Indexed OCR Text

Pages 301-320

٢٨- (قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُوْلِ الأَمْيِ مِنَكُمْ﴾ - حديث رقم ٤١٩٧
٣٠١ =
لرسوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم؛ لأنهم ينفّذون أحكام اللَّه عزّ وجلّ. (ومنها): أن
الحكمة في الأمر بطاعة الأمراء: هي المحافظة على اتفاق الكلمة؛ لما في الافتراق من
الفساد، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٨ - (قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُوْلِ الْأَمِّ
[النساء: ٥٩])
مِنْكُمْ﴾
٤١٩٧- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ،
أَخْبَرَنِ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ
وَِّ فِي سَرِيَّةٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (الحسن بن محمد) الزعفرانيّ، أبو عليّ البغداديّ، صاحب الشافعيّ، ثقة [١٠]
٢١ / ٤٢٧ .
٢- (يعلى بن مسلم) بن هُزمُز المكيّ، البصريّ الأصل، ثقة [٦] ٤٠٠٥/٢.
٣- (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة فقيه عابد [٣] ٤٣٦/٢٨.
٤- (ابن عباس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما٢٧/ ٣١، والباقيان تقدّما في
الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ

٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ فَيْسٍ
بْنِ عَدِيٍّ، بَعَثَّهُ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ فِي سَرِيَّةٍ) قال في ((الفتح)): كذا ذكره مختصرًا،
والمعنى نزلت في قصّة عبد الله بن حذافة، والمقصود منها في قصّته قوله: ﴿فَإِن
نَّعْتُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَلَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الْآيَة، وَقَدْ غَفَلَ الدَّاوُدِيُّ، عَنْ
هَذَا الْمُرَادِ، فَقَالَ: هَذَا وَهَم عَلَى ابْنِ عَبَّاس، فَإِنَّ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة، خَرَجَ عَلَى
جَيْش، فَغَضِبَ، فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَالَ: اقْتَحِمُوهَا، فَامْتَنَعَ بَعْض، وَهَمّ بَعْض أَنْ يُفْعَل.
قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ الْآيَةِ نَزَلَتْ قَبْلُ، فَكَيْفَ يُخَصَّ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة بِالطَّاعَةِ دُون غَيْرِهِ،
وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْدُ فَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ: ((إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف))، وَمَا قِيلَ لَهُمْ: لِمَ
لَمْ تُطِيعُوا؟ انْتَهَى.
قال الحافظ: وَبِالْحَمْلِ الَّذِي قَدَّمْتهِ يَظْهَرِ الْمُرَادِ، وَيَنْتَفِي الْإِشْكَالِ الَّذِي أَبْدَاهُ؛ لِأَنَّهُمْ
تَنَازَعُوا فِي امْتِثَال مَا أَمَرَهُمَّ بِهِ، وَسَبَبِهِ أَنَّ الَّذِينَ هَمُوا أَنْ يُطِيعُوهُ، وَقَفُوا عِنْدِ امْتِثَال الْأَمْرِ
بِالطَّاعَةِ، وَاَلَّذِينَ امْتَنَعُوا عَارَضَهُ عِنْدِهمْ الْفِرَار مِنْ النَّارِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْزِل فِي ذَلِكَ، مَا
يُرْشِدهُمْ إِلَى مَا يَفْعَلُونَهُ عِنْدِ التََّازُعِ، وَهُوَ الرَّدّ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُوله، أَيْ إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي
جَوَاز الشَّيْءِ، وَعَدَم جَوَازه، فَارْجِعُوا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ(١). وسيأتي تمام البحث في
قصّة عبد الله بن حذافة رضي اللّه تعالى عنه بعد خمسة أبواب ٤٢٠٦/٣٤ إن شاء الله
تعالی.
[تنبيه]: رَوَى الطَّبَرِيُّ في «تفسيره)»: أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نزلت فِي قِصَّةٍ جَرَتْ لِعَمَّارِ بْن
يَاسِر، مَعَ خَالِد بْنِ الْوَلِيد، وَكَانَ خَالِد أَمِيرًا، فَأَجَارَ عَمَّارٌ رَجُلًا، بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَتَخَاصَمًا،
فَتَزَلَتْ. فيحتمل أن تكون الآية نزلت في القضيّتين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث :
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٩٧/٢٨- وفي ((الكبرى)) ٧٨١٧/٣٢. وأخرجه (خ) في ((التفسير))
٤٥٨٤ (م) في ((الإمارة)) ٣٤١٦ (د) في ((الجهاد)) ٢٦٢٤ (ت) في ((الجهاد)) ١٦٧٢ .
والله تعالى أعلم.
(١) ((فتح)) ١٢٨/٩-١٢٩. ((تفسير سورة النساء)).

٢٩- (التّشْدِيدُ فِي عِصْيَانِ الإِمَام) - حديث رقم ٤١٩٨
٣٠٣ =
(المسألة الثالثة): اخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِأُولِي الْأَمْرِ فِي الْآيَة الكريمة، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة
رضي الله تعالى عنه، قَالَ: هُمْ الْأُمَرَاءِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَ عَنْ
مَّيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَغَيْرِهِ نَحْوِهِ، وَعَنْ جَابِرِ بْن عَبْد اللَّه، قَالَ: هُمْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْخَيْرِ.
وَعَنْ مُجَاهِد، وَعَطَاءَ، وَالْحَسَن، وَأَبِي الْعَالِيَة: هُمْ الْعُلَمَاءِ. وَمِنْ وَجْهِ آخَرِ أَصَحّ مِنْهُ
عَنْ مُجَاهِد، قَالَ: هُمْ الصَّحَابَة، وَهَذَا أَخَصّ. وَعَنْ عِكْرِمَة، قَالَ: أَبُو بَكْر وَعُمَر،
وَهَذَا أَخَصّ مِنْ الَّذِي قَبْله. وَرَجَّحَ الشَّافِعِيّ الْأَوَّلِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قُرَيْشًا، كَانُوا لَا
يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةِ، وَلَا يَنْقَادُونَ إِلَى أَمِير، فَأَمِرُوا بِالطَّاعَةِ لِمَنْ وَلِيَ الْأَمْرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ
وَهُ : ((مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي، فَقَدْ أَطَاعَنِي)) مُتَّفَقَ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ الطََّرِيُّ حَمْلِهَا عَلَى الْعُمُومِ،
وَإِنْ نَزَلَتْ فِي سَبَبِ خَاصّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذكره في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن جرير رحمه الله تعالى من
الحمل على العموم هو الأرجح عنديّ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٩- (التّشْدِيدُ فِي عِصْيَانِ الإِمَامِ)
٤١٩٨- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
بَحِيرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ، عَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِ،
قَالَ: (الْغَزْوُ غَزْوَانٍ، فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ، وَأَطَاعَ الْإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، وَاجْتَتَبَ
الْفَسَادَ، فَإِنَّ ثَوْمَهُ وَنُبْهَتَهُ، أَجَرّ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا رِيَاءٌ وَسُمْعَةً، وَعَصَى الْإِمَامَ، وَأَفْسَدَ
فِي الْأَرْضِ، فَإِنَةُ لَا يَرْجِعُ بِالْكَفَافِ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((بخير)) بفتح الموحّدة، وكسر الحاء المهملة -: هو
ابن سَعْد السَّحُوليّ الحمصي. و((أبو بحريّة)): هو عبد الله بن قيس السَّكُونيّ الحمصيّ
المخضرم المشهور.
والحديث حسنٌ، وقد تقدّم في ((كتاب الجهاد)) ٣١٨٩/٤٦- وتقدّم شرحه، وبيان
(١) ((فتح)) ١٢٨/٩-١٢٩. ((تفسير سورة النساء)). حديث: ٤٥٨٤.

