Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١ =
٢٧ - (الضَّبُعُ) - حديث رقم ٤٣٢٥
أمرها أنها كالأرنب تكون سنة ذكرًا، وسنة أُنثى، فتلقّح في حال الذكورة، وتلد في حال
الأنوثة، وهي مُولَعة بنبش القبور؛ لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأت إنسانًا
نائمًا، حفَرَت تحت رأسه، وأخذت بحلقه، فتقتله، وتشرب دمه. انتهى(١). والله تعالى
أعلم بالصواب.
٤٣٢٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَنْجِ،
عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيَدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عُّن
الضَّبُعِ، فَأَمَرَنِيَ بِأَكْلِهَا، قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟، قَالَ: (نَعَمْ))، قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
وَّر،َ قَالَ: ((نَعَمْ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢١/٢٠.
٢- (سفيان) بن عيينة المكي الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١.
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة
فقيه فاضل، يدلس [٦] ٣٢/٢٨.
٤- (عبد الله بن عُيبيد بن عُمير) الليثيّ المكيّ، ثقة [٣] ٢٨٣٧/٨٩.
٥- (ابن أبي عمّار) عبدالرحمن بن عبد الله بن أبي عمّار المكيّ، حليف بني جمع،
الملقّب بالقَس - بفتح القاف، وتشديد السين المهملة - ثقة عابدٌ [٣] ١٤٣٣/١.
٦- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي
رضي اللَّه تعالى عنهما٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل بثقات
المكيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله
تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن) عبد الرحمن بن عبد اللَّه (بْنِ أَبِي عَمَّارٍ) أنه (قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ)
رضي الله تعالى عنهما (عَن الضَّبُع) أي حكم أكلها. وفي رواية: قال: قلت لجابر:
(١) راجع ((المرعاة شرح المشكاة)) ٤١٧/٩ ((كتاب المناسك)).

٢٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
الضبع أصيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت آكلها؟ قال: نعم، قلت:
أقاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم.
(فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا) أي لعدم كونها من الخبائث، كما قال الإمام الشافعيّ رحمه اللَّه
تعالى، وكونها ليست من السباع العادية التي تعدو بأنيابها (قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟، قَالَ:
(نَعَمْ))، قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ) الظاهر أنه يعود إلى الاثنين: حلّ أكلها،
وكونها صيدًا، كما سيأتي تحيقه قريبًا، إن شاء الله تعالى (قَالَ) جابر رضي اللّه تعالى عنه
(نَعَمْ) سمعت ذلك منه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم.
ولفظ أبي داود: عن جابر، سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، عن
الضبع؟، فقال: ((هي صيد، ويُجعَل فيه كبش، إذا صاده المحرم)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣٢٥/٢٧ وتقدّم في (الحج)) ٢٨٣٦/٨٩ - وفي ((الكبرى)) ٤٨٣٥/٢٩
وتقدّم في ((الحج)) ٣٨١٩/٨٨. وأخرجه (د) في ((الأطعمة)) ٣٨٠١ (ت) في ((الحج)) ١ ٨٥
و((الأطعمة)) ١٧٩١ (ق) في ((المناسك)) ٣٠٨٥ و((الصيد)) ٣٢٣٦ (أحمد) في ((باقي مسند
المكثرين)) ١٣٧٥١ و١٤٠١٦ و١٤٠٤٠ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٩٤١. والله تعالى
أعلم .
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الضبع، وهو حلّ
أكلها. (ومنها): أن الضبع صيد، فيلزم الجزاء بقتل المحرم له، وقد تقدّم ما يتعلّق
بذلك في ((كتاب مناسك الحجّ)). (ومنها): ما كان عليه السلف من التأكّد في السؤال،
عن الأدلّة، فقد قال ابن عمّار لجابر رضي اللّه تعالى عنه: ((أسمعته من رسول الله
وَ يليه؟)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أكل الضبع؟:
ذهبت طائفة إلى حلّ أكلها، روي ذلك عن سعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعروة
ابن الزبير، وعكرمة، وإسحاق، وقال عروة: ما زالت العرب تأكل الضبع، ولا ترى
بأکلها بأسا.

٢٠٣ =
٢٧ - (الضَّبُعُ) - حديث رقم ٤٣٢٥
وقال أبو حنيفة، والثوري، ومالك: هو حرام، وروي نحو ذلك عن سعيد بن
المسيب؛ لأنها من السباع، وقد نهى النبي ◌َّ، عن أكل كلّ ذي ناب من السباع، وهي
من السباع، فتدخل في عموم النهي، وروي عن النبي ◌َّ، أنه سئل عن الضبع؟ فقال:
((ومن يأكل الضبع)).
واحتجّ الأولون بحديث جابر رضي اللَّه تعالى عنه المذكور في الباب. واعترضه ابن
عبد البر فقال: إنّ هذا لا يعارض حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع؛ لأنه أقوى
منه. وتعُقّب - كما قال ابن قُدَامة- بأن هذا تخصيص، لا معارض، ولا يعتبر في
التخصيص كون المخصص في رتبة المخصَّص، بدليل تخصيص عموم الكتاب، بأخبار
الآحاد.
فأما الخبر الذي ذكروه: ((ومن يأكل الضبع))، فحديث، يرويه عبد الكريم بن أبي
المخارق، ينفرد به، وهو متروك الحديث.
قال ابن قدامة: ولأن الضبع قد قيل: إنها ليس لها ناب، وسمعت من يذكر أن جميع
أسنانها عظم واحد، كصَفِيحَةِ نعل الفرس، فعلى هذا لا تدخل في عموم النهي. أفاده في
((المغني)) ٣٤١/١٣ -٣٤٢.
وقال العلامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى في ((نيل الأوطار - ٢٩١/٨ في شرح حديث
جابر المذكور: ما نصّه: في الحديث دليل على جواز أكل الضبع، وإليه ذهب
الشافعي، وأحمد، قال الشافعي: ما زال الناس يأكلونها، ويبيعونها بين الصفا والمروة،
من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه، وتمدحه.
وذهب الجمهور إلى التحريم، واستدلوا بما تقدم، في تحريم كل ذي ناب من
السباع.
ويجاب بأن حديث الباب خاص، فيُقدّم على حديث كل ذي ناب. واستدلوا أيضا
بما أخرجه الترمذي، من حديث خزيمة بن جزء، قال: سألت رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم عن الضبع؟ فقال: ((أو يأكل الضبع أحد؟))، وفي رواية: ((ومن يأكل
الضبع؟)). ويجاب بأن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الكريم أبو أمية، وهو
متفق على ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف. قال ابن رسلان:
وقد قيل: إن الضبع ليس لها ناب، وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد،
كصفيحة نعل الفرس، فعلى هذا لا تدخل في عموم النهي. انتهى ما ذكره الشوكانيّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وبهذا تعلم أن مذهب القائلين بإباحة أكل الضبع
أقوى دليلًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٢٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٢٨- (بَابُ تَخرِيمِ أَكْلِ السِّبَاعِ)
٤٣٢٦- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ،
عَنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَن عَبِيدَةَ بْنِ سُفْيَانَ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َِّ، قَالَ:
((كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبَاعِ،َ فَأَكْلُّهُ حَرَامٌ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج، أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت
[١١] ٨٨/٧٢ .
٢- (عبد الرحمن بن مهديّ) العنبري مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت إمام حجة
[٩] ٤٩/٤٢ .
٣- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت الفقيه المدني [٧] ٧/ ٧ .
٤- (إسماعيل بن أبي حَكيم) القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٦].
قال ابن معين، والنسائيّ، والبَرْقَيّ، وابنُ وضّاح: ثقة. وعن ابن معين أيضًا:
صالح. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وكان عاملًا لعمر بن عبد العزيز. ونقل ابن
شاهين في ((الثقات)) عن أحمد بن صالح، قال: إسماعيل بن أبي حكيم، عن عَبيدة بن
سُفيان، هذا من أثبت أسانيد أهل المدينة. وقال ابن عبد البرّ في ((التمهيد)): كان
فاضلاً، ثقةً، وهو حجة فيما روى عنه جماعة أهل العلم. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))،
وقال: هو أخو إسحاق. وقال ابن سعد: توفّي سنة (١٣٠) وكان قليل الحديث. روى
له مسلم، والمصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنّف، وابن ماجه هذا
الحدیث فقط، وله عند أبي داود حديثان.
٥- (عَبيدة بن سُفيان) - بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة -: هو الْحَضرميّ
المدنيّ، ثقة [٣] ٢/
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

