Indexed OCR Text

Pages 241-260

=
٢٤١
٣٣- (بَأَبُ إِبَاحَةٍ أَكْلِ لُحُومِ الدَّجَاجُ) - حديث رقم ٤٣٥٠
و(سعيد بن جبير))، وابن عباس)) تقدما قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير مهران، فجزري، وسعيد بن
جُبَير، فكوفي. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: علي بن
الحكم، وميمون، وسعيد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن ابن عباس) رضي اللَّه تعالى عنهما (أن نبي اللَّه بَّل نهى يوم خيبر) أي يوم غزوة
خيبر (عن كل) وفي بعض النسخ، وهو الذي في ((الكبرى)): ((عن أكل كلّ)) (ذي مخلب)
-بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح اللام -: هو للطائر، والسبع، كالظفر
للإنسان؛ من خَلَبتُ النباتَ خَلْبًا، من باب نصر: إذا قطعته، وسمّي به؛ لأن الطائر
يَخْلِب الجلدَ: أي يقطعه، ويُمَزّقه. والْمِخْلَب أيضًا: مِنْجَلٌ، لا أسنان له. أفاده
الفيّوميّ. (من الطير) كالنّسر، والبازي، ونحوهما (وعن كل) وفي بعض النسخ، وهو
الذي في ((الكبرى)) أيضًا: و((عن أكل كلّ)) (ذي ناب) هي السنّ التي خلف الرَّبَاعِية،
وهي أنثى (من السباع) قال في ((شرح السنة)): أراد بكل ذي ناب: ما يَعْدُو بنابه على
الناس، وأموالهم، كالذئب، والأسد، والكلب، ونحوها، وأراد بذي مخلب: ما يَقطَع
ويَشُقّ بِمِخلَبه، كالنسر، والصقر، والبازي، ونحوها (١). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٣٥٠/٣٣- وفي ((الكبرى)) ٤٨٦١/٣٨. وأخرجه (م) في ((الصيد))
٤٩٧٠ (د) في ((الأطعمة)) ٣٨٠٣ (ق) في ((الصيد)) ٣٢٣٤. والله تعالى أعلم. وفوائد
الحديث، وبيان المذاهب، تقدّمت قبل أربعة أبواب، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((راجع ((عون المعبود)) ١٩٨/١٠.

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب».
٣٤- (بَابُ إِيَاحَةٍ أَكْلِ الْعَصَافِيرِ)
٤٣٥١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
عَمْرٍو، عَنْ صُهَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ، عَن عَبَدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّرِو، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ، قَالَ:
((مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُورًا، فَمَا فَوَقَهَا بِغَيْرِ حَقْهَا، إِلَّا سَأَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا»، قِيلَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا حَقُهَا؟ قَالَ: ((يَذْبَحُهَاَ فَأْكُلُهَا، وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا يَزْمِي بِهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ) المكيّ، ثقة [١٠] ١١/١١.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١ .
٣- (عمرو) بن دينار الجمحيّ المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١٥٤/١١٢.
٤- (صُهيب، مولى ابن عامر) الحذّاء، أبو موسى المكيّ، مقبول [٤].
روى عن عبد الله بن عمرو. وعنه عمرو بن دينار، ذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
وقال ابن القطّان: لا يُعرف. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط، وسيُعيده في
((الضحايا)) - ٤٤٤٧/٤٢. والله تعالى أعلم.
٥- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما ٨٩/ ١١١. والله تعالى
أعلم .
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما (أن رسول اللّه وَّلِ قال:
ما) نافية (من) زائدة (إنسان قتل عصفورا) - بضمّ العين المهملة- طائر معروف، جمعه
عَصافير (فما فوقها بغير حقها) أي بغير سبب يقضي قتلها، كإرادة الأكل، ونحوه (إلا
سأله اللَّه عز وجل عنها) أي سؤال توبيخ، وتقريع عن قتلها بغير حاجة (قيل يا رسول
اللَّه وما حقها؟ قال) وَل ◌ّ (يذبحها فيأكلها) هذا محلّ الشاهد للترجمة، حيث أباح أكلها،
قال ابن قدامة في ((المغني)) ٣٢٧/١٣: وتباح العصافير كلّها. انتهى (ولا يقطع رأسها
یرمى بها) المراد قتلها بلا حاجة.

=
=
٢٤٣
٣٥- (بَأَبُ مَيَنَةِ الْبَخر) - حديث رقم ٤٣٥٢
والحديث ضعيف؛ لتفرّد صُهيب مولى ابن عامر، وهو مجهول، كما مرّ آنفًا، وهو
من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا- ٤٣٥١/٣٤ وفي ((الضحايا)) ٤٢/
٤٤٤٧- وفي ((الكبرى)) ٤٨٦١/٣٨ وفي ((الضحايا)) ٤٥٣٤/٤٣. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب».
٣٥- (بَابُ مَيْتَةِ الْبَحْرِ)
٤٣٥٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ،
عَنِ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمِ، عَن سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ، فِي مَاءِ الْبَخْرِ: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحَلَالُ مَيْتَتُهُ»).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير
مرّة .
و ((إسحاق بن منصور)): هو الْكَوْسج. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((مالك)):
هو ابن أنس الإمام. و((صفوان بن سُليم)): هو أبو عبد الله المدنيّ، ثقة مُفتٍ، عابدٌ،
رُمي بالقدر [٤] ٥٩/٤٧. و((سعيد بن سلمة)) -بفتحتين -: هو المخزوميّ المدنيّ،
وثّقه النسائيّ [٦] ٥٩/٤٧. و((المغيرة بن أبي بُردة)): هو الحجازيّ الكنانيّ، وثقه
النسائيّ أيضًا [٣] ٥٩/٤٧.
وقوله: ((الطهور ماؤه)): بفتح الطاء: أي الطاهر المطهّر، وإنما لم يقل في الجواب:
نعم، مع حصول المقصودبه؛ ليقرُن الحكم بعلّته، وهو الطهوريّة المتناهية في بابها،
ودفعًا لتوهّم حمل لفظ ((نعم)) على الجواز على سبيل الرخصة للضرورة، ولما يُفهم من
الجواب ب((نعم)) من أنه إنما يُتوضّأ به فقط؛ لأنه المسؤول عنه، وفي إجابته بقوله:
((الطهور ماؤه)) بيان أن الطهوريّة وصف لازم له، غير قاصر على حالة الضرورة، وغير
خاصّ بحدث دون حدث، بل یرفع کلّ حدث، ویُزیل کلّ خبث.
وقوله: ((الحلال ميتته)): وفي الرواية المتقدّمة في ((الطهارة)): ((الحلّ ميتته)).
و((الميتة)) بفتح الميم: ما مات من الحيوان بلا ذكاة. وإنما ترك العاطف بين الجملتين؛
لما بينهما من المناسبة في الحكم، والعطف يُشعر بالمغايرة.
والحديث صحيح، وتقدّم في ((الطهارة)) -٥٩/٤٧- وسبق شرحه هناك مُستوفىّ،

