Indexed OCR Text

Pages 221-240

=
٢٢١ =
٩- (الْبَيْعَةُ عَلَى الْجِهَادِ) - حديث رقم ٤١٦٢
الحديث ٤٧٩٩ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَّةَ بْنِ الْأَنْوَعِ) رضي اللَّه
تعالى عنه (عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ النَّبِيِّ ◌َّهِ، يَوْمَ الْحُدَيْبِيَّةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ) أي بايعناه
على الموت، والمراد أنهم بايعوه على الصبر، ولو أدى ذلك إلى الموت، وقد تقدّم في
الباب الماضي وجه الجمع بينه وبين قول جابر رضي الله تعالى عنه: ((لم نبايع رسول
الله صلّى الله تعالى عليه وسلم على الموت، إنما بايعناه على أن لا نفرّ)). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سلمة بن الأكوع رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٦١/٨- وفي ((الكبرى)) ٧٧٨٠/٨. وأخرجه (خ) في ((الجهاد
والسير)) ٢٩٦٠ و((المغازي)) ٤١٦٩ و((الأحكام)) ٧٢٠٦ و٧٢٠٨ (م) في ((الإمارة))
١٨٦٠ و (ت) في ((السير)) ١٥٩٢ (أحمد) في ((أول مسند المدنيين)) ١٦٠٧٤ و١٦٠٨٣
و١٦٠٩٨ و٢٧٧٥٨١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٩- (الْبَيْعَةُ عَلَى الْجِهَادِ)
٤١٦٢- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَمْرَوَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةً، ابْنَ أَخِي يَعْلَى
بْنِ أُمَيَّةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَّةَ، قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ بِأَبِي، أُمَّئَةً
يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَابِعْ أَبِي عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَبَايِعُهُ
عَلَى الْجِهَادِ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ»).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٩/٣٥ .

٢٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
٢- (ابن وهب) هو عبد الله المصريّ الحافظ، ثقة عابد [٩] ٩/٩.
٣- (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاريّ، أبو أيوب المصريّ، ثقة ثبت فقيه
[٧] ٧٩/٦٣ .
٤- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ .
٥- (عمرو بن عبد الرحمن بنٍ أُميّة) التميميّ، مقبول [٣].
روى عن أبيه، عن يعلى بن أميّة، وعنه الزهريّ. ذكره ابن حبّان في ((الثقات))،
ونسبه ثقفيًّا. وقال الذهبيّ: لا يُعرف. تفرّد به المصنّف بحديث الباب، وقد أعاده في
١٥/ ٤١٧٠- ((ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة)).
٦- (أبوه) عبد الرحمن بن أَميّة الثقفيّ، ويقال: ابن يعلى بن أُميّة، مقبول [٣].
روى عن يعلى بن أَميّة، وعنه ابن عمرو. قال أبو حاتم: لا يُعرف. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات))، وقال: روى عن أبيه يعلى بن أُميّة. وقال البخاريّ في ((تاريخه)): عبد
الرحمن بن أميّة، عن أخيه يعلى. انتهى. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط، وأعاده
في ٤١٧٠/١٥- ((ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة)).
٧- (يعلى بن أمية) بن أبي عبيدة بن همّام التميميّ، حليف قريش، وهو يعلى بن
مُئية بضمّ الميم، وسكون النون، بعدها تحتانيّة مفتوحةٌ- وهي أمّه، صحابيّ مشهور،
مات رضي الله تعالى عنه سنة بضع وأربعين، وتقدّمت ترجمته في ٤٠٦/٧. والله تعالى.
أعلم.
شرح الحديث
عن عبد الرحمن بن أمية رحمه اللَّه تعالى (أَنَّ) أخاه (يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ) رضي اللّه تعالى
عنه (قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ بِأَبِي، أُمَيَّةَ) بدل من ((أبي)) (يَوْمَ الْفَتْح) أي يوم فتح
مكة، وهو منصوب على الظرفيّة، متعلّقٌ بـ((جئت)) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ أَبِي عَلَى
الْهِجْرَةِ) أي على أن يهاجر من دار قومه، وهي مكة إلى المدينة، وذلك لأنه كان واجبًا
في أول الإسلام (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (أُبَايِعُهُ عَلَى الْجِهَادِ) أي على أن يجاهد في سبيل
اللَّه تعالى، ثم بيّن ترك مبايعته له على الهجرة بقوله (وَقَدْ انْقَطَّعَتْ الْهِجْرَةُ) أي انقطع
وجوبها. والمراد الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لصيرورتها بعد الفتح دار إسلام، أو إلى
المدينة من أيّ موضع كان؛ لظهور عزّة الإسلام في كلّ ناحية، وفي المدينة بخصوصها
بحيث ما بقي لها حاجة إلى هجرة الناس إليها، فما بقيت هذه الهجرة فرضًا، وأما
الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ونحوها، فهي واجبة على الدوام. قاله

٢٢٣
٩- (البیعةُ علی الجهادِ) - حديث رقم ٤١٦٣
السنديّ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث يعلى بن أمية رضي اللَّه تعالى عنه هذا
ضعيف؛ لجهالة عمرو بن عبد الرحمن، وأبيه، كما سبق في ترجمتهما. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤١٦٣- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّيٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِذِرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّ عُبَادَةَ
بْنَ الصَّامِتِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ
لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانِ
تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ،
وَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ سَتَرَهُ
اللَّهُ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ)).
خَالَفَهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا مناسبة بين حديث عبادة بن الصامت رضي الله
تعالى عنه وبين الترجمة؛ لأنه لا ذكر للجهاد فيه؛ بل فيه أنه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم
بايعهم على بيعة النساء، ومعلوم أنه لا جهاد على النساء، فالأولى ما صنعه المصنّف
رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) حيث ترجم لهذا الحديث بقوله: ((البيعة على ترك عصيان
الإمام)). ويمكن أن الترجمة المذكورة كانت في ((المجتبى)) أيضًا، إلا أنها سقطت من
النسّاخ سهوًا، والله تعالى أعلم.
ورجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (عبيد اللَّه بن سعد) الزهريّ، أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان، ثق [١١]
٤٨٠/١٧ .
٢- (عمّه) يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة
فاضلٌ، من صغار [٩] ٣١٤/١٩٦.
٣- (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق
المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ٣١٤/١٩٦.
٤ - (صالح) بن كيسان الغفاريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٤] ٣١٤/١٩٦.
(١) ((شرح السنديّ)) ٧/ ١٤٣.

٢٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
٥- (ابن شهاب) الزهريّ المذكور في السند الماضي.
٦ - (أبو إدريس الْخَولانيّ) عائذ اللّه بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ صلّى اللّه تعالى
عليه وسلم يوم حُنين، وسمع من كبار الصحابة، وكان عالم الشام بعد أبي الدرداء،
مات سنة (٨٠)، وأبوه عبد الله بن عمرو الخولانيّ، صحابيّ [٢] ٨٠/٧٢.
٧- (عبادة بن الصامت) الأنصاريّ رضي اللّه تعالى عنه، تقدّم قريبًا. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح، عن ابن
شهاب، عن أبي إدريس. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ حَدْفَتِي أَبُو إِذْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ)
بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو: نسبة إلى خولان، قبيلة نزلت الشام(١) (أَنَّ عُبَادَةَ
ابْنَ الصَّامِتِ) رضي اللّه تعالى عنه. زاد في رواية للبخاريّ: ((وكان شهد بدرًا، وهو
أحد النقباء ليلة العقبة)) (قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ، وَحَوْلَهُ) منصوب على الظرفية
متعلّق بمحذوف خبر لقوله (عِصَابَةٌ) بكسر العين المهملة: الجماعة من العشرة إلى
الأربعين، ولا واحد لها من لفظها، وجمعها عصائب، وعُصُب (مِنْ أَضْحَابِهِ تُبَايِعُونِي)
ومعنى المبايعة: المعاهدة، سُمّيت بذلك تشبيهًا لها بالمعاوضة الماليّة، وتقدّم هذا بأتمّ
من هذا (عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) قال
محمد بن إسماعيل التيميّ وغيره: خصّ القتل بالأولاد؛ لأنه قتلٌ، وقطيعة رحم،
فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كان شائعًا فيهم، وهو وأد البنات، وقتل البنين، خشية
الإملاق، أو خصّهم بالذكر؛ لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم (وَلَا تَأْتُوا بِيُهْتَانٍ) أي
بكذب على أحد، فالبهتان هو الكذب الذي يُبهِت سامعه (تَفْتَرُونَهُ) أي تختلقونه (بَيْنَ
أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) وخصّ الأيدي والأرجل بافتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بهما، إذ
كانت هي العوامل، والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمّون الصنائع الأيادي، وقد
يُعاقب الرجل بجناية قوليّة، فيقال: هذا بما كسبت يداك. ويحتمل أن يكون المراد: لا
تبهتوا الناس كفاحًا، وبعضكم يُشاهد بعضًا، كما يقال: قلت بين يدي فلان . قاله
(١) ((لب اللباب)) ٣٠٢/١.