٢٠٥ =
٢٨- (بَأَبُ تَخْرِيم أَكْل السِّباع) - حديث رقم ٤٣٢٦
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزي، وعبد
الرحمن، فبصري. (ومنها): أنه من أثبت أسانيد المدنيين، كما مرّ آنفًا عن أحمد بن
صالح، وإليه، وإلى أثبت أسانيد المكيين أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية
الحديث))، حيث قال:
لِمَكَّةٍ سُفْيَانُ عَنِ عَمْرِو وَذَا عَنِ جَابِرٍ وَلِلْمَدِيئَةِ خُذَا
ابْنَ أَبِي حَكِيمَ عَن عَبِيدَةِ الْحَضْرَمِيِّ عَن أَبِي هُرَيْرَةٍ
(ومنها): أن فيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ نََّ) أنه (قَالَ: ((كُلُّ ذِي نَابَ) الناب
واحد الأنياب، وهي مما يلي الرَّبَاعيات من الإنسان. وقال الفيّوميّ: الناب من الأسنان
مذكّرٌ، ما دام له هذاالاسم، والجمع أنياب، وهو الذي يلي الرباعيات. قال ابن سينا:
ولا يجتمع في حيّوَان نابٌ، وقرنٌ معًا. انتهى. وفِي (شَرْحِ السُّنَّةِ): أَرَادَ بِكُلِّ ذِي نَابٍ:
مَا يَعْدُو بِنَابِهِ، عَلَى النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ، كَالذِّئْبٍ، وَالْأَسَدِ،َ وَالْكَلْبِ، وَنَحْوِهَا.
(مِنْ السُّبَاعِ) أَيْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، والسِّبَاعُ - بالكسر -: جمع سَبُع، بضمّ الباء، قال
الفيّوميّ: السبع بضمّ الباءَ معروفًّ، وإسكان الباء لغة، حكاها الأخفش، وغيره، وهي
الفاشية عند العامّة، ولهذا قال الصغانيّ: السبع، والسبع لغتان، وقُرىء بالإسكان في
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾، وهو مرويّ عن الحسن البصريّ، وطلحة بن سليمان،
وأبي حيوة، ورواه بعضهم عن عبد الله بن كثير أحدٍ السبعة، ويُجمع في لغة الضمّ على
سباع، مثلُ رجل ورجال، لا جمع له غير ذلك على هذه اللغة، قال الصغانيّ: وجمعُهُ
على لغة السكون في أدنى العدد أَسْبُعٌ، مثلُ فَلْس وأفلُسٍ، وهذا كما خُفّف ضَبُعٌ، وجُمع
على أضبُعٍ، قال: ويقع السبع على كلّ ما له نابٌ، يَعدُو به، ويَقترِس، كالذئب،
والفهد، والنمر، وأما الثعلب، فليس بسبع، وإن كان له له نابٌ؛ لأنه لا يعدُو به، ولا
يفترس، وكذلك الضبع. قاله الأزهريّ. انتهى (فَأَكْلُهُ حَرَامٌ))) وفي حديث ابن عبّاس
رضي اللَّه تعالى عنهما عند مسلم زيادة: ((كلّ ذي مِخْلَب، من الطير))، ولفظه: ((نهى
رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم عن كلّ ذي نابٍ من السباع، وعن كلّ ذي
مِخلب من الطير))، وسيأتي للمصنّف برقم ٣٣/ ٤٣٥٠ -. وهذا نصّ صريحٌ في تحريم

٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
أكل كلّ ذي ناب، وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف، وغيرهم، وسيأتي تحقيق
الخلاف في ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣٢٦/٢٨ - وفي ((الكبرى)) ٤٨٣٦/٣٠. وأخرجه (م) في ((الصيد))
٣٥٧٣ و((الأطعمة)) ١٤٧٩ (ق) في ((الصيد)) ٣٢٣٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))
٧١٨٣ و٨٥٧١ و٩١٤١ (الموطأ) في ((الصيد)) ١٠٧٦١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل ذي الناب من السباع، وذي
المخلب من الطيور:
فأما ذو الناب من السباع، فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريم كلّ ذي ناب قويّ من
السباع، يعْدُو، ويَكسِر، إلا الضبع، منهم: مالك، والشافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب
الحديث، وأبو حنيفة، وأصحابه. وقال الشعبيّ، وسعيد بن جُبير، وبعض أصحاب
مالك: هو مباح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَّ أُوْجِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعٍِ
يَطْعَمُهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنََّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ
الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٣].
واحتجّ الأولون بحديث أبي هريرة، وأبي ثعلبة رضي اللَّه تعالى عنهما المذكورين
في الباب. قال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: هذا حديث ثابتٌ، صحيح،
مُجمع على صحّته، وهذا نصّ صريح يخُصّ عموم الآيات، فيدخل في هذا الأسد،
والنمر، والفهد، والذئب، والكلب، والخززير. وقد رُوي عن الشعبيّ أنه سئل عن
رجل يتداوى بلحم الكلب؟ فقال: لا شفاه الله. وهذا يدلّ على أنه رأى تحريمه.
انتھی .
وأما ذو المخلب من الطيور، وهي التي تعلّق بمخالبها الشيء، وتصيده بها، فذهب
أكثر أهل العلم أيضًا إلى تحريمه، وبه قال الشافعيّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال
مالك، والليث، والأوزاعيّ، ويحيى بن سعيد: لا يحرم شيء من الطير، قال مالك:
لم أر أحدًا من أهل العلم يَكره سباع الطير. واحتجّوا بعموم الآيات المبيحة، وقول أبي
الدرداء، وابن عبّاس رضي الله تعالى عنهم: ما سكت اللَّه، فهو مما عفا عنه.

٢٠٧
٢٨- (بأبُ تَخْرِيم أَكْلِ السِّباع) - حديث رقم ٤٣٢٦
واحتجّ الأولون بحديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما المذكور: نهى رسول الله
صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم عن كلّ ذي ناب من السباع، وكلّ ذي مِخلب من الطير.
رواه مسلم. فهذا يخصّ عموم الآيات، ويُقدّم على ما ذكروه، فيدخل في هذا كلّ ماله
مِخلبٌ يعدو به، كالعقاب، والبازي، والصقر، والشاهين، والباشق، والحدأة،
والبومة، ونحوها(١).
وقال في ((الفتح)): قَالَ التِّزْمِذِيّ: الْعَمَلِ عَلَى هَذَا عِنْد أَكْثَر أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعَن
بَعْضهمْ: لا يَحْرُم، وَحَكَى ابْنِ وَهْب، وَابْن عَبْد الْحَكَمِ، عَن مَالِك كَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ
ابْن الْعَرَبِيّ: الْمَشْهُور عَنْهُ الْكَرَاهَة. وَقَالَ ابْنِ عَبْد الْبَرّ: اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاس،
وَعَائِشَة، وَجَابِرِ، وعَنِ ابْنِ عُمَر مِنْ وَجْهِ ضَعِيف، وَهُوَ قَوْلِ الشَّعْبِيّ، وَسَعِيد بْن جُبَيْر،
وَاخْتَجُوا بِعُمُومٍ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ الآية. وَالْجَوَابِ أَنَّا مَكْيَّة، وَحَدِيث التَّحْرِيم بَعْد
الْهِجْرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَخْوه مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ نَصَِّ الْآيَةِ عَدَم تَحَرِيم غَيْرِ مَا ذُكِرَ إِذْ ذَاكَ، فَلَيْسَ
فِيهَا نَفْي مَا سَيَأْتِي، وَعَنٍ بَعْضهمْ أَنَّ آيَة الْأَنْعَامِ خَاصَّة، بِبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ؛ لأَنَّهَ تَقَدَّمَ قَبْلهَا
حِكَايَة عَنِ الْجَاهِلِيَّة، أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَشْيَاءِ، مِنْ الأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَة بِآرَائِهِمْ، فَزَلَتْ
الْآيَةِ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية: أَيْ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ، إِلَا الْمَيْتَة مِنْهَا،
وَالدَّمِ الْمَسْفُوحِ، وَلا يَرِدِ كَوْن لَحْم الْخِنْزِيرِ ذُكِرَ مَعَهَا؛ لأَنَّهَا قُرِنَتْ بِهِ عِلَّة تَحْرِيمِه، وَهُوَ
كَوْنه رِجْسًا. وَنَقَلَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيّ، أَنَّهُ يَقُول بِخُصُوصِ السَّبَب، إِذَا وَرَدَ فِي
مِثْل هَذِهِ الْقِصَّة؛ لأَنْهَ لَّمْ يَجْعَلَ الْآيَة حَاصِرَة لِمَا يَخْرُم مِنْ الْمَأْكُوَلَات، مَعَ وُرُود صِيغَة
الْعُمُومِ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّا وَرَدَتْ فِي الْكُفَّارِ، الَّذِينَ يُحِلُونَ الْمَيْتَةِ، وَالدَّم، وَلَحْم
الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِلِّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ، وَيُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّرْعِ، فَكَأَنَّ الْغَرَض مِنْ الْآيَة
إِبَانَة حَالِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُضَادُونَ الْحَقْ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: لا حَرَامٍ إِلا مَا حَلَلْتُمُوهُ، مُبَالَغَة فِي الرَّدّ
عَلَيْهِمْ. وَحَكَى الْقُرْطُبِيْ عَنْ قَوْمٍ: أَنَّ آيَة الْأَنْعَامِ الْمَذْكُورَة، نَزَلَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ،
فَتَكُونَ نَاسِخَة، وَرُدَّ بِأَنَّا مَكْيَّةٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهٍ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدِهُ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَهَا مِنْ
الآيَات، مِنْ الرَّدّ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَب، فِي تَحَرِيمِهِمْ مَا حَرَّمُوهُ مِنْ الْأَنْعَامِ، وَتَخْصِيصهمْ
بَعْض ذَلِكَ بِآلِهَتِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا سَبَقَ للرَّدْ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ كُلّه قَبْلِ الْهِجْرَةِ إِلَى
الْمَدِينَة .
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ، فِي الْمُرَاد بِمَا لَهُ نَاب: فَقِيلَ: إِنْهُ مَا يَتَقَّوَّى بِهِ،
وَيَصُولِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَصْطَّادَ، وَيَعْدُو بِطَبْعِهِ غَالِبًا، كَالْأَسَدِ، وَالْفَهْدِ، وَالصَّقْرِ،
(١) راجع ((المغني)) لابن قدامة رحمه الله تعالى ٣١٩/١٣-٣٢٣.