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
مسائله هناك، فراجعه تستفد، واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على الترجمة
واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٠- (ذِكْرُ مَا يَجِبُ لِلإِمَامِ، وَمَا
يَجِبُ عَلَيْهِ)
٤١٩٩- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكْارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ،
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزََّادِ، مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، مِمَّا ذُكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ،
يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((إِنَّمَا الْإِمَامُ جُّنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُنَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ
بِتَقْوَى اللَّهِ، وَعَدَلَ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ أَمَرَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ وِزْرًا)).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ) بن راشد الكلاعيّ الحمصيّ ثقة [١١] ١٥٤١/١٧ ..
٢- (عليّ بن عيّاش) الأَلْهانيّ الحمصيّ، الثقة الثبت [٩] ١٨٢/١٢٣.
٣- (شُعيب) بن أبي حمزة الحمصيّ الثقة الثبت [٧] ٨٥/٦٩.
٤- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدنيّ الثقة الفقيه [٥] ٧/٧.
٥- (عبد الرحمن الأعرج) بن هُزمز المدنيّ الثقة الثبت الفقيه [٣] ٧/٧.
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل
بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة، أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو الزَّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (مِمَّا حَدَّثَهُ
عَبْدُ الرَّحمَنِ) بن هُرْمُز (الْأَعْرَجُ) أي من جملة الأحاديث التي حدّثه بها عبد الرحمن

٣٠۔ (ذکرُ ما یجبُ للإمام، وما يجبُ عَلہ) - حديث رقم ٤١٩٩
٣٠٥ ==
الأعرج، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدّر، أي حال كون الحديث كائنًا مما الخ
(مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) أي مما ذكر الأعرج أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى
عنه، وإعرابه كسابقه (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِ) أنه (قَالَ: ((إِنَّمَا الْإِمَامُ) المراد به كلّ
قائم بأمور الناس (جُنَّةٌ) أي كالسترة؛ لأنه يمنع العدوّ من أذى المسلمين، ويمنع الناس
بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتّقيه الناس، ويخافون سطوته(١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الْمِجَنّ، والْجُنّة، والجانّ، والْجنّة، والْجِنَّةُ كله
راجع إلى معنى الستر، والتوقّ. يعني أنه يُتْقَى بنظره، ورأيه في الأمور العظام،
والوقائع الخطيرة، ولا يتقدّم على رأيه، ولا ينفرد دونه بأمر مهمّ حتى يكون هو الذي
يَشرَع في ذلك. انتهى (٢).
(يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ) ببناء الفعل للمفعول: أي يُقاتل معه الكفّار، والبغاة، والخوارج،
وسائر أهل الفساد، والظلم مطلقًا.
وقال القرطبيّ: معنى: ((من ورائه)) أي أمامه، ووراءُ من الأضداد، يقال بمعنى
خلفُ، وبمعنى أَمام، وعلى هذا حمل أكثر المفسّرين قوله تعالى: ﴿وكان ورءهم
ملك﴾ الآية [الكهف: ٧٩] أي أمامهم، وأنشدوا قول الشاعر [من الطويل]:
أَتَرْجُو بَنُو مَزْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْقَلَاةُ وَرَائِيَا
وأصله أن كلّ ما توارى عنك، أي غاب، فهو وراء. وهذا خبرٌ منه صلَّى اللَّه تعالى
عليه وسلم عن المشروعيّة، فكأنه قال: الذي يجب، أو يتعيّن أن يُقاتل أمام الإمام، ولا
يُترك يُباشر القتال بنفسه؛ لما فيه من تعرّضه للهلاك، فيَهلِك كلُّ من معه، ويكفي دليلًا
في هذا المعنى تغبيةٌ(٣) رسول الله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أصحابُه يوم بدر وغيره،
فإنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم كان في العَرِيش في القلب، والمقاتلة أمامه.
قال: وقد تضمّن هذا اللفظ على إيجازه أمرين: كون الإمام يُقتدى برأيه، ويُقاتل بين
يديه، فهما خبران عن أمرين متغايرين، وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث، على أن
ظاهره أنه يكون أمام الناس في القتال وغيره، وليس الأمر كذلك، بل كما بيَّنَّاه. والله
تعالى أعلم. انتهى ببعض تصرّف (٤).
(١) ((شرح مسلم) ٤٣٣/١٣-٤٣٤. ((كتاب الإمارة)).
(٢) ((المفهم)) ٢٦/٤ .
(٣) هكذا النسخة بالغين المعجمة، والظاهر أنه من غبي بمعنى خفي، فيكون من إضافة المصدر إلى
مفعوله، ورفع الفاعل، وهو ((أصحابه)) .
(٤) ((المفهم)) ٢٦/٤.

٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
وقال السنديّ رحمه الله تعالى: قيل: المراد أنه يقاتل قُدّامه، ف((وراءه)) ههنا بمعنى
((أمام))، ولا يُترك يباشر القتال بنفسه؛ لما فيه من تعرّضه للهلاك، وفيه هلاك الكلّ.
قال: وهذا لا يناسب التشبيه بالْجُنّة، مع كونه خلاف ظاهر اللفظ في نفسه، فالوجه
أن المراد أنه يُقاتل على وفق رأيه، وأمره، ولا يُختلف عليه في القتال. والله تعالى
أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ في معنى ((من ورائه)) حسنٌ
جدًا. والله تعالى أعلم.
(وَيُتَّقَى بِهِ) أي يُعتصم برأيه، أو يَلتجىء إليه من يَحتاج إلى ذلك. وقال النووي:
التاء مبدلة من الواو؛ لأن أصلها من الوقاية. انتهى (فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَعَدَلَ، فَإِنَّ لَهُ
بِذَلِكَ أَجْرًا) أي أجرًا عظيمًا، فالتنوين للتعظيم، وقال القرطبيّ: سكت عن الصفة للعلم
بها، وقد دلّ على ذلك قوله صلّى الله تعالى عليه وسلم: ((إن المقسطين على منابر من
نور)) الحديث، رواه مسلم، وقوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم في السبعة الذين يُظلّهم
اللَّه في ظلّه: ((وإمام عادلٌ)). متفقٌ عليه (وَإِنْ أَمَرَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ وِزْرًا) أي أمر بجور،
كان عليه الحظّ الأكبر من إثم الجور. وفي رواية مسلم: ((كان عليه منه)» بـ((من))، قال
القرطبيّ: و((من)) هنا للتبعيض، أي لا يختصّ هو بالإثم، بل المنفّذ لذلك الجور يكون
عليه أيضًا حظّه من الإثم، والراضي به، فالكلّ يشتركون في إثم الجور، غير أن الإمام
أعظمهم حظًا منه؛ لأنه ممضيه، وحاملٌ عليه. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٠/ ٤١٩٩- وفي ((الكبرى)) ٧٨١٩/٣٤. وأخرجه (خ) في ((الجهاد))
٢٩٥٧ و((الأحكام)) ٧١٣٧ (م) في ((الإمارة)) ٣٤٢٨ (د) في ((الجهاد)) ٢٧٥٧ (أحمد) في
(باقي مسند المكثرين)) ١٠٣٩٨. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يجب للإمام، وما يجب
(١) ((المفهم)) ٢٦/٤-٢٧. ((كتاب الإمارة)».

