Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٥- (مَا يُدْبَغُ بِهِ جُلُودُ الْمَيْنَةِ) - حديث رقم ٤٢٥١ = وقال ابن حبّان بعد أن أخرجها: هذه اللفظة أوهمت عالمًا من الناس أن هذا الخبر ليس بمتصل، وليس كذلك، بل عبد الله بن عُكيم شهِد كتاب رسول اللّه صلّى الله تعالى عليه وسلم حيث قُرىء عليهم في جهينة، وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك. وقال البيهقيّ، والخطّابيّ: هذا الخبر مرسل. وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه: ليست لعبد الله بن عُكيم صحبة، وإنما روايته كتابة. وأغرب الماورديّ، فزعم أنه نُقل عن عليّ بن المدينيّ أن رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم مات، ولعبد الله بن عُكيم سنة. وقال صاحب ((الإمام)): تضعيف من ضعّفه ليس من قبل الرجال، فإنهم كلّهم ثقات، وإنما ينبغي أن يُحمل الضعف على الاضطراب، كما نُقل عن أحمد، ومن الاضطراب فيه ما رواه ابن عديّ، والطبرانيّ، من حديث شبيب بن سعيد، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه، ولفظه: ((جاءنا كتاب رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ونحن بأرض جهينة، إني كنت رخّصت لكم في إهاب الميتة، وعصبها، فلا تنتفعوا بإهاب، ولا عصَب))، إسناده ثقات، وتابعه فَضالة بن المفضّل عند الطبرانيّ في ((الأسط)). ورواه أبو داود من حديث خالد، عن الحكم، عن عبد الرحمن أنه انطلق هو وأناس معه إلى عبد الله بن عُكيم، فدخلوا، وقعدتُ على الباب، فخرجوا إليّ، وأخبروني أن عبد الله بن عُكيم أخبرهم، فهذا يدلّ على أن عبد الرحمن ما سمعه من ابن عُكيم، لكن إن وُجد التصريح بسماع عبد الرحمن منه، حُمل على أنه سمعه منه بعد ذلك . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((عن الحكم، عن عبد الرحمن)) غلط غريبٌ من مثل الحافظ رحمه اللّه تعالى، فإن عبد الرحمن ليس له ذكر عند أبي داود في هذه الرواية، فقوله: ((أنه انطلق هو وأناس الخ)) يرجع إلى الحكم، فالحكم هو الذي قعد على الباب، ثم حدّثه الناس الذين دخلوا على ابن عُكيم، وقوله: ((فهذا يدلّ على أن عبد الرحمن ما سمعه الخ)) غلط مبني على الغلط الأول، وقد نبّه الشيخ الألباني رحمه اللَّه تعالى على هذا الغلط في ((إروائه))، فراجعه (١). قال: وفي الباب عن ابن عمر، رواه ابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ))، وفيه عديّ ابن الفضل، وهو ضعيف. وعن جابر، رواه ابن وهب في ((مسنده)) عن زمعة بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر، وزمعة ضعيف. ورواه أبو بكر الشافعيّ في ((فوائده)) من طريق أخرى، قال الشيخ الموفّق: إسناده حسن. (١) راجع ((إرواء الغليل)) ١/ ٧٦-٧٩. ٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ وقد تكلّم الحازميّ في ((الناسخ والمنسوخ)): فقال: في إسناد حديث ابن عُكيم اختلافّ، رواه الحكم مرّة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عُكيم، ورواه عنه القاسم بن مُخيمِرة، عن خالد، عن الحكم، وقال: إنه لم يسمعه من ابن عُكيم، ولكن من أناس دخلوا عليه، ثم خرجوا، وأخبروه، ولولا هذه العلل لكان أولى الحديثين أن يؤخذ به حديث ابن عُكيم، ثم قال: وطريق الإنصاف فيه أن يُقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ، لو صحّ، ولكنّه كثير الاضطراب، لا يُقاوم حديث ميمونة في الصّحة، ثم قال: فالمصير إلى حديث ابن عبّاس أولى؛ لوجوه من الترجيح، ويُحمل حديث ابن عُكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يُسمّى إهابًا، وبعد الدباغ يُسمّى جلدًا، ولا يُسمّى إهابًا، هذا معروفٌ عند أهل اللغة، وليكون جمعًا بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد. انتهى. ومُحصّل ما أجاب به الشافعيّ، وغيرهم عنه التعليلُ بالإرسال، وهو أن عبد الله بن عُكيم لم يسمعه من النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، والانقطاع بأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمعه من عبد الله بن عُكيم، والاضطراب في سنده، فإنه تارةً قال: عن كتاب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وتارةً عن مشيخة من جهينة، وتارة عمن قرأ الكتاب، والاضطراب في المتن، فرواه الأكثر من غير تقييد، ومنهم من رواه بقيد شهر، أو شهرين، أو أربعين يومًا، أو ثلاثة أيّام، والترجيح بالمعارضة بأن الأحاديث الدّالّة على الدباغ أصحّ، والقول بموجبه بأن الإهاب اسم الجلد قبل الدباغ، وأما بعد الدباغ، فيُسمّى شنّ، وقِرْبةً، حمله على ذلك ابن عبد البرّ، والبيهقيّ، وهو منقول عن النضر بن شُمَيل، والجوهريّ قد جزم به. وقال ابن شاهين: لَمّا احتمل الأمرين، وجاء قوله: ((أيما إهاب دُبغ، فقد طُر))، فحملناه على الأول، جمعًا بين الحديثين، والجمع بينهما بالتخصيص بأن المنهيّ عنه جلد الكلب والخنزير، فإنهما لا يُدبغان، وقيل: محمول على باطن الجلد في النهي، وعلى ظاهره في الإباحة. والله أعلم. انتهى ما في ((التلخيص)) بزيادة من ((نيل الأوطار))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في هذا الحديث أنه حديث ثابتٌ، كما حسّنه الترمذيّ، والحازميّ، وصححه ابن حبّان، وقد أَجيب عن العلل التي ذكروها، بما تقدّم، فالأولى سلوك طريق الجمع، فتحمل الأحاديث الدالة على جواز الانتفاع بجلود الميتة على ما بعد الدبغ، ويُحمل حديث ابن عُكيم الدّالّ على النهي على ما قبل (١) ((التلخيص الحبير)) ٤٧/١-٤٨ ((نيل الأوطار)) ٨٧/١-٨٩. ٤٣ ٥- (ما یُدْغُ بِهِ جُلُودُ الميتةِ) - حديث رقم ٤٢٥٣ الدبغ، وهو الموافق لما ثبت عند أهل التحقيق من اللغويين، من أن الإهاب إنما يطلق على ما قبل الدبغ، فإذا دُبغ يقال له: الجلد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٥٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَن مَنْصُورٍ، عَن الْحَكَمِ، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْم، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ: «أَنْ لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن قُدامة)): هو ابن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ الثقة [١٠]. و(جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)): هو ابن المعتمر. والحديث صحيح، تقدّم البحث عنه مستوفّى في الحديث الذي قبله. واللّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنِ هِلَالِ الْوَزَّانِ، عَن عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُكَيْم، قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ إِلَى جُهَيْنَةَ: ((أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَنْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَب)) . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ، فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، إِذَا دُبِغَتْ حَدِيثُ الزُّهرِيِّ، عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن مَيْمُونَةَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عليّ بن حُجر)): هو السَّغْديّ المروزيّ. و(شريك)): هو ابن عبد الله النخعيّ. و((هلال الوزّان)): هو ابن أبي حميد، أو ابن حُميد، أو ابن مِقْلاص، أو ابن عبد الله الجهنيّ مولاهم، أبو الجهم، وقيل: غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفيّ الوزّان الكوفيّ، ثقة [٦] ١٣٣٢/٧٧. والحديث صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . وقوله: (قال أبو عبد الرحمن) أي النسائيّ رحمه الله تعالى (أَصَحُ) مبتدأ، مضاف إلى قوله (مَا فِي هَذَا الْبَابِ، فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ) الجارّ والمجرور بدلٌ من الجارّ والمجرور الأوّل الواقع صلة ل((ما)): أي أصحّ الأحاديث التي وردت في جلود الميتة (إِذَا دُبِغَتْ) ((إذا)) ظرف مجرّد عن معنى الشرط بمعنى وقت، متعلّقٌ بما تعلّق به الجارّ والمجرور قبله: أي وقت دبغها (حَدِيثُ الزُّهرِيٌّ) بالرفع خبر ((أصحّ)) (عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عُتبة بن مسعود (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن مَيْمُونَةَ) رضي اللّه تعالى عنهم. وأراد المصنّف رحمه اللّه تعالى بهذا ترجيح العمل بحديث ميمونة رضي الله تعالى عنها المتقدّم الذي فيه إباحة الانتفاع بجلود الميتة إذا دُبغت؛ لكونه أصحّ من حديث ابن = ٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ عُكيم، حيث تُكلّم فيه بالعلل المتقدّمة، وإن أجيب عنها كما تقدّم، غير أن حديثها خالٍ عن ذلك، فيقدّم عليه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في ذكر المصنّف رحمه الله تعالى رواية عبيد الله، عن ابن عبّاس، نظر؛ لأنها ليس فيها للدباغ ذكر، اللّهمّ إلا أن يكون نظرًا لذكرها في بقيّة الطرق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنیب)). ٦- (الرُّخْصَةُ فِي الاسْتِمْتَاعِ بِجُلُودٍ الْمَيْتَةِ، إِذَا دُبِغَتْ) ٤٢٥٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَّنِ ثَوْبَانَ، عَن أَمِّهِ، عَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَهَ، ((أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ، إِذَا دُبِغَتْ))). رجال هذا الإسناد: تسعة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزي المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢. ٢- (الحارث بن مسكين) أبو عمرو المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩. ٣- (بشر بن عمر) بن الحكم بن عُقبة الزهرانيّ -بفتح الزاي- الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩]. قال أبو حاتم: صدوق. وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن سعد: توفّي بالبصرة سنة (٢٠٧) في شعبان، وكان ثقة. وكذا أرّخه القرّاب، وقبله ابن زَبْر. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): مات ليلة الأحد في آخر سنة ستّ، أو أول سنة سبع، قال: وقيل: سنة تسع. روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب فقط . ٤- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتقي الفقيه المصري، صاحب مالك، ثقة، من ٤٥ ٦- (الرَّخْصَةُ فِي الاسْتِمْتَاعِ بِجُلُودٍ ... - حديث رقم ٤٢٥٤ كبار [١٠] ٢٠/١٩ . ٥- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الثقة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٦- (يزيد بن عبد الله بن قُسيط) - بقاف، ومهملتين، مصغّرًا- الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ الأعرج، ثقة [٤] ٥٠ /٩٦٠. ٧- (محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) العامريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٢٢٥٨/٤٧ . ٨- (أمه) هي أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، هي مقبولة [٣]. روت عن عائشة، وعنها ابنها محمد بن عبد الرحمن، ذكرها ابن حبّان في (الثقات))، روى لها المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه حديث الباب فقط. ٩- (عائشة) رضي الله تعالى عنها ٥/٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يزيد، ومحمد بن عبد الرحمن، وأمه، وفيه رواية الراوي عن أمه، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَن أَمِّهِ) هكذا في بعض نسخ ((المجتبى))، وهو الذي في رواية أبي داود في ((كتاب اللباس)) برقم ٤١٢٤ وابن ماجه في ((اللباس)) أيضًا برقم ٣٦١٢ - وهو الذي في ((تحفة الأشراف)) -٤٤٤/١٢- ووقع في النسخة ((الهندية)) من ((المجتبى))، ((عن أبيه)) بدل ((عن أمه))، وهو الذي في ((الكبرى))، بل أشار في هامش ((الهنديّة)) أنه وقع في بعض النسخ ((عن عبد الرحمن بن ثوبان))، بدل عن أبيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ((عن أبيه)) تصحيفٌ، والصواب ((عن أمّه))؛ لأنه الذي اتفقت عليه الروايات، فقد روى الحديث مالك في ((الموطًا)) رقم ٣٠٨ وأحمد في ((مسنده)) ٦/ ١٠٤ والدارميّ في ((سننه)) رقم ١٩٩٣ وأبو داود في ((سننه)) رقم ٤١٢٤، وابن ماجه في ((سننه)) ٣٦١٢- فكلهم بلفظ ((عن أمه))، وجزم الحافظ المزي في ((تحفة الأشراف)) -١٢/ ٤٤٤-بأمه، ونصّ ترجمته: «أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عائشة)) ورمز لأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، فجعل رواية المصنّف أيضًا بلفظ ((عن أمه))، ولم يذكر خلاف ذلك، فدلّ أن ((عن أبيه)) تصحيف، والصواب ((عن أمه))، فتنبه. والله تعالى أعلم. ٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ [تنبيه] : مما يؤيّد ذلك أني لم أجد ترجمة عبد الرحمن بن ثوبان، والد محمد هذا، فلو كانت له رواية لترجموه، ولا سيّما إذا كان ممن له رواية في الأصول الستّة. والله تعالى أعلم. (عَنِ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، ((أَمَرَ) أي أذن، ورخّص (أَنْ يُسْتَمْتَعَ) بالبناء للمفعول: أي يُنتفع (بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ، إِذَا دُبِغَتْ))) هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلّ عَلَى أَنَّ جُلُودِ الْمَيْتَة كُلّهَا طَاهِرَة بَعْد الدِّبَاغْ يَحِلّ الاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وهذا هو المذهب الصحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا صحيحٌ(١). : [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه أم محمد بن عبد الرحمن مجهولة؟. [قلت]: تقدم الحديث من رواية الأسود، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فلم تنفرد هي بروايته عنها، فالحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٢٥٤/٦- وفي ((الكبرى) ٤٥٧٨/٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنیب)) . ٧- (الثَّهْيُ عَنِ الانْتِفَاعِ بِجُلُوهِ السِّبَاع) ٤٢٥٥- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَن يَخْتِى، عَن ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَن قَتَادَةَ، عَنِ (١) ضعفه الشيخ الألباني، ولعله لجهالة أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وفيه نظرٌ، فإنها لم تنفرد به، بل تقدم الحديث من رواية الأسود، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فهو صحيح، فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٤٧ ٧- (النّھئُ عَن الانتفاع بجُلُودِ السِّباع) - حدیث رقم ٤٢٥٥ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِهِ: ((أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ، نَهَى عَنْ جُلُودِ السّبَاعِ»). رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنيّ [١٠] ١٥/١٥. ٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤. ٣- (ابن أبي عَرُوبة) هو سعيد البصري، ثقة ثبت، يدلس، واختلط بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨ . ٤- (قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت يدلس [٤] ٣٤/٣٠. ٥- (أبو الْمَليح) بن أسامة بن عمير، أو عامر بن حُنيف بن ناجية الْهُذَليّ البصريّ، ثقة [٣] ١٣٩/١٠٢ . ٦- (أبوه) أسامة بن عُمير بن عامر بن الأُقيش الهذلي البصري، صحابي تفرد ولده بالرواية عنه، وتقدمت ترجمته في ١٣٩/١٠٤ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير والد أبي المليح، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فإنه سرخسيّ، وفيه رواية تابعيّ، تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه والد أبي المليح تفرّد بالرواية عنه ابنه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ) بفتح الميم، وكسرِ اللام عامر بن أسامة، وقيل: غيره (عَنْ أَبِيهِ) أسامة بن عُمير رضَي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَِّيَّ وَِّ، نَى عَن جُلُودِ السِّبَاعِ) أي عن استعمال جلود السباع. قيل: المراد به قبل الدبغ، وقيل: مطلقًا، إن قيل بعدم طهارة الشعر بالدبغ، كما هو مذهب الشافعيّ، وإن قيل: بطهارته فالنهي لكونها من دأب الجبابرة، وعَمَلِ المترفّهين. (فَهَى عَن جُلُود السِّبَاعِ) زَادَ في رواية التّزْمِذِيّ: ((أَنْ تُفْتَرَش)). وقَدْ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ جُلُود السِّبَاعِ، لَا يَجُوزِ الانْتِفَاعِ بِهَا. وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي حِكْمَة النَّهِي، فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يَحْتَمِلِ أَنَّ النَّهِي وَقَعَ لِمَا يَبْقَى عَلَيْهَا مِنْ الشَّعْرِ؛ لِأَنَّ الدِّبَاغِ لَا يُؤَثِّر فِيهِ. وَقَالَ غَيْرِهِ: يَحْتَمِلِ أَنَّ النَّهِي عَمَّا لَمْ يُذْبَغِ مِنْهَا؛ لِأَجْلِ النَّجَاسَة، أَوْ أَنَّ النَّهي لِأَجْلِ أَنَّا مَرَاكِب أَهْل السَّرَف، وَالْخُيَلَاءِ. قَالَ الشَّوْكَانِيُّ رحمه الله تعالى: مَا مُحَصَّلَهُ: الاستدلال بأحاديث النهي عن جلود ٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ السباع على أن الدباغ لا يُطهّر جلود السباع، بناء على أنها مخصّصة للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهّر على العموم، غير ظاهر؛ لأن غاية ما فيها مجرّد النهي عن الركوب عليها، وافتراشها، ولا ملازمة بين ذلك، وبين النجاسة، كما لا ملازمة بين النهي عن الذهب والحرير، ونجاستهما، فلا معارضة، بل يُحكم بالطهارة بالدباغ، مع منع الركوب عليها، ونحوه، مع أنه يمكن أن يقال: إن أحاديث هذا الباب أعم من الأحاديث التي تقدّمت في إباحة المدبوغ من جلد الميتة، من وجه؛ لشمولها لِمَا كان مدبوغًا، من جلود السباع، وما كان غير مدبوغ. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه اللَّه تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث والد أبي المليح رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٢٥٥/٧- وفي ((الكبرى)) ٤٥٧٩/٨. وأخرجه (د)في ((اللباس)) ٤١٣٢ (ت) في ((اللباس)) ١٧٧٠ و١٧٧١ (أحمد) في ((أول مسند البصريين)) ٣٠١٨٣ و٢٠١٨٩ (الدارمي) في ((الأضاحي)) ١٩٨٣. والله تعالى أعلم. [تنبيه] : قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن أخرج الحديث: ما نصّه: ولا نعلم أحدا، قال: عن أبي المليح، عن أبيه، غيرَ سعيد بن أبي عروبة . ثم ساق الحديث من طريق شعبة، عن يزيد الرِّشْك، عن أبي المليح، عن النبي وَ الر: ((أنه نهى عن جلود السباع))، مرسلًا، ثم قال: وهذا أصح. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن الترمذيّ إنما رجّح رواية شعبة؛ لكونه أحفظ من سعيد، لكن الحديث يشهد له حديث المقدام بن معدي کرب رضي الله تعالى عنه الآتي بعده، فلا يضرّه ترجيح الإرسال. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الانتفاع بجلود السباع: قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: فأما جلود السباع، فقال القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل الدبغ وبعده، وبذلك قال الأوزاعيّ، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور. ورُوي عن عمر، وعليّ رضي اللّه تعالى عنهما كراهية الصلاة في (١) ((نيل الأوطار)) ١/ ٨٢. ٤٩ ٧- (النَّهْيُ عَن الانْتِفَاعِ بِجُلُودِ السِّبَاع) - حديث رقم ٤٢٥٦ جلود الثعالب، وكرهه سعيد بن جُبير، والحكم، ومكحول، وإسحاق، وكره الانتفاع بجلود السنانير عطاءً، وطاوس، ومجاهد، وعَبِيدة السلماني. ورخّص في جلود السباع جابر، ورُوي عن ابن سيرين، وعروة أنهم رخّصوا في الركوب على جلود النمور، ورخّص فيها الزهريّ. وأباح الحسن، والشعبيّ، وأصحاب الرأي الصلاة في جلود الثعالب؛ لأن الثعالب تُقدى في الإحرام، فكانت مباحة، ولما ثبت من الدليل على طهارة جُلود الميتة بالدباغ. انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي ترجيح هو قول من قال بإباحة استعمال جلود السباع المدبوغة؛ وأن النهي عن الانتفاع بها مقيّد بما إذا لم تُدبغ؛ جمعا بين أحاديث الباب، والأحاديث الماضية التي أباحت الانتفاع بجلود الميتة المدبوغة مطلقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٥٦- (أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ بَحِيرٍ، عَن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَنِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، وَمَيَاثِرِ النُّمُورِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصيّ، صدوق [١٠] ٥٣٥/٢١. ٢- (بقيّة) بن الوليد الكَلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥ / ٥٥. ٣- (بَحِير) بن سعد السَّحُوليّ، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت [٦] ٦٨٨/١. ٤- (خالد بن معدان) أبو عبد الله الكلاعيّ الحمصيّ، ثقة عابد [٣] ٦٨٨/١. ٥- (الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ) بن عمرو الكِنديّ، الصحابيّ المشهور، نزل الشام، ومات رضي الله تعالى عنه (٨٧) على الصحيح، وله (٩١) سنة تقدّمت ترجمته في - ٢١٦٤/٢٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وبقية وإن كان مدلسًا تدليس التسوية فقد أخرج له مسلم في المتابعات، وعلق له البخاري. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. والله تعالى أعلم. (١) ((المغني)) ٩٢/١-٩٣. ٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ شرح الحديث (عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ) بن عمرو الكِنْديّ رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وََّ، عَنِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ) أي عن استعمالهما للرجال، وإطلاقه يشمل استعمال الحرير بالفرش، وقد جاء عنه النهي صريحًا في ((صحيح البخاري))، وسيأتي الكلام في استعمال الذهب والحرير في موضعه من ((كتاب الزينة))، إن شاء اللّه تعالى. (وَمَيَائِرِ النُّمُورِ) ((المياثر)): جمع مِيثرة، بكسر الميم، وسكون التحتانيّة، وفتح المثلثة، بعدها راء، ثم هاء، ولا همز فيها، وأصلها من الوثارة، أو الوِثرة بكسر الواو، وسكون المثلّثة، والوثير: هو الفراش الوطيء، وامرأة وثيرةٌ: كثيرة اللحم. قال في ((القاموس)): الْمِيثرةُ: الثوب الذي تُجُلَّل به الثياب، فيَعلوها، وهَنَةٌ كهيئة الْمِرْفقة، تُتَخَذ للسّرْج كالصُّفَّة، جمعه مواثرُ، ومياثرُ، وجلود السباع، ومراكب تُتّخذ من الحریر والديباج. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المناسب لماهنا جلود السباع، فالمعنى: وجلود النمور، أي نهى أن تُفرش جلودها على السُّرُج، والرِّحَال للجلوس عليها. والنمور، وفي رواية: ((النمار)) جمع نَمِر بفتح النون، وكسر الميم، ويجوز التخفيف بكسر النون، وسكون المين: وهو سبُعٌّ أجرأ، وأخبث من الأسد، وهو منقّط الجلد بنقط سود وبِيض، وفيه شبه من الأسد، إلا أنه أصغر منه، ورائحة فمه طيّبة، بخلاف الأسد، وبينه وبين الأسد عداوة، وهو بَعيد الوثبة، فربما وثب أربعين ذراعًا. وإنما نهي عن استعمال جلده لما فيه من الزينة والخيلاء، ولأنه زيّ العجم، ولأنها لا تُذكّى غالبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث المقدام بن معدي كرِب رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده بقيّة، وهو معروف بالتدليس عن الضعفاء، وقد عنعنه؟. [أجيب]: بأنه صرّح بالتحديث عند أحمد، ١٣٢/٤ فقد أخرجه من طريق حيوة بن شُريح، ثنا بقيّة، ثنا بَحِير بن سعد به، وأيضًا يشهد له حديث أبي المليح، عن أبيه: أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم ((نهى عن جلود السباع))، وهو الحديث الذي قبله. ٧- (النَّهْيُ عَنِ الانْتِفَاعِ بِجُلُودِ السِّبَاع) - حديث رقم ٤٢٥٧ ٥١ والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٢٥٦/٧ و٤٢٥٧ - وفي «الكبرى» ٨/ ٥٤٨٠ و٤٥٨١. وأخرجه (د) في ((اللباس)) ٤١٣١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٢٥٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ بَحِيرِ، عَن خَالِدٍ، قَالَ: وَفَدَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، هَلَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، نَهَى عَن لُبُوسٍ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا، قَالَ نَعَمْ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث تقدّم سنده، وتخريجه في الذي قبله. و(معاوية)): هو ابن أبي سفيان بن حرب الصحابي المشهور رضي اللّه تعالى عنهما. وقوله: ((أنشدك بالله)) بضم الشين المعجمة: أي أسألك با اللَّه تعالى، يقال: نشدتك اللَّهَ، وباللَّه أنشدُك، من باب نصر: ذكّرتك به، واستطعفتك، أو سألتك به، مُقْسِمًا عليك. أفاده الفيّوميّ. وقوله: ((عن لُبُوس جلود السباع)) هكذا نسخ ((المجتبى)) (لبوس)) بواو بعد الباء، والذي في ((الكبرى)) عن لُبس)) بغير واو، وهو الذي في ((سنن أبي داود))، وهو الموافق لما في كتب اللغة، فإنه بضم اللام، وسكون الباء الموحدة مصدر ليس بكسر الباءمن باب تعب، ولم أجد في ((القاموس))، ولا في ((المصباح)) (لبوسا)) لا مصدرًا، ولا جمعًا، فليُحرّر. والله تعالى أعلم. [تنبيه] : قصّة وفادة المقدام بن معدي كرب على معاوية رضي اللَّه تعالى عنهما، اختصرها المصنّف، وقد ساقها أبو داود في ((سننه)) مطوّلةً بسند المصنّف، فقال: ٤١٣١- حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي، حدثنا بقية، عن بحير، عن خالد، قال: وَفَدَ المقدام بن معدي كرب، وعمرو بن الأسود، ورجل من بني أسد، من أهل قِنّسرين إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي، فرجَّعَ المقدام، فقال له رجل: أتَرَاها مصيبة؟، قال له: ولِمَ لا أراها مصيبة، وقد وضعه رسول اللّه وَّل في حجره، فقال: ((هذا مني، وحسين من علي))، فقال الأسدي: جْرَة أطفأها اللَّه عز وجل، قال: فقال المقدام: أما أنا فلا أبرّحُ اليوم، حتى أُغِيظَك، وأسمعك ما تكره، ثم قال: يا معاوية، إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت فكذبني، قال: أفعل، قال: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول اللّه وَّ نهى عن لبس الذهب؟، قال: نعم، قال: فأنشدك بالله، هل تعلم أن رسول اللَّه بَّر، نهى عن ٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ لبس الحرير؟، قال: نعم، قال: فأنشدك باللّه، هل تعلم أن رسول اللّه بَلّ، نهى عن لبس جلود السباع، والركوب عليها؟