٢٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنِ هِشَامٍ، عَنِ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ،
عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ نَّهِ، وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ، نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَّى رِقَابِنَا،
فَقَنِيَ زَادُنَا، حَتَّى كَانَ يَكُونُ لِلرَّجُلِ مِنَّ كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيْنَ تَقَعُ
التَّمْرَةُ مِنَ الرَّجُلِ؟، قَالَ: لَقَدْ وَجَذَنَا فَقْدَهَا حِيْنَ فَقَدْنَاهَا، فَأَتَيْنَا الْبَحْرَ، فَإِذَا بِحُوتٍ قَذَفَهُ
الْبَحْرُ، فَأَكَلْنَا مِنَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد
تفرّد به هو، وأبو داود، وهو مصّيصيّ صدوقٌ [١٠] ١١٥/٩٣. و((عبدة)): هو ابن
سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ الثقة الثبت. و((هشام)): هو ابن عُروة المدنيّ الثقة
الفقيه. و((وهب بن كيسان)): هو القرشيّ مولاهم، أبو نُعيم المدنيّ المعلّم، ثقة، من
كبار [٤] ٣٢ / ١٥٩٢ .
وقوله ((نحمل زادنا الخ))، وفي رواية البخاريّ: ((فخرجنا، فكنا ببعض الطريق، فني
الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجُمع، فكان مزودي تمر))(١)، فكان يقوتنا(٢) كل
يوم قليلا قليلا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة)).
قال في ((الفتح)): ظاهر هذا السياق أنهم كان لهم زاد بطريق العموم، وأزواد بطريق
الخصوص، فلما فني الذي بطريق العموم، اقتضى رأى أبي عبيدة، أن يجمع الذي
بطريق الخصوص؛ لقصد المساواة بينهم في ذلك، ففعل، فكان جميعه مزودا واحدا.
ووقع في الرواية الآتية آخر الباب من طريق أبي الزبير: ((وزوّدنا جرابًا من تمر))،
وعند مسلم: ((بعثنا رسول اللّه وَلخير، وأمّر علينا أبا عبيدة، نتلقّي عيرًا لقريش، وزوّدنا
جرابا من تمر، لم يجد لنا غيره، وكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة)).
وظاهره مخالف لرواية الباب، ويمكن الجمع بأن الزاد العام، كان قدر جراب، فلما
نَفِد، وجمع أبو عبيدة الزاد الخاص، اتفق أنه أيضا كان قدر جراب، ويكون كل من
الراويين، ذكر ما لم يذكره الآخر، وأما تفرقة ذلك تمرة تمرة، فكان في ثاني الحال.
وأما قول عياض: يحتمل أنه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور،
فمردود؛ لأن قوله: فأمر أبو عُبيدة بجمع الأزواد الخ، صريح في أن الذي اجتمع من
أزوادهم، كان مزود تمر، ورواية أبي الزبير صريحة في أن النبي ◌َّر، زوّدهم جرابا من
(١) قوله: ((فكان مزود تمر)): المزود بكسر الميم وسكون الزاى: ما يجعل فيه الزاد.
(٢) قوله: ((فكان يقوتنا)) بفتح أوله، والتخفيف من الثلاثي، وبضمه والتشديد، من التقويت.

٢٤٥ _
٣٥- (بِأَبُ مَيَتَةِ الْبَخْر) - حديث رقم ٤٣٥٤
تمر، فصح أن التمر كان معهم، من غير الجراب.
وأما قول غيره: يحتمل أن يكون تفرقته عليهم تمرة تمرة، كان من الجراب النبوي،
قصدا لبركته، وكان يفرق عليهم من الأزواد التي جمعت، أكثر من ذلك، فبعيد من ظاهر
السياق، بل في رواية هشام بن عروة، عند ابن عبد البر: ((فقَلّت أزوادنا، حتى ما كان
يصيب الرجل منا، إلا تمرة. قاله في ((الفتح)) ٤٠٩/١٣ .
وقوله: ((فقيل له: يا أبا عبد الله، وأين تقع التمرة من الرجل؟)). القائل هو وهب بن
كيسان، كما بيّن في رواية أخرى. و((أبو عبد الله)) كنية جابر رضي اللّه تعالى عنه.
وقوله: ((لقد وجدنا فقدها)) أي مؤثرًا علينا، وعند مسلم من رواية رواية أبي الزبير:
((فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟، قال: نَمُصُّها كما يَمُص الصبي الثدي، ثم نشرب
عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل)).
والحديث متّفقٌ وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي يليه، إن شاء
الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٤٣٥٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَن سُفْيَانَ، عَن عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا
يَقُولُ: بَعَثْنَا رَسُولُ اللَّهِ بَِّ، ثَلَاثَمِائَةِ رَاكِبٍ، أَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرَ
قُرَيْشِ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، قَالَ: فَأَلْقَى الْبَحْرُ
دَابَّةً،َ يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهِ، فَثَابَتْ أَجْسَامُنَا، وَأَخَذَ
أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَتَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ جَمَلٍ، وَأَطْوَلِ رَجُلِ فِي الْجَيْشِ، فَمَرَّ تَحَتَهُ،
ثُمَّ جَاعُوا، فَتَحَرَ رَجُلٌ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ جَاعُوا، فَتَحَرَ رَجُلٌ ثَلاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ جَاعُوا،
فَتَحَرَ رَجُلٌ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَّهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنِ جَابِرٍ :
فَسَأَلْنَا النَّبِيِّ نََّ، فَقَالَ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٍ؟))، قَالَ: فَأَخْرَجْنَا مِنْ عَيْنَيْهِ كَذَا وَكَذَا قُلَّةً
مِنْ وَدَكٍ، وَنَزَلَ فِي حِجَاجِ عَيْنِهِ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَكَانَ مَعَ أَبِي عُبَتِدَةَ جِرَابٌ، فِيهِ تَمْرٌ، فَكَانَ
يُعْطِينَا الْقَبْضَةَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى النَّمْرَةِ، فَلَمَّا فَقَدْنَاهَا وَجَدْنَا فَقْدَهَا))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (محمد بن منصور) الْجَوّاز المكيّ المذكور قبل باب.
٢- (سفيان) بن عُيينة المذكور في الباب الماضي.
٣- (عمرو) بن دينار المذكور في الباب الماضي.
٤- (جابر) بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما المذكور قبل بابين. والله تعالى
أعلم.

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، وجابر رضي
اللَّه تعالى عنه سكن مكة. (ومنها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو
أعلى ما وقع له من الأسانيد، وهو (٢٠٥) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن فيه جابرًا
رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) من الأحاديث. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عن عمرو) بن دينار، أنه (قال: سمعت جابرا) هو ابن عبد الله رضي الله تعالى
عنهما (يقول بعثنا رسول اللّه ◌َ لتر ثلاثمائة راكب) وفي رواية أبي الزبير الآتية آخر الباب:
((ونحن ثلاثمائة وبضعة عشر))، ولا تعارض بينهما؛ إذ يمكن الجمع بأن من قال:
ثلاثمائة)) ألغى الكسر، أو أن الثلاثمائة هو الجيش، والزائد غيرهم من الخدم ونحوهم.
والله تعالى أعلم.
(أميرنا أبو عبيدة بن الجراح) هو عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن أُهيب بن
ضَبّة ابن الحارث بن فِهْر القرشيّ الْفِهْريّ، أحد العشرة المبشرين بالجنّة، أسلم قديمًا،
وشَهِد بدرًا، ومات شهيدًا بطاعون عمواس، سنة (١٨هـ)، وله (٥٨) سنة، تقدّمت
ترجمته في ٢٢٣٣/٤٣ .
قال في ((الفتح)): وفي رواية أبي حمزة الْخَوْلاني، عن جابر بن أبي عاصم، عند
البخاريّ في ((الأطعمة)): ((تأمّر علينا قيس بن سعد بن عبادة، على عهد رسول اللَّه وَالتّل،
والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات ((الصحيحين)) أنه أبو عبيدة، وكأنّ أحَدَ رواته ظَنَّ من
صَنيع قيس بن سعد، في تلك الغزوة، ما صنع من نحر الإبل التي اشتراها، أنه كان أمير
السرية، وليس كذلك.
(نرصد عير قريش) بضم الصاد، يقال: رصدته رَضْدًا، من باب قتل: قعدت له على
الطريق، والفاعل راصد، وربّما جُمع على رَصَد، مثلُ خادم وخَدَم. قاله في ((المصباح)).
و ((الْعِيرُ)) - بالكسر -: الإبل تحمل الْمِيرة، ثم غلب على كلّ قافلة.
وقد ذكر ابن سعد وغيره: أن النبي ◌ََّ بعثهم، إلى حي من جُهَينة بالْقَبَلِيّة - بفتح
القاف، والموحدة- مما يلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة، خمس ليال، وأنهم
انصرفوا، ولم يَلْقَوا كيدا، وأن ذلك كان في رجب، سنة ثمان، قال الحافظ: وهذا
لا يغاير ظاهره ما في ((الصحيح))؛ لأنه يمكن الجمع بين كونهم، يتلقون عيرا لقريش،

