، ومنكر الأديان السماوية، أو نحوهم، فواضح التحريم، أو يكون مشكوكًا فيه، وحيث وقع الشكّ حرم؛ لما تقدّم ٤٢٦٥/١ - من قوله وَل ◌ّ لعدي بن حاتم تصميم: ((وإن خالط كلبك كلابًا، فقتلن، فلم يأكلن، فلا تأكل منه شيئًا، فإنك لا تدري أيها قتل))، فقد نهاه للشكّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنیب)) . ٤٠- (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل : (﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾) الآية [الأنعام: ١٢١] ٤٤٣٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ أَبِي وَكِيع - وَهُوَ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ- عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، قَالَ: خَاصَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالُوا: مَا ذَبَحَ اللَّهُ فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ) . رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفي البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤. ٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصري الإمام الثبت الحجة [٩] ٤/٤. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفي الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٥/٣١. ٤- (هارون بن عنترة) الشيبانيّ، أبو عبد الرحمن، أو أبو عمرو بن أبي وكيع (١) راجع ما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام في ((توضيح الأحكام من بلوغ المرام)) ٤١/٦ . ٤٠- (تأويلُ قولِ اللهِ عز وجل: (﴿وَلا ... - حديث رقم ٤٤٣٩ ٥٣ الكوفيّ، لا بأس به [٦] ١٨/ ٧٩٩. ٥- (أبوه) عنترة- بفتح العين المهملة، وسكون النون، وفتح التاء المثنّة، والراء- ابن عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة [٢]، ووهم من زعم أن له صحبة. روى عن عمر، وعليّ، وأبي الدرداء، وابن عبّاس، وزاذان أبي عمر. وعنه ابنه هارون، وعبد الله بن عمرو بن مرّة الْجَمَليّ، وأبو سنان الشيبانيّ. ذكر ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: أنه كوفيّ ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من الكوفيين. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. ٦- (ابن عباس) البحر الحبر رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير هارون، فتفرد به المصنف، وأبوداود، وابن ماجه في ((التفسير))، وغير أبيه فمن أفراد المصنف. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان، والصحابي، فمدني بصري مكي طائفي. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، قَالَ: خَاصَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) أي خاصم المؤمنين المشركون (فَقَالُوا) في معرض الاستدلال على بطلان دين المسلمين في زعمهم (مَا) شرطيّة، ولذا جُزم جوابها (ذَبَحَ اللَّهُ) أي أماته، والمراد به الحيوان الذي مات من غير ذبح (فَلَا تَأْكُلُوهُ) جواب (ما))، مجزوم بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة (وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ) يريدون بذلك إلقاء الشبهة عليهم بأن تحليل ما ذبحوه، وتحريم ما ذبحه اللَّه بعيد عن عقولهم المريضة بالهوى والعناد، فردّ اللَّه عز وجل ذلك عليهم بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقُ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤُحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ الآية. وحاصل الجواب أن الذبيحة إنما حلّت لأنه قد ذُكر اسم اللّه تعالى عليها، والميتة لم يذكر عليها اسم اللّه تعالى، فحرمت لذلك، ومقتضى التفسير أن متروك التسمية لا يحلّ، ولو ناسيًا، وقد تقدّم أن هذا هو الأرجح دللًا، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٠ /٤٤٣٩- وفي ((الكبرى)) ٤٥٢٦/٤١. وأخرجه (د) ((الضحايا)) ٢٨١٧ و٢٨١٨ و٢٨١٩ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل نسخ من حكمها شيء، أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عُنيت به، وعلى هذا قول مجاهد، وعامة أهل العلم، وروي عن الحسن البصري، وعكرمة، ماحدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة، والحسن البصري، قالا: قال الله: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه، إن كنتم بآياته مؤمنين﴾، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌّ﴾ ، فنسخ، واستثنى من ذلك، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّ﴾، وقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن مَزْيَد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان -يعني ابن المنذر- عن مكحول، قال: أنزل الله في القرآن: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ثم نسخها، ورَحِمَ المسلمين، فقال: ﴿اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُ الطَِّبَتِّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُرُ﴾، فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب. ثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ ههنا، فإنما أراد التخصيص، انتهى ((تفسير ابن كثير)) ٢/ ١٧٤ - ١٧٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . = ٥٥ ٤١- (النَّهْيُ عَنِ الْمُجَنَّمَةِ) - حديث رقم ٤٤٤١ ٤١- (الثَّهْيُ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْمُجَثَّمَةُ)) بضمّ الميم، من اسم مفعول، من التجثيم، أو الإجثام: هي الحيوانات التي تُنصب، وتُرمَى لتُقتل، أي تُحبس، وتُجعل هدفًا، وتُرمى بالنبل. يقال: جثم الإنسان، والنعام، والطائر، ونحوها يجئِمُ، ويجثُم، من بابي ضرب، ونصر، جَثْمًا، وجُثُومًا، فهو جائمٌ، وجَثُومُ: لزِم مكانه، فلم يبرح، أو وقع على صدره، أو تلبّد بالأرض. أفاده في ((القاموس)). وقال في ((الفتح)) ١١/ ٧٤: و((المُجَثَّمَةُ)): هي التي تُربط، وتُجعل غرضًا للرمي، فإذا ماتت من ذلك لم يحلّ أكلها، والجثوم للطير، ونحوها بمنزلة البروك للإبل، فلو جِئَمَت بنفسها، فهي جائمة، ومُجثِمة بكسر المثلّثة، وتلك إذا صيدت على تلك الحالة، فذُبحت جاز أكلها، وإن رُميت، فماتت لم يجز؛ لأنها تصير مَوْقُوذَةً. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٤٤٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ جُبَيْرِ ابْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَا تَحَلُّ الْمُجَثَّمَةُ))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم سندًا ومتنا بأتمّ من هذا، في ((كتاب الصيد والذبائح)) ((باب تحريم أكل السباع))، وتقدّم هناك شرحه، وتخريجه مستوفّى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و(بقيّة)): هو ابن الوليد الحمصي، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨]. و(بحير)) - بفتح الموحّدة، وكسر الحاء المهملة -: هو ابن سعد السُّحَولي(١) الحمصي، ثقة [٦]. و((خالد)): هو ابن معدان الكلاعي الحمصي، ثقة عابد [٣]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤١ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَنَسٍ، عَلَى الْحَكَم - تَعْنِي ابْنَ أَيُّوبَ- فَإِذَا أُنَاسٌ يَرْمُونَ دَجَاجَّةً، فِي دَارِ الْأَمِيرِ، فَقَالَ: ((فَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ))) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ) الجَحدَريُّ البصري، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢. (١) بفتح السين وضمها: نسبة إلى قرية باليمن. شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَایَا = ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيْمِيُّ البصري، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧. ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤- (هشام بن زيد) بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، ثقة [٥] ٤٣١٤/٢٥. ٥ - (أنس بن مالك الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه ٦/٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جده، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ هِشَام بْنِ زَيْدٍ) بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصريّ، حفيد أنس رَ ، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَنَس) بن مالك رَِّ (عَلَى الْحَكْم - يَعْنِي ابْنَ أَيُّوبَ-) يعني ابن أبي عقيل الثقفيّ، ابن عمّ الحجاج بن يوسف، ونائبه علَى البصرة، وزوج أخته زينب بنت یوسف، وهو الذي يقول فيه جریر یمدحه: حَتَى أَنَخْنَا عَلَى بَابِ الْحَكَمِ خَلِيفَةِ الْحَجَّاجِ غَيْرِ الْمُنَّهَم وقع ذكره في عدّة أحاديث، وكان يُضاهي في الجور ابنَ عمّه، وليزيد الضبّيّ معه قصّة طويلة، تدلّ على ذلك، أو ردها أبو يعلى