٣٠٧ =
٣١- (التّصِيحَةُ لِلإِمام) - حديث رقم ٤٢٠٠
عليه، فقد بيّن صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أنه يجب أن يجعل جُنّةً يُستتر به من الشرّ
والفساد، وتنظيم أمور العباد، وأنه يجب أن يقاتل دونه، فلا يُترك عُرضة للهلاك، وأنه
إن عدل فله الأجر العظيم، وإلا فعليه الوزر العظيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣١- (النَّصِيحَةُ لِلإِمَام)
٤٢٠٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَأَلْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي
صَالِحٍ، قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِيكَ، قَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي حَدَّثَ
أَبِي، حَدَّثَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، يُقَالُ لَّهُ: عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّمَا الذِّينُ النَّصِيحَةُ))، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ،
وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٢/٢١.
٢- (سفيان) بن عُيينة المكيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١.
٣- (سُهَيل بن أبي صالح) ذكوان المدني، صدوق تغير بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠ .
٤ - (عطاء بن يزيد) الليثيّ الجندعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقة [٤] ٢١/٢٠.
٥- (تميم الداريّ) هو تميم بن أوس بن حارثة، وقيل: خارجة بن سُود، وقيل:
سواد بن جَذِيمة بن وداع، ويقال: ذراع بن عديّ بن الدار بن هانىء بن حبيب بن نُمارة
ابن لَخْم، أبو رُقيّة الداريّ، مشهور في الصحابة، كان نصرانياً، وقدم المدينة، فأسلم،
وذكر للنبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم قصّة الجسّاسة، والدجال، فحدّث النبيّ صلّى
الله تعالى عليه وسلم عنه بذلك على المنبر، وعُدّ ذلك من مناقبه، ومن رواية الأكابر
عن الأصاغر. قال ابن السكن: أسلم سنة تسع هو، وأخوه نُعيم، ولهما صحبة. وقال
ابن إسحاق: قدم المدينة، وغزا مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم. وقال أبو نُعيم:
كان راهب أهل عصره، وعابد فلسطين. قال يعقوب بن سفيان: لم يكن له ذَكَرٌ، وإنما
كانت له ابنة، تُسمّى رُقيّة. وقال ابن سُميع: مات بالشام، ولا عقب له. وقال قتادة:

٣٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
كان من علماء أهل الكتابين. وقال ابن سيرين: كان يختم في ركعة، قام بآية حتى
أصبح، وهي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [الجاثية: ٢١]. رواه البغويّ في
((الجعديّات)) بإسناد صحيح إلى مسروق، قال: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام
أخيك تميم، فذكره. وهو أول من أسرج السراج في المسجد. رواه الطبرانيّ من حديث
أبي هريرة، وأول من قصّ، وذلك في عهد عمر، رواه إسحاق بن راهويه، وابن أبي
شيبة. وانتقل إلى الشام بعد قتل عثمان رضي اللّه تعالى عنه، وسكن فلسطين، وكان
النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أقطعه بها قرية عينون، روي ذلك من طرق كثيرة.
قيل: وُجد على قبره أنه مات سنة (٤٠). قال ابن حبّان: مات بالشام، وقبره بيت
جِبرين من بلاد فلسطين(١). علّق له البخاريّ، وروى له الباقون، وله عند المصنّف
حديث الباب فقط(٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من سهيل.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سفيان بن عيينة، أنه (قال: سَأَلْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِح) اسم أبيه ذكوان (قُلْتُ:
حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/
١٥٤ (عَنْ الْقَعْقَاعِ) بن حكيم الكنانيّ المدنيّ، ثقة [٤] ٣٦/ ٤٠ (عَنْ أَبِيكَ) أبي صالح/
ذكون السمّان الزَّيّات، كان يجلب الزيت إلى الكوفة، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦.
زاد في رواية مسلم: ((ورجوت أن يُسقط عنّي رجلًا)). والمعنى: أن سفيان أراد أن
يحدّثه عن أبيه، فيعلو بدرجة، حيث إنه روى الحديث عن عمرو بن دينار، عن القعقاع
ابن حكيم، عن أبي صالح، فبينه وبين أبي صالح واسطتان، فأراد أن يكون بينه وبينه
واسطة واحدة، وهو سهیل.
(قَالَ) سُهيل (أَنَا سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي حَدَّثَ أَبِي) يعني أنه سمع هذا الحديث مع أبيه،
(١) ((الإصابة)) ٣٠٤/٢-٣٠٥. (تهذيب الكمال)) ٣٢٦/٤-٣٢٨. (تهذيب التهذيب)) ٢٥٩/١.
(٢) ذكر النوويّ رضي الله تعالى عنه في ((شرح مسلم)) ٣٧/٢ - أنه ليس لتميم الداري رضي الله تعالى
عنه في ((صحيح البخاريّ)) عن النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم شيء، ولا له في مسلم عنه غير
هذا الحديث.

٣١- (النَّصِيحَةُ لِلإِمَام) - حديث رقم ٤٢٠٠
٣٠٩
فصار مشاركًا لأبيه في السماع عن عطاء بن يزيد، فحصل لسفيان أن أسقط عنه ثلاثةً:
عمرًا، والقعقاع، وأبا صالح، فصار عاليًا بدرجتين، حيث وصل إلى عطاء بواسطة
واحدة، بدلًا من ثلاث وسائط (حَدَّثَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، يُقَالُ لَهُ: عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ)
الليثيّ (عَنْ تَمِيم) ابن أوس رضي اللَّه تعالى عنه (الدَّارِيِّ) نسبة إلى أحد أجداده، وهو
دار بن هانىء، كما تقدّم في نسبه(١) (قَالَ) تميم رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلَه: (إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ))) تقدّم معنى النصيحة، واشتقاقها، وما قال العلماء فيها في
٤١٥٨/٦- فراجعه تستفد.
وَالمَعْنَى أَن عِمَادَ الدِّينِ، وَقِوَامَهُ النَّصِيحَةُ، كَقَوْلِهِ: ((الْحَجُّ عَرَفَةٍ)): أَيْ عِمَاده،
وَمُعْظَمِهِ عَرَفَة. انتهى(٢).
(قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون عند النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم حينما تكلّم
بهذا الحديث (لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي النصيحة التي ذكرت أنها الدين كلّه لأي شخص
تكون؟ (قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (لِلَّهِ) معنى النَّصِيحَة لِلَّهِ تَعَالَى، مُنْصَرِفٌ إِلَى
الْإِيمَان بِهِ، وَنَفْي الشَّرِيكِ عَنْهُ، وَتَرْكِ الْإِلْحَاد فِي صِفَاتِه، وَوَصْفِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَال
وَالْجَلَالِ كُلّهَا، وَتَنْزِيهِه سُبْحَانِه وَتَعَالَى مِنْ جَميعِ النَّقَائِصِ، وَالْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَاب
مَعْصِيَتِه، وَالْحُبّ فِيهِ، وَالْبُغْض فِيهِ، وَمُوَالَاء مَنْ أَطَاعَهُ، وَمُعَادَاة مَنْ عَصَاهُ، وَجِهَاد مَنْ
كَفَرَ بِهِ، وَالإِعْتِرَاف بِنِعْمَتِهِ، وَشُكْرِه عَلَيْهَا، وَالْإِخْلَاصِ فِي جَميعِ الْأُمُورِ، وَالدُّعَاءُ إِلَى
◌َجَميعِ الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَةِ، وَالْحَثّ عَلَيْهَا، وَالتََّطُّف فِي جُمع النَّاس، أَوْ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ
عَلَيْهَا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَخمه اللَّه: وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ، رَاجِعَة إِلَى الْعَبْد فِي نُصْحه
نَفْسه، فَاَللَّه تَعَالَى غَنِيٍّ، عَنْ نُصْحِ النَّاصِح. انتهى.
(وَلِكِتَابِهِ) معنى النَّصِيحَة لِكِتَابِهِ سُبْحَانِه وَتَعَالَى، فَهو الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ كَلَام اللَّه تَعَالَى،
وَتَنْزِيله، غير مخلوق، ولَا يُشْبِهِهُ شَيْءٌ مِنْ كَلَام الْخَلْقِ، وَلَا يَقْدِر عَلَى مِثْله أَحَد مِنْ
الْخَلْقِ، ثُمَّ تَعْظِيمِه، وَتِلَاوَتِه حَقْ تِلَاوَتِهِ، وَتَحَسِينُهَا، وَالْخُشُوعِ عِنْدِهَا، وَإِقَامَة حُرُوفه
فِي التَّلَاوَة، وَالذَّبّ عَنْهُ لِتَأْوِيلِ الْمُحَرِّفِينَ، وَتَعَرُّض الطَّاعِنِينَ، وَالتَّصْدِيقِ بِمَا فِيهِ،
وَالْوُقُوفِ مَعَ أَحْكَامِه، وَتَفَهُم عُلُّومِه وَأَمْثَالِهِ، وَالإِغْتِيَارِ بِمَوَاعِظِهِ، وَالنَّفَكِّر فِي عَجَائِه،
وَالْعَمَلِ بِمُحْكَمِهِ، وَالتَّسْلِيم لِمُتَشَابِهِ، وَالْبَحْث عَنْ عُمُومِه وَخُصُوصه، وَنَاسِخه
وَمَنْسُوخِهِ، وَنَشْرِ عُلُومِه، وَالدُّعَاء إِلَيْهِ، وَإِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَصِيحَته.
(١) أفاده في ((اللباب)) ٤٨٤/١-٤٨٥.
(٢) راجع ((شرح مسلم للنووي٣٧/٢ّ. ((كتاب الإيمان)).

٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
(وَلِرَسُولِهِ) معنى النَّصِيحَة لِرَسُولِهِ نَِّ، فَهو تَصْدِيقه عَلَى الرِّسَالَة، وَالْإِيمَانُ بِجَمِيع
مَا جَاءَ بِهِ، وَطَاعَتُهُ فِي أَمْرِهِ وَغْيِه، وَنُصْرَتُهِ حَيَّ وَمَيْتَا، وَمُعَادَاهُ مَنْ عَادَاهُ، وَمُوَالَاةُ مَنَّ
وَالَاهُ، وَإِعْظَامُ حَقْه، وَتَوْقِيْرُه، وَبَثُ دَعَوْته، وَنَشْرُ شَرِيعَته، وَنَفْيُ التُّهْمَة عَنْهَا، وَتعظيم
سنته، وإِخْيَاءُها بعد موته بروايتها، وتصحيحها، والبحث عنها، وَاسْتِثَارَةِ عُلُومِهَا،
وَالتَّفَقُّهِ فِي مَعَانِيهَا، وَالدُّعَاء إِلَيْهَا، وَالتَّلَطُّفِ فِي تَعَلُّمِهَا وَتَعْلِيمِهَا، وَإِعْظَامُهَا،
وَإِجْلَالِهَا، وَالتََّدُّبُ عِنْد قِرَاءَتَهَا، وَالْإِمْسَاكُ عَنْ الْكَلَّامِ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِجْلَالُ أَهْلِهَا
لِنْتِسَابِهِمْ إِلَيْهَا، وَالتَّخَلْقُ بِأَخْلَاقِهِ، وَالتَّدُّبُ بِآدَابِهِ، وَمَحَبَّةُ أَهْلَ بَيْتِه وَأَصْحَابِهِ، وَمُجَانَبَةُ
مَنْ ابْتَدَعَ فِي سُنَّته، أَوْ تَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَنَحْو ذَلِكَ.
(وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ) معنى النَّصِيحَة لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَهو مُعَاوَنَتُهِمْ عَلَى الْحَقّ،
وَطَاعَتُهُمْ فِيهِ، وَأَمْرُهُمْ بِهِ، وَتَنْبِيهِهِمْ وَتَذْكِيرهمْ بِرِفْقٍ وَلُطْفٍ، وَإِعْلَامُهِمْ بِمَا غَفَلُوا عَنْهُ،
وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ مِنْ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ، وَتَأَلِيفُ قُلُوب النَّاسِ
لِطَاعَتِهِمْ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: وَمِنْ النَّصِيحَة لَهُمْ الصَّلَاةِ خَلْفِهمْ، وَالْجِهَادِ مَعَهُمْ،
وَأَدَاءِ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ، وَتَرْك الْخُرُوجِ بِالسَّيْفِ عَلَيْهِمْ، إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ حَيْفٌ، أَوْ سُوءُ
عِشْرَة، وَأَنْ لَا يُغَرُّوا بِالثَّنَاءِ الْكَاذِبِ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُدْعَى لَهُمْ بِالصَّلَاحِ.
قال النوويّ: وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْخُلَفَاءُ، وَغَيْرِهمْ، مِمَّنْ يَقُوم
◌ِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ أَصْحَاب الْوِلَايَاتِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور. وَحَكَاهُ أيْضًا الْخَطَّابِيُّ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُتَأَوَّل ذَلِكَ عَلَى الْأَئِمَّ الَّذِينَ هُمْ عُلَمَاءِ الدِّينِ، وَأَنَّ مِنْ نَصِيحَتهمْ قَبُول مَا
رَوَوْهُ، وَتَقْلِيدهمْ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِحْسَان الظَّنِّ بِهِمْ. انتهى.
(وَعَامَّتِهِمْ))) معنى نَصِيحَة عَامَّة الْمُسْلِمِينَ -وَهُمْ مَنْ عَدَا وُلاة الْأَمْرِ - فَهوإِرْشَادُهُمْ
لِمَصَالِحِهِمْ، فِي آخِرَتهمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَكَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ، فَيُعَلِّمُهُمْ مَا يَجْهَلُونَهُ مِنْ دِينهمْ،
وَيُعِينُهُمْ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَسِتْرِ عَوْرَاتِهِمْ، وَسَدّ خَلَّاتِهِمْ، وَدَفْع الْمَضَارّ عَنْهُمْ،
وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ لَهُمْ، وَأَمْرُهمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنْيهِجْ عَنْ الْمُنْكِّرِ، بِرِفْقٍ وَإِخْلَاصٍ، وَالشَّفَقَةُ
عَلَيْهِمْ، وَتَوْقِيْرُ كَبِيرِهِمْ، وَرَحْمَة صَغِيرهمْ، وَتَّخَوُّلِهِمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَتَرْك غِشْهِمْ
وَحَسَدِهِمْ، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْرِ، وَيَكْرَه لَهُمْ مَا يَكْرَه لِنَفْسِهِ مِنْ
الْمَكْرُوهِ، وَالذَّبّ عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضهمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالهِمْ، بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ،
وَحَثْهِمْ عَلَى التَّخَلَّقِ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصِيحَة، وَتَنْشِيطُ هَمِّهِمْ إِلَى الطَّاعَاتِ.
ثُ مَنْ تَبْلُغْ بِهِ النَّصِيحَة إِلَى الْإضْرَارِ بِدُنْيَاهُ. قاله النوويّ(١).
وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَف
(١) (شرح مسلم)) ٣٩/٢ ((كتاب الإيمان)).