٢٤٧
٣٥- (بابُ مََّةِ الْبَخر) - حديث رقم ٤٣٥٤
ويَقصِدون حَيّا من جهينة، ويُقَوّى هذا الجمعَ ما عند مسلم، من طريق عبيد الله بن
مِقْسَم، عن جابر، قال: (بعث رسول اللَّه ◌ِوَّر، بعثا إلى أرض جهينة ... ))، فذكر هذه
القصة، لكن تَلَقِّي عير قريش، ما يُتصَوَّر أن يكون في الوقت الذي ذكره بن اسعد، في
رجب، سنة ثمان؛ لأنهم كانوا حينئذ في الْهُدْنة، بل مُقْتضَى ما في ((الصحيح)) أن تكون
هذه السرية، في سنة ست، أو قبلها، قبل هدنة الحديبية، نعم يحتمل أن يكون تلقيهم
للعير، ليس لمحاربتهم، بل لحفظهم من جهينة، ولهذا لم يقع في شيء من طرق
الخبر، أنهم قاتلوا أحدًا، بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر، أو أكثر في مكان واحد. فالله
(١)
أعلم. انتهى(١).
(فأقمنا بالساحل) أي ساحل البحر، قال الفيوميّ: الساحل: شاطىء البحر، والجمع
سواحل. اهـ. وقال القرطبيّ: ساحل البحر، وسيفه - بالكسر - وشطّه: كلّ ذلك بمعنى
واحد. انتهى (فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط) -بفتح المعجمة، والموحدة،
بعدها مهملة، هو وَرَقُ السَّلَّم. في رواية أبي الزبير الآتية بعد حديث: ((حتّى إن كنّا
لنَخْبط الْخَبَطَ بقسيّنا، ونسفّه، ثم نشرب عليه من الماء))، وفي رواية البخاريّ: ((وكنا
نضرب بعِصيّنا الخبط، ثم نَّبُلّه بالماء، فنأكله))، قال في ((الفتح)): وهذا يدل على أنه كان
يابسا، بخلاف ما جزم به الداودي، أنه كان أخضر رَطْبًا.
(قال فألقى البحر دابة، يقال لها: العنبر) وفي رواية أبي الزبير الآتية: ((فأجزنا
الساحل، فإذا دابَةٌ مثلُ الكثيب، يقال له العنبر))، وفي رواية البخاريّ: ((فإذا حوت،
مثل الظَّرِب))، قال في ((الفتح)): أما الحوت، فهو اسم جنس لجميع السمك. وقيل:
هو مخصوص بما عَظُم منها، والطّرِب -بفتح المعجمة المشالة- ووقع في بعض النسخ
بالمعجمة الساقطة، حكاها ابن التين، والأول أصوب، وبكسر الراء، بعدها موحدة -:
الجبل الصغير. وقال القَزَّاز: هو بسكون الراء، إذا كان منبسطا، ليس بالعالى.
قال أهل اللغة: العنبر سمكة بحرية كبيرة، يُتّخذ من جلدها التُّرسة، ويقال: إن
العنبر المشموم رَجِيع هذه الدابة. وقال ابن سيناء: بل المشموم، يخرج من البحر،
وإنما يؤخذ من أجواف السمك، الذي يبتلعه. ونقل الماوردي، عن الشافعي، قال:
سمعت من يقول: رأيت العنبر نابتا في البحر، مُلتويا مثل عنق الشاة، وفي البحر دابة
تأكله، وهو سُمّ لها، فيقتلها، فيقذفها، فيخرج العنبر من بطنها. وقال الأزهري: العنبر
سمكة، تكون بالبحر الأعظم، يبلغ طولها خمسين ذراعا، يقال لها: بالة، وليست
(١) ((فتح)) ٤٠٨/٨. (كتاب المغازي)) رقم ٤٣٦٢ .

٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
بعربية. قال الفرزدق [من الطويل]:
فَبِثْنَا كَأَنَّ الْعَنبَرَ الْوَرْدَ بَيْنَنَا وَبَالَهُ بَخْرِ فَاؤُهَا قَدْ تَخْرَّمَا
أي قد تشقق. ووقع في رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عند البخاريّ:
((فألقى لنا البحر، حوتا ميتا)).
واستدل به على جواز أكل ميتة السمك وسيأتي البحث فيه في المسائل، إن شاء الله
تعالی .
(فأكلنا منه نصف شهر) وفي الرواية الماضية: ((فأكلنا منه ثمانية عشر يومًا))، وفي
الرواية التالية: ((فأكلنا منه أيامًا))، وفي رواية أبي الزبير، عند البخاريّ: ((فأقمنا عليها
شهرا)). ويجمع بين هذا الاختلاف، بأن الذي قال: ((ثمان عشرة)) ضبط ما لم يضبطه
غيره، وأن من قال: ((نصف شهر)) ألغى الكسر الزائد، وهو ثلاثة أيام، ومن قال:
(شهرا)» جبر الكسر، أو ضم بقية المدة، التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها. ورجح
النووي رواية أبي الزبير؛ لما فيها من الزيادة. وقال ابن التين: إحدى الروايتين وَهَمّ.
انتهى. ووقع في رواية الحاكم: ((اثنى عشر يوما))، وهي شاذة، وأشد منها شذوذا،
رواية: ((فأقمنا قبلها ثلاثة)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الجمع الأول هو الذي رجحه الحافظ، وهو الراجح
عندي. والله تعالى أعلم.
(واذّهنّا من ودكه) -بفتح الواو، والمهملة -: أي شحمه. وفي رواية أبي الزبير عند
مسلم: ((فلقد رأيتنا، نغترف من وَقْب عينه بالقِلال الدهنَ، ونقطع منه الْفِدَر، كالثور))،
والوَقْبُ -بفتح الواو، وسكون القاف، بعدها موحدة -: هي النُّقْرة التي تكون فيها
الحدَقَّة، والْفِدَر -بكسر الفاء، وفتح الدال- جمع فَذْرة -بفتح، ثم سكون -: وهي
القطعة من اللحم، ومن غيره. وفي رواية أبي حمزة الخولاني: ((فحملنا ما شئنا، من
قديد، ووَدَك، في الأسقية، والغرائر)).
(فثابت أجسامنا) بالثاء المثلّة: أي رجعت إلى القوّة، وفيه إشارة إلى أنهم أصابهم
هُزالٌ من الجوع السابق.
(وأخذ أبو عبيدة) رضي الله تعالى عنه أي أمر بالأخذ، ففي رواية البخاريّ: ((ثم أمر
أبو عبيدة)) (ضِلَعًا من أضلاعه) ((الضّلع)) -بكسر الضاد المعجمة، وفتح اللام، وقد
تسكّن، واحدة الأضلاع. وفي رواية البخاريّ: ((ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه،
فنُصبا)). قال في ((الفتح)): كذا فيه، واستُشكِل؛ لأن الضلع مؤنثة، ويجاب بأن تأنيثه
غير حقيقي، فیجوز فیه التذکیر، انتهى.