1
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
٢٠٨
وَالْعُقَابِ، وَأَمَّا مَا لا يَعْدُو، كَالضَّبْعِ، وَالثَّعْلَب، فَلا، وَإِلَى هَذَا ذَهَب الشَّافِعِيّ،
وَاللَّيْثِ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا، وَقَدْ وَرَدَ فِي حِلّ الضَّبْعِ أَحَادِيث، لا بَأْس بِهَا، وَأَمَّا
الثَّعْلَب، فَوَرَدَ فِي تَحَرِيمِهِ حَدِيث خُزَيْمَةَ بْن جَزْءٍ، عِنْد التِّزْمِذِيّ، وَابْنِ مَاجَهْ، وَلَكِنْ
سَنَده ضَعِيف. انتهى ما في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب هو ما ذهب إليه
الجمهور، من تحريم كلّ ذي ناب، من السباع، وكلّ ذي مِخلب من الطيور؛ لصحة
الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
٤٣٢٧- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ، عَن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ: (نَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ، مِنْ
السِّبَاع»).
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((سفيان)): هو
ابن عيينة. و((أبو إدريس)): هو عائذ اللَّه بن عبد الله. و((أبو ثعلبة الخُشَنيّ)): تقدم الاختلاف
في اسمه، واسم أبيه على عدّة أقوال، فقيل: جُرثوم، أو جرثومة، أو جرهم، أو لا شر،
وقيل: غير ذلك. وشرح الحديث، وبيان مذاهب العلماء، تقدّما في الحديث الماضي.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي ثعلبة الْخُشنيّ رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣٢٧/٢٨ و ٤٣٢٨ و ٤٣٤٣/٣١ و ٤٣٤٥ و(الضحايا)) ٤٤٤٠/٤١-
وفي «الكبرى)) ٤٨٣٧/٣٠ و٤٨٣٨ و٤٨٥٣/٣٤ و٤٨٥٤. وأخرجه (خ) في ((الذبائح))
٥٥٢٧ و(الطبّ)) ٥٧٨١ (م) في ((الصيد)) ٣٥٦٧ و٣٥٧٠ (د) في ((الأطعمة)) ٣٨٠٢
(ت) في ((الأطعمة)) ١٤٧٧ و(السير)) ١٥٦٠ (ق) في ((الصيد)) ٣٢٣٢ (أحمد) في ((مسند
الشاميين)) ١٧٢٧٧ و١٧٢٨٤ (الموطأ) في ((الصيد)) ١٠٧٥ (الدارمي) ((الأضاحي))
١٩٨٠ و١٩٨١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
(١) ((فتح)) ٩٢/١١ ((كتاب الذبائح)) رقم ٥٥٣١.

E
٢٨- (بابُ تَخْریم أكل السّباع) - حديث رقم ٤٣٢٨
٢٠٩ ==
٤٣٢٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ بَحِيرِ، عَن خَالِدٍ، عَن جُبَيْرِ
ابْنِ نُفَيْرٍ، عَن أَبِي ثَعْلَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَِّ: (لَا تَحِلُّ التُّهْبَى، وَلَا يَحِلُّ مِنْ
السِّبَاعِ، كُلُّ ذِي نَابٍ، وَلَا تَحِلُّ الْمُجَثَّمَةُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٥٣٥/٢١ .
٢- (بقيّة) بن الوليد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٥٥/٤٥.
٣- (بَحِير) بن سعد السَّحُولي، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ٦٨٨/١.
٤- (خالد) بن معدان الكَلَاعيّ، أبو عبد الله الحمصيّ، ثقة عابد، يرسل كثيرًا١/
٦٨٨ .
٥- (جبير بن نُفير) الحضرمي الحمصيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ٦٢/٥٠.
٦- (أبو ثعلبة) الْخُشَني المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، وبقية علق له البخاري، وأخرج له مسلم متابعة. (ومنها):
أنه مسلسل بالحمصيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن أَبِي ثَعْلَبَةَ) الْخُشَنيّ رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَا
تَحِلُّ) بفتح أوله، من حلّ: ضدّ حَرُمَ (التُّهْبَى) -بضم النون، وسكون الهاء، مقصورًا -:
هو المال المنهوب، والمراد به المأخوذ من المسلم، أو الذمّيّ، أو المستأمِن قهرًا، لا
المأخوذ من أهل الحرب قهرًا، فإنه حلال (وَلَا يَحِلُّ مِنْ السِّبَاعِ، كُلُّ ذِي نَابٍ) تقدّم
شرحه في الحديث الذي قبله (وَلَا تَحِلُّ الْمُجَثَّمَةُ) -بضمّ الميم، وفَتح المثلثة المشدّدة -:
أي المحبوسة. قال ابن الأثير: الْمُجَثَّمَةُ: هي كلُّ حيوان يُنصَب، ويُرمى ليُقتَل، إلا أنها
تكثُر في الطير، والأرانب، وأشباه ذلك، مما يَخْثِم في الأرض: أي يلزمها، ويَلتَصق
بها، وجَثَمَ الطائر جُثُومًا، وهو بمنزلة البُرُوك للإبل. انتهى(١).
وقال المجد: جَثَم الإنسان، والطائر، والنَّعَام، والْخِشْفُ، والْيَرْبُوعِ، يَجْثِمُ، ويَجْثُمُ
جَثْمًا، وجُثُومًا -أي من بابي ضرب، وقَّعَد- فهو جاثمٌ، وجَثُومٌ: لزم مكانه، فلم
(١) ((النهاية)) ٢٣٩/١.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
ـ= ٢١٠
يَبْرَح. انتهى.
وقال ابن منظور: الْمُجَثَّمَة: المحبوسة، وقال أبو عُبيد: المجثّمة التي نهي عنها:
هي المصبورة، وهي كلّ حيوان يُنصبُ، ويُرمى، ويُقتَل، قال: ولكن المجثّمة لا تكون
إلا من الطير، والأرانب، وأشباهها، مما يَجْثِم بالأرض، أي يلزمها؛ لأن الطير تجثم
بالأرض، إذا لزمتها، ولَبَدّت عليها، فإن حبسها إنسانٌ قيل: قد جُثْمت، فهي مُجثّمَةٌ،
إذا فُعل ذلك بها، وهي المحبوسة، فإذا فعلت هي من غير فعل أحد قيل: جَثَمت تَجْثم،
وتَمِثُمُ جُثُومًا، فهي جائمة. وقال شَمِر: المجثّمة: هي الشاة التي تُرمى بالحجارة حتى
تموت، ثم تؤكل، قال: والشاة لا تجثم، إنما الجثوم للطائر، ولكنه استُعير. انتهى.
وسيأتي في ((الضحايا)) - ٤٤٤١/٤١-حديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: ((نهى
رسول اللَّهِ وَلَّ أن تُصَبَرَ البهائمُ)). متفقٌ عليه. وهو بِضَمْ أَوَّله: أَيْ تُحُبَس لِتُزْمَى حَتَّى
تَمُوت، قال في ((الفتح)): وَفِي رِوَايَةِ الإِسْمَاعِيلِيّ، مِنْ هَذَا الْوَجْه، بِلَفْظِ: ((سَمِعْتِ أَنَس
ابْن مَالِك يَقُول: ◌َّى رَسُول اللَّه ◌َ، عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ)). وَأَصْلِ الصَّبْرِ الْحَبْس، وَأَخْرَجَ
الْعُقَيْلِيّ فِي ((الضُّعَفَاء))، مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَن سَمُرَةٍ، قَالَ: ((تَّى النَّبِّ وَِّ، أَنْ تُصْبّر
الْبَهِيمَةِ، وَأَنْ يُؤْكَّل لَحْمَهَا إِذَا صُبِرَتْ))، قَالَ الْعُقَيْلِيّ: جَاءَ فِي النَّهِي عَنِ صَبْرِ الْبَهِيمَة
أَحَادِيث جِيّاد، وَأَمَّا النَّهْي عَنِ أَكْلِهَا، فَلا يُعْرَف إِلا فِي هَذَا. قال الحافظ: إِنْ ثَبَتَ فَهُوَ
مَحْمُول عَلَى أَنَّا مَاتَتْ بِذَلِكَ، بِغَيْرِ تَذْكِيَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَقْتُولِ بِالْبُنْدُقَّةِ. انتهى.
والحديث صحيح، تفرّد به المصنف رحمه الله تعالى بهذا السياق، أخرجه هنا-٢٨/
٤٣٢٨- و((الضحايا)) ٤٤٤٠/٤١- وفي ((الكبرى)) ٤٨٣٨ و((الضحايا)) ٤٥٢٧/٤٢.
وأخرجه أحمد في ٤/ ١٩٤ .
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه بقيّة، وقد عنعنه، وهو معروف بالتدليس عن
الضعفاء؟ .
[قلت] : إنما صحّ لشواهده، فإنه روي عن جمع من الصحابة، منهم: أبو الدرداء،
وابن عبّاس، وجابر، والعرباض بن سارية، وأبو هريرة، وسمُرة رضي الله تعالى
عنهم.
فأما حديث أبي الدرداء، فأخرجه الترمذيّ من طريق أبي أيوب الإفريقيّ، عن
صفوان بن سُليم، عن ابن المسيّب، عنه، بلفظ: ((نهى عن أكل المجثّمة، وهي التي
تُصبر بالنبل)). قال الترمذيّ: حديث غريب، وفيه الإفريقيّ المذكور، قال عنه الحافظ :
صدوقٌ يُخطىء، وحسّنه الشيخ الألبانيّ بشواهده.
وأما حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فأخرجه أحمد، وأبو داود،