الموصليّ في ((مسند أنس)) له. ووقع في رواية الإسماعليّ بلفظ: ((خرجت مع أنس بن مالك، من دار الحكم بن أيّوب، أمير البصرة)). (فَإِذَا أَنَاسٌ) بضم الهمزة، قيل: فُعال، بضمّ الفاء، مشتقّ من الأُنس، لكن يجوز حذف الهمزة، تخفيفًا، على غير قياس، فيبقى ناسًا، وعن الكسائيّ أن الأُنّاس والناس لغتان، بمعنى واحدٍ، وليس أحدهما مشتقًا من الآخر، وهو الوجه؛ لأنهما مادتان مختلفتان في الاشتقاق. قاله الفيّوميّ. وفي رواية البخاريّ: ((فرأى غلمانًا، أو فتيانًا، بالشكّ من الراوي، قال الحافظ: ولم أقف على أسمائهم، وظاهر السياق أنهم من أتباع الحكم بن أيوب المذكور. انتهى (يَرْمُونَ دَجَاجَةً) وفي رواية البخاريّ: ((نصبوا دجاجة، يرمونها)). و((الدجاجة)) مثلّثة الدال، والفتح أفصح (فِي دَارِ الْأَمِيرِ) أي وهو الحكم المذكور، فإنه أمير البصرة، كما مرّ آنفًا (فَقَالَ) أي أنس رَّه (غَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ) بضم أوله، مبنيًّا للمفعول، وفي رواية الإسماعيليّ بلفظ: ((سمعت أنس بن مالك يقول: نهى رسول الله ٥٧ ٤١- (النَّهْيُ عَنِ الْمُجَثِّمَةِ) - حديث رقم ٤٤٤٢ وَلثر عن صبر الرُّوح)). وأصل الصبر الحبس. قال النوويّ رحمه الله: قال العلماء: صَبْرُ البهائم أن تُحبَسَ، وهي حيّةٌ لتُقتل بالرمي، ونحوه. وأخرج العقيليّ في ((الضعفاء)) من طريق الحسن، عن سمرة، قال: ((نهى رسول النبيّ وَّر أن تُصبر البهيمة، وأن يؤكل لحمها إذا صُبِرت))، قال العقيليّ: جاء في النهي عن صبر البهيمة أحاديث جياد، وأما النهي عن أكلها، فلا يُعرف إلا في هذا. انتهى. قال الحافظ: إن ثبت، فهو محمول على أنها ماتت بذلك بغير تذكية، كما تقدّم في المقتول بالبندقة. انتهى. ((فتح)) ٧٤/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٤٤١/٤١- وفي ((الكبرى)) ٤٥٢٨/٤٢. وأخرجه (خ) ((الذبائح)) ٥٥١٣ (م) ((الصيد)) ٣٦١٦ (د) ((الضحايا)) ٢٨١٦ (ق) ((الذبائح)) ٣١٨٦ (أحمد) ((باقي مسند المكثرين)) ١١٧٥١ و١٢٣٣٥ و١٢٤٥١ و١٢٥٧٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن صبر البهائم، وهو معنى النهي عن المجثّمة. (ومنها): تحريم تعذيب الحيوان: الآدميّ، أو غيره. (ومنها): قوّة أنس رنّ على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع معرفته بشدّة الأمير المذكور، لكن كان الخليفة عبد الملك بن مروان، نهى الحجّاج عن التعرّض له، بعد أن كان صدر من الحجّاج في حقّه خشونة، فشكاه لعبد الملك، فأغلظ للحجاج، وأمره بإكرامه. قاله في ((الفتح)) ٧٦/١١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورِ الْمَكْيُّ، قَالَ: حَدْثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمِ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلَى أَنَاسٍ، وَهُمْ يَرْمُونَ كَبْشًا بِالنَّبْلِ، فَكْرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: ((لَا تَمْثُلُوا بِالْبَهَائِم))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن زنيور) بن أبي الأزهر، أبو صالح المكيّ، واسم زنبور جعفر، صدوقٌ له أوهام [١٠] ٧٣/ ٩٠ من أفراد المصنّف. = ٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَابًا ٢- (ابن أبي حازم) عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيه [٨] ٤٠ /٤٤ . ٣- (يزيد بن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣ / ٩٠ . ٤- (معاوية بن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب الهاشميّ، وَثَّقَّهُ العجليّ، وابن حبّان [٤] ٦٦ /٩٨٨. ٥- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي طالب الهاشميّ، أحد الأجواد، ولد بأرض الحبشة، وله صحبة، مات سنة ثمانين، وهو ابن ثمانين، وتقدّمت ترجمته في ١٢٤٨/٢٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، ورواية الراوي عن جدّه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ عَلَى أَنَاسٍ) تقدّم الكلام عليه في الحديث الماضي (وَهُمْ يَرْمُونَ كَبْشًا) بفتح، فسكون: الحَمَلُ إذا أثنى، أو إذا خرجت رباعيته، جمعه أكُبُش، وكِيّاش، وأكباش. قاله المجد (بِالثّْلِ) أي بالسهام (فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: ((لَا تَمْثُلُوا بِالْبَهَائِم) أي لا تنصبوها، فترموها، أو تقطعوا أطرافها، وهي حيّة، يقال: مَثَلتُ بالقتيل مَثْلًا، من بَابي قتل، وضرب: إذا جَدَعْته، وظهرت آثار فعلك