٢٤٩=
٣٥- (بابُ مَيَتَةِ الْبَخر) - حديث رقم ٤٣٥٤
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن منه تأويل النوويّ، حيث قال: ووجه التذكير
أنه أراد به العضو. انتهى.
(فنظر إلى أطول جمل وأطول رجل في الجيش فمر تحته) وفي رواية البخاريّ: ((ثم أمر
براحلة، فرُحلت، ثم مرّت تحتهما، فلم تصبهما))، وفي حديث عبادة بن الصامت، عند
ابن إسحاق: ((ثم أمر بأجسم بعير معنا، فحُمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من
تحتهما، وما مست رأسه)).
قال الحافظ: وهذا الرجل، لم أقف على اسمه، وأظنه قيس بن سعد بن عبادة، فإن
له ذكرا في هذه الغزوة، كما ستراه بعدُ، وكان مشهورا بالطول، وقصته في ذلك مع
معاوية، لَمّا أرسل إليه ملك الروم بالسراويل، معروفة، فذكرها المعافى الحريري في
((الجليس))، وأبو الفرج الأصبهاني، وغيرهما، ومحصلها: أن أطول رجل من الروم،
نَزَّع له قيس بن سعد سراويله، فكان طول قامة الرومي، بحيث كان طرفها على أنفه،
وطرفها بالأرض، وعوتب قيس في نزع سراويله في المجلس، فأنشد [من الطويل]:
أَرَدتُ لِكَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ أَّا سَرَاوِيلُ قَيْسِ وَالْوُفُودُ شُهُودُ
وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ سَرَاوِيلُ عَادِيٍّ نَمَتْهُ ثَمُودُ
ووقع في آخر ((صحيح مسلم))، من طريق عبادة بن الوليد، أن عبادة بن الصامت،
قال: خرجت أنا وأبي، نطلب العلم، فذكر حديثا طويلا، وفي آخره: ((وشكا الناس
إلى رسول اللّه وَلّر الجوع، فقال: ((عسى الله أن يطعمكم))، فأتينا سِيف البحر، فزخر
البحر زخرة، فألقى دابة، فأورينا على شِقْها النار، فاطّبخنا، واشتوينا، وأكلنا، وشبعنا،
قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان، حتى عدّ خمسة في حجاج عينها، وما يرانا أحد،
حتى خرجا، وأخذنا ضلعا من أضلاعها، فقوّسناه، ثم دعونا بأعظم رجل في الركب،
وأعظم جمل في الركب، وأعظم كَفَل في الركب، فدخل تحته، ما يطأطأ رأسه)). وظاهر
سياقه أن ذلك وقع لهم في غزوة، مع النبي ◌َّر، لكن يمكن حمل قوله: ((فأتينا سيف
البحر)) على أنه معطوف على شيء محذوف، تقديره: فبعثنا النبي ◌َّ في سفر،
فأتينا ... الخ، فيتحد مع القصة التي في حديث الباب. قاله في (الفتح)).
(ثم جاعوا) (ثُمّ)) هنا للترتيب الذكريّ؛ لأن نحر الرجل إنما كان قبل أن يجدو
العنبر، قال السنديّ رحمه الله تعالى: القصّة ههنا على غير ترتيبها، فكلمة ((ثمّ)) لتراخي
الإخبار، وكذا الفاء في قوله: ((فأخرجنا من عينيه الخ)) لتعقيب الإخبار. والله تعالى
أعلم. انتهى(١).
(١) ((شرح السنديّ ٢٣٧/٧.

== ٢٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
(فنحر رجل) هو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما ، وكان اشترى
الْجُزُرَ من أعرابي جهني، كل جَزُور بوسق من تمر، يوفيه إياه بالمدينة (ثلاث جزائر)
المراد به جمع جزور، قال في ((الفتح)): وفيه نظر، فإن جزائر جمع جزيرة، والجزور إنما
يجمع على جُزُر بضمتين، فلعله جمع الجمع. انتهى.
وقال الفيّوميّ: الْجَزُور من الإبل خاصّةً، يقع على الذكر والأنثى، والجمع جُزُر،
مثلُ رَسُول ورُسُل، ويُجمع أيضًا على جُزُرَات، ثم على جزائر، ولفظ الجزُور أُنثى،
يقال: رعت الجزور، وزاد الصغانيّ: وقيل: الجزور الناقة التي تُنْحَر. انتهى.
(ثم جاعوا فنحر رجل ثلاث جزائر ثم جاءوا فنحر رجل ثلاث جزائر ثم نهاه أبو
عبيدة) وقال في ((الفتح)) ٤٣/١٣ -: فلما رأى عمر ذلك، وكان في ذلك الجيش، سأل
أبا عبيدة، أن ينهى قيسا عن النحر، فعَزَمَ عليه أبو عبيدة، أن ينتهي عن ذلك، فأطاعه.
انتھی .
قال في ((الفتح)): وقد اختلفوا في سبب نهى أبي عبيدة قيسا أن يستمر على إطعام
الجيش، فقيل: لخشية أن تَفْنَى حمولتهم، وفيه نظر؛ لأن القصة أنه اشترى من غير
العسكر. وقيل: لأنه كان يستدين على ذمته، وليس له مال، فأراد الرفق به، وهذا
أظهر. قاله في ((الفتح)). والله أعلم.
وفي رواية البخاريّ: ((وكان عمرو -يعني ابن دينار- يقول: أخبرنا أبو صالح، أن
قيس بن سعد قال لأبيه: كنتُ في الجيش، فجاعوا، قال: انحر، قال: نحرتُ، ثم
جاعوا، قال: انحر، قال: نحرثُ، قال: ثم جاعوا، قال: انحر، قال: نحرت، ثم
جاءوا، قال: انحر، قال: نُهِيتُ)).
قال في ((الفتح)): ما نصّه: وهذا صورته مرسل؛ لأن عمرو بن دينار لم يدرك زمان
تحديث قيس لأبيه، لكنه في مسند الحميدي موصول، أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج))
من طريقه، ولفظه: عن أبي صالح، عن قيس بن سعد بن عبادة، قال: قلت لأبي:
وكنت في ذلك الجيش، جيشٍ الخبط، فأصاب الناس جوع، قال لي: انحر، قلت:
نحرت، فذكره، وفي آخره: قلت نهيتُ. وذكر الواقدي بإسناد له، أن قيس بن سعد،
لَمّا رأى ما بالناس، قال: من يشتري مني تمرا بالمدينة بجزور هنا، فقال له رجل من
جهينة: من أنت؟، فانتسب له، فقال: عرفت نسبك، فابتاع منه خمس جزائر، بخمسة
أوسق، وأشهد له نفرا من الصحابة، فامتنع عمر، لكون قيس لا مال له، فقال
الأعرابي: ما كان سعد لِيَجْنِيَ بابنه في أوسق تمر، فبلغ ذلك سعدا، فغضب، ووهب
لقيس أربع حوائط، أقلها يُجَذّ خمسين وسقا. وزاد ابن خزيمة من طريق عمرو بن

