Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١ ===
١٤ - (الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦١
عَبْد الْعَزِيزِ: تُبَاعِ بِأَرْضِ أُخْرَى، وَقَالَ الثَّوْرِيّ: تُحبَس، وَلَا تُقْتَل، وَأَسْئَدَهُ عَنْ ابْن
عَبَّاس رضي اللّه تعالى عنهما، قَالَ: وَهُوَ قَوْل عَطَاء. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: تُحبَس الْحُرَّة،
وَيُؤْمَر مَوْلَى الْأَمَةِ أَنْ يُجْبِرِهَا.
وقال البخاريّ في ((صحيحه)): وَقَالَ ابْنِ عُمَر، وَالزَّهْرِيّ، وَإِبْرَاهِيم -يَعْنِي
النَّخَعِيَّ -: تُقْتَلِ الْمُرْتَدَّة. انتھی.،
قال في ((الفتح)): أَمَّا قَوْل ابْن عُمَّر، فَتَسَبَهُ مُغَلْطَاي إِلَى تَّخْرِيجِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةٍ. وَأَمَّا
قَوْل الزّهْرِيّ، وَإِبْرَاهِيم، فَوَصَلَهُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ الزُّهْرِيّ، فِي الْمَرْأَةَ تَكْفُر
بَعْد إِسْلَامِهَا، قَالَ: تُسْتَتَابِ، فَإِنْ تَابَتْ، وَإِلَّا قُتِلَتْ. وَعَنْ مَعْمَرَ، عَنْ سَعِيد بْن أَبِي
عَرُوبَة، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِبْرَاهِيم مِثْلِهِ. وَأَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة، مِنْ وَجْه آخَرِ، عَنْ
حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَانِ، عَنْ إِبْرَاهِيمٍ. وَأَخْرَجَ سَعِيد بْنِ مَنْصُور، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدَة
ابْن مُغِيث، عَنْ إِبْرَاهِيمٍ، قَالَ: إِذَا ازْتَدَّ الرَّجُلِ، أَوْ الْمَرْأَة عَنْ الْإِسْلَامِ، أُسْتُتِبَا، فَإِنْ تَابَا
تُرِكًا، وَإِنْ أَبَيَا قُتِلَا. وَأَخْرَجَ ابْنِ أَبِي شَيْبَة، عَنْ حَقْص، عَنْ عُبَيْدَة، عَنْ إِبْرَاهِيم، ((لَا
يُقْتَلِ))، وَالْأَوَّل أَقْوَى، فَإِنَّ عُبَيْدَة ضَعِيف، وَقَدْ اخْتَلَفَ نَقْله عَنْ إِبْرَاهِيم.
وَمُقَابِل قَوْل هَؤُلَاءِ، حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاس: ((لَا تُقْتَلِ النِّسَاءِ، إِذَا هُنَّ ارْتَدَدْنَ))، رَوَاهُ
أَبُو حَنِيفَةٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَزِين، عَنْ ابْن عَبَّاسٍ، أَخْرَجَهُ ابْنِ أَبِي شَيْبَة،
وَالذَّارَ قُطْنِيّ، وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحُفَّاظُ، فِي لَفْظِ الْمَثْنِ. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنْ ابْن
الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ: ((أَنَّ امْرَأَةُ ارْتَدَّتْ، فَأَمَرَ النَِّيْ وَ بِقَتْلِهَا))، وَهُوَ يعكُر عَلَى مَا نَقَلَهُ
ابْنِ الطَّلَّاعِ فِي ((الْأَحْكَام)) أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ النَّبِيّ ◌َ، أَنَّهُ قَتَلَ مُرْتَدَّة.
وقال في ((الفتح)) أيضًا: واسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَتْلِ الْمُرْتَدَّةَ كَالْمُرْتَدْ، وَخَصَّهُ الْحَنَفِيَّة
بِالذِّكْرِ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ النَّهِي عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورِ النَّهي عَلَى الْكَافِرَةِ
الْأَصْلِيَّة، إِذَا لَمْ تُبَاشِرِ الْقِتَالِ، وَلَا الْقَتْلِ؛ لِقَوْلِهِ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث النَّهْي عَنْ قَتْل
النِّسَاءِ، لَمَّا رَأَى الْمَرْأَةِ مَقْتُولَة: ((مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ))، ثُمَّ نَّى عَنْ قَتْلِ النِّسَاء.
وَاحْتَجُوا أَيْضًا بِأَنَّ ((مَنْ)) الشَّرْطِيَّةَ، لَا تَعُمّ الْمُؤَنَّثِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ابْن عَبَّاس رَاوِي
الْخَبَرِ، قَدْ قَالَ: تُقْتَلِ الْمُرْتَدَّة، وَقَتَلَ أَبُو بَكْرِ فِي خِلَافَتْهِ امْرَأَةُ ارْتَدَّتْ، وَالصَّحَابَةِ
مُتَوَافِرُونَ، فَلَمْ يُنْكِرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَد، وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ كُلّه ابْنِ الْمُنْذِر، وَأَخْرَجَ
الدَّارَقُطْنِيُّ أَثَرِ أَبِي بَكْر مِنْ وَجْه حَسَن، وَأَخْرَجَ مِثْلُه مَرْفُوعًا، فِي قَتْل الْمُرْتَّدَّةِ، لَكِنَّ
سَنَّده ضَعِيف.
وَاخْتَجُوا مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ، بِأَنَّ الْأَصْلِيَّةِ تُسْتَرَقْ، فَتَكُون غَنِيمَة لِلْمُجَاهِدِينَ، وَالْمُرْتَدَّة
لَا تُسْتَرَقَ عِنْدِهمْ، فَلَا غُنْمِ فِيهَا، فَلَا يُتْرَكُ قَتْلِهَا. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث مَعَاذ رضي اللّه

٣٨٢
===
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
تعالى عنه: أَنَّ النَّبِيِّ وَّةِ، لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: ((أَيَمَا رَجُل ازْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ،
فَادْعُهُ، فَإِنْ عَادَ، وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقِه، وَأَيْمَا امْرَأَةَ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَادْعُهَا، فَإِنْ
عَادَتْ، وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقِهَا))، وَسَنَده حَسَنْ. وَهُوَ نَصِّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ، فَيَجِب
الْمَصِيرِ إِلَيْهِ. وَيُؤَيِّدَهُ اشْتِرَاك الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ كُلّهَا، الزْنَا، وَالسَّرِقَة، وَشُرْب
الْخَمْرِ، وَالْقَذْفِ، وَمِنْ صُوَرِ الزَّنَا رَجْمَ الْمُخْصَنْ حَتَّى يَمُوت، فَاسْتُثْنِيَ ذَلِكَ مِنْ النَّهي
عَنْ قَتْلِ النِّسَاء، فَكَذَلِكَ يُسْتَثْنَى قَتْلِ الْمُرْتَدَّة. قاله في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تحصل مما تقدم أن الأرجح قول الجمهور وهو أنّ
المرتدة تُقتل، كما يُقتل المرتدّ من دون فرق بينهما؛ لوضوح الأدلة في ذلك. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه استَدلّ بَعْض الشافعيّة بِعموم هذا الحديث على قَتْل مَنْ انْتَقَلَ
مِنْ دِين كُفْرِ إِلَى دِین كُفْرِ، سَوَاء كَانَ مِمَّنْ يُقَرَ أَهْلِهِ عَلَيْهِ بِالْجِزْیَةِ، أَوْ لا .