٢٩- (الإِذْنُ فِي أَكْل لُحُومِ الْخَيْل) - حديث رقم ٤٣٢٩
٢١١ ===
والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، واللفظ لأحمد: ((نهى رسول الله صلّى الله تعالى عليه
وسلم عن لبن الجلالة، وعن أكل المجثّمة، وعن الشرب من في السقاء)). وهو على
شرط البخاريّ، وصححه الترمذيّ، والحاكم.
وأما حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه، فأخرجه أحمد ٣٢٣/٣ مطوّلًا بسند على
شرط مسلم، وفيه: ((وحَرَّم المجثّمة)).
وأما حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، فمثل حديث جابر، أخرجه
أحمد ٤/ ١٢٧، ورجاله ثقات، غير أم حبيبة بنت العرباض، وهي مقبولة.
وأمّا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فمثل حديث جابر أيضًا، وأخرجه
أحمد٣٦٦/٢، بإسناد حسن.
وأما حديث سمرة رضي الله تعالى عنه، فأخرجه العقيليّ في ((الضعفاء))، من طريق
الحسن، عنه، بلفظ: ((نهى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أن تُصبر البهيمة، وأن
يؤكل لحمها إذا صُبِرت)).
قال العقيليّ: جاء في النهي عن صبر البهيمة أحاديث جياد، وأما النهي عن أكلها،
فلا يُعرف إلا في هذا. انتهى. وتعقّبه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وأجاد في ذلك،
فقال: كذا قال، ويردّه حديث الترجمة -يعني حديث أبي الدرداء المتقدّم: نهى عن أكل
المجثّمة))- وحديث ابن عبّاس -يعني المتقدّم أيضًا: ((نهى رسول الله صلّى اللَّه تعالى
عليه وسلم عن لبن الجلّالة، وعن أكل المجثمة ... )). ولقد أجاد الشيخ الألباني رحمه
الله تعالى في تخريج هذه الأحاديث في ((السلسلة الصحيحة)ج٥/ ص٥٠٨-٥١١ رقم
الحديث ٢٣٩١، فراجعها تستفد.
والحاصل أن حديث أبي ثعلبة الْخُشَنيّ رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٩- (الإِذْنُ فِي أَكْلٍ لُحُومِ الْخَيْلِ)
٤٣٢٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ عَمْرٍو -وَهُوَ ابْنُ
دِينَارٍ - عَن مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ جَابِرٍ، قَالَ: ((نََّى، وَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ خَيْبَرَ،
عَنِ لُحُومِ الْحُمُرٍ، وَأَذِنَ فِي الْخَيْلِ))).

٢١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١ .
٢- (أحمد بن عبدة) الضبّيّ البصريّ، ثقة رُمي بالنصب [١٠] ٣/٣.
٣- (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت [٨] ٣/٣.
٤- (عمرو بن دينار) الأثرم الْجُمَّحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤]
١٥٤/١١٢.
٥- (محمد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر المعروف بالباقر
المدني، ثقة فاضل [٤] ١٢٣/ ١٨٢.
٦- (جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنه المذكور قبل باب. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي
اللَّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، كما تقدّم بيانه قبل باب. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: كَذَا أَدْخَلَ حَمَّد بْن زَيْد بَيْنِ عَمْرو بْن دِینَار،
وَبَيْنِ جَابِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيَ، وَلَمَّا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ قَالَ: لا أَعْلَم أَحَدًا
وَافَقَ حَمَّادًا عَلَى ذَلِكَ(١)، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، وَأَخْرَجَهُ هُوَ، وَالتِّرْمِذِيّ
مِنْ رِوَايَةٍ سُفْيَانِ بْن عُنِيْنَةً، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ، لَيْسَ فِيهِ مُحَمَّد بْن
عَلِيّ، وَمَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضًا إِلَى تَرْجِيح رِوَايَة ابْن عُيَيْنَةً، وَقَالَ: سَمِعْت مُحَمَّدًا، يَقُول
ابْنِ عُيَيْنَةَ أَحْفَظ مِنْ حَمَّاد.
قال الحافظ: لَكِنْ اقْتَصَرَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم، عَلَى تَخْرِيجِ طَرِيقِ حَمَّاد بْن زَيْد، وَقَدْ
وَافَقَهُ ابْنِ جُرَيْج، عَن عَمْرو، عَلَى إِذْخَالِ الْوَاسِطَةِ بَيْنِ عَمْرو وَجَابِرٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِهِ،
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدِّ، مِنْ طَرِيق ابْن جُرَيْج، وَلَهُ طَرِيق أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ، أَخْرَجَهَا مُسْلِمٍ، مِنْ
طَرِيقِ ابْن جُرَيْجٍ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٌ حَمَّد، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق حُسَيْن بْنِ وَاقِد، كُلّهِمْ
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْهُ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، صَحِيحًا عَنِ عَطَاءَ، عَن جَابِرِ أَيْضًا، وَأَغْرَبَ
الْبَيْهَقِيُّ، فَجَزّمَ بِأَنَّ عَمْرو بْنِ دِينَار، لَمْ يَسْمَعَهُ مِنْ جَابِرٍ، وَاِسْتَغْرَبَ بَعْض الْفُقَّهَاءِ دَغْوَى
التّزْمِذِيّ، أَنَّ رِوَايَةِ ابْن ◌ُنَيْنَةَ أَصَحْ، مَعَ إِشَارَة الْبَيْهَقِيّ إِلَى أَنَّا مُنْقَطِعَة، وَهُوَ ذُهُول، فَإِنَّ
كُلام التّزْمِذِيّ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ صَحَّ عِنْده اتْصَالِه، وَلا يَلْزَم مِنْ دَعْوَى الْبَيْهَِيِّ انْقِطَاعه،
(١) لم أر هذا الكلام للمصنّف، فليُنظر.

٢١٣ ==
٢٩- (الإِذْنُ فِي أَكْل لُحُومِ الْخَيْل) - حديث رقم ٤٣٢٩
كَوْن التِّزْمِذِيّ يَقُول بِذَلِكَ، وَالْحَقّ أَنَّهُ إِنْ وُجِدَتْ رِوَايَةٍ فِيهَا تَصْرِيحِ عَمْرو بِالسَّمَاعِ، مِنْ
جَابِرٍ، فَتَكُون رِوَايَة حَمَّاد، مِنْ الْمَزِيد فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ، وَإِلا فَرِوَايَةِ حَمَّادِ بْنَ زَيْد،
هِيَ الْمُتَّصِلَة، وَعَلَى تَقْدِير وُجُود التَّعَارُض مِنْ كُلّ جِهَة، فَلِلْحَدِيثِ طُرُق أُخْرَى عَن
جَابِر، غَيْرِ هَذِهِ، فَهُوَ صَحِيحٍ عَلَى كُلّ حَال. انتهى (١). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: (نََّى، وَذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ)
ولفظ ((الكبرى)): ((وذكر النبيّ)) (مَ(*) يعني أن جابرا رضي الله تعالى عنه قال ((نهى يوم
خيبر الخ))، وأسند النهي إلى رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، والظاهر أن
الرواي نسي لفظ جابر في ذكره فاعل ((نهى))، كيف هو؟، هل هو نهى رسول اللَّه، أو
نهى النبيّ، أو نحو ذلك، ولكنه تأكد أنه رفع الحديث إلى النبيّ صلّى الله تعالى عليه
وسلم، فبيّن ذلك. والله تعالى أعلم. وقد أخرج البخاريّ الحديث عن سليمان بن
حرب، عن حمّاد بن زيد، بسند المصنّف، بلفظ: ((نهى رسول الله صلّى اللّه تعالى
عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة، ورخّص في الخيل)) (يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم
وقعة خيبر (عَنْ لُحُومِ الْحُمُرٍ) أي عن أكلها، والمراد الحمر الأهلية، كما هو مقيّد في
رواية البخاريّ المذكّورة: ((نهى النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم عن لحوم الحمر
الأهليّة)) (وَأَذِنَ) بكسر الذال المعجمة، من باب علم، ولفظ البخاريّ: ((رخّص))، وفي
حديث ابن عبّاس عند الدارقطنيّ: ((أمر)) (فِي الْخَيْلِ) أي في أكل لحمها، وفي الرواية
التالية من طريق ابن أبي نَجِيح، عن عطاء: ((أطعمنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه
وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر)). ومن طريق عبد الكريم، عن عطاء: ((كنّا
نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم)). وبهذا قال
الجمهور، وهو الحقّ، وخالف أبو حنيفة، فقال بكراهة أكلها، وسيأتي تحقيق الخلاف
في ذلك قريبًا. إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٣٢٩/٢٩ و٤٣٣٠ و٤٣٣١ و٤٣٣٢ و٤٣٤٥/٣٢- وفي ((الكبرى))
(١) راجع ((الفتح)) ٨٢/١١. ((كتاب الذبائح)) رقم ٥٥٢٠.