عليه تنكيلًا، والتشديد للمبالغة، والاسم الْمُثلة، وزانُ غُرفة. قاله الفيّوميّ. وقال في ((النهاية)) ٢٩٤/٤: يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مَثْلًا: إذا قطعت أطرافه، وشوّهت به، ومثلتُ بالقتيل: إذا جدعت أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو شيئًا من أطرافه، والاسم المثلة، فأما مثل بالتشديد، فهو للمبالغة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٤١/ ٤٤٤٢- وفي ((الكبرى)) ٤٥٢٩/٤٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٣- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ ٠ ٤١- (النَّهْيُ عَنِ الْمُجَثِّمَةِ) - حديث رقم ٤٤٤٣ = ٥٩ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا، فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (هُشيم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم- بمعجمتين- الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي [٧] ١٠٩/٨٨. ٣- (أبو بشر) بن أبي وحشية جعفر بن إياس الواسطي، بصري الأصل، ثقة، من أثبت الناس في سعيد بن جبير [٥] ١٣/ ٥٢٠ . ٤- (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨. ٥- (ابن عمر) عبد الله العدوي رضي الله تعالى عنهما ١٢ /١٢ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّرِ) وفي رواية البخاريّ من طريق إسحاق بن سعيد بن عمرو، عن أبيه، أنه سمعه يحدث، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه دخل على يحيى بن سعيد، وغلام من بني يحيى، رابط دجاجة يرميها، فمشى إليها ابن عمر، حتى حَلّها، ثم أقبل بها وبالغلام معه، فقال: ازجروا غلامكم، عن أن يصبر هذا الطير للقتل، فإني سمعت النبي ◌َّه نهى أن تُصْبَر بهيمة أو غيرها للقتل. وفي رواية من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: كنت عند ابن عمر، فمروا بفتية، أو بنفر، نصبوا دجاجة، يرمونها، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها، وقال ابن عمر: من فعل هذا؟، إن النبي ◌َّر، لعن من فعل هذا. وفي رواية الإسماعيليّ: ((فإذا فتية نصبوا دجاجة، يرمونها، وله كلّ خاطئة)). يعني أن الذي يصيبها يأخذ السهم الذي تُرمى به إذالم يصبها . (مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا، فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) بغين معجمة، وراء مفتوحتين، آخره ضاد معجمة: أي هَدَفًا منصوبًا للرمي. أي لا تتخذوا الحيوان الحيّ غرضًا، ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها، وهذا النهي للتحريم، ولهذا قال في الرواية الأخرى: ٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الضَّحَایَا ((لعن الله من فعل هذا))، ولأنه تعذيب للحيوان، وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليّته، وتفويتٌ لذكاته، إن كان مذكّى، ولمنفعته إن لم يكن مذكّى. قاله النوويّ. ((شرح مسلم)» ١٠٩/١٣ . وقال في ((الفتح)): فيه دليل على تحريم التمثيل بالحيوان؛ لأن اللعن من دلائل التحريم. وأخرج أحمد من طريق أبي صالح الحنفيّ، عن رجل من الصحابة، أراه عن ابن عمر، رفعه: ((من مثل بذي رُوح، ثم لم يتب، مثل الله به يوم القيامة))، رجاله ثقات. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٤٤٣/٤١ و٤٤٤٤ - وفي ((الكبرى)) ٤٥٣٠/٤٢ و٤٥٣١. وأخرجه (خ) ((الذبائح)) ٥٥١٤ و٥٥١٥ (م) ((الصيد)) ٣٦١٨ (أحمد) ((مسند بني هاشم)) ٣١٢٣ و ((مسند المكثرين)) ٤٦٠٨ و٥٢٢٥ و٥٦٤٩ و٥٧٦٧ و٦٢٢٢ (الدارمي) ((الأضاحي)) ١٩٧٣ . وفوائد الحديث سبقت قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٤٤٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ، يَقُولُ: ((لَعَنَ اللَّهُ مَنْ مَثَلَ بِالْحَيَوَانِ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، تقدموا قريبًا. و((عمرو بن عليّ)): هو الفلّاس. و((يحيى)): هو القطّان. و((المنهال بن عمرو)): هو الأسديّ مولاهم الكوفيّ، صدوق، ربّما وهِم [٥] ١٣ / ٨٩٢. وقوله: ((من مثل بالحيوان)) بتخفيف الثاء المثلثة، من باب بي نصر، وضرب، ويجوز تشديدها للمبالغة، والأول أظهر؛ لأن المراد أصل المثل، لا المبالغة فيه: أي صيّره مُثْلة، بضم الميم، وسكون المثلثة. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٤٤٤٥- (أَخْبَرَنَا سُوَيِّدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيٌّ بْنِ