٢٥١
٣٥- (بَأَبُ مَيََّةِ الْبَخر) - حديث رقم ٤٣٥٤
الحارث، عن عمرو بن دينار، وقال في حديثه: لَمّا قدِموا ذكروا شأن قيس، فقال النبي
وَلَّ: ((إن الْجُود من شيمة أهل ذلك البيت))، وفي حديث الواقدي، أن أهل المدينة
بلغهم الجهد الذي قد أصاب القوم، فقال سعد بن عبادة: إن يك قيس كما أعرف،
فسينحر للقوم. انتهى.
(قال سفيان) بن عُيينة، وهو موصولٌ بالإسناد السابق، وليس معلّقًا (قال أبو الزبير)
محمد بن مسلم (عن جابر) رضي اللّه تعالى عنه (فسألنا النبي ◌َّز، فقال: ((هل معكم
منه شيء؟)) زاد في رواية البخاريّ، من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير: ((فَأَتَاهُ
بعضهم، فأكله)). ووقع في رواية ابن السكن: ((فأتاه بعضهم بعضو منه، فأكله))، قال
عياض: وهو الوجه. وفي رواية أحمد، من طريق ابن جريج التي أخرجها منه
البخاري: ((وكان معنا منه شيء، فأرسل به إليه بعض القوم، فأكل منه)). ووقع في رواية
أبي حمزة، عن جابر، عند ابن أبي عاصم، في ((كتاب الأطعمة)): فلما قدموا، ذكروا
لرسول اللَّه وَّر، فقال: لو نعلم أنا نُدركه، لم يروح، لأحببنا لو كان عندنا منه))، وهذا
لا يخالف رواية أبي الزبير؛ لأنه يحمل على أنه قال ذلك؛ ازديادا منه بعد أن أحضروا له
منه، ما ذكر، أو قال ذلك قبل أن يُحضروا له منه، وكان الذي أحضروه معهم لم
يروح، فأكل منه. ذكره في ((الفتح)(١).
(قال) جابر رضي الله تعالى عنه (فأخرجنا من عينيه كذا وكذا قُلّة) بضم القاف،
وتشديد اللام، قال النوويّ: هي الجرّة الكبيرة التي يُقلّها الرجل بين يديه: أي يحملها.
وقال الفيّوميّ: القلّة: إناء للعرب، كالجرّة، شِبْهُ الْحُبّ، والجمع قلالٌ، مثل بُزمة
وبِرَام، وربّما قيل: قُلَلٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف. انتهى (من ودك) بفتحين: دَسَمُ اللحم
والشحم، وهو ما يَتَحَلَّب من ذلك. قاله الفيّوميّ (ونزل في حجاج عينه أربعة نفر)
الْحِجَاج بكسر الحاء المهملة، وتُفتح: العظم المستدير حولَها، وهو مذكّرٌ، وجمعه
أَحِجّة، وقال ابن الأنباريّ: الحِجَاج: العظم المشرف على غار العين. ذكره الفيّوميّ.
(وكان مع أبي عبيدة) رضي الله تعالى عنه (جراب) بكسر الجيم، قال في
(القاموس)): الجِرَاب-أي بالكسر- ولا يُفتح، أو لُغيّة فيما حكاه النوويّ وعياض:
الْمِزود، أو الوعاء، جمعه جُرُبٌ - بضمّتين، وجُرْبٌ بضم، فسكون، ووأجربةٌ. انتهى
(فيه تمر) هذا الجراب هو الذي زوّدهم النبيّ بَّر، كما بيّنته الرواية الآتية بعد حديث:
((وزوّدنا جرابًا من تمر ... )) (فكان يعطينا القبضة) وفي الرواية الآتية: ((فأعطانا قبضةً
قبضةً))، وهو بفتح القاف، وضمّها (ثم) لَمّا كاد ينفَدُ (صار إلى التمرة) أي إلى إعطائهم
(١) ((فتح)) ٨/ ٤٠٧- ٤١٢. (كتاب المغازي)). رقم ٤٣٦٢.

٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
التمرة (فلما فقدناها) أي بسبب نفادها (وجدنا فقدها) أي مؤثّرًا علينا.
وفي ((صحيح البخاري)) ج: ٤ ص: ١٥٨٥: ((لما بعث رسول اللَّه رَّ بعثا قِبَلَ
الساحل، وأَمّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلاثمائة، فخرجنا، وكنا ببعض الطريق
فَنِي الزادُ، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجُمع، فكان مِزودي تمر، فكان يَقُوتُنا كل
يوم قليلا قليلا، حتى فَنِي، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: ما تغني عنكم تمرة؟
فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت ... )).
قال في ((الفتح)) ج: ٨ ص: ٧٩: (المزود)) -بكسر الميم، وسكون الزاى -: ما
يُجعل فيه الزاد. وقوله: ((فكان يقوتنا)) بفتح أوله، والتخفيف، من الثلاثي، وبضمه
والتشديد، من التقويت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٣٥٣/٣٥ و٤٣٥٤ و٤٣٥٥ و٤٣٥٦- وفي ((الكبرى)) في ((كتاب ما
قذفه البحر)) - ٤٨٦٣/١ و٤٨٦٤ و٤٨٦٥ و٤٨٦٦. وأخرجه (خ) في ((الشركة)) ٢٤٨٣
و((الجهاد)) ٢٩٨٣ و((المغازي)) ٤٣٦٠ و٤٣٦١ و((الذبائح)) ٥٤٩٤ (م) في ((الصيد))
٤٩٧٤ و٤٩٧٥ و٤٩٧٦ و٤٩٧٧ و٤٩٧٨ و٤٩٧٩ (ت) في ((صفة القيامة)) ٢٤٧٥ (ق)
في ((الزهد)) ٤١٥٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهوبيان حكم ميتة البحر، وهو
الحلّ، وذلك لتصريحه في الحديث بكون البحر ألقى حوتا ميتا، فأكلوا منه، ثم أكل
النبي وَّ منه بعدهم، وبهذا تتم الدلالة، وإلا فمجرد أكل الصحابة منه، وهم في حالة
المجاعة، قد يقال أنه للاضطرار، ولا سيما وفيه قول أبي عبيدة ((ميتة))، ثم قال: ((لا
تأكلوه، ثم قال: جيش رسول اللَّه وَّل، وفي سبيل الله عزّ وجلّ، ونحن مضطرّون،
كلوا باسم اللَّه))، وحاصل قول أبي عبيدة: أنه بناه أوّلا على عموم تحريم الميتة، ثم
تذكر تخصيص المضطر بإباحة أكلها، إذا كان غير باغ ولا عاد، وهم بهذه الصفة؛ لأنهم
في سبيل الله، وفي طاعة رسوله بَّ، وقد تبين من آخر الحديث، أن جهة كونها
حلالا، ليست سبب الاضطرار، بل كونها من صيد البحر، ففي آخر الحديث أنهم لما

٣٥- (بَأَبُ مَيِتَةِ البَخْرِ) - حديث رقم ٤٣٥٤
٢٥٣=
قدموا على رسول اللَّه وَّ المدينة ذكروا له ذلك، فقال: ((ذلك رزقٌ رزقكموه الله عزّ
وجلّ، أمعكم منه شيء؟))، فآتاه بعضهم بعضو، فأكله))، فتبين لهم أنه حلال مطلقا،
وبالغ في البيان بأكله منها؛ لأنه لم يكن مضطرا. قاله في ((الفتح)) ١٣,/٤٣.
(ومنها): أن الجيوش لا بدّ لها من أمير، يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه، وأنه ينبغي أن
يكون الأمير أفضلهم، أو من أفضلهم، وأنه يستحبّ للرفقة من الناس، وإن قلّوا أن يؤمّروا
أحدهم عليهم، ويُطيعوه، وينقادو له، فقد أخرج البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) من حديث
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا: ((إذا كان ثلاثةً في سفر، فليؤمّروا أحدهم))، وهو
حديث صحيح. (ومنها): ما كان عليه الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم من الزهد في الدنيا،
والتقلّل منها، والصبر على الجوع، وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال.
(ومنها): مشروعية المواساة بين الجيش، عند وقوع المجاعة. (ومنها): أن
الاجتماع على الطعام، يستدعى البركة فيه. (ومنها): أنه يستحبّ للرفقة من المسافرين
خلط أزوادهم؛ ليكون أبرك، وأحسن في العِشرة، وأن لا يختصّ بعضهم بأكل دون
بعض، كما كان النبيّ وَلّ يفعله في مواطن، وكما كان الأشعريّون يفعلونه، وأثنى
عليهم بذلك رسول اللَّه ◌َيّرَ، كما هو في ثبت ذلك ((الصحيح)). (ومنها): أنه لا بأس بسؤال
الإنسان من مال صاحبه ومتاعه؛ إدلالا عليه، وليس هو من السؤال المنهيّ عنه، انما ذلك
فى حق الأجانب للتمول، ونحوه، وأما هذه فالمؤانسة، والملاطفة، والإدلال. (ومنها):
أن فيه جوازَ الاجتهاد فى الأحكام، فى زمن النبى وَلّ، كما يجوز بعده، وذلك لما في
الرواية الآتية، من قول أبي عبيدة رضي اللَّه تعالى عنه بعد أن نهاهم عن أكله، وقال: ميتة،
لا تأكلوه، قال: جيش رسول اللَّهُ وَّ، وفي سبيل اللَّه عزّ وجلّ، ونحن مضطرّون، كلُوا
باسم اللَّه)). (ومنها): أنه يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات، التى يشك فيها
المستفتي، إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي، وكان فيه طُمأنينة للمستفتي. (ومنها): أن فيه
إباحةَ ميتات البحر كلها، سواء فى ذلك، ما مات بنفسه، أو باصطياد، وسيأتي تمام البحث
فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أنه يستفاد من قوله: ((أكلنا منه نصف شهر))، جواز أكل اللحم، ولو أنتن؛
لأن النبي وَ لَّر ، قد أكل منه بعد ذلك، واللحم لا يبقى غالبا، بلا نتن في هذه المدة، لا
سيما في الحجاز، مع شدة الحر، لكن يحتمل أن يكونوا مَلَّحوه، وقَدَّدُوهُ، فلم يدخله
نتن، وقد تقدم قريبا قول النووي أن النهي عن أكل اللحم، إذا أنتن للتنزيه، إلا إن خيف
منه الضرر فيحرم، وهذا الجواب على مذهبه، ولكن المالكية حملوه على التحريم
مطلقا، وهو الظاهر. ويأتي في الطافي نظير ما قاله في النتن، إذا خُشي منه الضرر. قاله