٢٢٥
٩- (البيعةُ عَلَى الْجِهَادِ) - حديث رقم ٤١٦٣
وفيه نظر؛ لذكر الأرجل. وأجاب الكرمانيّ بأن المراد الأيدي، وذكر الأرجل تأكيدًا.
ومُحَصّله أن ذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيًا، فليس بمانع.
ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل القلب؛ لأنه هو الذي يترجم
اللسان عنه، فلذلك نسب إليه الافتراء، كأن المعنى: لا ترموا أحدًا بكذب، تُزوّرونه في
أنفسكم، ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: يحتمل أن يكون
قوله: (بين أيديكم)) أي في الحال، وقوله: ((وأرجلكم)) أي في المستقبل؛ لِأَنَّ السَّغي
مِنْ أَفْعَال الْأَرْجُلِ، وَقَالَ غَيْرِهِ: أَصْلِ هَذَا كَانَ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ كَمَا قَالَّ
الْهَرَوِيّ فِي ((الْغَرِيِبَيْنِ)) - عَنْ نِسْبَة الْمَرْأَةِ الْوَلَد، الَّذِي تَزْنِي بِهِ، أَوْ تَلْتَقِطُهُ إِلَى زَوْجِهَا، ثُمّ
لَمَّا اسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظِ فِي بَيْعَة الرِّجَال، اخْتِيجَ إِلَى حَمْلَه عَلَى غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ أَوَّلا .
وَاَللَّه أَعْلَم.
وقال الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام رحمه الله تعالى: هذا الحديث إشارة إلى ما
في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتٍَ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، وهذا
مشكلٌ؛ لأن الذي ذكره المفسّرون في الآية لا يجيء هنا؛ لأنهم قالوا: كانت المرأة
يكون لها الزوج ذو المال، وليس له ولدٌ، فتخاف على ماله بعد موته، فتلتقط ولدًا،
وتقول: ولدته، فقوله: ﴿بَيْنَ أَيْدِيِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى الولادة،
ووصفه بذلك باعتبار زعمهنّ في قولهنّ، كان هذا معنى الآية، لا يكون ذلك في حقّ
الرجال. قال: والجواب أن هذا من باب نسبة الفعل إذا صدر من الواحد إلى الجماعة،
كقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِيَةٌ تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢]، فإن الرجال لا يلبسون الحلية.
انتھی(١).
(ولا تعصوني في معروف) اَلْمَعْرُوف مَا عُرِفَ مِنْ الشَّارِعِ حُسْنِه نْيًا، وَأَمْرًا.
[فإن قيل]: إن أمره صلّى الله تعالى عليه وسلم كلّه معروف، ولا يُتصوّر منه خلاف
ذلك، فما معنى قوله: ((في معروف)»؟.
[قيل]: المراد منه التنبيه على علّة وجوب الطاعة، وعلى أنه لا طاعة للمخلوق في
غير المعروف، وعلى أنه ينبغي اشتراط الطاعة في المعروف في البيعة، لا مطلقًا. أفاده
السنديّ رحمه اللَّه تعالى(٢) .
وقَالَ النَّوَوِيّ: يَحْتَمِلِ أَنْ يَكُون الْمَعْنَى: وَلَا تَعْصُونِي، وَلَا أَحَدِ أُولِي الْأَمْرِ عَلَيْكُمْ،
فِي الْمَعْرُوف، فَيَكُون التَّقْبِيد بِالْمَعْرُوفِ، مُتَعَلّقًا بِشَيْءٍ بَعْده. وَقَالَ غَيْرِهِ: نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى
(١) راجع ((زهربى)) ٧/ ١٤٢-١٤٣.
(٢) (شرح السنديّ)) ٧/ ١٤٢.

٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
أَنَّ طَاعَةِ الْمَخْلُوقِ، إِنَّمَا تَجِب فِيمَا كَانَ غَيْرِ مَعْصِيَة لِلَّهِ، فَهِيَ جَدِيرَة بِالتَّوَقِّي فِي مَعْصِيَة
اللَّه (فَمَنْ وَفَى) زاد في رواية البخاريّ)): ((منكم)): أَيْ من ثَبَتَ عَلَى الْعَهْدِ. وَوَفَى
بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي رِوَايَة بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا بِمَعْنَى (فَأَجْرِهِ عَلَى اللَّه) أَطْلَقَ هَذَا عَلَى سَبِيل
التَّفْخِيمِ؛ لِأَنَةً لَمَّا أَنْ ذَكَرَ الْمُبَايَعَةِ الْمُقْتَضِيَة لِوُجُودِ الْعِوَضَيْنِ، أَثْبَتَ ذِكْر الْأَجْر فِي
مَوْضِعِ أَحَدهمَا. وَقد أَفْصَحَ فِي رِوَايَةِ الصُّنَابِجِيّ، عَنْ عُبَادَةَ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فِي
(الصَّحِيحَيْنِ)) بِتَعْيِينِ الْعِوَضِ، فَقَالَ: ((الْجَنَّة))، وَعَبَّرَ هُنَّا بِلَفْظِ (عَلَى)) لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحَقُّقْ
وُقُوعه، كَالْوَاجِبَاتٍ، وَيَتَعَيِّن حَمْله عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ؛ لِلْأَدِلَّةِ الْقَائِمَة عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِب
عَلَى اللّه شَيْء .
[فَإِنْ قِيلَ]: لِمَ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَأْمُورَات؟.
[فَالْجَوَابِ]: أَنَّهُ لَمْ يُهْمِلِهَا، بَلْ ذَكَرَهَا عَلَى طَرِيقِ الْإِجَالِ فِي قَوْله: (وَلَا تَعْصُوا))، إِذْ
الْعِصْيَانِ مُخَالَفَةِ الْأَمْر.
وَالْحِكْمَة فِي التَّنْصِيص عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَنْهِيَّات، دُون الْمَأْمُورَات، أَنَّ الْكَفّ أَيْسَر مِنْ
إِنْشَاء الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ اجْتِنَابِ الْمَفَاسِد مُقَدَّم عَلَى اجْتِلَابِ الْمَصَالِحِ، وَالنَّخَلِّي عَنْ الرَّذَائِل
قَبْل التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ. قَوْله: (وَمَنْ أَصَابَ مِنْكم شَيْئًا) أي مما سوى الشرك، إذ لا
كفّارة للشرك، سوی التوبة عنه، فهو عامّ مخصوص (فَعُوقِبَ به) أي بسبب ما أصابه من
المخالفة (فَهُوَ) أَيْ الْعِقَاب (له كَفَّارَة) زاد في رواية معمر، عن ابن شهاب الآتية ١٧ /
٤١٨٠- «فهو طَهُوره)).
قَالَ النَّوَوِيّ: عُمُوم هَذَا الْحَدِيث مَخْصُوص بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
[النساء: ٤٨]، فَالْمُرْتَدْ إِذَا قُتِلَ عَلَى ازتِدَادُه، لا يَكُون الْقَتْلِ لَهُ كَفَّارَة.
قال الحافظ: وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَنَّ قَوْله: ((مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا)) يَتَنَاوَل جَمِيع مَا ذُكِرَ، وَهُوَ
ظَاهِر، وَقَدْ قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْمُرَادِ مَا ذُكِرَ بَعْد الشِّرْك؛ بِقَرِينَةِ أَنَّ الْمُخَاطَب بِذَلِكَ
الْمُسْلِمُونَ، فَلَا يَدْخُلِ حَتَّى يَحْتَاجِ إِلَى إِخْرَاجِهِ، وَيُؤَيِّدَهُ رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَبِي
الأَشْعَث، عَنْ عُبَادَةً، فِي هَذَا الْحَدِيث: ((وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا))، إِذْ الْقَتْل عَلَى الشِّرْك،
لا يُسَمَّى حَدًّا. لَكِنْ يَعْكُر عَلَى هَذَا الْقَائِلِ، أَنَّ الْفَاء فِي قَوْله: ((فَمَنْ)) لِتَرتِيبِ مَا بَعْدهَا
عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَخِطَاب الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، لا يَمْنَعِ التَّخْذِيرِ مِنْ الْإِشْرَاكِ، وَمَا ذُكِرَ فِي
الْحَدّ عُرْفِيّ حَادِثِ، فَالصَّوَابِ مَا قَالَ النَّوَوِيّ.
وَقَالَ الطَّبِيّ: الْحَقّ أَنَّ الْمُرَاد بِالشِّرْكِ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ، وَهُوَ الرِّيّاءِ، وَيَدُلّ عَلَيْهِ تَنْكِير
(شَيْئًا)) أَيْ شِرْكًا أَيَّا مَا كَانَ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُرْف الشَّارِعِ، إِذَا أَطْلَقَ الشِّرْك، إِنَّمَا يُرِيد بِهِ مَا يُقَابِلِ التَّوْجِيد، وَقَدْ