٣١١
٣١- (النَّصِيحَةُ لِلإِمام) - حديث رقم ٤٢٠١
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث تميم الدّاريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٢٠٠/٣١ و٤٢٠١ - وفي ((الكبرى)) ٧٨٢٠/٣٥ و٧٨٢١. وأخرجه
(م) في ((الإيمان)) ٨٢ (د) في ((الأدب)) ٤٩٤٤ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٤٩٣.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو وجوب النصيحة للإمام، وقد
تقدّم آنفًا معنى النصيحة للأئمة. (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: هَذَا حَدِيث
عَظِيمِ الشَّأْنِ، وَعَلَيْهِ مَدَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ جَّاعَات، مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ أَحَد أَزْبَاع
الْإِسْلَّامِ، أَيْ أَحَد الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ، الَّتِي تَجَمَعِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ، فَلَيْسَ كَمَّا قَالُوهُ، بَلْ
الْمَدَارُ عَلَى هَذَا وَخْدَهُ.
(ومنها): ما قَالَه ابْنُ بَطَّال -رَحِمَهُ اللَّهِ- فِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ النَّصِيحَة تُسَمَّى دِينًا،
وَإِسْلَامًا، وَأَنَّ الدِّين يَقَعِ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا يَقَّع عَلَى الْقَوْلِ. قَالَ: وَالنَّصِيحَةِ فَرْضٌ يُجْزِي
فِيهِ مَنْ قَامَ بِهِ، وَيَسْقُطْ عَنْ الْبَاقِينَ. قَالَ: وَالنَّصِيحَة لَازِمَة عَلَى قَدْر الطَّاقَّة، إِذَا عَلِمَ
النَّاصِحُ أَنَّهُ يُقْبَل نُصحه، وَيُطَاعِ أَمْرُهُ، وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِه الْمَكْرُوهِ، فَإِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسه
أَذَّى، فَهُوَ فِي سَعَةٍ. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٠١- (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ *: (إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ))، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ،
وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
و ((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدَّوْرقيّ. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و(«سفيان)):
هو الثوريّ.
(١) (شرح مسلم)) للنوويّ ٣٧/٢-٣٩. ((كتاب الإيمان)).

٣١٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
وشرح الحديث، وبيان مسائله، تقدّما في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٠٢- (أَخبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهَِّ، قَالَّ: ((إِنَّ الدِّينَ النَّصِيخَّةُ، إِنَّ الدّينَ النَّصِيحَةُ، إِنَّ الدِّينَ
التّصِيحَةُ))، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ
الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا،
غير مرّة. ((والربيع بن سليمان)): هو المراديّ المؤذِّن المصريّ. و((ابن عجلان)): هو
محمد مولى أبي فاطمة المدنيّ.
وقوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((إن الدين النصيحة))، وكرّره ثلاثًا، تأكيدًا،
وتنويها بعلوّ شأن النصيحة.
وحديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح، أخرجه المصنّف هنا-٣١/
٤٢٠٢ و٤٢٣- وفي ((الكبرى)) ٧٨٢٢/٣٥ و٧٨٢٣. وأخرجه (ت) في ((البرّ
والصلة)) ١٩١٦ . وشرحه، وفوائده تعلم مما سبق في حديث تميم الداريّ رضي
اللَّه تعالى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٤٢٠٣- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الْكَبِيرِ بْنِ شُعَيْبٍ بْنِ الْحَبْحَابِ،
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ
الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، وَعَنْ سُمِّيَّ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، قَالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ:
(لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا،
غير :
١- (عبد القدّوس) بن محمد بن عبد الكبير بن شعيب بن الْحَبْحاب، أبو بكر
الحبحابيّ الْمِعْوَليّ العطّارِ البصريّ، صدوق [١١].
قال أبو حاتم: صدوقٌ. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال
مسلمة: لا بأس به. روى عنه الجماعة، سوى مسلم، وأبي داود، روى عنه البخاريّ
أربعة أحاديث، وروى عنه المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.

٣٢- (بطانةُ الإِمام) - حديث رقم ٤٢٠٤
٣١٣ =
و ((محمد بن جَهْضم)): هو الثقفيّ، أبو جعفر البصريّ، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ
[١٠] ١٧٧٠/٦٠. و((إسماعيل بن جعفر)): هو ابن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ، ثقة
ثبت [٨] ١٧/١٦. و((سُميّ)): هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
المدنيّ، ثقة [٦] ٢٢/ ٥٤٠. و((عبيد الله بن مِقسم)): هو المدنيّ، ثقة مشهور [٤]
١٩٢٢/٦٦ .
والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٣٢- (بطَانَةُ الإِمَام)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((بِطانة)) الرجل - بكسر الباء الموحدة، وتخفيف الطاء
المهملة -: صاحب سرّه، وداخلةُ أمره الذي يُشاوره في أحواله. قاله في ((اللسان)).
وقال الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)): البطانة الدُّخَلاءُ. انتهى. قال
في ((الفتح)): هذا قول أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا
يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ الآية [آل عمران: ١١٨]: البطانة الدُّخلاء، والخبال الشرّ. انتهى.
والدُّخلاءُ بضمّ، ثم فتح: جمع دخيل: وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته،
ويُفضي إليه بسرّه، ويصدّقه فيما يُخبره به، مما يخفى عليه من أمر رعيّته، ويَعمل
بمقتضاه. انتهى(١).
وقال الزجّاج: البطانة الدُّخَلاء الذين يُنبسط إليهم، ويُستبطنون، يقال: فلانٌ بطانة
لفلان: أي مداخلٌ له مؤانسٌ، والمعنى أن المؤمنين نُهُوا أن يتخذوا المنافقين خاصّتهم،
وأن يُفضوا إليهم أسرارهم. ذكره في ((اللسان)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٤٢٠٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَمَّرُ بْنُ يَعْمَرَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَامِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزَّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((مَا مِنْ وَالٍ، إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَائَةٌ تَأْمُرُهُ
(١) (فتح)) ٩٨/١٥-٩٩. (كتاب الأحكام)). حديث: ٧١٩٨.
١

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا، فَمَنْ وُقِيَ شَرَّهَا، فَقَدْ وُقِيَ، وَهُوَّ
مِنْ الَّتِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن يحيى بن عبد اللَّه) بن خالد الذُّهليّ النيسابوريّ، ثقة حافظ جليل
[١١] ٣١٤/١٩٦ .
٢- (مُعَمّر - بتشديد الميم الثانية، بوزن محمّد- ابن يعمر) - بِفَتْح أَوَّله، وَسُكُون
الْمُهْمَلَة - الليثيّ، أبو عامر الدمشقيّ، مقبول، من كبار [١٠].
روى عن معاوية بن صالح. وعنه العبّاس بن الوليد بن صبح الخلال، ومحمد بن
خلف الداريّ، وأحمد بن يوسف السلميّ، ومحمد بن يحيى الذهليّ. ذكره ابن حبّان
في ((الثقات))، وقال: يغرب. وقال ابن القطّان: مجهول الحال. تفرّد به المصنّف بهذا
الحديث فقط .
٣- (معاوية بن سلام) - بتشديد اللام - ابن أبي سلام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان
يسكن حمص، ثقة [٧] ١٤٧٩/١٣.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام المدنيّ الحافظ الحجة الثبت [٤] ١/١ .
٥- (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/١.
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير مُعَمَّر، فإنه من أفراده، كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َظَلّه من
المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (مَا مِنْ) زائدة
(وَالٍ) وفي حديث أبي سعيد الآتي بعد هذا: (( ما بعث الله من نبيّ، ولا استخلف من
خليفة)) (إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ) البطانة بكسر الموحدة: اسم جنس، يشمل الواحد،
والجماعة، والمراد من يَطْلِعُ على باطن حال الكبير، من أتباعه (بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ،
وَتَتْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرٍ) هذا تفسير لما يأتي في حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى
عنه بعد هذا بلفظ: ((بطانة تأمره بالخير)) (وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ) أي تقصّر فيه، من باب عدا،