٢١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
٤٨٣٩/٣١ و٤٨٤٠ و٤٨٤١ و٤٨٤٢ و٤٨٥٥/٣٥. وأخرجه (خ) في ((المغازي))
٤٢١٩ و((الذبائح)) ٥٥٢٠ و٥٥٢٤ (م) في ((الصيد)) ٣٥٩٥ و٣٥٩٦ (د) في ((الأطعمة))
٣٧٨٨ و٣٧٨٩ و٣٨٠٨ (ت) في ((الأطعمة)) ١٧٩٣ (أحمد) في باقي مسند المكثرين))
١٤٠٤١ و١٤٤٢٦ و١٤٤٧٤ و١٤٤٨٦ و١٤٧١٥ (الدارمي) في ((الأضاحي)) ١٩٩٣.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل لحوم الخيل:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وتُباح لحوم الخيل كلّها، عِرابها، وبَرَاذينها،
نص عليه أحمد، وبه قال ابن سيرين، وروي ذلك عن ابن الزبير، والحسن، وعطاء،
والأسود بن يزيد، وبه قال حمّاد بن زيد، والليث، وابن المبارك، والشافعيّ، وأبو
ثور. قال سعيد بن جُبير: ما أكلت شيئًا أطيب من معرفة (١) بِزْذون. وحرّمها أبو حنيفة،
وكرهها مالك، والأوزاعيّ، وأبو عُبيد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَاَلْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ
لِّكَبُوهَا﴾ الآية [النحل: ٨]. ولحديث خالد بن الوليد الآتي في الباب التالي. واحتجّ
الجمهور بحديث جابر رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب، وحديث أسماء رضي
اللَّه تعالى عنها الآتي في - ٤٤٠٨/٢٣ -: ((نحرنا فرسًا على عهد رسول اللَّهِ صلّى اللَّه
تعالى عليه وسلم، فأكلناه، ونحن بالمدينة)). متّفقٌ عليهما. ولأنه حيّوانٌ طاهرٌ
مستطابٌ، ليس بذي ناب، ولا مِخْلب، فيحلّ، كبهيمة الأنعام؛ ولأنه داخل في عموم
الآيات والأخبار المبيحة. وأما الآية، فإنما يتعلّقون بدليل خطابها، وهم لا يقولون به.
وحديث خالد لیس له إسناد جيد، قاله أحمد، قال: وفيه رجلان لا يُعرفان، يرويه
ثورٌ، عن رجل ليس بمعروف، وقال: لا نَدَعُ أحاديثنا لمثل هذا المنكر. انتهى كلام ابن
قدامة بنوع من التصرّف(٢).
وقال في ((الفتح)): قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةٍ إِلَى كَرَاهَة أَكْلِ الْخَيْلِ، وَخَالَفَهُ
صَاحِبَاهُ، وَغَيْرِهِمَا، وَاحْتَجُوا بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي حِلْهَا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ
طَرِيقِ النَّظَرِ، لَمَا كَانَ بَيْنِ الْخَيْلِ وَالْحُمُر الْأَهْلِيَّةِ فَرْق، وَلَكِن الْآثَارُ إِذَا صَحَّتْ عَن
رَسُول اللَّهِوَ سَ، أَوْلَى أَنْ يُقَال بِهَا، مِمَّا يُوجِبهُ النَّظَرِ، وَلا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ جَابِرِ، أَنَّهُ وَه
أَبَاحَ لَهُمْ لُحُومِ الْخَيْلِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي مَنَعَهُمْ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى
اخْتِلَاف حُكْمهمًا .
قال الحافظ: وَقَدْ نَقَلَ الْحِلِّ بَعْضُ التَّابِعِينَ عَنِ الصَّحَابَةِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاء أَحَدٍ،
(١) ((المعرفة)): موضع العرف من الخيل.
(٢) («المغني)) ٣٢٤/١٣-٣٢٥.

٢٩ - (الإِذْنُ فِي أَكْل لُحُومِ الْخَيْل) - حديث رقم ٤٣٢٩
٢١٥
فَأَخْرَجَ ابْنِ أَبِي شَيْبَة، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، عَن عَطَاءَ، قَالَ: ((لَمْ يَزَلْ
سَلَفْكِ يَأْكُلُونَهُ، قَالَ ابْنَ جُرَيْج: قُلْت لَهُ: أَضْحَابِ رَسُول اللَّهِ وََّ؟، فَقَالَ: نَعَمْ)). وَأَمَّا
مَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس مِنْ كَرَاهَتِهَا، فَأَخْرَجَهُ ابْنِ أَبِي شَيْبَة، وَعَبْدِ الرَّزَّاق،
بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنٍ، وَيَدُلَ عَلَى ضَعْفِ ذَلِكَ عَنْهُ، مَا روي عنه صَحِيحًا عَنْهُ، أَنَّهُ اسْتَدَلَّ
لإِبَاحَةِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾، فَإِنَّ هَذَا إِنْ
صَلُحَ، مُسْتَمْسَكًا لِحِلُ الْحُمُر، صَلُحَ لِلْخَيْلِ، وَلَا فَرْق، وَروي عنه أَيْضًا أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي
سَبَبِ الْمَنْعِ، مِنْ أَكْلِ الْحُمُر، هَلْ كَانَ تَحَرِيمًا مُؤَيَّدًا، أَوْ بِسَبَبِ كَوْنَهَا كَانَتْ حَمُولَّة
النَّاس؟، وَهَذَا يَأْتِي مِثْلَه مِنْ الْخَيْلِ أَيْضًا، فَيَبْعُد أَنْ يَثْبُتَ عَنْهُ الْقَوْل بِتَحْرِيمِ الْخَيْل،
وَالْقَوْلِ بِالتَّوَقُّفِ فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، بَلْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيّ، عَنِ أَبْنِ عَبَّاسِ
مَرْفُوعًا، مِثْل حَدِيث جَابِرٍ، وَلَفْظه: ((نَّى رَسُول ◌ََّ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةَ، وَأَمَرَ
◌ِلُحُومِ الْخَيْلِ))، وَصَحَّ الْقَوْل بِالْكَرَاهَةِ، عَنِ الْحَكَمِ بْن عُيَيْنَةَ، وَمَالِك وَبَعْض الْحَنَّفِيَّة،
وَعَن بَعْض الْمَالِكِيَّة، وَالْحَنَّفِيَّةِ الثَّخْرِيمِ. وَقَالَ الْفَاكِهِيّ: الْمَشْهُورِ عِنْدِ الْمَالِكِيَّة
الْكَرَاهَة، وَالصَّحِيحِ عِنْد الْمُحَقّقِينَ مِنْهُمْ النَّخْرِيمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة فِي «الْجَامِعِ
الصَّغِير)): أَكْرَه لَحْمَ الْخَيْلِ، فَحَمَلَهُ أَبُو بَكْرِ الرَّازِيّ عَلَى النَّْزِيهِ، وَقَّالَ: لَمْ يُطْلِقِ أَبُو
حَنِيفَة فِيهِ التَّحْرِيمِ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِه كَالْحِمَارِ الأَهْلِيّ، وَصَحَّحَ عَنْهُ أَصْحَابِ ((الْمُحِيطِ))،
و((الْهِدَايَة))، و(الذَّخِيرَة)) التَّخْرِيم، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِهِمْ، وَعَنْ بَعْضهمْ يَأْثَم آكِله، وَلا
يُسَمَّى حَرَامًا. وَرَوَى ابْنِ الْقَاسِم، وَابْن وَهْبٍ، عَن مَالِكِ، الْمَنْعِ، وَأَنَّهُ احْتَجَّ بِالْآيَةِ
الْآتِي ذَكَرَهَا، وَأَخْرَجَ مُحَمَّد بْن الْحَسَنِ فِي ((الْآثَار)) عَنْ أَبِي حَنِيفَة، بِسَنَدٍ لَهُ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاس، نَحْو ذَلِكَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي ((شَرْحِ مُسْلِم)): مَذْهَب مَالِك الْكَرَاهَة، وَاسْتَدَلَّ لَهُ
ابْنِ بَطَّل بِالْآيَةِ. وَقَالَ ابْنِ الْمُنَيِّر: الشَّبَه الْخِلْقِيّ بَيْنِهَا، وَبَيْنِ الْبِغَالِ وَالْحَمِير، مِمَّا يُؤَكِّد
الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ، فَمِنْ ذَلِكَ هَيْئَتَهَا، وَزُهُومَة لَحْمَهَا، وَغِلَظُهُ، وَصِفَة أَزْوَائِهَا، وَأَنَّا لا
تَجْتَرْ، قَالَ: وَإِذَا تَأَكَّدَ الشَّبَهُ الْخِلْقِيّ، الْتَحَقَ بِنَفْيِ الْفَارِقَ، وَبَعُدَ الشَّبَهُ بِالْأَنْعَامِ الْمُتَّفَق
عَلَى أَكْلهَا. انتهى .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الطَّحَاوِيّ، مَا يُؤْخَذْ مِنْهُ الْجَوَابِ عَنْ هَذَا. وَقَالَ الشَّيْخِ أَبُو مُحَمَّد
ابْن أَبِي جَمْرَة: الدَّلِيلَ فِي الْجَوَازِ مُطْلَقًا وَاضِحٍ، لَكِنْ سَبَب كَرَاهَة مَالِك ◌ِأَكْلِهَا؛ لِكَوْنها
تُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي الْجِهَادِ، فَلَوْ انْتَفَتِ الْكَرَاهَة؛ لَكَثُرَ اسْتِعْمَالِه، وَلَوْ كَثُرَ لأَذَّى إِلَى قَتْلَهَا،
فَيُفْضِي إِلَى فَنَائِهَا، فَقُول إِلَى النَّقْصِ مِنْ إِرْهَابِ الْعَدُوّ، الَّذِي وَقَعَ الأَمْرِ بِهِ فِي قَوْله
تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فَعَلَى هَذَا فَالْكَرَاهَة؛ لِسَبَبِ خَارِجٍ، وَلَيْسَ الْبَحْثِ فِيهِ، فَإِنَّ الْحَيَوَان الْمُنَّفَقَ عَلَى