٩- (البیعةُ على الجهادِ) - حديث رقم ٤١٦٣
٢٢٧ =
تَكَرَّرَ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْكِتَابِ، وَالْأَحَادِيث، حَيْثُ لَا يُرَاد بِهِ إِلَّا ذَلِكَ.
وَيُجَابِ بِأَنَّ طَلَب الْجَمْعِ، يَقْتَضِي ارْتِكَابِ الْمَجَازِ، فَمَا قَالَهُ مُخْتَمِلٌ، وَإِنْ كَانَ
ضَعِيفًا. وَلَكِنْ يَعْكُر عَلَيْهِ أَيْضًا، أَنَّهُ عَقِبَ الإِصَابَة بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالرِّيَاء لا عُقُوبَة
فِيهِ، فَوَضَحَ أَنَّ الْمُرَادِ الشِّرْك، وَأَنَّهُ مَخْصُوص.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: ذَهَبَ أَكْثَر الْعُلَمَاءِ، أَنَّ الْحُدُودِ كَفَّارَات، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا
الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ؛ لِحَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَة: أَنَّ النَّبِيِّ نََّ، قَالَ: ((لا أَدْرِي،
الْحُدُودِ كَفَّارَة لِأَهْلِهَا، أَمْ لا؟))، لَكِنَّ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَصَحّ إِسْنَادًا.
وَيُمْكِن يَعْنِي عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنِهِمَا- أَنْ يَكُون حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، وَرَدَ أَوْلًا قَبْل
أَنْ يُعْلِمُهُ اللَّه، ثُمَّ أَعْلَمَهُ بَعْد ذَلِكَ.
قال الحافظ: حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمِ، فِي ((الْمُسْتَدْرَك))، و((الْبَزَّار)) مِنْ
رِوَايَة مَعْمَر، عَنْ ابْن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَهُوَ صَحِيحِ،
عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد، عَنْ عَبْد الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَر. وَذَكَرَ
الدَّارَ قُطْنِيْ، أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاق، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ، وَأَنَّ هِشَام بْن يُوسُف، رَوَاهُ عَنْ مَعْمَر،
فَأَرْسَلَهُ.
قال الحافظ: وَقَدْ وَصَلَهُ آدَم بْن أَبِي إِيَاس، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْب، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم
أَيْضًا، فَقَوِيَتْ رِوَايَة مَعْمَر، وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا، فَالْجَمْع - الَّذِي ◌َّعَ بِهِ الْقَاضِي- حَسَن،
لَكِنَّ الْقَاضِي، وَمَنْ تَّبِعَهُ، جَازِمُونَ بِأَنَّ حَدِيث عُبَادَةَ هَذَا، كَانَ بِمَكَّة، لَيْلَةِ الْعَقَّبَةِ، لَمَّا
بَايَعَ الأَنْصَارُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، الْبَيْعَةِ الأُولَى بِمِنَى، وَأَبُو هُرَيْرَة، إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْد ذَلِكَ بِسَبْعِ
سِنِينَ، عَام خَيْبَرِ، فَكَيْفَ يَكُون حَدِيثه مُتَقَدِّمًا؟ وَقَالُوا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: يُمْكِن أَنْ يَكُونَ
أَبُو هُرَيْرَة، مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِّ وَّه وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ صَحَابِيّ آخَرِ، كَانَ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيّ
وََّ قَدِيمًا، وَلَمْ يَسْمَعِ مِنْ النَّبِيّ ◌َ، بَعْد ذَلِكَ أَنَّ الْحُدُودِ كَفَّارَة، كَمَا سَمِعَهُ عُبَادَةً.
وَفِي هَذَا كما قال الحافظ - تَعَسُّفِ، وَيُبْطِلُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةٍ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ، وَأَنَّ الْحُدُود
لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ إِذْ ذَاكَ، وَالْحَقّ عِنْدِي أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة صَحِيحِ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى
حَدِيث عُبَادَةَ، وَالْمُبَايَعَة الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيث عُبَادَةَ، عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، لَمْ تَقَعِ لَيْلَة
الْعَقَبَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَيْلَة الْعَقَّبَةِ، مَا ذَكَّرَ ابْن إِسْحَاقٍ وَغَيْرِهِ، مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي، أَنَّ النَّبِيّ
وَلَّهِ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِن الأَنْصَار: ((أُبَابِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي، مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ
وَأَبْنَاءَكُمْ))، فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى أَنْ يَرْحَلِ إِلَيْهِمْ هُوَ وَأَضْحَابِهِ.
وقد تقدّم في هذا الباب مِنْ حَدِيث عُبَادَةً أَيْضًا قَالَ: بَايَعْنَا رَسُول اللَّهِ، عَلَى
السَّمْعِ وَالطَّاعَة، فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَه ... )) الْحَدِيث. وَأَصْرَح مِنْ