٣٢- (بطّانَةُ الإِمام) - حديث رقم ٤٢٠٥
٣١٥ ===
وسَمَا، يقال: ألا في الأمر: إذا قصّر فيه، ثم استُعمل معدًّى إلى مفعولين في قولهم:
لا آلوك نصحًا، ولا آلوك جُهدًا على تضمين معنى المنع والنقص(١) (خَبَالًا) بفتح الخاء
المعجمة، وهو الفساد، وأصله ما يَلحق الحيوان من مرض، وفُتور، فيورثه فسادًا،
واضطرابًا، يقال: خبَله، من باب ضرب، وخبّله، بالتشديد، فهو خابل،، ومُخبّل،
وذاك مخبولٌ، ومُخبّل. قاله السمين الحلبيّ. وهو منصوب على التمييز: أي لا تُقصّرله
من جهة الفساد في أمره، يعني أنها لا تقصّر في إفساد أمره لعمل مصلحتهم، وقيل: كلّ
من الضمير، و(خبالًا)) منصوب بنزع الخافض، الأول باللام، والثاني بـ(في)): أي لا
يأن له في الخبال، وذلك لأن هذه المادة لازمة، فلا يتعدّى الفعل إليها إلا بواسطة
تضمينه المنع. انتهى(٢). والجملة صفة لـ ((بطانة))، قال في ((الفتح)): هو اقتباس من قوله
تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨].
ونقل ابن التين عن أشهب أنه ينبغي للحاكم أن يتخذ من يستكشف له أحوال الناس
في السرّ، وليكن ثقةً مأمونًا، فطِنًا، عاقلًا؛ لأن المصيبة إنما تدخل على الحاكم
المأمون من قبوله قول من لا يوثق به، إذا كان هو حسن الظنّ به، فيجب عليه أن يتثبّت
في مثل ذلك. انتھی.
(فَمَنْ وُقِيَ) بالبناء للمفعول. وقوله (شَرَّهَا) منصوب على المفعوليّة: أي حُفِظَ شرّ
هذه البطانة التي لا تألوه خبالًا (فَقَدْ وُقِيَ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي حُفظ من كلّ
بلاء (وَهُوَّ) أي ذلك الوالي الذي له بطانتان موصوفتان بالوصين المذكورين (مِن)
الطائفة (الَّتِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا) يعني أنه من جنس الطائفة التي تغلب عليه، فإن
غلبت عليه بطانة الخير، فهو من أهل الخير، وإن غلبت عليه بطانة الشرّ، فهو من
أهل الشرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح،
أخرجه المصنّف رحمه الله تعالى هنا-٤٢٠٤/٣٢- وفي ((الكبرى)) ٧٨٢٤/٣٦ وفي
((السير)) ٨٧٥٦/١٠٧. وأخرجه (خ) تعليقًا في ((كتاب الأحكام)) ٧١٩٨. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٢٠٥- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
(١) راجع ((حاشية الجمل على الجلالين)) ٣٠٧/١.
(٢) راجع ((حاشية الجمل على الجلالين)) ٣٠٧/١.

٣١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَیْعَةِ
يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ
وَِّ، قَالَ: (مَا بَعَثَ اَللَّهُ مِنْ نَبِيِّ، وَلَإِ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَائَتَانِ: بِطَانَةٌ
تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرَ، وَتَحَضُهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار
[١٠] ١/ ٤٤٩ .
٢- (ابن وهب) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت عابد [٩]
٩/٩ .
٣- (يونس) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد، ثقة [٧] ٩/٩.
٤- (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي الله تعالى عنهما ٢٦٢/١٦٩ . والباقيان تقدما في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ رَّه من
المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه (عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِ) أنه (قَالَ: ((مَا
بَعَثَ اللَّهُ مِنْ) زائدة (نَبِيِّ، وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ) وفِي رِوَايَةٍ صَفْوَان بْنِ سُلَيْم: ((مَا
بَعَثَ اللَّه مِنْ نَبِيْ، وَلَا بَعْدَهُ مِنْ خَلِيفَة))، والْمُرَاد بِبَعْثِ الْخَلِيفَةِ اسْتِخْلَافه، فهذه الرواية
تبيّن المراد منه. وفي حديث أبي هريرة الماضي: ((مَا مِنْ وَالٍ)) وَهِيَ أَعَمّ.
(إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَاتَتَانٍ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ) وفِي رِوَايَة البخاريّ: ((بِطَانَة تَأْمُرُهُ
بِالْمَعْرُوفِ، وتحضّه عليه))، وفي رواية: ((تأمره بالمعروف، وَتَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكُرِ))، وَهِيَ
تُفَسِرِ الْمُرَاد بِالْخَيْرِ (وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحَضُّهُ عَلَيْهِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة، وَضَاد مُعْجَمَة
ثَقِيلَة، أَيْ تُرَغْبِهُ فِيهِ»، وَتُؤَكِّدُهُ عَلَيْهِ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وَقَدْ اسْتَشْكِلَ هَذَا النَّقْسِيمُ، بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ
جَازَ عَقْلًا، أَنْ يَكُون فِيمَنْ يُدَاخِلُهُ مَنْ يَكُون مِنْ أَهْلِ الشَّرّ؛ لَكِنَّهُ لا يُتَصَوَّر مِنْهُ أَنْ يُصْغِي
إِلَيْهِ، وَلَا يَعْمَلِ بِقَوْلِهِ؛ لِوُجُودِ الْعِصْمَةِ.