وَقد أجاب بعض الحنفيّة بِأَنَّ الْعُمُوم فِي الْحَدِيثِ فِي الْمُبْدِلِ، لَا فِي التَّبْدِيل، فَأَمَّا
التَّبْدِيلِ فَهُوَ مُطْلَق، لا عُمُوم فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيم، فَهُوَ مَتْرُوك الظَّاهِرِ اتَّفَاقًا فِي
الْكَافِرِ، لَوْ أَسْلَمَ، فَإِنَةً يَدْخُلِ فِي عُمُومِ الْخَيْرِ، وَلَيْسَ مُرَادًا.
وَاحْتَجُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْكُفْرِ مِلَّةٍ وَاحِدَة، فَلَوْ تَنَصَّرَ الْيَهُودِيّ، لَمْ يَخْرُجِ عَنْ دِین الْكُفْرِ،
وَكَذَا لَوْ تَّوَّدَ الْوَثَنِيّ، فَوَضَحَ أَنَّ الْمُرَادِ مَنْ بَدَّلَ دِينِ الْإِسْلَامِ بِدِينٍ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الدِّين فِي
الْحَقِيقَة هُوَ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَِّ اَلْإِسْلَمُ﴾، وَمَا عَدَاهُ فَهُوَ
بِزَعْمِ الْمُدَّعِي.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ دِينًا، فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ﴾، فَقَدْ احْتَجّ بِهِ بَعْض
الشَّافِعِيَّة، فَقَالَ: يُؤْخَذ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقَرَ عَلَى ذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ظَاهِرٍ فِي أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ، لَا يُقَرّ عَلَى ذَلِكَ.
سَلَمْنَا: لَّكِنْ لَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه لَا يُقْبَل مِنْهُ، أَنَّهُ لَا يُقَرّ بِالْجِزْيَّةِ، بَلْ عَدَم الْقَبُول
وَالْخُسْرَان، إِنَّمَا هُوَ فِي الْآخِرَة.
سَلَّمْنَا: أَنَّ عَدَمِ الْقَبُول، يُسْتَفَّاد مِنْهُ عَدَم التَّقْرِيرِ فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّ الْمُسْتَفَادِ أَنَّهُ لَا يُقَرْ
عَلَيْهِ، فَلَوْ رَجَعَ إِلَى الدِّينِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَكَانَّ مَقَرًّا عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، فَإِنَةً يُقْتَل، إِنْ لَمْ
يُسْلِمِ مَعَ إِمْكَان الْإِمْسَاكِ بِأَنَّا لَا نَقْبَل مِنْهُ، وَلَا نَقْتُلُهُ، وَيُؤَيِّدُ تَخْصِيصَهُ بِالْإِسْلَامِ، مَا جَاءَ
فِي بَعْض طُرُقه، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْه آخَرَ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنْ ابْنَ عَبَّاس،
(١) (فتح) ١٤/ ٢٧٣. ((كتاب استتابة المرتدين.

١٤ - (الْحُكْمُ فِي المُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦٢
٣٨٣ ===
رَفَعَه: ((مَنْ خَالَفَ دِينَهُ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَاضْرِبُوا عُنُقه)). قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ظهر بهذا أن الحقّ أن المراد بالدين هو الإسلام،
فقَتلُ من ارتدّ عن دينه خاصّ بالدين الإسلاميّ فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ نَاسًا ازْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ،َ فَحَرَّقَهُمْ عَلِيٍّ
بِالنَّارِ، قَالَ ابْنُ عَيَّاسٍ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرَّقْهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (َلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابٍ
اللَّهِ أَحَدَا))، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((أبو هشام)): هو المغيرة بن سلمة المخزوميّ البصريّ، ثقة ثبت، من صغار [٩]
٨١٥/٢٨. و((وُهيب)): هو ابن خالد بن عجلان الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت،
لكنه تغيّر قليلًا بآخره [٧] ٤٢٧/٢١ و((أيوب)) هو السختياني. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ نَاسًا ازْتَنُوا عَنْ الْإِسْلَامِ، فَحَرَّقَهُمْ عَلِيَّ بِالثَّارِ) وفي رواية للبخاريّ:
(أُتيّ بزنادقةَ، فأحرقهم))، وسيأتي قرِيبًا مَعنى الزنادقة، وفي رواية الْحُمَيْدِيّ، عَنْ
سُفْيَان: ((حَرَقَ الْمُرْتَدِينَ)). وَرواه ابْن أَبِي شَيْبَة من وجه آخر بلفظ: ((كَانَ أَنَاس يَعْبُدُونَ
الْأَصْنَامِ فِي السِّ))، وَعِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي ((الْأَوْسَطِ)) مِنْ طَرِيقِ سُوَيْد بْن غَفَلَة: ((أَنَّ عَلِيًّا
بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا، ازْتَدُوا عَنْ الْإِسْلَامِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَأَطْعَمَهُمْ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ،
فَأَبَوْا، فَحَفَرَ حَفِيرَةٍ، ثُمَّ أَتَّى بِهِمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهِمْ، وَرَمَاهُمْ فِيهَا، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ
الْحَطَب، فَأَخْرَقَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّه وَرَسُوله))(١).
وفي رواية لأحمد: «أن عليًّا أتي بقوم من هؤلاء الزنادقة، ومعهم كتب، فأمر بنار،
فَأُجّجت، ثم أحرقهم وكتبهم)). وروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن عبيد،
عن أبيه، قال: ((كان ناس يعبدون الأصنام في السرّ، ويأخذون العطاء، فأتي بهم عليّ،
فوضعهم في السجن، واستشار الناس، فقالوا: اقتلهم، فقال: لا، بل أصنع بهم كما
صُنع بأبينا إبراهيم، فحرّقهم بالنار))(٢).
وَزَعَمَ أَبُو الْمُظَفَّرِ الْإِسْفَرَائِيّ فِي ((الْمِلَل وَالنِّحَلِ)) أَنَّ الَّذِينَ أَخْرَقَهُمْ عَلِيْ طَائِقَة مِنْ
(١) ((فتح)) ٢٧٠/١٤-٢٧١.