٢٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
ذَلِكَ فِي هَذَا الْمُرَادِ، مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد، وَالطََّرَانِيِّ مِنْ وَجْه آخَرِ، عَنْ عُبَادَةَ، أَنَّهُ جَرَتْ
لَهُ قِصَّة مَعَ أَبِي هُرَيْرَة، عِنْد مُعَاوِيَة بِالشَّام، ((فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَة، إِنَّك لَمْ تَكُنْ مَعَنَا، إِذْ
بَايَعْنَا رَسُول اللَّه ◌َِه عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَة، فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَل، وَعَلَى الأَمْر
بِالْمَعْرُوِفِ، وَالنَّهِي عَنْ الْمُنْكَرِ، وَعَلَّى أَنْ نَقُول بِالْحَقِّ، وَلَا نَخَافٍ فِي اللّه لَوْمَةٍ لَائِم،
وَعَلَى أَنْ نَنْصُرِ رَسُول اللَّهِ وَ ◌َّ، إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِب، فَتَمْنَعَهُ مِمَّا نَمْنَع مِنْهُ أَنْفُسنَا،
وَأَزْوَاجِنَا، وَأَبْنَاءَنَا، وَلَّنَا الْجَنَّة، فَهَذِهِ بَيْعَةِ رَسُول اللَّهِ وَهِ الَّتِي بَايَعْنَاهُ عَلَيْهَا. فَذَكَّرَ بَقِيَّة
الْحَدِيثِ. وَعِنْدِ الطَّبَرَانِيّ لَهُ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَأَلْفَاظ قَرِيبَة مِنْ هَذِهِ. وَقَدْ وَضَحَ أَنَّ هَذَا هُوَ
الَّذِي وَقَعَ فِي الْبَيْعَةِ الْأُولَى، ثُمَّ صَدَرَتْ مُبَايَعَاتِ أُخْرَى، مِنْهَا: هَذِهِ الْبَيْعَة فِي حَدِيث
الْبَابِ، فِي الزَّجْرِ عَنْ الْفَوَاحِشِ الْمَذْكُورَة. وَأَلَّذِي يُقَوِّي أَنَّا وَقَعَتْ بَعْد فَتْح مَكّة، بَعْد
أَنْ نَزَلَتْ الْآيَةِ الَّتِي فِي الْمُمْتَحِنَة، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ
يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]، وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ مُتَأَخّر، بَعْد قِصَّة الْحُدَيْبِيَةِ بِلَا خِلَاف،
وَالدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، مَا عِنْد الْبُخَارِيّ فِي ((كِتَابِ الْحُدُود)) مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانِ بْن عُيَيْنَةً، عَنْ
الزُّهْرِيّ، فِي حَدِيث عُبَادَةَ هَذَا، أَنَّ النَّبِيّ ◌َِّ، لَمَّا بَايَعَهُمْ قَرَّأَ الآيَةِ كُلّهَا، وَعِنْده فِي
(تَفْسِيرِ الْمُمْتَحِنَة)) مِنْ هَذَا الْوَجْه، قَالَ: ((قَرَأَ آيَةِ النِّسَاء))، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق مَعْمَر، عَنْ
الزُّهْرِيّ، قَالَ: ((فَتَلَا عَلَيْنَا آيَة النِّسَاءِ، قَالَ: أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا))، وَلِلمصنِّ في
الرواية التالية: أَنَّ رَسُول اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((أَلا تُبَايِعُونَنِي عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ، أَنْ لَّا
تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا)) الْحَدِيثِ. وَلِلطَّبَرَانِيْ مِنْ وَجْه آخَرَ، عَنْ الزُّهْرِيّ بِهَذَا السَّنَد: ((بَايَعْنَا
رَسُول اللَّهِ وَلِهِ، عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءِ يَوْم فَتْحِ مَكّة)). وَلِّمُسْلِّمِ مِنْ طَرِيق أَبِي
الأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيث: ((أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّه ◌ِّ كَمَا أَخَذَ عَلَّى
النّساء)).
قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: فَهَذِهِ أَدِلَّةٍ ظَاهِرَة فِي أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَة، إِنَّمَا صَدَرَتْ بَعْد
نُزُول الْآيَةِ، بَلْ بَعْد صُدُور الْبَيْعَة، بَلْ بَعْد فَتْحِ مَكّة، وَذَلِكَ بَعْد إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة بِمُدَّةٍ .
وَيُؤَيِّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، فِي (تَارِيخه)) عَنْ أَبِهِ، عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ
الطُّفَاوِيّ، عَنْ أَيُّوبٍ، عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله
وَله: (أَبَابِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا)»، فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث عُبَادَةَ، وَرِجَاله ثِقَّات.
وَقَدْ قَالَ إِسْحَاقِ بْنِ رَاهْوَيْهِ: إِذَا صَحَّ الْإسْنَادِ إِلَى عَمْرو بْنِ شُعَيْب، فَهُوَ كَأَيُّوبَ، عَنْ
نَافِعِ، عَنْ ابْنِ عُمَر. اهـ.
وَإِذَا كَانَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو، أَحَد مَنْ حَضَرَ هَذِهِ الْبَيْعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الأَنْصَارِ، وَلَا
مِمَّنْ حَضَرَ بَيْعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ إِسْلَامِه قُرْب إِسْلَامٍ أَبِي هُرَيْرَة، وَضَحَ تَغَايُرِ الْبَيْعَتَيْنِ:

٢٢٩
٩- (البیعةُ على الجهادِ) - حديث رقم ٤١٦٣
بَيْعَةِ الْأَنْصَارِ، لَيْلَة الْعَقَّبَةِ، وَهِيَ قَبْلِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَيْعَة أُخْرَى، وَقَعَتْ بَعْد فَتْح
مَكَّة، وَشَهِدَهَا عَبْد اللَّه بْن عَمْرو، وَكَانَ إِسْلَامِه بَعْد الْهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَة. وَمِثْل ذَلِكَ مَا
رَوَاهُ الطََّرَانِيّ، مِنْ حَدِيث جَرِير، قَالَ: ((بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ عَلَى مِثْلِ مَا بَايَعَ عَلَيْهِ
النِّسَاء))، فَذَكَرَ الْحَدِيث، وَكَانَ إِسْلَامِ جَرِير، مُتَأَخّرًا عَنْ إِسْلَام أَبِي هُرَيْرَة عَلَى
الصَّوَابِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الالْتِبَاسِ مِنْ جِهَة أَنَّ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، حَضَرَ الْبَيْعَتَيْنِ مَعًا،
وَكَانَتْ بَيْعَةِ الْعَقَبَة مِنْ أَجَلْ مَا يُتَمَدَّحِ بِهِ، فَكَانَ يَذْكُرُهَا إِذَا حَدَّثَ تَنْوِيَهْا بِسَابِقِيَّتِهِ، فَلَمَّا
ذَكَرَ هَذِهِ الْبَيْعَة الَّتِي صَدَرَتْ، عَلَى مِثْل بَيْعَة النِّسَاءِ، عَقِبَ ذَلِكَ تَوَهَّمَ مَنْ لَمْ يَقِف عَلَى
حَقِيقَة الْحَالِ، أَنَّ الْبَيْعَة الْأُولَى وَقَعَتْ عَلَى ذَلِكَ.
وَنَظِيرِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد، مِنْ طَرِيق مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيد بْنِ عُبَادَةَ
ابْنِ الصَّامِت، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدّه - وَكَانَ أَحَدِ الثَّقَبَاءِ- قَالَ: ((بَايَعْنَا رَسُول اللَّهِ وَّهِ بَيْعَة
الْحَرْب)»، وَكَانَ عُبَادَة مِنْ الاثْنَيْ عَشَر، الَّذِينَ بَايَعُوا فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى: ((عَلَى بَيْعَة
النِّسَاءِ، وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا)) الْحَدِيثِ، فَإِنَةً ظَاهِرِ فِي اتحاد
الْبَيْعَتَيْنِ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثِ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))، لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَة، وَهُوَ مِنْ طَرِيق
مَالِك، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيد الْأَنْصَارِيّ، عَنَ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيد. وَالصَّوَابِ أَنَّ بَيْعَة الْحَرْب
بَعْد بَيْعَة الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِ إِنَّمَا شُرِعَ بَعْد الْهِجْرَة.
وَيُمْكِن تَأْوِيل رِوَايَة ابْن إِسْحَاقٍ، وَرَدّهَا إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ اشْتَمَلَتْ رِوَايَتِه عَلَى ثَلَاث
بَيْعَات: بَيْعَة الْعَقَبَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَنَّا كَانَتْ قَبْلِ أَنْ تُفْرَض الْحَرْبِ، فِي رِوَايَةِ الصُّنَابِجِيّ،
عَنْ عُبَادَةَ، عِنْد أَحْمَد. وَالثَّانِيَة: بَيْعَة الْحَرْبِ وَأَنَّا كَانَتْ عَلَى عَدَمِ الْفِرَار. وَالثَّالِئَة:
بَيْعَة النِّسَاءِ، أَنْ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَى نَظِير بَيْعَة النِّسَاءِ. وَالرَّاجِحِ أَنَّ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ وَهْمٌ مِنْ
بَعْض الرُّوَاة، وَاَللَّه أَعْلَم.
قال الحافظ: وَيَعكُرُ عَلَى ذَلِكَ التَّصْرِيحِ فِي رِوَايَةِ ابْن إِسْحَاقِ، مِنْ طَرِيق
الصَّنَابِحِيّ، عَنْ عُبَادَةَ، أَنَّ بَيْعَة لَيْلَة الْعَقَبَةِ، كَانَتْ عَلَى مِثْلِ بَيْعَة النِّسَاءِ، وَاتَّفَقَ وُقُوع
ذَلِكَ قَبْلِ أَنْ تَنْزِلِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَتْ إِلَى النِّسَاءِ؛ لِضَبْطِهَا بِالْقُرْآنِ .
وَنَظِيرِهِ مَا وَقَعَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الصُّنَابِجِيّ، عَنْ عُبَادَةَ، قَالَ: ((إِنِّي مِنْ
الثُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُول اللَّهِ))، وَقَالَ: ((بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِك بِاللَّهِ شَيْئًا))
الْحَدِيث. فَظَاهِرِ هَذَا اتحاد الْبَيْعَتَيْنِ؛ وَلَكِنَّ الْمُرَادِ مَا قَرَّرْته أَنَّ قَوْله: (إِنِّي مِنْ الثَّقَبَاءِ الَّذِينَ
بَايَعُوا)) - أَيْ لَيْلَة الْعَقَبَة - عَلَى الْإِيَوَاءِ وَالنَّصْرِ، وَمَا يَتَعَلَّقِ بِذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: بَايَعْنَاهُ إِلَخْ أَيْ:
فِي وَقْت آخَر، وَيُشِير إِلَى هَذَا الْإِثْيَانُ بِالْوَارِ الْعَاطِفَة فِي قَوْله: ((وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ».
قال: وَعَلَيْك بِرَدْ مَا أَتَى مِنْ الرِّوَايَاتِ، مُوهِمًا بِأَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةِ، كَانَتْ لَيْلَة الْعَقْبَةِ، إِلَى