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
في ((الفتح)). ٩ / ٦١٨ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي استظهره في ((الفتح)) من حمل النهي على
التحريم، كما قال المالكيّة، هو الحقّ عندي، كما تقدّم بيانه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صيد البحر(١):
قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد أجمع المسلمون على إباحة السمك، قال بعض
أصحابنا: يحرم الضفدع؛ للحديث فى النهى عن قتلها، قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة
أوجه: [أصحها]: يحلّ جميعه؛ لهذا الحديث. [والثانى]: لا يحل. [والثالث]: يحل
ما له نظير مأكول فى البر، دون ما لا يؤكل نظيره، فعلى هذا تؤكل خيل البحر، وغنمه،
وظباؤه، دون كلبه، وخنزيره، وحماره، قال: قال أصحابنا: والحمار، وإن كان فى
البر مأكول وغيره، ولكن الغالب غير المأكول، هذا تفصيل مذهبنا.
وممن قال بإباحة جميع حيوانات البحر، إلا الضفدع: أبو بكر الصديق، وعمر،
وعثمان، وابن عباس، رضى الله عنهم، وأباح مالك الضفدع، والجميع، وقال أبو
حنيفة: لا يحل غير السمك، وأما السمك الطافئ، وهو الذي يموت فى البحر، بلا
سبب، فمذهبنا إباحته، وبه قال جماهير العلماء، من الصحابة، فمن بعدهم، منهم:
أبو بكر الصديق، وأبو أيوب، وعطاء، مكحول، والنخعي، ومالك، وأحمد، وأبو
ثور، وداود، وغيرهم. وقال جابر بن عبد الله، وجابر بن زيد، وطاوس، وأبو حنيفة:
لا يحل.
دليلنا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ الآية [المائدة: ٩٦]، قال ابن
عباس، والجمهور: صيده ما صدتموه، وطعامه ما قذفه، وبحديث جابر هذا، وبحديث:
((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))، وهو حديث صحيح، وبأشياء مشهورة، غيرِ ما ذكرنا.
وأما الحديث المروي عن جابر، عن النبي وَّر: ((ما ألقاه البحر، وجزر عنه،
فكلوه، وما مات فيه، فطفا فلا تأكلوه))، فحديث ضعيفٌ باتّفاق أئمة الحديث(٢)، لا
يجوز الاحتجاج به، لو لم يعارضه شيء، كيف وهو معارضٌ بما ذكرناه.
[فإن قيل] : لا حجة في حديث العنبر؛ لأنهم كانوا مضطرّين.
[قلنا]: الاحتجاج بأكل النبيّ وَّر منه في المدينة، من غير ضرورة. انتهى كلام
(١) هذه المسألة تقدمت في ((الطهارة)) وإنما أعدتها هنا إيضاحًا لها حيث اختلف ترجيحي في
الموضوعين كما سيأتي آخر المسألة.
(٢) سيأتي قريبًا في كلام الحافظ في ((الفتح)) بيان ضعفه، إن شاء اللّه تعالى.

٢٥٥
٣٥- (بَابُ مَيَّةِ البُخْرِ) - حديث رقم ٤٣٥٤
النوويّ رحمه الله تعالى في شرح ((صحيح مسلم)) ١٣ / ٨٦.
وقال في ((الفتح)) ٤٣/١٣ -: ما حاصله: يستفاد من الحديث إباحة ميتة البحر،
سواء مات بنفسه، أو مات بالاصطياد، وهو قول الجمهور، وعن الحنفية: يكره،
وفرقوا بين ما لَفَظَّه، فمات، وبين ما مات فيه، من غير آفة، وتمسّكوا بحديث أبي
الزبير، عن جابر: ((ما ألقاه البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه فطفا، فلا
تأكلوه))، أخرجه أبو داود، مرفوعا، من رواية يحيى بن سليم الطائفي، عن أبي الزبير،
عن جابر، ثم قال: روى الثوري، وأيوب، وغيرهما عن أبي الزبير، هذا الحديث
موقوفا، وقد أسند من وجه ضعيف، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر،
مرفوعا، وقال الترمذي: سألت البخاري عنه؟، فقال: ليس بمحفوظ، ويُزْوَى عن
جابر خلافه. انتهى، ويحيى بن سليم صدوق، وصفوه بسوء الحفظ، وقال النسائي:
ليس بالقوي، وقال يعقوب بن سفيان: إذا حدث من کتابه، فحديثه حسن، وإذا حدث
حفظا، يُعرَف وينكر. وقال أبو حازم: لم يكن بالحافظ، وقال ابن حبان في ((الثقات))،
كان يخطىء، وقد توبع على رفعه. وأخرجه الدارقطني، من رواية أبي أحمد الزبيري،
عن الثوري، مرفوعا، لكن قال: خالفه وكيع وغيره، فوقفوه عن الثوري، وهو
الصواب، وروي عن ابن أبي ذئب، وإسماعيل بن أمية، مرفوعا، ولا يصح، والصحيح
موقوف، وإذا لم يصح إلا موقوفا، فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي
حله، لأنه سمك لو مات في البر، لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء، أو قتلته
سمكة أخرى فمات، لأكل، فكذلك إذا مات، وهو في البحر.
وقال في ((الفتح)) أيضًا: ما حاصله: وفي الحديث جوازُ أكل حيوان البحر مطلقا؛
لأنه لم يكن عند الصحابة نص يخص العنبر، وقد أكلوا منه، كذا قال بعضهم، ويخدُش
فيه أنهم أوّلا إنما أقدموا عليه بطريق الاضطرار، ويجاب بأنهم أقدموا عليه مطلقا، من
حيث كونه صيد البحر، ثم توقفوا من حيث كونه ميتة، فدل على إباحة الإقدام على أكل
ما صيد من البحر، وبَيّن لهم الشارع آخرا أن ميتته أيضا حلال، ولم يفرق بين طاف ولا
غيره.
واحتج بعض المالكية بأنهم أقاموا يأكلون منها أياما، فلو كانوا أكلوا منه على أنه
ميتة، بطريق الاضطرار ما داوموا عليه؛ لأن المضطر، إذا أكل الميتة، يأكل منها بحسب
الحاجة، ثم ينتقل لطلب المباح غيرها.
وجمع بعض العلماء بين مختلف الأخبار في ذلك، بحمل النهي على كراهة التنزيه،
وما عدا ذلك على الجواز، ولا خلاف بين العلماء، في حل السمك على اختلاف