(٢) ((فتح)) ٢٦٠/٦. (كتاب الجهاد)) رقم الحديث ٣٠١٧.

٣٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
الرَّوَافِض، اذَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةِ، وَهُمْ السَّبَائِيَّةِ، وَكَانَ كَبِيرِهمْ عَبْدِ اللَّه بْن سَبَأْ يُودِيًّا، ثُمَّ
أَظْهَرَ الْإِسْلَامِ، وَابْتَدَعَ هَذِهِ الْمَقَالَة.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وَهَذَا يُمْكِن أَنْ يَكُون أَصْله، مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ
الثَّالِث مِنْ حَدِيث أَبِي طَاهِرِ الْمُخَلِّص، مِنْ طَرِيقِ عَبْد اللَّه بْن شَرِيك الْعَامِرِيّ، عَنْ
أَبِهِ، قَالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ إِنَّ هُنَا قَوْمًا، عَلَى بَابِ الْمَسْجِد، يَدَّعُونَ أَنَّكَ رَبّهُمْ، فَدَعَاهُمْ،
فَقَّالَ لَهُمْ: وَيْلَكُمْ مَا تَقُولُونَ؟ قَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا، وَخَالِقِنَا، وَرَازِقِنَا، فَقَالَ: وَيْلِكُمْ إِنَّمَا أَنَا
عَبْدٌ مِثْلُكُمْ، آكُلُ الطَّعَامِ كَمَا تَأْكُلُونَ، وَأَشْرَبُ كَمَا تَشْرَبُونَ، إِنْ أَطَعْتِ اللَّهَ أَثَابَنِي، إِنْ
شَاءَ، وَإِنْ عَصَيْتِه خَشِيتِ أَنْ يُعَذِّبِنِي، فَاتَّقُوا اللَّه، وَارْجِعُوا، فَأَبَوْا، فَلَمَّا كَانَ الْغَد،
غَدَوْا عَلَيْهِ، فَجَاءَ قَتْبَرِ، فَقَالَ: قَدْ وَاَللَّهِ رَجَعُوا، يَقُولُونَ: ذَلِكَ الْكَلَامِ، فَقَالَ: أَدْخِلْهُمْ،
فَقَالُوا: كَذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الثَّالِث، قَالَ: لَئِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ، لَأَقْتُلَنَّكُمْ بِأَخْبَثِ قِتْلَةِ، فَأَبَوْا إِلَّ
ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا قَتْبَر اثْنِي بِفَعَلَةٍ، مَعَهُمْ مرِرُوهُمْ، فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا، بَيْنِ بَابِ الْمَسْجِد
وَالْقَصْرِ، وَقَالَ: احْفِرُوا فَأَبْعِدُوا فِي الْأَرْضِ، وَجَاءَ بِالْخَطَبِ، فَطَرَحَهُ بِالنَّارِ فِي
الْأَخْدُودِ، وَقَالَ: إِنِّي طَارِ حُكُمْ فِيهَا، أَوْ تَرْجِعُوا، فَأَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا، فَقَذَّفَ بِهِمْ فِيهَا،
حَتَّى إِذَا اخْتَرَقُوا، قَالَ [من الرجز]:
إِنْي إِذَا رَأَيْت أَمْرًا مُنْكَرًا أَوْقَذْتِ نَارِي وَدَعَوْتِ قَتْبَرَا
وَهَذَا سَنَد حَسَنِ. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنِ أَبِي شَيْبَة، مِنْ طَرِيق قَتَادَة، ((أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِنَاسٍ
مِنْ الزُّطَ، يَعْبُدُونَ وَثَنَا، فَأَخْرَقَهُمْ))، فَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٍ. فَإِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى قِصَّة أَخْرَى،
فَقَدْ أَخْرَجَ ابْن أَبِي شَيْبَة أَيْضًا، مِنْ طَرِيقِ أَيُّوب بْنَ الثُّعْمَان، ((شَهِدْت عَلِيًّا فِي الرَّحْبَة،
فَجَاءَهُ رَجُلٍ، فَقَالَ: إِنَّ هُنَا أَهْلِ بَيْتَ، لَهُمْ وَثَنْ فِي دَار، يَعْبُدُونَهُ، فَقَامَ يَمْشِي إِلَى
الدَّار، فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ بِمِثَالِ رَجُلٍ، قَالَ: فَأَلْهَبَ عَلَيْهِمْ عَلِيِّ الدَّارَ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قصّة الزّطّ الذي قال عنه الحافظ: إنه منقطع، من
رواية ابن أبي شيبة، سيأتي قريبًا للمصنّف موصولًا برواية قتادة، عن أنس رضي الله
تعالى عنه، فهو صحيح، فتنبه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أخرجِ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طريق ابْن أَبِي عُمَر، وَمُحَمَّد بْن عَبَّاد، كلاهما عَنْ
سُفْيَان: قَالَ: ((رَأَيْت عَمْرِو بْن دِينَار، وَأَيُّوب، وَعَمَّارًا الدُّهْنِيّ، اجْتَمَعُوا، فَتَذَاكِرُوا
الَّذِينَ حَرَقَهُمْ عَلِيّ، فَقَالَ أَيُّوب: فَذَكَرَ الْحَدِيث، فَقَّالَ عَمَّار: لَمْ يَخْرِقَهُمْ، وَلَكِنْ حَفَرَ
لَهُمْ حَفَائِرِ، وَخَرَقَ بَعْضِهَا إِلَى بَعْض، ثُمَّ دَخَّنَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عَمْرو بْنِ دِينَار: قَالَ
الشّاعِر [من الوافر]:
لِّرْم بِيَ الْمَئَايَا حَيْثُ شَاءَتْ إِذَا لَمْ تَزْمُ بِي فِي الْحُفْرَتَيْنِ

٣٨٥ =
١٤ - (الْحُكْمُ فِي المُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦٢
إِذَا مَا أَجَّجُوا حَطَبًا وَنَارًا هُنَاكَ الْمَوْتِ نَقْدًا غَيْرِ دَيْنِ
انْتَهَى. قال الحافظ: وَكَأَنَّ عَمْرِو بْنِ دِينَار، أَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدّ عَلَى عَمَّار الدُّهْنِيّ، فِي
إِنْكَاره أَضْل التَّخْرِيق.