٢٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي نَّجْتِ إِلَيْهِ، فَيَرْتَفِعِ بِذَلِكَ الْإِشْكَالِ، وَلَا يَبْقَى بَيْن حَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَة،
وَعُبَادَةَ تَعَارُض، وَلَا وَجْهُ بَعْد ذَلِكَ لِلتَّوَقُّفِ فِي كَوْن الْحُدُود كَفَّارَة.
[وَاعْلَمْ]: أَنَّ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، لَمْ يَنْفَرِد بِرِوَايَةِ هَذَا الْمَعْنَى، بَلْ رَوَى ذَلِكَ عَلِيّ بْن
أَبِي طَالِب رضي اللَّه تعالى عنه، وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمِ، وَفِيهِ: (مَنْ
أَصّابَ ذَنْبًا، فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَاَللَّه أَكْرَمَ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ الْعُقُوبَة عَلَى عَبْده فِي الْآَخِرَةِ))،
وَهُوَ عِنْدِ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنِ، مِنْ حَدِيثُ أَبِى تَمِيمَةِ الْهُجَيْمِيّ. وَلِأَحْمَد مِنْ حَدِيث
خُزَيْمَةَ بْن ثَابِتِ، بِإِسْنَادٍ حَسَن، وَلَفْظه: ((مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا، أُقِيمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَهُوَ
كَفَّارَة لَهُ)). وَلِلطَّبَرَانِيّ عَنْ ابْنِ عَمْرو مَرْفُوعًا: ((مَا عُوقِبَ رَجُل عَلَى ذَنْب، إِلا جَعَلَهُ اللَّه
كَفَّارَة لِمَا أَصَابَ، مِنْ ذَلِكَ الذَّنْب)).
قال الحافظ: وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَِّي لَمْ أَرَ مَنْ أَزَالَ اللَّْسِ فِيهِ عَلَى
الْوَجْهِ الْمَرْضِيّ، وَاَللَّه الْهَادِي. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ
جدًا، أجاد فيه، وأفاد، فجزاه الله تعالى عليه أحسن الجزاء.
وقوله أيضًا (فَعُوقِبَ بِهِ) قَالَ ابْن التِّين: يُرِيد بِهِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَة، وَالْجَلْد، أَوْ الرَّجْمِ
فِي الزّنَا. قَالَ: وَأَمَّا قَتْلُ الْوَلَدِ، فَلَيْسَ لَهُ عُقُوبَةٍ مَعْلُومَة، إِلا أَنْ يُرِيد قَتْلِ النّفْس، فَكَنَّى
عَنْهُ. قال الحافظ: وَفِي رِوَايَةِ الصُّنَابِحِيّ، عَنْ عُبَادَةَ، فِي هَذَا الْحَدِيث: ((وَلَا تَقْتُلُوا
النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلاَّ بِالْحَقِّ))، وَلَكِنَّ قَوْله فِي حَدِيث الْبَابِ: ((فَعُوقِبَ بِهِ»، أَعَمّ مِنْ
أَنْ تَكُون الْعُقُوبَة حَدًّا، أَوْ تَغْزِيرًا. قاله في ((الفتح)).
وقال القرطبيّ: قوله: ((كفّارة له)): هذا حجة واضحة لجمهور العلماء على أن
الحدود كفارات، فمن قتل، فاقتُصّ منه لم يبق عليه طلبة في الآخر؛ لأن الكفّارات
ماحيةٌ للذنوب، ومُصيِرةٌ لصاحبها كأن ذنبه لم يكن، وقد ظهر ذلك في كفّارة اليمين
والظهار، وغير ذلك، فإن بقي مع الكفّارة شيء من آثار الذنب لم يصدُق عليها ذلك
الاسم. وقد سمعنا من بعض علماء مشايخنا أن الكفّارة إنما تكفّر حقّ اللَّه تعالى،
ويبقى على القاتل حقّ المقتول، يطلبه به يوم القيامة، وتطرد هذه الطريقة في سائر
حقوق الآدميين. قال القرطبيّ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه تخصيص لعموم ذلك الحديث
بغير دليل، وما ذكره من اختلاف الحقوق صحيحٌ، غير أنه لما أباح اللَّه دم القاتل بسبب
جريمته، وقُتل، فقد فُعل به مثلُ ما فَعَل، من إيلام نفسه، واستباحة دمه، فلم يبق عليه
شيء، وهذا معنى القصاص. انتهى كلام القرطبيّ(١).
(١) ((المفهم)) ١٤١/٥-١٤٢. ((كتاب الحدود)».