٣١٧
٣٢- (بطّانَةُ الإِمام) - حديث رقم ٤٢٠٥
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ الْإِشَارَةَ إِلَى سَلَامَة النَّبِيّ مِنْ ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ: ((فَالْمَعْصُوم
مَنْ عَصَمَ اللَّه تَعَالَى))، فَلَا يَلْزَم مِنْ وُجُود مَنْ يُشِير عَلَى النَّبِّ بِالشَّرِّ، أَنْ يَقْبَل مِنْهُ.
وَقِيلَ: الْمُرَادِ بـ((الْبِطَائَتَيْنِ)) فِي حَقّ النَّبِّ الْمَلَك، وَالشَّيْطَانِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ وَلّى:
(وَلَكِنَّ اللَّه أَعَانَنِي عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ)). انتهى(١).
(وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)) وفِي رِوَايَةٍ بَعْضِهِمْ (مَنْ عَصَمَهُ اللّه)) بِزِيَادَةٍ
الضَّمِير، وَهُوَ مُقَدَّر فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَالْمُرَادَ بِهِ إِثْبَات الْأُمُور كُلّهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ
الَّذِي يَعْصِم مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ، فَالْمَعْصُومِ مَنْ عَصَمَهُ اللَّه، لَا مَنْ عَصَمَتْهُ نَفْسه، إِذْ لَا يُوجَد
مَنْ تَعْصِمُهُ نَفْسِه حَقِيقَة، إِلَّا إِنْ كَانَ اللَّه عَصَمَهُ.
وَفِيهِ إِشَارَةٍ إِلَى أَنَّ ثَمَّ قِسْمًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنَّ مَنْ يَلِي أُمُورِ النَّاسِ، قَدْ يَقْبَل مِنْ بِطَانَة
الْخَيْرِ، دُون بِطَانَة الشّرّ دَائِمًا، وَهَذَا اللَّائِقِ بِالنَّبِيِّ، وَمِنْ ثَمَّ عَبَّرَ فِي آخِرِ الْحَدِيث بِلَفْظَةِ
(الْعِصْمَة)). وَقَدْ يَقْبَل مِنْ بِطَانَة الشّرّ، دُونَ بِطَانَةِ الْخَيْرِ، وَهَذَا قَدْ يُوجَد، وَلَا سِيَّمَا مِمَّنْ
يَكُون كَافِرًا، وَقَدْ يَقْبَل مِنْ هَؤُلَاءِ تَارَة، وَمِنْ هَؤُلَاءِ تَارَة، فَإِنْ كَانَ عَلَى حَدّ سَوَاء، فَلَمْ
يَتَعَرَّض لَهُ فِي الْحَدِيث؛ لِوُضُوحِ الْحَالِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبِ عَلَيْهِ الْقَبُولِ مِنْ أَحَدهمَا،
فَهُوَ مُلْحَق بِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرِ،َ وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ.
وَفِي مَعْنَى حَدِيث الْبَابِ، حَدِيث عَائِشَة رضي اللَّه تعالى عنها، مَرْفُوعًا: ((مَنْ وَلِيَ
مِنْكُمْ عَمَلًا، فَأَرَادَ اللَّه بِهِ خَيْرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ
أَعَانَهُ))(٢).
قَالَ ابْنِ التِّين رحمه الله تعالى: يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بـ((الْبِطَانَتَيْنِ)) الْوَزِيرَيْنِ،
وَيَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون الْمَلَكِ وَالشَّيْطَانِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ رحمه الله تعالى: يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون
الْمُرَاد بـ((الْبِطَانَتَيْنِ)) النّفْسِ الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ، وَالنّفْسِ اللَّوَّامَة الْمُحَرِّضَة عَلَى الْخَيْر؛ إِذْ لِكُلِّ
مِنْهُمَا قُوَّة مَلَكِيَّةَ، وَقُوَّة حَيَوَانِيَّة. اُنْتَهَى.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وَالْحَمْلِ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْلَى، إِلَّا أَنَّهُ جَائِزُ، أَنْ لَا يَكُون
لِيَعْضِهِمْ إِلَّا الْبَعْضِ. وَقَالَ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ رحمه الله تعالى: الْبِطَانَة: الْأَوْلِيَاءِ
وَالْأَصْفِيَاءِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعِ الإِسْمِ، يَصْدُق عَلَى الْوَاحِد، وَالإِثْنَيْنِ، وَالْجَمْع،
مُذَكَّرًا، وَمُؤَنًَّا. انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((فتح)) ٩٩/١٥ - ١٠٠. ((كتاب الأحكام)). حديث٧١٩٨.
(٢) حديث صحيح يأتي للمصنف في الباب التالي.
(٣) المصدر السابق.

=
٣١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤٢٠٥/٣٢- وفي ((الكبرى)) ٧٨٢٥/٣٦. وأخرجه (خ) في ((القدر))
٦٦١١ و((الأحكام)) ٧١٩٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٩٤٩ و١١٤٢٤ .
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الاختلاف الواقع في سند هذا الحديث:
(اعلم): أنه اختلف في هذا الحديث، فقد روي من حديث أبي سعيد الخدريّ،
ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي أيوب رضي اللّه تعالى عنهم، وكلها أخرجها
المصنّف رحمه الله تعالى، وقد أشار الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه))
إلى هذه الاختلافات، بعد أن أخرجه من حديث أبي سعيد رضي اللّه تعالى عنه، وهاك
نصّه :
حدثنا أصبغ،. أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة،
عن أبي سعيد الخدري، عن النبي وَلّ، قال: ((ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من
خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتَحَضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر،
وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى)).
وقال سليمان، عن يحيى: أخبرني ابن شهاب بهذا، وعن ابن أبي عتيق، وموسى، عن
ابن شهاب مثله. وقال شعيب، عن الزهري، حدثني أبو سلمة، عن أبي سعيد قوله.
وقال الأوزاعي، ومعاوية بن سلام: حدثني الزهري، حدثني أبو سلمة، عن أبي
هريرة، عن النبي وَالرّ.
وقال ابن أبي حسين، وسعيد بن زياد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد قوله.
وقال عبيد الله بن أبي جعفر: حدثني صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب، قال
سمعت النبي ێے. انتهى.
فقال في ((الفتح)): قَوْله: ((وَقَّالَ شُعَيْب)): هُوَ ابْنِ أَبِي حَمْزَةٍ، عَنْ الزُّهْرِيّ إِلَخْ.
وَقَوْله: ((قَوْلَه)) يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَرْفَعُهُ، بَلْ جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي سَعِيد، وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْع
الْخَافِضِ، أَيْ مِنْ قَوْله. وَرِوَايَة شُعَيْب هَذِهِ الْمَوْقُوفَة، وَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ، فِي جُمعه حَدِيث
الزُّهْرِيّ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَمْ تَقَعِ بِيَدِي. قال الحافظ: وَقَدْ رَوَيْنَاهَا فِي فَوَائِد عَلِيّ بْن
مُحَمَّد الْجِكَّانِيّ - بِكَسْرِ الْجِيم، وَتَشْدِيد الْكَافِ، ثُمَّ نُون، عَنْ أَبِي الْيَمَان، مَرْفُوعَة.