٢١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
إِبَاحَته، لَوْ حَدَثَ أَمْرِ، يَقْتَضِي أَنْ لَوْ ذُبِحَ لِأَفْضَى إِلَى ارتِكَاب مَحْذُور لامْتَنَعَ، وَلا يَلْزَم
مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِهِ، وَكَذَا قَوْله: إِنَّ وُقُوعِ أَكْلِهَا فِي الزَّمَنِ النََّوِيّ، كَانَ نَادِرًا، فَإِذَا
قِيلَ بِالْكَرَاهَةِ، قَلَّ اسْتِعْمَاله، فَيُوَافِقِ مَا وَقَعَ قَبْلُ. انْتَهَى.
وَهَذَا لا يَنْهَضِ دَلِيلًا لِلْكَرَاهَةِ، بَلْ غَايَتِه أَنْ يَكُونُ خِلاف الأَوْلَى، وَلا يَلْزَم مِنْ كَوْن
أَصْلِ الْحَيَّوَان حَلَّ أَكْله، فَنَاؤُهُ بِالأَكْلِ. وَأَمَّا قَوْلِ بَعْض الْمَانِعِينَ: لَوْ كَانَتْ حَلَالا
لَجَازَتِ الْأُضْحِيَّة بِهَا، فَمُنْتَقَض بِحَيَوَانِ اَلْبَرَ، فَإِنْهُ مَأْكُول، وَلَمْ تُشْرَع الأُضْحِيَّة بِهِ، وَلَعَلَّ
السَّبَب فِي كَوْن الْخَيْلِ لا تُشْرَعِ الْأُضْحِيَّةِ بِهَا، اسْتِبْقَاؤُهَا؛ لأَنَّةً لَوْ شُرِعَ فِيهَا جَمِيع مَا جَازَ
فِي غَيْرِهَا، لَفَاتَتِ الْمَنْفَعَة بِهَا فِي أَهَمّ الأَشْيَاءِ مِنْهَا، وَهُوَ الْجِهَادِ. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيّ، وَأَبُو
بَكْرِ الرَّازِيّ، وَأَبُو مُحَمَّد بْنْ حَزْم، مِنْ طَرِيق ◌ِكْرِمَة بْن عَمَّار، عَن يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير،
عَنْ أَبِي سَلَمَة، عَن جَابِرٍ، قَالَ: ((تَّى رَسُول اللَّهِ وََّ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُر، وَالْخَيْل،
وَالْبِغَال))، قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَأَهْلِ الْحَدِيثِ يُضَعِفُونَ عِكْرِمَة بْن عَمَّار.
قال الحافظ: لا سِيَّمَا فِي يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِير، فَإِنَّ عِكْرِمَة، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي
تَوْثِيقه، فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٍ، لَكِنْ إِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتْه عَن يَخْيَى بْن أَبِي كَثِير،
وَقَدْ قَالَ يَخْيَى بْنِ سَعِيد الْقَطَّانُ: أَحَادِيثه عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِير ضَعِيفَة. وَقَالَ الْبُخَارِيّ:
حَدِيثه عَن يَحْيَى مُضْطَرِب. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس، إِلا فِي يَحْيَى. وَقَالَ أَحْمَد:
حَدِيثِه عَنِ غَيْرِ إِيَاس بْنَ سَلَمَةٍ مُضْطَرِب، وَهَذَا أَشَدّ مِمَّا قَبْله، وَدَخَلَ فِي عُمُومه يَحْيِى
ابْن أَبِي كَثِير أَيْضًا، وَعَلَى تَقْدِير صِحَّة هَذِهِ الطَّرِيق، فَقَدْ اخْتُلِفَ عَنِ عِكْرِمَة فِيهَا، فَإِنَّ
الْحَدِيثِ عِنْد أَحْمَد، وَالتِّرْمِذِيّ، مِنْ طَرِيقه، لَيْسَ فِيهِ لِلْخَيْلِ ذِكْرِ، وَعَلَى تَقْدِير أَنْ يَكُون
الَّذِي زَادَهُ حَفِظَهُ، فَالرِّوَايَات الْمُتَنَوِّعَة عَنِ جَابِرِ، الْمُفَصِّلَة بَيَّنْ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَالْحُمُر فِي
الْحُكْمِ أَظْهَر اتْصَالًا، وَأَنْقَنْ رِجَالا، وَأَكْثَرِ عَدَدًا.
وَأَعَلَّ بَعْض الْحَنَفِيَّةِ حَدِيثِ جَابِرٍ، بِمَا نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقِ، أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ خَيْبَر،
وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ؛ لأَنَّ غَايَتِهِ أَنْ يَكُونُ مُزْسَل صَحَابِيّ.
وَمِنْ حُجَجِ مَنْ مَنَعَ أَكْلِ الْخَيْلِ: حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمُخَرَّجِ فِي ((السُّنَن)): ((أَنَّ
النَّبِيِّ وَّةِ، نَّى يَوْمِ خَيْبَرَ، عَنْ لُحُومِ الْخَيْل)).
وَتُعُقْبَ بِأَنَّهُ شَاذْ مُنْكَرٍ؛ لأَنَّ فِي سِيَاقِهِ أَنَّهُ شَهِدَ خَيْيَرِ، وَهُوَ خَطَأْ، فَإِنَّةً لَمْ يُسْلِمِ إِلا
بَعْدهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَالَّذِي جَزَمَ بِهِ الأَكْثَرِ أَنَّ إِسْلَامِهِ، كَانَ سَنَة الْفَتْحِ، وَالْعُمْدَة فِي
ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ مُصْعَب الزُّبَيْرِيّ، وَهُوَ أَعْلَم النَّاسِ بِقُرَيْشٍ، قَالَ: ((كَتَبَ الْوَلِيد بْن
الْوَلِيدِ، إِلَى خَالِد حِين فَرَّ مِنْ مَكَّة، فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّة، حَتَّى لا يَرَى النَّبِيِّ نَّهِ بِمَكّة،
فَذَكَرَ الْقِصَّةِ فِي سَبَب إِسْلامِ خَالِد، وَكَانَتْ عُمْرَة الْقَضِيَّةِ، بَعْد خَيْبَرِ جَزْمًا.