، قال: نعم، قال: فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك، يا معاوية، فقال: معاوية، قد علمتُ أني لن أنجو منك، يا مقدام، قال خالد: فأمر له معاوية بما لم يأمر لصاحبيه، وفَرَضَ لابنه في المائتين، ففرّقها المقدام في أصحابه، قال: ولم يُعطِ الأسديُّ أحدا شيئا، مما أَخَذَ، فبلغ ذلك معاويةً، فقال: أما المقدام فرجل كريم، بَسَطَ يده، وأما الأسدي فرجل حسن الإمساك لِشَيْئِهِ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنیب)) . ٨- (النَّهْيُ عَنِ الانْتِفَاعِ بِشُحُومٍ الْمَيْتَةِ) ٤٢٥٨- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَن عَطَاءٍ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَه عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ، يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلٍّ وَرَسُولَهُ، حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيَّرِ، وَالْأَصْنَام)»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفْنُ، وَيُذْهَنُ بِهَا الْجُلُوَدُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، فَقَالَ: ((لَ هُوَ حَرَامٌ))، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ، ◌َمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/١ . ٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصري [٧] ٣٥/٣١ . ٣- (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصري، ثقة فقيه يرسل [٥] ٢٠٧/١٣٤ . ٤ - (عطاء بن أبي رباح) المكي الثقة ثبت الفقيه [٣] ١١٢/ ١٥٤. ٥- (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي رضي الله تعالى عنهما ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. ٥٣ ٨- (النَّهْيُ عَنِ الانْتِفَاَعِ بِشُحُومِ الْمَينَةِ) - حديث رقم ٤٢٥٨ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين، إلا عطاء فمكي، وجابرًا فمدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، وفيه جابر من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح) ذكِرِ الإمام البخاري رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث عن قتيبة بسند المصنّف، ما يُبيّن أَنَّ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب، لَمْ يَسْمَعَهُ مِنْ عَطَاء، وَإِنَّمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ، ونصّه: وقال أبو عاصم: حدّثنا عبد الحميد، حدّثنا يزيد، كتب إليّ عطاء، سمعت جابرًا رضي اللّه تعالى عنه، عن النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم. انتهى. قال في ((الفتح)): وَلِيَزِيدَ فِيهِ إِسْنَادِ آخَر، ذَكَرِهِ أَبُو حَاتِم، فِي ((الْعِلَل)) مِنْ طَرِيقِ حَاتِم ابْن إِسْمَاعِيلٍ، عَن عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر، عَن يَزِيد بْنِ أَبِي حَبِيب، عَن عَمْرو بْنِ الْوَلِيد ابْنِ عَبَدَةً(١)، عَن عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ. قَالَ ابْنْ أَبِي حَاتِم: سَأَلْت أَبِي عَنْهُ؟ فَقَالَ: قَدْ رَوَاهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، عَن يَزِيد، عَن عَطَاءِ، وَيَزِيدَ لَمْ يَسْمَعِ مِنْ عَطَاءِ، وَلَا أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْمِصْرِئِينَ، رَوَاهُ عَن يَزِيد، مُتَابِعًا لِعَبْدِ الْحَمِيد بْن جَعْفَرِ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ، فَهُوَ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَحَلّهِ الصُّذْقَ. قال الحافظ: قَدْ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَبْد الْحَمِيد، وَرِوَايَةٍ أَبِي عَاصِم عَنْهُ الْمُوَافَقَة لِرِوَايَةِ غَيْرِهِ عَن يَزِيد أَرْجَح، فَتَكُون رِوَايَةٍ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل شَاذَّة. انتهى. (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما وفِي رِوَايَةٍ أَحْمَد، عَنِ حَجَّاجِ بْن مُحَمَّد، عَنِ اللََّث بِسَنَدِهِ: ((سَمِعْتِ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللَّه بِمَّكَّة)) (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَه عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ) فيه بيان تاريخ ذلك، وكان ذلك في رمضان، سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك، ثم أعاده صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم ليسمعه من لم يكن سمعه. قاله في ((الفتح))(٢) (يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولَهُ، حَرَّمَ) هكذا وقع هنا، وفي ((الصحيحين)) بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد، وكان الأصل ((حِرِّمَا»، فَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّ ◌ََّ تَأْذَّبَ، فَلَمْ يَجْمَعِ بَيْنِهِ وَبَيْنِ اسْم اللَّه فِي ضَمِير الاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّةً مِنْ نَوْعِ مَا رَدَّ بِهِ عَلَى الْخَطِيب الَّذِي قَالَ: ((وَمَنْ يَعْصِهِمَا)) . قال الحافظ: كَذَا قَالَ، وَلَمْ تَتَّفِقِ الرُّوَاةِ فِي هَذَا الْحَدِيث عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ فِي بَعْض ◌ُرُقه (١) بفتحات. (٢) ((فتح)) ١٧٧/٥. ((كتاب البيوع)) رقم الحديث ٢٢٣٦. ٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ فِي الصَّحِيحِ: ((إِنَّ اللَّه حَرَّمَ))، لَيْسَ فِيهِ: ((ورَسُوله))، وَفِي رِوَايَة لابْنِ مَرْدَوْيِهِ، مِنْ وَجْه آخَر، عَنِ اللَّيْث: ((إِنَّ اللَّه وَرَسُوله حَرَّمَا))، وَقَدْ صَحَّ حَدِيث أَنَس رضي الله تعالى عنه فِي النَّهْي عَن أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّة: ((إِنَّ اللَّه وَرَسُولِه يَنْهَيَانِكُمْ))، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النِّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيث: ((يَنْهَاكُمْ))، وَالتَّحْقِيقِ جَوَاز الْإِفْرَادِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَوَجْهِه الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ أَمْرِ النَّبِيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم نَاشِئٌ عَن أَمْرِ اللَّه، وَهُوَ نَحْو قَوْله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، وَالْمُخْتَارِ فِي هَذَا أَنَّ الْجُمْلَةِ الْأُولَى حُذِفَتْ؛ لِدَلَالَةِ الثَّانِيَة عَلَيْهَا، وَالتَّقْدِيرِ عِنْد سِيبَوَيْهِ: وَاللَّه أَحَقْ أَنْ يُرْضُوهُ، وَرَسُوله أَحَقْ أَنْ يُرْضُوهُ، وَهُوَ كَقَوْلِ الشَّاعِر: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَك رَاضٍ وَالرَّأْي مُخْتَلِفِ وَقِيلَ: أَحَقْ أَنْ يُرْضُوهُ خَبَر عَنِ الاسْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّسُول تَابع لِأَمْرِ اللَّه. (بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَام) جمع صنم، قال الجوهريّ: هو الوثن، وقال غيره: الوثن ما له جُثّةٌ، والصنم ما كان مُّصوّرًا، فبينهما عموم وخصوص وجهيّ، فإن کان مصوّرًا فھو وثن وصنم. (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) قال