٢٥٦
ســ
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
أنواعه، وإنما اختلف فيما كان على صورة حيوان البر، كالآدمي، والكلب، والخنزير،
والثعبان، فعند الحنفية، وهو قول الشافعية، يحرم ما عدا السمك، واحتجوا عليه بهذا
الحديث، فإن الحوت المذكور، لا يسمى سمكا، وفيه نظر، فإن الخبر ورد في الحوت
نصا.
وعن الشافعية الحل مطلقا، على الأصح المنصوص، وهو مذهب المالكية، إلا
الخنزير في رواية، وحجتهم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرٍ﴾، وحديث: (هو
الطهور ماؤه، الحل ميتته))، أخرجه مالك، وأصحاب ((السنن))، وصححه ابن خزيمة،
وابن حبان، وغيرهم. وعن الشافعية: ما يؤكل نظيره في البر حلال، ومالا فلا،
واستثنوا على الأصح، ما يعيش في البحر والبر، وهو نوعان:
[النوع الأول] : ما ورد في منع أكله شيء يخصه، كالضفدع، وكذا استثناه أحمد؛
للنهي عن قتله، ورد ذلك من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي، أخرجه أبو داود،
والنسائي(١)، وصححه، والحاكم، وله شاهد من حديث ابن عمر، عند ابن أبي
عاصم، وآخر عن عبد الله بن عمر، وأخرجه الطبراني، في ((الأوسط))، وزاد: ((فإن
نقيقها تسبيح))، وذكر الأطباء أن الضفدع نوعان: بري، وبحري، فالبري يَقتُل آكله،
والبحري يضره.
ومن المستثنى أيضا: التمساح؛ لكونه يَعْدُو بنابه، وعند أحمد فيه رواية، ومثله
القِرْش في البحر الملح، خلافا لما أفتي به المحب الطبري، والثعبان، والعقرب،
والسرطان، والسلحفاة؛ للاستخباث، والضرر اللاحق، من السم، ودنيلس، قيل: إن
أصله السرطان، فإن ثبت حرم.
[النوع الثاني] : ما لم يرد فيه مانع، فيحل، لكن بشرط التذكية، كالبط، وطير
الماء. والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح)ج: ٨ ص: ٧٨ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال هو القول بتعميم
حل أكل حيوان البحر، إلا ما ورد نصّ صحيح بمنع أكله، وإلا ما ثبت عن ثقات
الأطباء، أو التجربة ضرره، فيحرم، وقد كنت رجحت في ((الطهارة)) قول من خصّ
الحلّ بالسمك، فقط؛ لحديث: ((أَحلّت لنا ميتتان ... ))، فقد بيّن الميتة بأنهما السمك
والجراد، ولكن الآن ترجّح عندي ما ذكرته؛ لقوة حديث قصة جيش أبي عبيدة ته.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) يأتي للمصنّف في الباب التالي.

٢٥٧
٣٥- (بابُ مَيَّةِ الْبَخرِ) - حديث رقم ٤٣٥٤
(المسألة الخامسة): قال في ((الفتح)) أيضًا ٤٥/١٣ -: وقع في أواخر ((صحيح
مسلم)) في الحديث الطويل، من طريق الوليد بن عبادة بن الصامت: أنهم دخلوا على
جابر، فرأوه يصلي في ثوب ... الحديث، وفيه قصة النخامة في المسجد، وفيه أنهم
خرجوا في غزاة ببطن بُوَاط، وفيه قصة الحوض، وفيه قيام المأمومين خلف الإمام، كل
ذلك مُطوَّل، وفيه قال: سرنا مع رسول اللَّه ◌َّر، وكان قوت كل رجل منا تمرة، كل
يوم، فكان يمصها، وكنا نختبط بقِسِيّنا، ونأكل، وسرنا مع رسول اللَّه وَلتر ، حتى نزلنا
واديا أفيح، فذكر قصة الشجرتين اللتين التفْتا بأمر النبي ◌َّ ، حتى تستر بهما عند قضاء
الحاجة، وفيه قصة القبرين اللذين غَرَس في كل منهما غصنا، وفيه فأتينا العسكر،
فقال: (يا جابر ناد الوضوء ... ))، فذكر القصة بطولها، في نبع الماء من بين أصابعه،
وفيه: وشكا الناس إلى رسول اللّه وَلّر الجوع، فقال: ((عسى الله أن يطعمكم))، فأتينا
سيف البحر، فزجر البحر زَجْرة، فألقى دابة، فأورينا على شِقِّها النار، فاطّبخنا،
واشتوينا، وأكلنا، وشبعنا، وذكر أنه دخل هو وجماعة في عينها، وذكر قصة الذي دخل
تحت ضلعها، ما يُطأطيء رأسه، وهو أعظم رجل في الركب، على أعظم جمل، وظاهر
سياق هذه القصة، يقتضي مغايرة القصة المذكورة في هذاالباب، وهي من رواية جابر
أيضا، حتى قال عبد الحق، في ((الجمع بين الصحيحين)): هذه واقعة أخرى غير تلك،
فإن هذه كانت بحضرة النبي ◌ُّه، وما ذكره ليس بنص في ذلك؛ لاحتمال أن تكون
الفاء في قول جابر، فأتينا سِيف البحر هي الفصيحة، وهي معقبة لمحذوف تقديره،
فأرسلنا النبي والقر مع أبي عبيدة، فأتينا سيف البحر، فتتحد القصتان، قال الحافظ: وهذا
هو الراجح عندي، والأصل عدم التعدد، ومما ننبه عليه هنا أيضا، أن الواقدي زعم أن
قصة بعث أبي عبيدة، كانت في رجب سنة ثمان، وهو عندي خطأ؛ لأن في نفس الخبر
الصحيح، أنهم خرجوا يترصدون عير قريش، وقريش في سنة ثمان، كانوا مع النبي ◌َّر
في هدنة، قال: وقد نبهت على ذلك في ((المغازي))، وجوّزت أن يكون ذلك قبل الهدنة
في سنة ست، أو قبلها، ثم ظهر لي الآن تقوية ذلك، بقول جابر، في رواية مسلم هذه:
إنهم خرجوا في غُزاة بُواط، وغزاة بواط كانت في السنة الثانية من الهجرة، قبل وقعة
بدر، وكان النبي ◌َّر خرج في مائتين من أصحابه، يعترض عيرا لقريش، فيها أمية بن
خلف، فبلغ بواطا، وهي بضم الموحدة، جبال لجهينة، مما يلي الشام، بينها وبين
المدينة أربعة بُرُد، فلم يلق أحدا، فرجع، فكأنه أفرد أبا عبيدة، فيمن معه يرصُدون
العير المذكورة، ويؤيد تقدمَ أمرها، ما ذُكر فيها من القِلّة والجهد، والواقع إنهم في سنة
ثمان، كان حالهم اتسع، بفتح خيبر وغيرها، والجهد المذكور في القصة، يناسب ابتداء