قال: ثُمَّ وَجَدْت فِي الْجُزْء الثَّالِثِ مِنْ حَدِيث أَبِي طَاهِرِ الْمُخْلِص: ((حَدَّثَنَا لُوَيْرٌ،
حَدَّثَنَا سُفْيَانِ بْن عُنَيْنَةً))، فَذَكَرَهُ عَنْ أَيُوبِ وَخْده، ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنْ عَمَّار وَخده، قال ابن
عُيَيْنَةَ: فَذَكَرْتِه لِعَمْرِو بْنِ دِينَار، فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: ((فَأَيْنَ قَوْله: أَوْقَدْت نَارِي وَدَعَوْت
قَنْبَرًا))، فَظَهَرَ بِهَذَا صِحَّة مَا كُنْت ◌َنَنْته. انتهى (١).
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، لَمّا بلغه تحريق عليّ رضي اللَّه تعالى عنه
لهم، وكان ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما حينئذ أميرًا على البصرة من قبل عليّ
رضي الله تعالى عنه (لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرَّقْهُمْ) أي للنهي عن التحريق، كما بيّنه بقوله
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ أَحَدًا))) أي وهو التعذيب بالنار. قال في
((الفتح)): هذا يحتمل أن يكون مما سمعه ابن عباس من النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه
وسلم، ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة. انتهى.
وقد أخرج البخاريّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: بعثنا رسول اللَّه
وَل0# في بعث، فقال: ((إن وجدتم فلانا وفلانا، فأحرقوهما بالنار))، ثم قال رسول الله
وَالر، حين أردنا الخروج: ((إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا، وإن النار لا يعذب بها إلا
الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما)).
(وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ) أي لأمر النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم بذلك، كما بيّنه
بقوله (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ))) زاد إسماعيل ابن عليّة في روايته:
((فبلغ ذلك عليًّا، فقال: وَيْحَ أم ابن عبّاس))، كذا عند أبي داود، وعند الدارقطنيّ
بحذف ((أُمّ))، وهو محتمل أنه لم يرض بما اعترض به، ورأى أن النهي للتنزيه، وهذا
بناء على أن ((ويح)) كلمة رحمة، فتوجّع له؛ لكونه حمل النهي على ظاهره، فاعتقد
التحريم مطلقًا، فأنكر. ويحتمل أن يكون قالها رضًا بما قال، وأنه حفظ ما نسيه، بناء
على أحد ما قيل في تفسير ((وَيْح)) أنها تقال بمعنى المدح، والتعجّب، كما حكاه في
((النهاية))، وكأنه أخذه من قول الخليل: هي في موضع رأفة، واستملاح، كقولك
للصبيّ: ويحه ما أحسنه، حكاه الأزهريّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((فتح)) ٢٦٠/٦. ((كتاب الجهاد)).

٣٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم في الحديث الماضي بيان المسائل المتعلّقة
بالحديث، فلا حاجة إلى إعادتها، وبالله تعالى التوفيق.
[فائدة]: قال في ((الفتح)): الزَّنَادِقَة : -بِزَائ، ونُون، وَقَاف- څمع زِنْدِیق ◌ِبِكُسْرٍ
أَوَّله، وَسُكُون ثَانِيهِ، قَالَ أَبُو حَاتِمِ السُّجِسْتَانِيّ وَغَيْرِهِ: الزُّنْدِيقِ فَارِسِيَ مُعَرَّب أَضْله:
(زنده كرداي)) يَقُول بِدَوَام الدَّهْر؛ لِأَنَّ («زنده)»: الْحَيَاةُ، وَ ((كرد)»: الْعَمَلُ، وَيُطْلَق عَلَى
مَنْ يَكُون دَقِيقِ النَّظَرِ فِيَ الْأُمُورِ. وَقَالَ ثَعْلَب: لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ زِنْدِيقِ، وَإِنَّمَا
قَالُوا: زَنْدَقِيْ لِمَنْ يَكُونَ شَدِيد الثَّحَيَّل، وَإِذَا أَرَادُوا مَا تُرِيد الْعَامَّة، قَالُوا: مُلْحِد،
وَدَهْرِيّ بِفَتْحِ الدَّالِ- أَيْ يَقُول بِدَوَام الدَّهْرِ، وَإِذَا قَالُوهَا بِالضَّمِّ، أَرَادُوا كِبَرِ السِّنّ. وَقَالَ
الْجَوْهَرِيّ: الزِّنْدِيقِ مِنْ النََّوِيَّةِ، كَذَا قَالَ، وَفَسَّرَهُ بَعْض الشُّرَّاحِ بِأَنَّهُ الَّذِي يَدَّعِي، أَنَّ مَعَ
اللَّه إِلَّهَا آخَر. وَتُعُقْبَ بِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْهُ أَنْ يُطْلَقِ عَلَى كُلّ مُشْرِك. وَالتَّحْقِيقِ مَا ذَكَرَهُ مَنْ
صنّف فِي ((الْمِلَلِ)) أَنَّ أَضْلِ الزَّنَادِقَة أَتْبَاعِ دَيْصَان، ثُمَّ مَانِّي، ثُمَّ مَزْدَك، الْأَوَّل: بِفَتْح
الِدَّالِ، وَسُكُونِ الْمُثَنَّاة الثَّحْتَانِيَّةِ، بَعْدِهَا صَاد مُهْمَلَة. وَالثَّانِي: بِتَشْدِيدِ النُّون، وَقَدَّ
تُخْفَّف، وَالْيَاءَ خَفِيفَة. وَالثَّالِث: بِزَاي سَاكِنَة، وَدَال مُهْمَلَة مَفْتُوحَة، ثُمَّ كَاف. وَحَاصِل
مَقَالَتَهِمْ: أَنَّ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ قَدِيمَانٍ، وَأَنَّمَا امْتَزَجَا، فَحَدَثَ الْعَالَم كُلُّهُ مِنْهُمَا، فَمَنْ كَانَ
مِنْ أَهْلِ الشَّرِ، فَهُوَ مِنْ الظُّلْمَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، فَهُوَ مِنْ النُّورِ. وَأَنَّهُ يَجِب
السَّعْي فِي تَخَلِيص النُّور مِنْ الظُّلْمَةِ، فَيَلْزَمِ إِزْهَاق كُلّ نَفْس، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُتَنَبِي،
حَيْثُ قَالَ فِي قَصِيدَتِه الْمَشْهُورَة [من الطويلِ]:
وَكُمْ لِظَلَامِ اللَّلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ تُخُبْرِ أَنَّ الْمَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
وَكَانَ بُهْرَامَ جَدُّ كِسْرَى، تَخَيَّلَ عَلَى مَانِي، حَتَّى حَضَرَ عِنْدِهِ، وَأَظْهَرَ لَهُ أَنَّهُ قَبْلَ
مَقَالَتِهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ، وَقَتَلَ أَصْحَابِهِ، وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقَايَا، اتَّبَعُوا مَزْدَك الْمَذْكُور، وَقَامَ
الْإِسْلَام، وَالزَّنْدِيق يُطْلَق عَلَى مَنْ يَعْتَقِد ذَلِكَ، وَأَظْهَرَ جَّاعَة مِنْهُمْ الْإِسْلَامِ، خَشْيَة
الْقَتْلِ، وَمِنْ ثَمَّ أُطْلِقَ الاسْمُ عَلَى كُلّ مَنْ أَسَرَّ الْكُفْرِ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامِ، حَتَّى قَالَ مَالِك:
الزَّنْدَقَة مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ، وَكَذَا أَطْلَقَ جَّاعَةٍ مِنْ الْفُقَّهَاءِ الشَّافِعِيَّة، وَغَيْرِهمْ، أَنَّ
الزّنْدِيقِ: هُوَ الَّذِي يُظْهِرِ الْإِسْلَامِ، وَيُخْفِي الْكُفْرِ، فَإِنْ أَرَادُوا اشْتِرَاكِهمْ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ
كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَأَضْلهمْ مَا ذَكَرْت.
وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيّ فِي لُغَات ((الرَّوْضَة)): الزِّنْدِيقِ الَّذِي لَا يَنْتَحِلِ دِينًا. وَقَالَ مُحَمَّد بْنِ
مَعْنِ فِي ((التَّنْقِيب عَلَى الْمُهَذَّب)): الزَّنَادِقَة مِنْ النَّتَوِيَّةِ، يَقُولُونَ بِبَقَاءِ الدَّهْرِ، وَبِالتَّنَاسُخِ،
قَالَ: وَمِنْ الزَّنَادِقَة الْبَاطِنِيَّةِ، وَهُمْ قَوْم، زَعَمُوا أَنَّ اللَّه خَلَقَ شَيْئًا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ شَيْئًا
آخر، فَدَبَّرَ الْعَالَم بِأَسْرِهِ، وَيُسَمُوتُهمَا الْعَقْلِ، وَالنَّفْسِ، وَتَارَةِ الْعَقْلِ الْأَوَّل، وَالْعَقْل

٣٨٧ =
١٤- (الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦٣
الثَّانِي، وَهُوَ مِنْ قَوْل الثَّوِيَّةِ فِي النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، إِلَّا أَثَهُمْ غَيَّرُوا الإِسْمَيْنِ، قَالَ: وَلَهُمْ
مَقَالَات سَخِيفَة فِي النُّبُوَّاتِ، وَتَحَرِيف الْآيَاتِ، وَفَرَائِض الْعِبَادَاتِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَب
تَفْسِيرِ الْفُقَّهَاءِ الزُّنْدِيقَ، بِمَا يُفَسَّر بِهِ الْمُنَافِقُ، قَوْلُ الشَّافِعِيّ فِي («الْمُخْتَصَرِ)»: وَأَّ كُفْر
ارْتَدَّ إِلَيْهِ، مِمَّا يُظْهِر أَوْ يُسِرّ مِنْ الزَّنْدَقَةِ، وَغَيْرِهَا، ثُمَّ تَابَ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلِ. وَهَذَا لَا
يَلْزَم مِنْهُ اتَحَاد الزُّنْدِيقِ وَالْمُنَافِقِ، بَلْ كُلّ زِنْدِيق مُنَافِقٍ، مِنْ غَيْرِ عَكْس، وَكَانَ مَنْ أُطْلِقَ
عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، الْمُنَافِقِ يُظْهِرِ الْإِسْلَامِ، وَيُبْطِنِ عِبَادَة الْوَثَنْ، أَوْ الْيَهُودِيَّةِ، وَأَمَّا
الثَّوِيَّة، فَلَا يُحْفَظِ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامِ، فِي الْعَهْدِ النََّوِيّ. وَاَللَّه أَعْلَمُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّقَلَةِ، فِي الَّذِينَ وَقَعَ لَهُمْ، مَعَ عَلِيّ مَا وَقَعَ، عَلَى مَا تقدّم بيانه.
وَاشْتَهَرَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَم، فَذَبَحَهُ خَالِد الْقَسْرِيّ، فِي يَوْم عِيد
الْأَضْحَى، ثُمَّ كَثُرُوا فِي دَوْلَة الْمَنْصُور، وَأَظْهَرَ لَهُ بَعْضِهِمْ مُعْتَقَدِهِ، فَأَبَادَهُمْ بِالْقَتْلِ، ثُمّ
ابْتِهِ الْمَهْدِيّ، فَأَكْثَرَ فِي تَتَبُّعهمْ وَقَتْلهمْ، ثُمَّ خَرَجَ فِي أَيَّامِ الْمَأْمُون بَابَك - بِمُوَخَّدَتَيْنِ
مَقْتُوحَتَيْنِ، ثُمَّ كَاف مُخَفَّفَة - الْخُرَّمِيّ(١) - بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيد الرَّاءِ- فَغَلَبَ عَلَىَ
بِلَادِ الْجَبَّل، وَقَتَلَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَهَزَمَ الْجُيُوش، إِلَى أَنْ ظَفِرَ بِهِ الْمُعْتَصِمِ، فَصَلَبَهُ،
وَلَهُ أَتْبَاعِ، يُقَال لَهُمْ: الْخُرَّمِيَّةِ، وَقِصَصِهِمْ فِي التَّوَارِيخِ مَعْرُوفَة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: سيأتي اختلاف العلماء، هل يُستتاب الزنديق، أم
يقتل بدون استتابة؟، في الباب التاليّ، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٣- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ
جُرَيْج، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ:" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((محمد بن بكر)): هو الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ. و(إسماعيل)): هو ابن عُليّة،
(١) ((الْخُزَّميّ)) بضم الخاء المعجمة، وتشديد الراء المفتوحة، وكسر الميم: هذه النسبة إلى طائفة من
الباطنية، وإلى جدّ المنتسب إليه، فأما الباطنية، فإنما قيل لهم الخرمدينيّة؛ لإباحتهم الحرمات،
من شرب الخمر، والزنا، وغير ذلك، مما يتلذّذون به، فلما شابهوا بهذه الإباحة المزدكيّة من
المجوس الذين خرجوا أيام قباذ، وأباحوا النساء، والمحرّمات، وقتلهم أنو شروان، قيل لهم:
الخرمدينية؛ لأن المزدكيّة، كانوا يقال لهم هذا اللقب أيضًا.
وأما النسبة إلى الجدّ، فهو الحسين بن إدريس الأنصاريّ الخزميّ المعروف بابن خرّم. انتهى
((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٣٦/١-٤٣٧، و((الأنساب)) ٣٥٢/٢.
(٢) (فتح)) ٢٧١/١٤-٢٧٢. ((كتاب استتابة المرتدين)).