الحافظ: لم أقف تسمية القائل، وفي رواية عبد الحميد: ((فقال رجل)) (أَرَأَنْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ) جمع شَخْم، كفلس وفُلُوس (فَإِنَةً يُطْلَى) بالبناء للمفعول: أي يُلَطّخ (بِهَا السُّفْنُ، وَيُذْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ)، بناء الفعل للمفعول، يقال: دَهَنْتُ الشعرَ وغيرَهُ، من باب قتل: إذا طليته. يعني: أن تلك الشحومَ تُطْلَى بها الجلود (ويستصبح بها الناس) ببناء الفعل للفاعل: أي يُنَوُرُون بها مصابيحهم، فهل يجوز لنا بها الانتفاع بالبيع وغيره (فَقَالَ) صلّى الله تعالى عليه وسلم (لَا هُوَ حَرَامٌ) الظاهر أن الضمير للانتفاع، أي الانتفاع بشحوم الميتة حرام، وهذا قاله أكثر العلماء، قال في ((الفتح)): قوله: ((هو حرام))، أي البيع حرام، هكذا فسّره بعض العلماء، كالشافعيّ، ومن اتّبعِه، ومنهم مَنْ حَمَلَ قَوْله: (هُوَ حَرَامِ)) عَلَى الانْتِفَاعِ، فَقَالَ: يَخْرُمِ الانْتِفَاعِ بِهَا، وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاءِ، فَلَا يُنْتَفَع مِنْ الْمَيْتَة أَصْلَا عِنْدهمْ، إِلَا مَا خُصَّ بِالدَّلِيلِ، وَهُوَ الْجِلْدِ الْمَذْبُوغ. قال الجامع: هذا هو الراجح عندي، قال: وَاخْتَلَفُوا فِيَمَا يَتَنَجَّس مِنْ الأَشْيَاءِ الطَّاهِرَة، فَالْجُمْهُورِ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَالَ أَحْمَد، وَابْنَ الْمَاجِشُونِ: لَا يُنْتَفَع بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَاز الانْتِفَاعِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَتْ لَهُ دَابَة، سَاغَ لَهُ إِطْعَامِهَا لِكِلَابِ الصَّيْدِ، فَكَذَلِكَ يَسُوغْ دَهْنِ السَّفِينَة بِشَخْم الْمَيْتَة، وَلَا فَرْق. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتحريم الانتفاع بشحوم الميتة مطلقًا هو الصواب؛ لظاهر هذا الحديث، ولقوله والر في حريث الفأرة الآتي قريبًا: ((وإن كان مائعًا فلا تقربوه)). والله تعالى أعلم. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) أي طردهم، وأبعدهم من رحمته ٨- (النَّهْيُ عَن الانتفاع بشُحُوم الميتةِ) - حدیث رقم ٤٢٥٨ ٥٥ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء، من التحريم (عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ، ◌َملُوهُ) بفتح الجيم، والميم مخفّفة، قال في ((اللسان)): جَّلَه يجْمُلُه جُملّا -أي من باب نصر- وأجمله: أذابه، واستخرج دهنا، وجَّلَ أفصحُ من أجمل، ثم استشهد بهذا الحديث (ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) قال في ((الفتح)): سِيَاقِه مُشْعِر بِقُوَّةٍ مَا أَوَّلَهُ الْأَكْثَرُ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ: ((هُوَ حَرَام)) الْبَيْع، لا الانْتِفَاعِ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((سياقه مشعر إلخ)) فيه نظر، بل الظاهر أن الحمل على الانتفاع هو الأقوى، كما يرجحه حديث ميمونة تها الآتي حيث يقول: ((وإن كان مائعًا فلا تقربوه)). والله تعالى أعلم. وَرَوَى أَحْمَد، وَالطََّرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَر، مَرْفُوعًا: ((الْوَيْلِ لِبَنِي إِسْرَائِيل، إِنّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشِّحُومِ بَاعُوهَا، فَأَكَلُوا ثَمَنهَا، وَكَذَلِكَ ثَمَنْ الْخَمْرِ عَلَيْكُمْ حَرَامٍ)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٢٥٨/٨ وفي ((البيوع)) ٤٦٧١/٩٣- وفي ((الكبرى)) ٤٥٨٢/٩ وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٢٣٦ و(التفسير)) ٤٦٣٣ (م) في (المساقاة)) ٢٩٦٠ (د) في (البيوع)) ٣٤٨٦ (ت) في (البيوع)) ١٢٩٧ (ق) في ((التجارات)) ٢١٦٧ (أحمد) في ((باقي مكثرين)) ١٤٠٨٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو النهي عن الانتفاع بشحوم المبيتة . (ومنها): تحريم بيع هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث، وسيأتي تمام البحث في ذلك في ((كتاب البيوع))، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم استعمال شحوم الميتة في أيّ نوع من أنواع الاستعمال. (ومنها): أن فيه إبطال كلّ حيلة، يُتوصّل بها إلى تحليل محرّم، وأنه لا یتغیّر حکمه بتغيّر هيئته، وتبدّل اسمه، فإن اليهود أذابوا الشحوم، حتى صارت وَدَكًا، وزال عنها اسم الشحم، ومع ذلك لُعِنوا. (ومنها): أن من احتال في استعمال الأشياء المحرّمة، كان ملعونًا؛ لكونه سلك مسلك اليهود الذين لعنهم الله تعالى؛ لانتهاكهم ما حرّم الله تعالى بالاحتيال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)). ٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ ٩- (النَّهْيُ عَنِ الانْتِفَاعِ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) ٤٢٥٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ عَمْرٍو، عَنِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَبْلِغَ عُمَرُ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا، قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمِّرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشِّحُومُ، فَجَمَلُوهَا)). قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي أَذَابُوهَا). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المذكور قبل بابين. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١. ٣- (عمرو) بن دينار الجمحي، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٤- (طاوس) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمنيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣] ٢٧ /٣١. ٥- (ابن عباس) رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧ . ٦- (عمر) بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ٧٥/٦٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وصحابي، عن صحابي، وفيه ابن عباس من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، وفيه عمر رضي الله تعالى عنه أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَبْلِغَ) بالبناء للمفعول، من الإبلاغ، وفي نسخة من (الكبرى)): ((بلغ)) ثلاثيّا، مبنيًّا للفاعل (عُمَرُ) بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ سَمُرَةَ) بن جُندب بن هلال الفزاريّ، حَلِيف الأنصار، صحابيّ مشهور، مات رضي الله تعالى عنه بالبصرة سنة (٥٨) (بَاعَ خَمْرًا) وفي رواية البخاريّ: ((بلغَ عمر أن فلانًا باع خمرًا)). ٩- (النَّهْيُ عَنِ الانْتِفَعِ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل - حديث رقم ٤٢٥٩ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْقُرْطُبِيِّ، وَغَيْرُهُمَا: اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ بَيْعِ سَمُرَةً لِلْخَمْرِ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : [أَحَدُهَا]: أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَن قِيمَةِ الْجِزْيَةِ، فَبَاعَهَا مِنْهُمْ، مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ. وَهَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ، وَرَجَّحَهُ، وَقَالَ: كَانَ يَتْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَلِيَهُمْ بَيْعَهَا، فَلَا يَدْخُلُ فِي مَخْظُورٍ، وَإِنَّ أَخَذَ أَثْمَانَها مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَةً لَمْ يَتَعَاطَ مُحَرَّمًا، وَيَكُونُ شَبِيهَا بِقِصَّةٍ بَرِيرَةً، حَيْثُ قَالَ: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). [وَالثَّانِي]: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَ الْعَصِيرَ، مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَالْعَصِيرُ يُسَمَّى خَمْرًا، كَمَا قَدْ يُسَمَّى الْعِنَبُ بِهِ؛ لِأَنَةً يَئُولُ إِلَيْهِ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ: وَلَا يُظَنُّ بِسَمُرَةَ أَنَّهُ بَاعَ عَيْنَ الْخَمْرِ، بَعْدَ أَنْ شَاعَ تَحَرِيمُهَا، وَإِنَّمَا بَاعَ الْعَصِيرُ. [وَالثَّالِثَ]: أَنْ يَكُونَ خَلَّلَ الْخَمْرَ، وَبَاعَهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُحِلُهَا، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَاعْتَقَدَ سَمُرَةُ الْجَوَازَ، كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَحِلُّ الْتَّخْلِيلُ، وَلَا يَنْحَصِرُ الْحِلُّ فِي تَخْلِيلِهَا بِنَفْسِهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لابْنِ الْجَوْزِيِّ: وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ. قال الحافظ: وَلَا يَتَّعَيَّنُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَخْذَهَا عَنَ الْجِزْيَةِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَصَلَتْ لَهُ عَنِ غَنِيمَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا. وَقَدْ أَبْدَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي ((الْمَدْخَلِ)) فِيهِ اخْتِمَالًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ سَمُرَةَ عَلِمَ تَحَرِيمَ الْخَمْرِ، وَلَمْ يَعْلَمْ تَحَرِيمَ بَيْعِهَا، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عُمَرُ عَلَى ذَمِّهِ، دُونَ عُقُوبَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ بِهِ. قال الحافظ: وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ، أَنَّ سَمُرَةً كَانَ وَالِيّا لِعُمَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ أَطْلَّقَ، أَنَّهُ كَانَ وَالِيًّا عَلَى الْبَصْرَةِ، لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ وَهَمّ، فَإِنَّمَا وَلِيَ سَمُرَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ لِزِيَادٍ، وَابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، بَعْدَ عُمَرَ بِدَهْرٍ، وُلَاةُ الْبَصْرَةِ لِعُمَرَ قَدْ ضُبِطُوا، وَلَيْسَ مِنْهُمْ سَمُرَةُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَرَائِهَا أَسْتَعْمَلَ سَمُرَةَ، عَلَى قَبْضِ الْجِزْيَةِ. انتهى(١). (قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) قال الهرويّ: معنى قاتلهم: قتلهم، قال: وفاعل أصلها أن يقع الفعل بين اثنين، وربّما جاء من واحد، كسافرتُ، وطارقت النعلَ. وقال غيره: معنى قاتلهم: عاداهم. وقال الداوديّ: من صار عدوًا للَّه وجب قتله. وقال البيضاويّ: قاتل: أي عادى، أو قتل، وأُخرج في صورة المبالغة، أو عبّر عنه بما هو مُسبّب عنهم، فإنهم بما اخترعوا من الحيلة انتصبوا لمحاربة الله، ومن حاربه حُرِب، ومن قاتله قُتِل. قاله في ((الفتح))(٢). (١) ((فتح)) ١٦٤/٥-١٦٥. ((كتاب البيوع)) رقم الحديث ٢٢٢٣. (٢) ((فتح)) ١٦٦/٥ (كتاب البيوع)) ٢٢٢٣. ٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَثِيرَةِ (حُرِّمَتْ) بتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول (عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ) أي أكلها، وإلا فلو حُرّم عليهم بيعها لم يكن لهم حِيلةٌ فيما صنعوه من إذابتها (فَجَمَلُوهَا) بفتح الجيمِ والميم المخفّفة (قَالَ سُفْيَانُ) ابن عُيينة رحمه الله تعالى، مفسّرًا لمعنى «جَّلوها)» (يَعْنِي أَذَابُوهَا) يقال: جمله: إذا أذابه، والْجَمِيلُ الشخْمُ الْمُذاب. قال في ((الفتح)): وَوَجْهُ تَشْبِيهِ عُمَرَ رضي اللَّه تعالى عنه بَيْعَ الْمُسْلِمِينَ الْخَمْرَ بِبَيْعِ الْيَهُودِ الْمُذَابَ مِنْ الشَّحْم الاشْتِرَاكُ فِي النَّهْي عَنِ تَنَاوُلِ كُلِّ مِنْهُمَا، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَّا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَسِبَّاعِ الطَّيْرِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِرَاكَهُمَا فِي كَوْنٍ كُلِّ مِنْهُمَا صَارَ بِالنَّهِي عَن تَنَاوُلِهِ نَجَسًا، هَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنِ الطَّبَرِيِّ، وَأَقَرَّهُ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَلْ كُلَّ مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، وَتَنَاوُلُ الْحُمُرِ وَالسِّبَاعِ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّا حُرْمَ أَكْلُهُ، إِنَّمَا يَتَأَتَّى بَعْدَ ذَبْحِهِ، وَهُوَ بِالذَّبْحِ يَصِيرُ مَيْتَةً؛ لِأَنّهُ لَّا ذَكَاةَ لَهُ، وَإِذَا صَارَ مَيْنَةٌ صَارَ نَجَسًا، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، فَالْإِيرَادُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ وَارِدٍ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ خَالَفَ فِي بَعْضِهِ بَعْضُ النَّاسِ. وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الابْنُ إِذَا وَرِثَ جَارِيَةَ أَبِهِ، حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهَا، وَأَكْلُ ثَمَنِهَا، فَأَجَابَ عِيَاضٌ عَنْهُ، بِأَنَّهُ تَمْوِيةٌ؛ لِأَنَّةَ لَمْ يَخْرُمْ عَلَيْهِ الانْتِفَاعُ بِهَا مُظْلَقًا، وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا؛ لِأَمْرِ خَارِجِيٍّ، وَالانْتِفَاعُ بِهَا لِغَيْرِهِ فِي الاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ حَلَالٌ، إِذَا مَلَكَهَا، بِخِلَافِ الشَّحُومَ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا، وَهُوَ الْأَكْلُ كَانَ مُحََّمًا عَلَى الْيَهُودِ، فِي كُلِّ حَالٍ، وَعَلَى كُلِّ شَخْصٍ فَافْتَرَقًا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٢٥٩/٩- وفي ((الكبرى)) ٤٥٨٣/١٠. وأخرجه (خ) في ((البيوع)) ٢٢٢٣ و((أحاديث الأنبياء)) ٣٤٦٠ (م) في ((المساقاة) ٢٩٦١ (ق) في ((الأشربة)) ٣٣٨٣ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ١٧١ (الدارمي) في ((الأشربة)) ٢١٠٤ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن الانتفاع بما حرّم اللَّه عزّ وجلّ. (ومنها): أن فيه مشروعيّة لَغْنُ الْعَاصِي الْمُعِينِ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَ عُمَرَ رضي اللَّه تعالى عنه: ((قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ)»، لَمْ يُرِدْ بِهِ ظَاهِرَهُ، بَلْ هِيَ كُلِمَةٌ ١٠- (بَأَبُ الفَأْرَةِ تقَعُ فِي السَّمْن) - حديث رقم ٤٢٦٠ ٥٩ تَقُولُهَا الْعَرَبُ، عِنْدَ إِرَادَةِ الزَّجْرِ، فَقَالَهَا فِي حَقِّهِ؛ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ. (ومنها): أن فِيهِ إِقَالَةً ذَوِي الْهَيْئَاتِ زَلَّاتِهِمْ؛ لأَنَّ عُمَرَ رضي اللَّه تعالى عنه، اكْتَفَى بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَن مَزِيدٍ عُقُوبَةٍ، وَنَحْوِهَا. (ومنها): إِنْطَالُ الْحِيَلِ، وَالْوَسَائِلِ إِلَى الْمُحَرَّم. (ومنها): أن فِيهِ تَحْرِيمَ بَيْعِ الْخَمْرِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعُنْقُودِ الْمُسْتَحِيلِ بَاطِئُهُ خَمْرًا، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِنَجَاسَتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَةً لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ، وَقِيلَ: لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّْفِيرِ عَنْهَا. (ومنها): أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا حُرِّمَ عَيْنُهُ، حُرِّمَ ثَمَنُهُ. (ومنها): أنه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِم الْخَمْرَ مِنْ الذُمْيُ، لَا يَجُوزُ، وَكَذَا تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمُيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا تَحَرِيمُ بَيْعِهَا عَلَى أَهْلِ الذِمَّةِ، فَمَبْنِيٍّ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِطَّابِ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ. (ومنها): أن فِيهِ اسْتِعْمَالَ الْقِيَاسِ فِي الْأَشْبَاءِ وَالنَّظَائِرِ. (ومنها): أنه اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحَرِيمِ بَيْعِ جُثَّةِ الْكَافِرِ، إِذَا قَتَلْنَاهُ، وَأَرَادَ الْكَافِرُ شِرَاءَهُ، وَعَلَى مَنْعِ بَيْعِ كُلِّ مُحَرَّمِ نَجَسٍ، وَلَوَّ كَاَنَ فِيهِ مَنْفَعَةً، كَالسِّرْقِيْنِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي، دُونَ الْبَائِعِ؛ لاخْتِيَاجِ الْمُشْتَرِي دُونَهُ. وسيأتي البحث فيما يتعلّق ببيع الأشياء المحرّمة في ((كتاب البيوع))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)). ١٠- (بَابُ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الفأرة: تُهُمَزُ، ولا تُهُمز، وتقع على الذكر والأنثى، والجمع فَأُرّ، مثلُ تَمْرَة وَتَمْر، وفَئِرَ المكانُ يَفْأَرُ، فهو فَئِرٌ، مهموزٌ، من باب تَعِبَ: إذا كثُر فيه الفأر، ومكانٌ مَفْأَرٌ على مَفْعَل كذلك، وفَأْرة المسك مهموز، ويجوز تخفيفها، نصّ عليه ابن فارس. وقال الفارابيّ في باب المهموز: وهي الفأرة، وفأرة المسك. وقال الجوهريّ: غير مهموز، من فار يفور، والأول أثبت. قاله في ((المصباح)). و((السَّمْنُ)» -فتح، فسكون -: ما يُعمل من لبن البقر والغنم، والجمع سُمْنان -بضمّ، فسكون- مثلُ ظهر وظُهْران، وبَطْن وبُطْنان. قاله في ((المصباح)) أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤٢٦٠- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن مَيْمُونَةَ، أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ وََِّّ؟ ، ٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْفَرَعِ، وَالْعَتِيرَةِ فَقَالَ: «أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب. ٢- (سفيان) بن عيينة المذكور في الباب الماضي. ٣- (الزهري) محمد بن مسلم القرشي المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ . ٤- (عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣]٥٦/٤٥. ٥- (ابن عباس) رضي اللَّه تعالى عنهما المذكور في الباب الماضي. ٦- (ميمونة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها المذكورة قبل أربعة أبواب. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه بغلانيّ، وسفيان مكيّ. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، وتابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عبيد الله، وأحد المكثرين السبعة والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن مَيْمُونَةً) رضي اللَّه تعالى عنها، اختُلف على الزهريّ في إثبات ميمونة في الإسناد، وعدمه، والراجح إثباتها فيه، وقد حقق الكلام في هذا الحافظ في ((الفتح))، فراجعه(١) (أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ) تقدّم ضبطه قريبًا (فَمَاتَتْ) فيه دليلٌ على أن تأثيرها في المائع عند موتها فيه، فلو خرجت حيّة، لم يضرّه (فَسُئِلَ النَّبِيُّ تَّةِ؟) قال في (الفتح)»: هُوَ كَذَلِكَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِإِنَّامِ السَّائِلِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَند أَحْمَد تَعْيِين مَنْ سَأَلَ، وَلَفْظه: ((عَنْ مَيْمُونَة،َ إِنَّهَا اسْتَفْتَتْ رَسُول اللَّه وَ عَنْ فَأْرَة ... )) الْحَدِيث، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةٍ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَن مَالِك عِنْدِ الدَّارَقُطْنِيّ، بِلَفْظِ: ((عَن ابْن عَبَّاس، أَنَّ مَيْمُونَة اسْتَفْتَتْ)). انتهى. (فَقَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (أَلْقُوهَا، وَمَا حَوْلَهَا) قال في ((الفتح)): هَكَذَا أَوْرَدَهُ أَكْثَر أَصْحَابِ ابْنِ عُبَيْنَةً عَنْهُ، وَوَقَعَ فِي ((مُسْنَدٍ إِسْحَاق بْنِ رَاهْوَيْه))، وَمِنْ طَرِيقه أَخْرَجَهُ ابْنِ حِبَّان، بِلَفْظِ: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلِهَا، وَكُلُوهُ، وَإِنْ كَانَ ذَائِيًّا فَلَا (١) ((فتح)) ٤٥٧/١-٤٥٨ رقم الحديث ٢٣٥ .