٢٥٨ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
الأمر، فيرجح ما ذكرته. والله أعلم. انتهى. كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي في دعوى اتحاد قصّتي جابر رضي الله تعالى عنه
هاتين نظرٌ؛ بل الذي يظهر لي هو ما قاله عبد الحقّ رحمه الله تعالى من تغاير الواقعتين
كما يدلّ عليه سياقهما، والجمع الذي ذكره الحافظ لا يخفى ما فيه من التكلّف، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٥- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَن
جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنَا الشَِّيُّ بَ مَعَ أَبِي عُبَيِدَةَ فِي سَرِيَّةٍ، فَتَفِدَ زَادُنَا، فَمَرَرْنَا بِحُوتٍ قَدْ قَذَفَ
بِهِ الََّخْرُ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَأْكُلَ مِنْهُ، فَنَّهَانَا أَبُو عُبَيْدَةَ، ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ وِ،
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُلُوا، فَأَكَلْنَا مِنْهُ أَيَّامًا، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ أَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ:
((إِنْ كَانَ بَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ، فَابْعَثُوا بِهِ إِلَيْنَا»).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير
مرّة، و((زياد بن أيوب)): هو دلّويه. و((هُشيم)): هو ابن بَشِير. والسند من رباعيّات
المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٢٠٦) من راباعيات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيّ بْنِ مُقَدَّم الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ
هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ مَعَ أَبِي
عُبَيْدَةَ، وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرِ، فَأَعْطَانَا قَبْضَةٌ قَبْضَةً، فَلَمَّا
أَنْ جُزْنَاهُ أَعْطَانَا تَمْرَةَ تَمْرَةً، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَمُصُّهَا كَمَا يَمِّصُ الصَّبِيُّ، وَنَشْرَبُ عَلَيْهَا
الْمَاءَ، فَلَمَّا فَقَدْنَاهَا وَجَدْنَا فَقْدَهَا، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَخْبِطُ الْخَبَطَ بِقِسِيْنَا، وَنَسَقُّهُ، ثُمَّ نَشْرَبُ
عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى سُمِّينَا جَيْشَ الْخَبَطِ، ثُمَّ أَجَزْنَا السَّاحِلَ، فَإِذَا دَابَّةٌ مِثْلُ الْكَثِيبِ،
يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ لَا تَأْكُلُوهُ، ثُمَّ قَالَ: جَيْشُ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، وَفِي
سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَحْنُ مُضْطَرُّونَ، كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، وَجَعَلْنَا مِنْهُ وَشِيقَةً،
وَلَقَذَ جَلَسَ فِي مَوْضِعٍ عَنْنِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، قَالَ: فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ،
فَرَحَلَ بِهِ أَجْسَمَ بَعِيرٍ مِنْ أَبَاعِرِ الْقَوْمِ، فَأَجَازَ تَحْتَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ◌َِّ، قَالَ:
((مَا حَبَسَكُمْ؟))، قُلْنَاَ: كُنَّا نَتَبعَ عِيرَاتِ قُرَيْشٍ، وَذَكَرْنَا لَهُ مِنْ أَمْرِ الدَّابَّةِ، فَقَالَ: ((ذَاكَ رِزْقٌ
رَزَقَكُمُوهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَمَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟)) قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
محمد بن عمر بن عليّ، فإنه من رجال الأربعة، وهو بصريّ، صدوقٌ، من صغار

٣٦- (بابُ الضّفْدِعِ) - حديث رقم ٤٣٥٧
٢٥٩ ==
[١٠] ٨٠٨/٢٣. و((معاذ بن هشام)): هو الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن،
صدوقٌ، ربّما وهِم [٩] ٣٤/٣٠. و((أبوه)): هو هشام بن أبي عبد الله/ سَنْبَر
الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، رمي بالقدر، من كبار [٨] ٣٤/٣٠.
وقوله: ((فقال أبو عبيدة: لا تأكلوه، ثم قال: جيش رسول اللّه ◌َلتر الخ.
معناه: أن أبا عبيدة رضى الله عنه، قال أوّلا باجتهاده: إن هذا ميتة، والميتة حرام،
فلا يحل لكم أكلها، ثم تغير اجتهاده، فقال: بل هو حلال لكم، وإن كان ميتة؛ لأنكم
فى سبيل الله، وقد اضطررتم، وقد أباح الله تعالى الميتة، لمن كان مضطرًا، غير باغ
ولاعاد، فكلوا، فأكلوا منه، وأما طلب النبى وَلّ من لحمه، وأكله ذلك، فإنما أراد به
المبالغة، فى تطيب نفوسهم فى حله، وأنه لا شك فى إباحته، وأنه يرتضيه لنفسه، أو
أنه قصد التبرك به؛ لكونه طعمة من الله تعالى، خارقة للعادة، أكرمهم الله بها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)).
٣٦- (بَابُ الضّفْدِعِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الضّفْدِع)) - بكسرتين: الذكر، و((الضّفدِعة)) الأنثى،
ومنهم من يفتح الدال، وأنكره الخليل، وجماعةٌ، وقالوا: الكلام فيها كسر الدال،
والجمع الضفادع، وربّما قالوا: الضفادي على البدل، كما قالوا: الأراني في الأرانب
على البدل. انتهى.
وقال في ((القاموس)): ((الضُّفْدع)) كَزِبْرِج، وجعفَر، وجُنْدَبِ، ودِرْهَم، وهذا أقلّ، أو
مردود: دابة نهريّةٌ، ولحمها مطبوخًا بزيت وملح، تِزِياقٌ للَّهوامٌ، وبَرّيّةٌ، وشحمها عجيبٌ
لقَلْع الأسنان، الواحدة بهاء، جمعه ضَفَادع، وضَفَادي. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٣٥٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَنِيَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَن سَعِيدِ بْنِ
خَالِدٍ، عَن سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبٍ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ، أَنَّ طَبِبًا ذَكَرَ ضِفْدَعَا فِي
دَوَاءٍ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فَتَهَى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ عَنْ قَتْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١ .

٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
٢- (ابن أبي نُديك) هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك المدنيّ،
صدوقٌ، من صغار [٨] ٩٦٢/٥١ .
٣- (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب
المدنيّ الثقة الفقيه الفاضل [٧] ٤١ /٦٨٥ .
٤- (سعيد بن خالد) بن عبد الله بن قارظ: هو الكنانيّ المدنيّ، صدوقٌ [٣] ٧٤/
٢٥٦٩ .
٥- (سعيد بن المسيب) بن حزن المدني الفقيه، ثقة ثبت من كبار [٣] ٩/٩.
٦- (عبد الرحمن بن عثمان) بن عُبيد اللَّه التيميّ ابن أخي طلحة بن عبيد الله،
صحابيّ، قُتل مع ابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، تقدّمت ترجمته في - ٧٨ /٢٨١٧.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير سعيد بن خالد، فتفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين، غير شيخه، فبغلاني (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الرحمن بن عثمان) بن عُبيد اللَّه التيميّ رضي الله تعالى عنه (أن طبيبا ذكر
ضفدعا في دواء) أي سأل عن حكم ضفدع يجعلها في داوء، أي مركبة مع غيرها من
الأدوية (عند رسول اللَّه وَ 18) ولفظ أبي داود: ((أن طبيبًا سأل النبيّ ◌َّل عن ضفدع،
يجعلها في دواء ... )) (فنهى رسول اللَّه ◌َّر عن قتله) أي عن قتل الضفدع، لأن التداوي
بها يتوقف على القتل، فإذا حرم القتل، حرم التداوي بها أيضا، وذلك إما لأنه نجس،
وإما لأنه مستقذر.
قال الخطابي رحمه الله تعالى: في هذا دليل على أن الضفدع مُحَرَّم الأكل، وأنه غير
داخل فيما أبيح من دواب الماء، وكل منهي عن قتله من الحيوان، فإنما هو لأحد أمرين :
إما لحرمة في نفسه، كالآدمى، وإما لتحريم لحمه، كالصرد، والهدهد، ونحوهما، وإذا
كان الضفدع ليس بمحرم، كالآدمي، كان النهي فيه منصرفا إلى الوجه الآخر، وقد نهى
رسول اللّه ◌َ ليل عن ذبح الحيوان، إلا لمأكله. انتهى. ذكره في «عون المعبود» ج: ١٠ ص:
٢٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وهو المستعان، وعليه التكلان.