=
٣١٩
٣٢- (بطَانَةُ الإِمام) - حديث رقم ٤٢٠٥
وقَوْله: ((وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمُعَاوِيَة بْنِ سَلَّامٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة)»: يُرِيد أَنَّمَا خَالَفَا مَنْ تَقَدَّمَ، فَجِّعَلَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ، بَدَلِ أَبِي سَعِيد،
وَخَالَفَا شُعَيْيَا أَيْضًا فِي وَقْفِه، فَرَفَعَاهُ، فَأَمَّا رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَوَصَلَهَا أَحْمَد، وَابْنِ
حِبَّان، وَالْحَاكِم، وَالْإِسْمَاعِيلِيّ، مِنْ رِوَايَة الْوَلِيد بْن مُسْلِمٍ، عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ الْإسْمَاعِيلِيّ
أَيْضًا، مِنْ رِوَايَةِ عَبْد الْحَمِيد بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، فَقَالَ: عَنْ الزُّهْرِيّ، وَيَحْيَى بْن
أَبِي كَثِير، عَنْ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. قال الحافظ: فَعَلَى هَذَا، فَلَعَلَّ الْوَلِيدِ حَمّلَ
رِوَايَةِ الزُّهْرِيّ، عَلَى رِوَايَة يَخْيَى، فَكَأَنَّهُ عِنْدِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة،
وَعِنْد الزُّهْرِيّ، عَنْ يَخِيَّى، عَنْ أَبِي سَعِيد، فَلَعَلَّ الْأَوْزَاعِيّ حَدَّثَ بِهِ مَجْمُوعًا، فَظَنَّ
الرَّاوِي عَنْهُ، أَنَّهُ عِنْدَهُ عَنْ كُلّ مِنْهُمَّا بِالطَّرِيقَيْنِ، فَلَمَّا أَفْرَدَ أَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ، انْقَلَبَتْ عَلَيْهِ،
لَكِنَّ رِوَايَة مَعْمَر الَّتِي بَعْدَهَا، قَدْ تَدْفَعَ هَذَا الأَحْتِمَالِ، وَيُقَرِّبِ أَنَّهُ عِنْدَ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي
سَلَمَة عَنْهُمَا جَمِيعًا.
وَقَدْ قِيلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيّ، عَنْ حُمَيْدِ بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، بَدَل أَبِي سَلَمَة،
أَخْرَجَهُ إِسْحَاق فِي ((مُسْنَده)) مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ يُونُسٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْفَضْلِ
صَدُوق، وَقَالَ ابْنِ حِبَّان - لَمَّا ذَكَّرَهُ فِي ((الثّقَات)) -: رُبَّمَا أَخْطَأَ، فَكَانَ هَذَا مِنْ ذَاكَ.
وَأَمَّا رِوَايَةٍ مُعَاوِيَة بْنِ سَلَّام -وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللََّم - فَوَصَلَهَا النَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيّ،
مِنْ رِوَايَة مَعْمَر، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَّة بْنِ سَلَّامِ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَة، أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَة، قَالَ فَذَكَرَهُ.
قَوْله: ((وَقَالَ ابْن أَبِي حُسَيْن، وَسَعِيد بْنِ زِيَاد، عَنْ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أَبِي سَعِيد،
قَوْله)): أَيْ وَقَفَاهُ أَيْضًا. وَابْن أَبِي حُسَيْن: هُوَ عَبْدِ اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حُسَيْن،
التَّوْفَلِيُّ الْمَكْيّ، وَسَعِيد بْنِ زِيَاد: هُوَ الْأَنْصَارِيّ الْمَدَنِيّ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، رَوَى عَنْ
جَابِرٍ، وَحَدِيثه عَنْهُ، عِنْد أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَمَا لَهُ رَارٍ، إِلَّا سَعِيد بْن أَبِي هِلَال، وَقَدْ
قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم الرَّازِيُّ: مَجْهُول، وَمَا لَّهُ فِي الْبُخَارِيّ ذِكْرٍ، إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَوْله: ((وَقَالَ عُبَيْدَ اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر: حَدَّثَنِي صَفْوَان، عَنْ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أَبِي
أَيُّوب)): أَمَّا عُبَيْد اللَّه فَهُوَ الْمِصْرِيّ، وَاسْم أَبِي جَعْفَر: يَسَار بِتَخْتَانِيَّةِ، وَمُهْمَلَة خَفِيفَة-
وَعُبَيْدِ اللَّه تَابِعِيّ صَغِير، وَقَدْ وَصَلَ هَذِهِ الطَّرِيقِ النَّسَائِيُّ (١)، وَالْإِسْمَاعِيلِيّ، مِنْ طَرِيق
اللَّيْث، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ أَبِي جَعْفَر: حَدَّثَنَا صَفْوَان بْنِ سُلَيْم - هُوَ الْمَدَنِيّ - عَنْ أَبِي
سَلَمَّةٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ، فَذَكَرَهُ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: مُحَصَّل مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ، أَنَّ الْحَدِيثِ مَرْفُوعٍ، مِنْ رِوَايَةٍ ثَلَاثَة
(١) هو الحديث التالي.

٣٢٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
أَنْفُس، مِنْ الصَّحَابَةِ انْتَهَى.
قال الحافظ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَّرَهُ، إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبٍ صُورَة الْوَاقِعَة، وَأَمَّ عَلَى طَرِيقَة
الْمُحَدِّثِينَ، فَهُوَ حَدِيث وَاحِدٍ، وَاخْتُلِفَ عَلَى التَّابِعِيّ، فِي صَحَابِيّهِ، فَأَمَّا صَفْوَان،
فَجَزَمَ بِأَنَّهُ عَنْ أَبِي أَيُّوب، وَأَمَّ الزُّهْرِيّ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ، هَلْ هُوَ أَبُو سَعِيد، أَوْ أَبُو
هُرَيْرَة. وَأَمَّ الإِخْتِلَافِ فِي وَقْفِه وَرَفْعِه، فَلَا تَأْثِير لَهُ؛ لِأَنَّ مِثْلِه لَا يُقَالِ مِنْ قِبَل
الاجْتِهَاد، فَالرِّوَايَةِ الْمَوْقُوفَة لَفْظًا، مَرْفُوعَة حُكْمًا، وَيُرَجَّح كَوْنه عَنْ أَبِي سَعِيد، مُوَافَقَة
ابْن أَبِي حُسَيْن، وَسَعِيد بْنِ زِيَادِ لِمَنْ قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أَبِي سَعِيد،
وَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلا الزُّهْرِيّ، وَصَفْوَان، فَالزُّهْرِيّ أَحْفَظِ مِنْ صَفْوَانْ بِدَرَجَاتٍ، فَمِنْ ثَمَّ يَظْهَر
قُوَّة نَظَرِ الْبُخَارِيّ، فِي إِشَارَتِه إِلَى تَرْجِيحَ طَرِيقٍ أَبِي سَعِيد، فَلِذَلِكَ سَاقَهَا مَوْصُولَة،
وَأَوْرَدَ الْبَقِيَّةِ بِصِيَغِ التَّعْلِيقِ، إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْخِلَافِ الْمَذْكُور لَا يَقْدَح فِي صِحّة الْحَدِيثِ،
إِمَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي بَيَّنْتَهَا مِنْ التَّرْجِيحِ، وَإِمَّا عَلَى تَّجِيزِ أَنْ يَكُون الْحَدِيث عِنْد أَبِي
سَلَّمَةٍ، عَلَى الْأَوْجُه الثَّلَاثَة، وَمَعَ ذَلِكَ فَطَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ أَرْجَحِ. وَاللَّه أَعْلَم.
قال: وَوَجَدْت فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَد)» لِلْبُخَارِيِّ مَا يَتَرَجَّحِ بِهِ رِوَايَةٍ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَة، فَإِنّةً أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْد الْمَلِكِ بْن عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّمَة، كَذَلِكَ فِي آخِرِ
حَدِيث طَوِيل. انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا التحقيق الذي ذكره الحافظ مفسّرًا ما أشار إليه
الإمام البخاريّ رحمهما الله تعالى في الاختلاف الواقع في إسناد هذا الحديث تحقيقٌ
نفيسٌ جدًا، وخلاصة ما مال إليه الحافظ ترجيح رواية أبي سعيد رضي الله تعالى عنه،
كما هو ظاهر صنيع البخاريّ رحمه الله تعالى.
والحاصل أن الحديث صحيح بطرقه الثلاثة، وإنما الكلام في الترجيح، فظاهر صنيع
البخاريّ ترجيح كونه من مسند أبي سعيد الخدريّ، ومال إليه الحافظ، لكن كونه من
مسند أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أيضًا وجد مرجّحًا، كما ذكر الحافظ في آخر
كلامه، فبقيت رواية صفوان عن أبي أيوب مرجوحة، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو أن الإمام له بطانتان: بطانة
تأمره بالخير، وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ، وتحضّه عليه، فينبغي له أن يكون على
-
(١) (فتح)) ٩٨/١٥- ١٠٢ ((كتاب الأحكام)) حديث: ٧٢٠١.