٢١٧
٢٩- (الإِذْنُ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْل) - حديث رقم ٤٣٢٩
وَأُعِلِّ أَيْضًا بِأَنَّ فِي السَّنَدِ رَاوِيّا مَجْهُولًا، لَكِنْ قَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْن
أَبِي كَثِير، عَن رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ حِمْص، قَالَ: كُنَّا مَعَ خَالِد، فَذَكَرَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ وَ لَ حَرَّمَ
لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّة، وَخَيْلِهَا، وَبِغَالِهَا، وَأُعِلَّ بِتَدْلِيسِ يَحْيَى، وَإِنَّامِ الرَّجُلِ، وَاذَّعَى
أَبُو دَاوُدَ، أَنَّ حَدِيث خَالِد بْنِ الْوَلِيد مَنْسُوخٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نَاسِخِهِ، وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ:
الأَحَادِيثِ فِي الإِبَاحَة أَصَحّ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ كَانَ مَنْسُوخَا، وَكَأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ عِنْده
الْخَبَرَانِ، وَرَأَى فِي حَدِيثِ خَالِد ((تَّى))، وَفِي حَدِيث جَابِرِ ((أَذِنَ))، حَمَلَ الإِذْن عَلَى
نَسْخِ التَّحْرِيمِ، وَفِيهِ نَظَر؛ لِأَنَةً لا يَلْزَم مِنْ كَوْنَ النَّهْيِ سَابِقًا عَلَى الْإِذْنِ، أَنْ يَكُون إِسْلام
خَالِدَ سَابِقًا عَلَى فَتْحِ خَيْبَر، وَالأَكْثَرِ عَلَى خِلَافِه، وَالنَّسْخِ لا يَثْبُت بِالاخْتِمَالِ. وَقَدْ قَرَّرَ
الْحَازِمِيّ النَّسْخِ، بَعْد أَنْ ذَكَرَ حَدِيث خَالِد، وَقَالَ: هُوَ شَامِيَ الْمَخْرَج، جَاءَ مِنْ غَيْرِ
وَجْهِ، بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيث جَابِرٍ مِنْ ((رَخْصَ))، و ((أَذِنَ))؛ لأَنّةً مِنْ ذَلِكَ يَظْهَرِ أَنَّ الْمَنْعِ
كَانَ سَابِقًا، وَالإِذْن مُتَأَخْرًا، فَيَتَعَيَّنْ الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، قَالَ: وَلَوْ لَمْ تَرِدِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، لَكَانَتْ
دَعْوَى النَّسْخِ مَرْدُودَة؛ لِعَدَمِ مَغْرِفَة التَّارِيخ. انتهى.
قال الحافظ: وَلَيْسَ فِي لَفْظ ((رَخَّصَ))، و((أَذِنَ)) مَا يَتَعَيَّنْ مَعَهُ الْمَصِيرِ إِلَى النَّسْخِ، بَلْ
الَّذِي يَظْهَرِ أَنَّ الْحُكْم فِي الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، كَانَ عَلَى الْبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّة، فَلَمَّا
نَّهَاهُمْ الشَّارِعِ يَوْمِ خَيْبَر عَنِ الْحُمُر، وَالْبِغَالِ، خُشِيَ أَنْ يَظُنُوا أَنَّ الْخَيْلِ كَذَلِكَ؛ لِشَبَهِهَا
بِهَا، فَأَذِنَ فِي أَكَلَهَا، دُون الْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ، وَالرَّاجِحِ أَنَّ الأَشْيَاء قَبْل بَيَان حُكْمَهَا فِي
الشَّرْعِ، لا تُوصَفِ لا بِحِلٌّ، وَلا حُزْمَة، فَلا يَثْبُت النَّسْخِ فِي هَذَا.
وَنَقَلَ الْحَازِمِيّ أَيْضًا، تَقْرِيرِ النَّسْخِ بِطَرِيقٍ أُخْرَى، فَقَّالَ: إِنَّ النَّهِي عَنْ أَكْلِ الْخَيْلِ
وَالْحَمِيرِ، كَانَ عَامًّا مِنْ أَجْلَ أَخْذِهمْ لَهَا، قَبْلِ الْقِسْمَة وَالتَّخْمِيسِ، وَلِذَلِكَ أَمَّرَ بِإِكْفَاءِ
الْقُدُور، ثُمَّ بَيَّنَ بِنِدَائِهِ بِأَنَّ لُحُومِ الْحُمُر رِجْس، أَنَّ تَحَرِيمِهَا لِذَاتَها، وَأَنَّ النَّهي عَن الْخَيْلِ
إِنَّمَا كَانَ بِسَبَبٍ تَرْكَ الْقِسْمَةِ خَاصَّة.
وَيَعْكُر عَلَيْهِ أَنَّ الأَمْرِ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ، إِنَّمَا كَانَ بِطَبْخِهِمْ فِيهَا الْحُمُرِ، كَمَا هُوَ مُصَرَّح بِهِ
فِي الصَّحِيحِ، لا الْخَيْلِ، فَلا يَتِمّ مُرَادِه.
وَالْحَقّ أَنَّ حَدِيثِ خَالِد، وَلَوْ سَلِمَ أَنَّهُ ثَابِت، لا يَنْهَض مُعَارِضًا، لِحَدِيثِ جَابِرِ الدَّالَ
عَلَى الْجَوَازِ، وَقَدْ وَافَقَهُ حَدِيث أَسْمَاءِ.
وَقَدْ ضَعَّفَ حَدِيث خَالِدٍ أَحْمَد، وَالْبُخَارِيّ، وَمُوسَى بْنِ هَارُون، وَالدَّارَقُطْنِيّ،
وَالْخَطَّابِيّ، وَابْنِ عَبْد الْبَرّ، وَعَبْد الْحَقّ، وَآخَرُونَ. وَجَمَعَ بَعْضِهِمْ بَيْن حَدِيثِ جَابِر،
وَخَالِد بِأَنَّ حَدِيثِ جَابِرِ دَالٌ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْجُمْلَةِ، وَحَدِيث خَالِدِ دَالٌ عَلَى الْمَنْعِ فِي
حَالَةِ دُونٍ حَالَة؛ لأَنَّ الْخَيْلِ فِي خَيْبَرَ، كَانَتْ عَزِيزَة، وَكَانُوا مُخْتَاجِينَ إِلَيْهَا لِلْجِهَادِ، فَلا

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
يُعَارِضِ النَّهي الْمَذْكُورِ، وَلا يَلْزَم وَصْف أَكْلِ الْخَيْلِ بِالْكَرَاهَةِ الْمُطْلَقَّةِ، فَضْلًا عَن
التَّخريم .
وَقَدْ وَقَعَ عِنْدِ الدَّارَ قُطْنِيِّ، فِي حَدِيثِ أَسْمَاءِ: (كَانَتْ لَنَا فَرَس، عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه
وَلِّ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَمُوت، فَذَبَحْنَاهَا، فَأَكَلْنَاهَا)).
وَأَجَابَ عَنِ حَدِيث أَسْمَاء بِأَنَّهَا وَاقِعَةٍ عَيْنِ، فَلَعَلَّ تِلْكَ الْفَرَس، كَانَتْ كَبِرَتْ بِحَيْثُ
صَارَتْ، لا يُنْتَفَعِ بِهَا فِي الْجِهَادِ، فَيَكُونُ النَّهِي عَنِ الْخَيْلِ، لِمَعْنَى خَارِج، لا لِذَّاتِها،
وَهُوَ جْعِ جَيِّدٍ. وَزَعَمَ بَعْضِهِمْ أَنَّ حَدِيث جَابِرٍ، فِي الْبَابِ دَالْ عَلَى التَّخْرِيمِ؛ لِقَوْلِهِ:
((رَخَّصَ))؛ لأَنَّ الرَّخْصَةِ اسْتِبَاحَة الْمَحظور مَعَ قِيَام الْمَانِعِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ
فِيهَا، بِسَبَبِ الْمَخْمَصَة الَّتِي أَصَابَتْهُمْ بِخَيْبَرِ، فَلا يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى الْحِلّ الْمُطْلَقِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَكْثَرِ الرِّوَايَات، جَاءَ بِلَفْظِ الإِذْن، وَبَعْضِهَا بِالأَمْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد
بِقَوْلِهِ: ((رَخَّصَ)) أَذِنَ، لا خُصُوص الرُّخْصَة بِاضْطِلَاحِ مَنْ تَأَخَّرَ، عَنِ عَهْد الصَّحَابَة .
وَنُوقِضَ أَيْضًا بِأَنَّ الإذْنِ فِي أَكْلِ الْخَيْلِ، لَوْ كَانَ رُخّصَة؛ لأَجْلِ الْمَخْمَصَةِ، لَكَانَتْ
الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِكَثْرَتِهَا، وَعِزَّة الْخَيْلِ حِينَئِذٍ، وَلأَنَّ الْخَيْلِ يُنْتَفَعِ بِهَا فِيمَا
يُنْتَفَعِ بِالْحَمِيرِ، مِنْ الْحَمْلِ وَغَيْرِهِ، وَالْحَمِيرِ لا يُنْتَفَعِ بَهَا فِيمَا يُنْتَفَعِ بِالْخَيْلِ، مِنْ الْقِتَال
عَلَيْهَا، وَالْوَاقِعِ أَنَّهُ وَّرِ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْقُدُور، الَّتِي طُبِخَتَْ فِيهَا الْحُمُرِ، مَعَ مَا كَانَ بِهِمْ مِنْ
الْحَاجَة، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الإذْن فِي أَكْلِ الْخَيْلِ، إِنَّمَا كَانَ لِلإِبَاحَةِ الْعَامَّة، لا
لِخُصُوصِ الضَّرُورَة.
وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس، وَمَالِك، وَغَيْرِهمَا، مِنْ الاخْتِجَاجِ لِلْمَنْعِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَالْخَيَّلَ وَأَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِنَّكَبُهَا وَزِينَةٌ﴾ الآية [النحل: ٨]، فَقَدْ تَمَسَّكَ بَهَا أَكْثَرُ
الْقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ، وَقَرَّرُوا ذَلِكَ بِأَوْجُهِ: [أَحَدهَا]: أَنَّ اللام لِلتَّعْلِيلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّا لَمْ
تُخْلَق ◌ِغَيْرِ ذَلِكَ، لأَنَّ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَة، تُفِيد الْحَصْرِ، فَإِبَاحَة أَكْلِهَا تَّقْتَضِي خِلاف ظَاهِرٍ
الْآيَة. [ثَانِيهَا]: عَطْف الْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاكِهَا مَعَهَا فِي حُكْمِ التَّخْرِیم،
فَيَحْتَاجُ مَنْ أَفْرَدَ حُكْمِهَا عَنْ حُكْم مَا عُطِفَتْ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيل. [ثَالِثِهَا]: أَنَّ الآيَةِ سِيقَتْ
مَسَاق الامْتِنَانِ، فَلَوْ كَانَتْ يُنْتَفَعِ بِهَا فِي الأَكْلِ، لَكَانَ الامْتِنَانِ بِهِ أَعْظَم؛ لأَنَّهُ يَتَعَلَّق بِهِ
بَقَاء الْبِنْيَةِ، بِغَيْرِ وَاسِطَة، وَالْحَكِيمَ لا يَمْتَنْ بِأَذْنَى النُّعَم، وَيَتْرُكُ أَعْلَاهَا، وَلا سِيَّمَا وَقَدْ
وَقَعَ الامْتِنَانِ بِالْأَكْلِ فِي الْمَذْكُورَاتِ قَبْلَهَا. [رَابِعِهَا]: لَوْ أَبِيحَ أَكْلِهَا، لَفَاتَتِ الْمَنْفَعَة
بِهَا، فِيمَا وَقَعَ بِهِ الامْتِنَان، مِنْ الرُّكُوبِ، وَالزّينَة. هَذَا مُلَخَّص مَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ هَذِهِ
الْآيَة .
وَالْجَوَابِ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَال، أَنَّ آيَة النَّحْلِ مَكْيَّة اتّفَاقًا، وَالإِذْن فِي أَكْلِ الْخَيْلِ،