٣٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
ورواية ابن جُريج عنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن ابن جريج من شيوخه، كما
ذكر ذلك في ((تهذيب التهذيب)) ١/ ١٤٠ - من ترجمة إسماعيل. ((ومعمر)): هو ابن
راشد .
[تنبيه]: ذكر الحافظ المزيّ رحمه اللَّه تعالى في ((تحفة الأشراف)) ١٠٩/٥ - عن
المصنف، أنه قال: ((محمد بن بكر ليس بالقويّ في الحديث)). ونقله أيضًا في ((تهذيب
التهذيب)) في ترجمة محمد بن بكر، ونصّه: وقال النسائيّ في ((كتاب المحاربة)) من
((سننه)): ليس بالقويّ. انتهى.
قال الجامع: لم أر هذا الكلام في ((كتاب المحاربين))، لا في ((المجتبى))، ولا في
((الكبرى))، فالله تعالى أعلم.
ثم إن ما نُقل عن المصنّف في محمد بن بكر نُقل نحوه عن ابن عمّار الموصليّ، فإنه
قال: لم يكن صاحب حديث، تركناه، لم نسمع منه. لكن الجمهور على توثيقه، فقد
وثقه ابن معين، وأبو داود، والعجليّ، وابن قانع، وابن سعد وابن حبّان، وقال أحمد:
صالح الحديث، وقال أبو حاتم: شيخٌ، محلّه الصدق(١).
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٤- (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴿٢: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((هلال بن العلاء)): هو أبو عمرو الرَّقْيّ، صدوق
[١١] ١١٩٩/١٠ من أفراد المصنف.
و(«إسماعيل بن عبد الله بن زُرَارة))، أبو الحسن الرقْي، صدوقٌ تكلّم فيه الأزديّ بلا
حجّة [١٠] .
روى عن حماد بن زيد، وشريك، وإسماعيل بن عيّاش، وشعيب بن صفوان،
وعبّاد بن العوّام، وغيرهم. وعنه ابنه إبراهيم، وإسماعيل سمّويه، وأحمد بن يونس
الضبّيّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وهلال بن العلاء، وأبو شعيب الحرّاني،
وأبو بكر الصغانيّ، وجماعة.
ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن عساكر: روى عنه ابن ماجه، وروى النسائيّ
(١) انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب» ٥٢٢/٣-٥٢٣.

١٤- (الْحُكْمُ فِي المُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦٤
٣٨٩ ==
عن رجل عنه. قال الحافظ المزّيّ: فأما ابن ماجه فقد تبيّن أنه لم يرو إلا عن القرشيّ،
وأما النسائيّ، فلم نقف على روايته عن رجل عنه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن في هذا الحديث أن النسائيّ روى عن هلال
بن العلاء، عنه، والحمد لله، وقد ذكر جماعة من الحفّاظ أيضًا بأن البخاريّ روى عنه،
منهم الدارقطنيّ، والْبَزْقانيّ، والحاكم، وأبو إسحاق الْحَبّال، وأبو عبد الله بن منده،
وأبو الوليد الباجيّ، وابن خلفون، وابن طاهر. انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب)) ١/
١٥٦-١٥٧ .
والحاصل أن رواية المصنّف له ثابتة، دون ريب، ولا شكّ، وكذا رواية البخاريّ
عنه، على ما قاله هؤلاء الأئمة الحفّاظ، وهم القدوة في ذلك. والله تعالى أعلم.
و((عبّاد بن العوام)): هو الكلابيّ، أبو سهل الواسطيّ، ثقة [٨] ٣٩٠٧/٢.
و(سعيد)): هو ابن أبي عروبة.
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٥- (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
الكنديّ المسروقيّ، أبو عيسى الكوفيّ، وهو ثقة، من كبار [١١] ٩١/٧٤.
و((محمد بن بشر)): هو العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة حافظ [٩] ٨٨٢/٥.
و(سعيد)): هو ابن أبي عروبة. و((الحسن)): هو ابن أبي الحسن يسار البصريّ.
والحديث مرسلٌ، صحيح بما تقدّم.
وقوله (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ (وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ، مِنْ حَدِيثِ عَبَّادِ) يعني
أن كونه من رواية سعيد، عن قتادة، عن الحسن، مرسلًا هو الصواب، من كونه عن
سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس موصولًا .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما رجّح المصنّف الإرسال على الوصل؛ لأن محمد بن
بشر أحفظ من عبّاد بن العوّام، فإنه وإن كان ثقة إلا أن في روايته عن سعيد بن أبي عروبة
اضطرابًا، كما قاله الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فقد نقل في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته،
عن الأثرم، عن أحمد أنه قال: مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة. انتهى (١).
(١) (تهذيب التهذيب)) ٢٧٩/٢-٢٨٠.

٣٩٠ :
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَّةِ
لكن الحديث صحيحٌ موصولًا بما تقدّم من الأسانيد. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٦- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةً،
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((الحسين بن عيسى)): هو أبو عليّ البسطامي القومسيّ، نزيل نيسابور،
صدوقٌ، صاحب حديث [١٠] ٨٦/٦٩.
و((عبد الصمد)»: هو ابن عبد الوارث بن سعيد العنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ،
صدوق [٩] ١٧٤/١٢٢. و((هشام)): هو ابن أبي عبد اللَّه الدستوائيّ البصريّ.
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِنَاسِ مِنْ الزَّطْ، يَعْبُدُونَ وَثَنَا، فَأَخْرَقَهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((مَنْ بَذَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، وشيخ المصنّف هو
أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير
مرّة، والسند كله مسلسل بالبصريين.