٢٣١
٩- (الْبَيْعَةُ عَلَى الْجِهَادِ) - حديث رقم ٤١٦٣
وقال في ((الفتح)): قَالَ ابْنِ التِّين: وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل وَغَيْرِهِ، أَنَّ قَتْل
الْقَاتِلِ إِنَّمَا هُوَ رَادِعِ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَالطَّلَبِ لِلْمَقْتُولِ قَائِم؛ لِأَنَّ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ
حَقّ.
قال الحافظ: بَلْ وَصَلَ إِلَيْهِ حَقٌ، أَيّ حَقٌ، فَإِنَّ الْمَقْتُول ◌ُلْمًا، تُكَفَّر عَنْهُ ذُنُوبِه
بِالْقَتْلِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنِ حِبَّنَ وَغَيْرِهِ: ((إِنَّ السَّيْف مَحَّاء لِلْخَطَايَا))،
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُود رضي اللَّه تعالى عنه، قَالَ: ((إِذَا جَاءَ الْقَتْلِ مَحَا كُلّ شَيْءٍ))، رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ، وَلَهُ عَنْ الْحَسَنِ بْن عَلِيّ نَحْوِهِ، وَلِلْبَزَّارِ عَنْ عَائِشَة رضي اللَّه تعالى عنها
مَرْفُوعًا: ((لا يَمُرّ الْقَتْلِ بِذَنْبِ، إِلَّا مَحَاهُ))، فَلَوْلَا الْقَتْلِ مَا كُفْرَتْ ذُنُوبِه، وَأَيّ حَقٌ يَصِل
إِلَيْهِ أَعْظَم مِنْ هَذَا؟، وَلَوْ كَانَ حَدّ الْقَتْلِ إِنَّمَا شُرِعَ لِلرَّدْعِ فَقَطْ، لَمْ يُشْرَعِ الْعَفْو عَنْ
الْقَاتِل. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الأرجح ما قاله الجمهور، من أن
القصاص مكفّر لجريمة القتل. والله تعالى أعلم
وقال في ((الفتح)) أيضًا: وَهَلْ تَدْخُل فِي الْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمَصَائِب الدُّنْيَوِيَّة، مِنْ
الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ، وَغَيْرِهَا؟ فِيهِ نَظَرَ. وَيَدُلّ لِلْمَنْعِ قَوْله: ((وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ
سَتَرَهُ اللّه))، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَصَائِب لَا تُنَافِي السَّثَرَ، وَلَكِنْ بَيَّتْ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَة، أَنَّ
الْمَصَائِبِ تُكَفِّر الذُّنُوب، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادِ أَنَّا تُكَفِّر مَا لَا حَدّ فِيهِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
(ومن أصاب من ذلك شيئًا، ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّه) زَادَ فِي رِوَايَة سفيان، عن الزهريّ الآتية:
٤٢١٢/٣٨ -: ((عَلَيْهِ)) (فَأمره إِلَى اللَّه) زاد في رواية سفيان المذكورة: «عزّ وجلّ)).
قَالَ الْمَازَرِيّ: فِيهِ رَدّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ، وَرَدّ عَلَى الْمُعْتَزِلَة
الَّذِينَ يُوجِبُونَ تَعْذِيب الْفَاسِقِ، إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَة؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ◌ََّ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ تَحَت الْمَشِيئَةَ،
وَلَمْ يَقُلْ: لَا بُدّ أَنْ يُعَذِّبِهُ. وَقَالَ الطَّيِيّ: فِيهِ إِشَارَةٍ إِلَى الْكَفّ عَنْ الشَّهَادَةِ بِالنَّارِ عَلَى
أَحَد، أَوْ بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ، إِلَّا مَنْ وَرَدَ النَّصّ فِيهِ بِعَيْنِهِ. قال الحافظ: أَمَّا الشّقّ الْأَوَّل
فَوَاضِحٍ، وَأَمَّ الثَّانِي فَالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ إِنَّمَا تُسْتَفَاد مِنْ الْحَمْلِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الْحَدِيث، وَهُوَ
مُتَعَيَّن (إِنْ شَاءَ عَفا عنهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذْبِهُ) يَشْمَلِ مَنْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ، وَقَالَ
بِذَلِكَ طَائِفَةٍ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورِ إِلَى أَنَّ مَنْ تَابَ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ مُؤَاخِذَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَأْمَن
مَكْرِ اللّه؛ لِأَنَةً لَا اطْلَاعِ لَهُ، هَلْ قُبِلَتْ تَوْبَته أَوْ لا. وَقِيلَ: يُفَرَّق بَيْنِ مَا يَجِب فِيهِ الْحَدّ،
وَمَا لَا يَجِب. وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى مَا يُوجِب الْحَدّ، فَقِيلَ: يَجُوزِ أَنْ يَتُوبِ سِرًّا، وَيَكْفِيه
ذَلِكَ. وَقِيلَ: بَلْ الْأَفْضَلِ أَنْ يَأْتِي الْإِمَامَ، وَيَعْتَرِفِ بِهِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُقِيمِ عَلَيْهِ الْحَدّ، كَمَا
وَقَعَ لِمَاعِزِ، وَالْغَامِدِيَّةِ. وَفَصَلَ بَعْض الْعُلَمَاءِ بَيْنِ أَنْ يَكُون مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ، فَيُسْتَحَبّ أَنْ

٢٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
يُعْلِنَ بِتَوْبَتِهِ، وَإِلَّا فَلا.
(تَنْبِيه): زَادَ فِي رِوَايَةِ الصُّنابِجِيّ، عَنْ عُبَادَةَ، فِي هَذَا الْحَدِيث: ((وَلَا يَنْتَهِب))، وَهُوَ
مِمَّا يُتَمَسَّك بِهِ فِي أَنَّ الْبَيْعَة مُتَأَخّرَة؛ لِأَنَّ الْجِهَادِ عِنْد بَيْعَة الْعَقَبَةِ، لَمْ يَكُنْ فُرِضَ،
وَالْمُرَاد بِالانْتِهَابِ مَا يَقَعِ بَعْد الْقِتَالِ فِي الْغَنَائِمِ. وَزَادَ فِي رِوَايَتِه أَيْضًا: ((وَلَّا يَعْصِي،
بِالْجَنَّةِ (١)، إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَّا، كَانَ قَضَاء ذَلِكَ إِلَى اللَّه»،
أَخْرَجَهُ البخاريّ فِي ((بَاب وُفُودِ الْأَنْصَارِ)) عَنْ قُتَيْبَة، عَنْ اللَّيْثِ، وَوَقَعَ عِنْده: ((وَلَا
يَقْضِي)) بِقَافٍ، وَضَاد مُعْجَمَة، قال الحافظ: وَهُوَ تَصْحِيف، وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْض النَّاس
فِي تَخْرِيجِهِ، وَقَالَ: إِنهَ تَّاكُمْ عَنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَيُبْطِلُهُ أَنَّ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَلِيَ
قَضَاء فِلَسْطِين، فِي زَمَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْله: ((بِالْجَنَّةِ)) مُتَعَلّقْ
(يَقْضِي))، أَيْ لَا يَقْضِي بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ مُعَيِّن. لَكِنْ يَبْقَى قَوْله: ((إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ)) بِلَا
جَوَابٍ، وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ دَعْوَى النَّصْحِيف فِيهِ، رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ عَنْ قُتَيْبَة، بِالْعَيْنِ وَالصَّاد
الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانٍ، وَلِأَبِي نُعَيْم مِنْ طَرِيق مُوسَى بْنِ
هَارُون، كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَة، وَكَذَا هُوَ عِنْد الْبُخَّارِيّ أَيْضًا، فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي ((الدِّيَات))
عَنْ عَبْد اللَّه بْن يُوسُف، عَنْ اللَّيْث، فِي مُعْظَم الرِّوَايَاتِ، لَكِنْ عِنْد الْكُشْمِيهَنِيّ بِالْقَافِ
وَالضَّاد أَيْضًا، وَهُوَ تَصْحِيف، كَمَا بَيِّنَّاهُ.
وَقَوْله: ((بِالْجَنَّةِ)) إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ فِي أَوَّله: ((بَايَعْنَا (. وَاَللَّه أَعْلَم. قاله في
((الفتح)) (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبادة بن الصامت رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٩/ ٤١٦٣ و٤١٦٤ و١٧/ ٤١٨٠ و((كتاب الإيمان)» ٥٠٠٤/١٤- وفي
(«الكبرى» ٧٧٨٤/١٢ و٧٧٨٥ و٧٨٠١/٢٠ و((كتاب الإيمان)) ١١٧٣٣/١٤. وأخرجه
(خ) في ((الإيمان)) ١٨
أخرجه هنا- ٤١٥١/١ و٤١٥٢ و٤١٥٣/٢ و ٤١٥٤/٣ و٤١٥٥/٤ و ٤١٥٦/٥
(١) ولفظ مسلم: ((فالجنّة، إن فعلنا ذلك)).
(٢) ((فتح)) ٩٢/١-٩٨. ((كتاب الإيمان)) حديث: ١٩.