٢١٩ =
٢٩- (الإِذْنُ فِي أَكْل لُحُومِ الْخَيْل) - حديث رقم ٤٣٣٠
كَانَ بَعْد الْهِجْرَة مِنْ مَكّة، بِأَكْثَر مِنْ سِتّ سِنِينَ، فَلَوْ فَهِمَ النَّبِيّ وََّ مِنْ الْآيَةِ الْمَنْعِ، لَمَا
أَذِنَ فِي الأَكْلِ. وَأَيْضًا فَآيَةِ النَّحْلِ لَيْسَتْ نَصَّا فِي مَنْعِ الْأَكْلِ، وَالْحَدِيثِ صَرِيحٍ فِي
جَوَازه. وَأَيْضًا عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّل، فَإِنَّمَا يَدُلّ مَا ذُكِرَ عَلَى تَرْكُ الأَكْلِ، وَالتَّرْكَ أَعَمّ مِنْ أَنْ
يَكُون لِلتَّحْرِيمِ، أَوْ لِلنَّْزِيهِ، أَوْ خِلَافِ الأَوْلَى، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ وَاحِدٍ مِنْهَا، بَقِيَ التَّمَسُّك
بِالأَدِلَّةِ الْمُصَرَّحَة بِالْجَوَازِ .
وَعَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ: أَمَّا أَوَّلًا، فَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ اللام لِلتَّعْلِيلِ، لَمْ نُسَلِّم إِفَادَة الْحَضْرِ
فِي الرُّكُوب، وَالزِّينَة، فَإِنَةً يُنْتَفَعِ بِالْخَيْلِ فِي غَيْرِهِمَا، وَفِي غَيْرَ الأَكْلِ اتّفَاقًا، وَإِنَّمَا ذُكِرَ
الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ؛ لِكَوْنِهِمَا أَغْلَبِ مَا تُطْلَب لَهُ الْخَيْلِ، وَنَظِيرِهِ حَدِيث الْبَقَرَةِ الْمَذْكُور فِي
(الصَّحِيحَيْنِ)) حِين خَاطَبَتْ رَاكِبِهَا، فَقَالَتْ: ((إِنَّا لَمْ نُخْلَق لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ))،
فَإِنْهُ مَعَ كَوْنَه أَصَرْحِ فِي الْحَصْرِ، لَمْ يُقْصَدِ بِهِ الأَغْلَبِ (١)، وَإِلا فَهِيَ تُؤْكَّل، وَيُنتَفَّع بِهَا
فِي أَشْيَاء، غَيْرِ الْحَرْثِ اتَّفَاقًا. وَأَيْضًا فَلَوْ سَلِمَ الاسْتِذْلال، لَلَزِمَ مَنْعُ حَمْلِ الأَثْقَال عَلَى
الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَلا قَائِل بِهِ .
وَأَمَّا ثَانِيًّا: فَدَلَالَةِ الْعَطْفِ إِنَّمَا هِيَ دَلَالَةَ اقْتِرَان، وَهِيَ ضَعِيفَة.
وَأَمَّا ثَالِثًا: فَالامْتِنَانِ، إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ غَالِبًا، مَا كَانَ يَقَع بِهِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْخَيْلِ، فَخُوطِبُوا
بِمَا أَلِفُوا، وَعَرَفُوا، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ أَكْلِ الْخَيْلِ؛ لِعِزَّتِهَا فِي بِلَادِهِمْ، بِخِلَافِ
الأَنْعَامِ، فَإِنَّ أَكْثَرِ انْتِفَاعِهِمْ بِهَا كَانَ لِحَمْلِ الأَنْقَالِ، وَلِلْأَكْلِ، فَاقْتُصِرَ فِي كُلّ مِنْ
الصُّنْفَيْنِ، عَلَى الامْتِنَان بِأَغْلَبِ مَا يُنْتَفَعِ بِهِ، فَلَوْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْحَصْرِ، فِي هَذَا الشّقّ،
لَلَزِمَ مِثْلُه فِي الشِّقَ الْآخَر.
وَأَمَّا رَابِعًا، فَلَوْ لَزِمَ مِنْ الإِذْنِ فِي أَكْلِهَا، أَنْ تَفْنَى لَلَزِمَ مِثْلُه فِي الْبَقَر وَغَيْرِهَا، مِمَّا
أُبِيحَ أَكْلِه، وَوَقَعَ الامْتِنَانِ بِمَنْفَعَةٍ لَهُ أُخْرَى. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى ما في ((الفتح)) (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا البحث الذي طوّل به الحافظ نفسه، بحث نفيسٌ
مهمّ جدّا.
والحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور، من حلّ أكل لحوم الخيل هو الحقّ؛ لوضوح
أدلّته، وصراحتها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
٤٣٣٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ عَمْرٍو، عَن جَابِرٍ، قَالَ: ((أَطْعَمَنَا
رَسُولُ اللَّهِ بَ، لُحُومَ الْخَيْلِ، وَنَّانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ))).
(١) هكذا نسخة ((الفتح))، والظاهر أن الصواب: ((إلا الأغلب)) بزيدة أداة الاستثناء، فليُتأمّل.
(٢) ((فتح)) ٨٢/١١-٨٦. ((كتاب الذبائح)) رقم الحديث ٥٥٢٠ .

=
٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ
((سفيان)): هو ابن عيينة، والباقون تقدّموا في الذي قبله.
وقوله: ((أطعمنا)): أي أباح، وأذن في أكلها لنا.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه فيما قبله، والسند من رباعيات المصنف، وهو
(٢٠٣) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٣١ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ -
وَهُوَ ابْنُ وَاقِدٍ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَن جَابِرِ، وَعَمْرِو بْنِ دِینَارٍ، عَن جَابِرٍ، و عَن ابْنِ أَبِي
نَجِيح، عَنِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ((أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللّهِ وَ، يَوْمَ خَيْبَرَ، لُحُومَ الْخَيْلِ،
وَنَّانَاً عَنِ لُحُومِ الْحُمُرِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((الحسين
بن حُريث)): هو أبو عمّار المروزيّ. و((الفضل بن موسى)): هو السِّينَانيّ المروزيّ.
و ((ابن أبي نجيح)): هو عبد الله بن يسار المكيّ. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح المكيّ.
وقوله: ((وعمرو بن دينار)) بالجرّ عطفًا على أبي الزبير، فالحسين بن واقد يروي عن
كلّ، من أبي الزبير، وعمرو بن دينار، كلاهما عن جابر رضي اللّه تعالى عنه.
وقوله: ((وعن ابن أبي نَجِيح)) عطف على أبي الزبير أيضًا، فالحسين أيضًا يروي هذا
الحديث عن ابن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر رضي اللّه تعالى عنه.
والحاصل أن الحسين بن حُريث يروي هذا الحديث عن ثلاثة من الشيوخ، اثنان
منهما يرويانه عن جابر، مباشرةً، وهما أبو الزبير، وعمرو بن دينار، وواحد يرويه عن
جابر بواسطة عطاء، وهو ابن أبي نجيح. وكان الأولى للمصنّف أن يجمع بين الأولين
بسياق واحد، فيقول: عن أبي الزبير، وعمر بن دينار، كلاهما عن جابر، فليُتأمّل.
والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٣٣٢ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو - قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْكَرِيمِ، عَن عَطَاءٍ، عَن جَابِرٍ، قَالَ: ((كُنَّا تَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
◌َلـ») .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة .
و ((عُبيد الله بن عمرو)): هو أبو وهب الجزريّ الرقّيّ. و((عبد الكريم)): هو ابن