٢٣٣ =
٩- (الْبَيْعَةُ عَلَى الْجِهَادِ) - حديث رقم ٤١٦٣
و٩/ ٤١٦٣ و٤١٦٤ و٤١٨٠/١٧ و٤٢١٢ و((كتاب الإيمان)) ٥٠٠٥/١٤- وفي
((الكبرى)) ٧٧٧٠/١ و٧٧٧١ و٧٧٧٢/٢ و٧٧٧٣/٣ و٧٧٧٤/٤ و٧٧٧٥/٥ و١٢/
٧٧٨٤ و((كتاب الإيمان)) ١١٧٣٣/١٤. وأخرجه (خ) في ((الإيمان)) ١٨ و((مناقب
الأنصار)) ٣٨٩٢ و((المغازي)) ٣٩٩٩ و((التفسير)) ٤٨٩٤ و((الحدود)) ٦٧٨٤ و٦٨٠١
و((الأحكام)) ٧٢١٣ و((التوحيد)) ٧٤٦٨. (م) في ((الحدود)) ٤٤٣٦ و٤٤٣٧ و٤٤٣٨
٤٤٣٩ (ت) في ((الحدود)) ١٤٣٩. (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٢١٧٠
و٢٢١٩٢ و٢٢٢٠٩ و٢٢٢١٨ و٢٢٢٢٩ (الموطأ) في ((الجهاد)) ٩٧٧. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): مشروعيّة المبايعة على الأمور المذكورة في الحديث. (ومنها): أَنَّ إِقَامَة
الْحَدّ كَفَّارَة لِلذَّنْبِ، وَلَوْ لَمْ يَتُبْ الْمَحْدُودِ، وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: لَا بُدّ مِنْ
التَّوْبَة، وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْض التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْل لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَوَافَقَّهُمْ ابْن حَزْمٌ، وَمِنْ
الْمُفَسِّرِينَ الْبَغَوِيّ، وَطَائِفَة يَسِيرَة، وَاسْتَدَلُّوا بِاسْتِثْنَاءِ مَنْ تَابَ في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
وَالْجَوَابِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فِي عُقُوبَةِ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ قُيِّدَتْ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. قاله في
((الفتح))(١).
(ومنها): أن هذه البيعة تُسمّى بيعة النساء، كما يأتي في الحديث التالي؛ لأنه ليس
فيها ذكر الجهاد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
وقوله: (خَالَفَهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ) يعني أنه خالف أحمدُ بنُ سعيد عبيدَ اللَّه بنَ سَعْد في
روايته لهذا الحديث عن عمّه، متّصلًا، فرواه منقطعًا، حيث أسقط أبا إدريس الخولانيّ
بين ابن شهاب، وبين عبادة رضي اللّه تعالى عنه، ونصّه في ((الكبرى)): خالفه أحمد بن
سعيد، رواه عن يعقوب، عن أبيه، عن أبي صالح ، عن الحارث بن فُضيل، عن
الزهريّ، عن عبادة، مرسلا)). انتهى.
وقوله: ((عن أبي صالح)) غلط، والصواب ((عن صالح))، وهو صالح بن كيسان.
والله تعالى أعلم.
ثم ذكر رواية أحمد بن سعيد بقوله :
(١) (فتح)) ٩٧/١ (كتاب الإيمان)) حديث: ١٨.

٢٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
٤١٦٤- (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالِحِ ابْنٍ كَيْسَانَ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُبَادَةَ بْنٍ
الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ لِهِ قَالَ: ((أَلَا تُبَايِعُونِي عَلَى مَا بَايَعَ عَلَّيْهِ النِّسَاءُ، أَنْ لَا تُشْرِكُوا
بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِيُهْتَانٍ، تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ
أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ))، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى
ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَمَنْ أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، فَتَالَتْهُ عُقُوبَةٌ فَهُوَ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ
لَمْ تَتَلْهُ عُقُوبَةٌ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن سعيد)): هو الرباطيّ الأشقر، أبو عبد الله
المروزيّ، ثقة حافظً [١١] ١٠٣٠/٩٠.
و ((الحارث بن فُضيل)) الأنصاريّ الْخطميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة [٦] ١٦/١٦.
والحديث فيه انقطاع؛ لأن الزهريّ لم يسمع من عبادة بن الصامت رضي الله تعالى
عنه، لكنه صحيح بما قبله، وتقدّم شرحه، ومسائله في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٠- (الْبَيْعَةُ عَلَى الْهِجْرَةِ)
٤١٦٥- (أَخْبَرَنَا يَحْتِى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَِّيَّ وَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي جِثْتُ
أُبَابِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: ((ارْجِعْ إِلَّيْهِمَا، فَأَضْحِكْهُمَا، كَمَا
أَبِكَيْتَهُمَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (يحيى بن حبيب بن عربيّ) البصريّ، ثقة [١٠] ٧٥/٦٠.
٢- (حمّاد بن زيد) أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٣/٣.
٣- (عطاء بن السائب) الثقفيّ الكوفيّ، صدوقٌ، اختلط [٥] ٢٤٣/١٥٢.
٤- (أبوه) السائب بن مالك، أو ابن يزيد الكوفيّ، ثقة [٢] ١٣٠٥/٦٢.

٢٣٥ ==
١٠ - (الْبَيْعَةُ عَلَى الْهِجْرَةِ) - حديث رقم ٤١٦٥
٥- (عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم
السهميّ، أبو محمد الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما، مات في ذي
الحجة ليالي الْحَرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح، تقدّم في ١١١/٨٩. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه
من العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ نَِّ، فَقَالَ: إِنِّي
جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ) أصله أبوين لي، فحذفت النون، واللام
للإضافة، ثمّ أُدغمت الياء في الياء، وفُتحت ياء المتكلّم (يَبْكِتَانِ) أي على فراقه لهما
(قَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (ارْجِعْ إِلَيْهِمًا) الظاهر أن ذلك بعد أن انقطعت فريضة
الهجرة (فَأَضْحِكْهُمَا) بقطع الهمزة، من الإضحاك، أي أضحكهما بدوام صحبتك لهما
(كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا) بفراقك إياهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه عطاء بن السائب، وهو مختلط؟.
[قلت]: إنما صحّ لأنه من طريق من روى عن عطاء قبل اختلاطه، وهو حماد بن
زيد، وأيضًا إذا روى عطاء عن أبيه، فهو صحيح، كما ذكره الحافظ ابن رجب رحمه
الله تعالى في ((شرح علل الترمذيّ)) ص٣١١(١). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٦٥/١٠- وفي ((الكبرى)) ٧٧٨٦/١١. وأخرجه (د) في ((الجهاد))
٢٥٢٨ (ق) في ((الجهاد)) ٢٧٨٢ . والله تعالى أعلم.
(١) راجع ((شرح علل الترمذيّ)) ص ٣١١ تحقيق صبحي السامرائيّ.

٢٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة البيعة على الهجرة،
ووجه الاستدلال بالحديث أنه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم إنما ترك مبايعة الرجل على
الهجرة؛ لأجل أبويه، فلولا هما لبايعه. (ومنها): وجوب برّ الوالدين، والسعي في
تحصيل رضاهما. (ومنها): تحريم عقوق الوالدين، وإدخال الحزن عليهما. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١- (شَأْنُ الْهِجْرَةِ)
٤١٦٦- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ أَغْرَابِيًّا سَأَلَ
رَسُولَ اللّهِ وَّهِ عَنْ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: ((وَنِحَكَ، إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِيلِ؟))
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَهَلْ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ،
فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (الحسين بن حُرَيث) الْخُزَاعِيّ، أبو عمّار المروزيّ، ثقة [١٠] ٥٢/٤٤.
٢- (الوليد بن مسلم) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقة كثير التدليس
والتسوية [٨] ٤٥٤/٥.
٣- (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة فقيه إمام [٧] ٤٥/
٥٦ .
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم المذکور قريبًا.
٥- (عطاء بن يزيد) الليثيّ الْجُنْدعيّ المدنيّ، نزيل الشام، ثقة [٣] ٢١/٢٠.
٦- (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الخدريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي اللَّه تعالى عنهما ٢٦٢/١٦٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

٢٣٧
١١- (شَأْنُ الْهِجْرة) - حديث رقم ٤١٦٦
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة،
روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ أَغْرَائِيًّا) قال الحافظ: ما عرفت اسمه (سَأَلَ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ عَنْ الْهِجْرَةِ) أي ترك الوطن، والانتقال من بلده إلى المدينة، تأييدًا،
وتقويةً للنبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم والمسلمين، وإعانةً لهم على قتال الكفرة،
وكانت فرضًا في أول الأمر، ثم صارت مندوبة، فلعلّ السؤال كان في آخر الأمر، أو
لعله صلّى الله تعالى عليه وسلم خاف عليه؛ لِمَا كان عليه الأعراب من الضعف، حتى
إن أحدهم ليقول إذا حصل له مرض في المدينة: أقلني بيعتك، ونحو ذلك، ولذلك
قال: ((إن شأن الهجرة لشديد))(١).
وقال في ((الفتح)): والهجرة المسئول عنها مفارقة دار الكفر إذ ذاك، والتزام أحكام
المهاجرين مع النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، وكأن ذلك وقع بعد فتح مكة؛ لأنها
كانت إذ ذاك فرض عين، ثم نُسخ ذلك بقوله صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم: ((لا هجرة
بعد الفتح)). انتهى (٢).
(فَقَالَ) صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم (وَنِحَكَ) قال في ((النهاية)): وَيْحَ كلمة ترخْم،
وتوجّعٍ، تقال لمن وقع في هلكة، لا يستحقّها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجّب،
وهي منصوبة على المصدر، وقد تُرفع، وتضاف، ولا تُضاف، يقال: ویحَ زید، وویحًا
له، وويحّ له. انتهى (٣) (إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ) ((الشأن)) بفتح الشين المعجمة، وسكون
الهمزة: الخطب، والأمر (شَدِيدٌ) قال القرطبيّ: سؤال الأعرابيّ عن الهجرة إنما هو عن
وجوبها عليه، فأجابه النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم بقوله: ((إن شأنها لشديد)) أي إن
أمرها صعبٌ، وشروطها عظيمة، ثم أخبره بعد ذلك بما يدلّ على أنها ليست بواجبة
عليه. ويحتمل أن يكون ذلك خاصًا بذلك الأعرابيّ، لما عَلِمٍ من حاله، وضعفه عن
المقام بالمدينة، فأشفق عليه، ورحمه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
انتھی .
(١) ((شرح السنديّ)) ١٤٣/٧.
(٢) ((فتح)) ٧/ ٦٧٥ ((كتاب مناقب الأنصار» حديث: ٣٩٢٥.
(٣) ((النهاية)) ٢٣٥/٥.

٢٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
وقال النوويّ: قال العلماء: والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا الأعرابيّ، ملازمة
المدينة مع النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، وترك أهله، ووطنه، فخاف عليه النبيّ
صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم أن لا يقوى لها، ولا يقوم بحقوقها، وأن ينكُص على
عقبيه، فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد، ولكن اعمل بالخير في
وطنك، وحيث ما كنت، فهو ينفعك، ولا ينقصك اللَّه منه شيئًا. والله أعلم.
انتھی(١).
(فَهَلْ لَكَ مِنْ إِلِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَهَلْ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟) أي زكاتها (قَالَ: نَعَمْ)
زاد في رواية: ((هلّ تحلُبها يوم وِزدها)) يعني أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند ورود المياه،
حَلَبُوا مواشيهم، فسَقَوا المحتاجين، والفقراء المجتمعين على المياه (قَالَ: ((فَاعْمَلْ مِنْ
وَرَاءِ الْبِحَارِ) أي فأت بالخيرات كلّها، وإن كنت وراء القرى، وسكنت أقصى الأرض،
فلا يضرّك بُعدك عن المسلمين. قال النوويّ: قال العلماء: والمراد بالبحار هنا القرى،
والعرب تسمّي القرى البحار، والقريةُ البحيرة. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): هذا مبالغة
في إعلامه بأن عمله لا يضيع في أيّ موضع كان (فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَنْ يَتِرَكَ) بفتح
التحتانيّة، وكسر المثنّاة، ثم راء، وكاف: أي لن ينقُصك، يقال: وتَره يتره، من باب
وعد: إذا نقصه، فهو من التّرَة، كالعِدَة، والكاف مفعول به. وقال السنديّ: ويحتمل
أنه من الترك، فالكاف من الكلمة، أي لا يترك شيئًا من عملك، مهملاً، بل يُجازيك
على جميع أعمالك، في أيّ محلّ فعلت. والله تعالى أعلم. انتهى(٣).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره السنديّ رحمه اللّه تعالى،
إن صحّت الرواية به، فذاك، وإلا فالضبط الأول متعيّنّ. والله تعالى أعلم.
(مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا) أي من ثواب عملك شيئًا، حيث كنت. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعد الخدريّ رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٤١٦٦/١١- وفي ((الكبرى)) ٧٧٨٧/١٤. وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
(١) (شرح مسلم)) ١٢/١٣-١٣. ((كتاب الإمارة)).
(٢) (شرح مسلم) ١٣/١٣. ((كتاب الإمارة)).
(٣) ((شرح السنديّ)) ٧/ ١٤٤.

١٢ - (هِجْرَةُ الْبَادِي) - حديث رقم ٤١٦٧
٢٣٩ ===
١٤٥٢ و((المناقب)) ٣٩٢٣ و((الأدب)) ٦١٦٥ (م) في (الإمارة)) ١٨٦٥ (د) في ((الجهاد))
٢٤٧٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٧٢١ و١١٢٢٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللَّه تعالى، وهو بيان شدّة شأن الهجرة، وأنها لا
تصلح لكلّ أحد، فربّما يقع الشخص في صعوبة أمر، فيندم على هجرته، كما سيأتي
بعد عشرة أبواب أن أعرابيّا بايع النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم، ثم وُعِكَ -أي حُمَّ-
فقال: يا رسول اللّه أقلني بيعتي)) الحديث. (ومنها): التنويه بشأن الهجرة، وأنها من
أفضل الأعمال، ولذا كانت واجبة في أول الإسلام، وسيأتي بعد بابين حديث: ((علیك
بالهجرة، فإنه لا مثل لها)). (ومنها): فضل أداء زكاة الإبل، ومعادة إخراج حقّ اللّه
تعالى منها لفضل الهجرة، فإن في الحديث إشارةً إلى أن استقراره بوطنه، إذا أدّى زكاة
إبله يقوم مقام ثواب هجرته، وإقامته بالمدينة. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٢ - (هِجْرَةُ الْبَادِي)
أي المقيم بالبادية .
٤١٦٧- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَم، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ، عَنَْ عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟، قَالَ: ((أَنْ تُهُجُرَ مَا كَرِهَ
رَبَّكَ عَزَّ وَجَلَّ)، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةُ الْحَاضِرِ، وَهِجْرَةُ
الْبَادِي، فَأَمَّا الْبَادِي، فَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ، وَيُطِيعُ إِذَا أُمِرَ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ، فَهُوَ أَعْظَمُهُمَا
بَلِيَةً، وَأَعْظَمُهُمَا أَجْرًا)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (أحمد بن عبد الله بن الحكم) أبو الحسين البصريّ، المعروف بابن الكرديّ،
ثقة [١٠] ٣٩ / ٥٨٣ .
(١) ((فتح)) ٤/ ٧٣ ((كتاب الزكاة)) حديث: ١٤٥٣.

٢٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْبَيْعَةِ
٢- (محمد بن جعفر) المعروف بغندر البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢٢/٢١.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (عمرو بن مُرّة) بن عبد اللَّه الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد اللَّه الكوفي، ثقة عابد
رمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٥- (عبد الله بن الحارث) الزُّبَيديّ بضمّ الزاي- النجرانيّ بنون وجيم- الكوفيّ
المعروف بالمكتّب، ثقة [٣].
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثبت. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في
((الثقات)). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط .
٦- (أبو كثير) زُهير بن الأقمر، وقيل: عبد الله بن مالك، وقيل: جمهان، أو
الحارث بن جمهان الزُّبيديّ بالتصغير - الكوفيّ، ثقة(١) [٣].
وقيل: إن زهير بن الأقمر غير عبد الله بن مالك، فالله أعلم.
قال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وقال النسائيّ: زهير بن الأقمر ثقة. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). روى له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)»، والمصنّف، وأبو داود،
والترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٧- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما المذكور قبل باب. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفیون، والصحابيّ دخل
الكوفة. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عمرو بن مرّة، عن
عبد الله الحارث، عن أبي كثير. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟) أي أكثر ثوابًا (قَالَ: ((أَنْ تُهْجُرَ) بضمّ الجيم، من باب نصر:
أي تترك (مَا كَرِهَ) بكسر الراء، من باب تَعِبَ (رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ) ومعنى الحديث أن أفضل
(١) هذا هو الحقّ، فقد وثقه النسائيّ، والعجليّ، وابن حبان، فقول الحافظ في ((ت)): مقبول، غير
مقبول، فتنبه.