وقوله: ((أن عليًّا)) هو ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وقوله: ((أُتي)) بالبناء
للمفعول. وقوله: ((بناس من الزُّطّ)) قال في ((القاموس))، و((شرحه)): ((الزّطْ)) بالضمّ:
جِيلٌ من الناس، كما في ((الصحاح))، وقد جاء ذكره في ((البخاريّ)) في صفة
موسى غلَّلهُ: ((كأنه من رجال الزُّطْ)). واختلف فيهم: فقيل: هم السيابجة، قومٌ من
السند بالبصرة. وقال القاضي عياض: هم جنسٌ من السودان، طوال، ومثله في
(التوشيح)) للجلال، وزاد: ((معٍ نَحَافة)). ونقل الأزهريّ عن الليث: أنهم جِيلٌ من
الهند، إليهم تُنسب الثياب الزُّطْيَة، قال: وهو معرّب جَتّ بالفتح، بالهنديّة. قال
الصاغانيّ: أما الليث، فلم يقل في كتابه هذا، وأما جَتْ بالهندية، فصحيحٌ، بفتح
الجيم، وكذلك هو مضبوطً في نسخة صححها الأزهريّ، وعليها خطّه بفتح الجيم،
وعلى هذا القياسُ يَقتضي فتحَ مُعرَّبه أيضًا، وفي ((الصحاح)): الواحد زُطّيّ، كالروم
والروميّ، والزنج والزنجيّ. وقال ابن دُريد: الزُّطْ: هذا الجِيلُ، وليس بعربيّ محضٍ،
وقد تكلّمت به العرب، وأنشد [من الطويل]:

١٤- (الخُكْمُ فِی المرتد) - حدیث رقم ٤٠٦٨
٣٩١ ==
فَجِثْنَا بِحَيَّ وَائِلٍ وَبِلَفْهَا وَجَاءَتْ تَمِيمٌ زُطُهَا وَالأَسَاوِرُ
وقال أبو النجم [من الرجز]:
جَارِيَةٌ إِحْدَى بَئَاتِ الزُّطْ ذَاتُ جِهَادٍ مُضْغَطٍ مُلطْ
وكان خالد بن عبد الله أعطى أبا النجم جاريةً من سبي الهند، وله فيها أرجوزةٌ،
أوّلُها:
عَلِقْتُ خودًا مِنْ بَئَاتِ الزُّطْ
انتهى ((القاموس))، مع شرحه ((تاج العروس))(١).
وقوله: ((يعبدون وثنًا)) أي بعد ما أسلموا. وقوله: ((فأحرقهم)) قال السنديّ: قالوا:
كان ذلك منه عن رأي، واجتهاد، لا عن توقيف، ولهذا لَمّا بلغه قول ابن عبّاس،
استحسنه، ورجع إلیه، کما تدلّ علیه الروايات. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يشير السنديّ بقوله هذا إلى ما تقدّم من قول عليّ،
لما بلغه إنكار ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهم: ((وَيْحَ أَمّ ابْنِ عَبَّاس))، وفي رواية:
((ويحَ ابن عبّاس)). لكن هذا الكلام ليس نصًّا في الاستحسان، بل هُوَ مُخْتَمَل له،
ومحتملٌ للإنكار عليه، وقد تقدّم بيان ذلك، فلا تغفل. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٠٦٨- (حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدْثَنِي حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ
خَالِدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَِّيّ
وَ﴾، بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ أَرْسَلَ مُعَاذَّ بْنَ جَبَلٍ، بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: أَّهَا النَّاسُ،
إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، فَأَلْقَى لَهُ أَبُو مِّوَسَى وِسَادَةٌ؛ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا، فَأَتِيَ بِرَجُلٍ،
كَانَ يُهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، ثُمَّ كَفَرَ، فَقَالَ مُعَاذٌ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلاَثَ
مَرَّاتٍ، فَلَمَّا قُتِلَ قَعَدَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤.
٢- (حماد بن مسعدة) التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٩] ١٠٤٠/٩٧.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) غلطٌ،، ونصّه: ((حدّثنا محمد بن بشّار، وحدّثني
حماد بن مسعدة، قالا: حدثنا قرّة الخ))، بوا العطف في ((وحدثني))، وضمير التثنية في
((قالا))، وهو غلط فاحش؛ لأن ظاهره أن حماد بن مسعدة شيخ ثان للمصنّف، وليس
(١) ((القاموس))، مع شرحه ((تاج العروس)) ١٤٦/٥ - ١٤٧.

٣٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
كذلك، وإنما هو شيخٌ لمحمّد بن بشار، فهو من الطبقة التاسعة، مات سنة (٢٠٢) قبل
ولادة المصنّف بأكثر من عشر سنين، وإنما يروي عنه محمد بن بشّار، والصواب ما في
((الكبرى))، ونصّه: ((حدّثنا محمد بن بشّار، حدّثني حماد بن مسعدة، قال: حدثني قرّة
الخ))، فقائل: حدّثني حماد هو محمد بن بشّار، وقائل: ((حدّثني قرّة)) هو حماد بن
مسعدة، فتنبه. والله تعالى أعلم.
٣- (قُرّة بن خالد) السدُوسيّ البصريّ، ثقة ضابطٌ [٦] ٤/٤.
٤- (حُميد بن هلال) أبو نصر العدويّ البصريّ، ثقة عالمٌ [٣] ٤/٤.
٥- (أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ) اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة [٣] ٣/٣.
٦- (أبوه) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار، أبو موسى الأشعريّ الصحابيّ
المشهور، رضي الله تعالى عنه، توفّي سنة (٥٠)، وقيل: بعدها، وتقدّمت ترجمته في
٣/٣ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي بردة، وهو كوفيّ، وأبوه
كوفيّ بصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنٍ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريّ رضي الله
تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) وقد تقدّم في ((كتاب الطهارة)) سبب بعث صلّى
الله تعالى عليه وسلم له، فقد رواه من طريق، يحيى القطّان، عن قرة بن خالد عن
حميد بن هلال، قال: حدثني أبو بردة، عن أبي موسى، قال: أقبلت إلى النبي وَّرله
ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللّه وَل
يستاك، فكلاهما سأل العمل، قلت: والذي بعثك بالحق نبيا، ما أطلعاني على ما في
أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قَلَصَت،
فقال: ((إنا لا، أو لن نستعين على العمل من أراده، ولكن اذهب أنت))، فبعثه على
اليمن، ثم أردفه معاذ بن جبل تضوفقًا .
وكان بعثه بعد الرجوع من غزوة تبوك؛ لأنه شهد غزوة تبوك مع النبيّ صلّى اللَّه
تعالى عليه وسلم. واستُدلّ به على أن أبا موسى رضي اللَّه تعالى عنه كان عالمًا فطنًا
----

١٤ - (الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦٨
٣٩٣
حاذقًا، ولولا ذلك لم يُولّه النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم الإمارة، ولو كان فوّض
الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصّاه به، حيث قال له، ولمعاذ: ((يسّرا، ولا
تُعسّرا، وبشْرا، ولا تُنفّرا، وتطاوعا))، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم عليّ.
وأما الخوارج، والروافض، فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة، وعدم الفطنة؛ لما صدر
منه في التحكيم بصِفْين. قال ابن العربيّ وغيره: والحقّ أنه لم يصدُر منه ما يقتضي
وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أن اجتهاده أدّاه إلى أن يجعل الأمر شُورَى بين من بقي
من أكابر الصحابة من أهل بدر، ونحوهم، لما شاهد من الاختلاف الشديد بين
الطائفتين بصفّين، وآل الأمر إلى ما آل إليه. قاله في ((الفتح))(١).
(ثُمَّ أَرْسَلَ مُعَاذَ بْنَ جَبَل) بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجيّ، من أعيان .
الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات
رضي الله تعالى عنه بالشام سنة (١٨) على المشهور، وتقدّمت ترجمته في ٤٢ / ٥٨٧
(بَعْدَ ذَلِكَ) هذا نصّ في كون بعثه بعد أبي موسى الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنهما،
وظاهر رواية البخاري تقتضي أنهما أرسلا معًا، ولفظه من طريق عبد الملك بن عُمير،
عن أبي بردة، قال: بعث رسول اللّه وَله، أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال:
وبعث كل واحد منهما على مِخلاف(٢)، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: ((يسرا، ولا
تعسرا، وبَشْرا، ولا تنفّرا)»، فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما،
إذا سار في أرضه، كان قريبا من صاحبه، أحدث به عهدا، فسلم عليه، فسار معاذ في
أرضه، قريبا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته، حتى انتهى إليه، وإذا هو
جالس، وقد اجتمع إليه الناس، وإذا رجل عنده، قد جُمعت يداه إلى عنقه، فقال له
معاذ: يا عبد الله بن قيس، أَيُّمَ هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل
حتى يُقتَل، قال: إنما جيء به لذلك، فانزل، قال: ما أنزل حتى يُقتل، فأمر به، فقُتِل،
ثم نزل، فقال: يا عبد اللَّه، كيف تقرأ القرآن؟ قال: أَتَفَوَّقُه تَفَوُّقًا، قال: فكيف تقرأ
أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم، وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب
اللَّه لي، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي.
وفي رواية للبخاريّ في ((كتاب استتابة المرتدين)): ((ثم أتبعه معاذ بن جبل))، فقال في
((الفتح)): ظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجّه، قال: لكن تقدّم في ((المغازي)) بلفظ: ((بعث
(١) ((فتح) ٣٨٧/٨-٣٨٨. ((كتاب المغازي)) رقم الحديث ٤٣٤٢.
(٢) المخلاف بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، آخره فاء: هو الكورة، والإقليم. قاله في
(الفتح)). ٣٨٦/٨.

٣٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم أبا موسى، ومعاذًا إلى اليمن، فقال: يسّرا، ولا
تعسّرا)) الحديث. ويُحمّل أنه أضاف معاذًا إلى أبي موسى بعد سبق ولايته، لكن قبل
توجّهه، فوضّاهما عند التوجّه بذلك. ويمكن أن يكون المراد أنه أوصى كلَّا منهما،
واحدًا بعد آخر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير هو الأقرب عندي؛ لأنه اختلف في
وقت بعث معاذ رضي الله تعالى عنه إلى اليمن، فقيل: سنة عشر من الهجرة، قبل حجة
النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم، كما ذكره البخاريّ في أواخر ((كتاب المغازي)).
وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه صلّى الله تعالى عليه وسلم من تبوك.
رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) عنه، ثم
حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر. وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان.
واتفقوا على أنه لم يزل علی الیمن إلی أن قدم في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه،
ثم توجّه إلى الشام، فمات بها. واختُلف هل كان معاذّ واليًا، أو قاضيًا؟، فجزم ابن
عبد البرّ بالثاني، والغسّانيّ بالأول. قاله في ((الفتح))(٢).
فالظاهر من هذا أنهما لم يذهبا إلى اليمن معًا، بل ذهب كلّ منهما وحده. والله
تعالى أعلم.
(فَلَمَّا قَدِمَ) أي معاذ رضي اللَّه تعالى عنه إلى اليمن (قَالَ: أَنَّا النَّاسُ، إِنِّي رَسُولُ
وَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) إنما ذكر لهم ذلك ليعرفوا له حقّه، ويستجيبوا دعوته؛ لأنهم إذا لم
يعلموا ربّما لا يتساهلون في حقّه (فَأَلْقَى لَهُ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ (وِسَادَةً) بكسرِ الواو:
الْمِخَذة، والجمع وِسادات، ووَسَائِدُ، والوِسَاد بغير هاء: كلُّ ما يُتوسّد به، من قُماش،
وتُرابٍ، وغير ذلك. ويقال: الوساد لغةٌ في الوسادة. قاله في ((المصباح)).
والمعنى أن أبا موسى فرش لمعاذ رضي الله تعالى عنهما وسادة (لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا) قال
في ((الفتح)): وقد ذكر الباجيّ، والأصيليّ، فيما نقله عياض عنهما أن المراد بقول ابن
عبّاس: ((فاضطجعتُ في عَرْض الوسادة)): الفراشُ. وردّه النوويّ، فقال: هذا
ضعيفٌ، أو باطلٌ، وإنما المراد بالوسادة ما يُجعل تحت رأس النائم، وهو كما قال،
قال: وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه، وضعوا الوسادة تحته مبالغة في إكرامه. وقد
وقع في حديث عبد الله بن عمرو: إن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم دخل عليه،
فألقى له وسادةً))، كما تقدّم في ((الصيام))، وفي حديث ابن عمر: أنه دخل على عبد الله
(١) ((فتح)) ١٤/ ٢٧٥.
(٢) ((فتح) ١٢٦/٤-١٢٧ ((كتاب الزكاة)) رقم الحديث ١٤٩٦.

=
٣٩٥
١٤ - (الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦٨
ابن مطيع، فطرح له وسادة، فقال له: ما جئتُ لأجلس)). أخرجه مسلم، ولم أر في
شيء من كتب اللغة أن الفراش يُسمّى وسادة. انتهى.
(فَأَتِيَ بِرَجُلٍ) ببناء الفعل للمفعول: أي جيء أبو موسى رضي اللّه تعالى عنه برجل
(کَانَ يُودِیَّا فَأَسَّلَمَ، ثُمَّ كَفَرَ) وفي رواية مسلم، وأبي داود: «ثم راجع دینه دین السوء))،
ولأحمد من طريق أيوب، عن حُميد بن هلال، عن أبي بُرْدة، قال: ((قَدِم معاذ بن جبلٍ
على أبي موسى، فإذا رجلٌ عنده، فقال: ما هذا؟))، فذكر مثله، وزاد: ((ونحن نُريده
على الإسلام منذ -أحسبه- شهرين))، وأخرج الطبرانيّ من وجه آخر، عن معاذ، وأبي
موسى: ((أن النبيّ صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم أمرهما أن يعلّما الناس، فزاد معاذٌ أبا
موسى، فإذا عنده رجلٌ، موثَقٌ بالحديث، فقال: يا أخي أوَ بُعِثت تُعذّب الناس، إنما
بُعثنا نُعلّمهم دينهم، ونأمرُهم بما ينفعهم، فقال: إنه أسلم، ثم كفر، فقال: والذي
بعث محمدًا بالحقّ، لا أبرح حتى أحرّقه بالنار))(١).
(فَقَالَ مُعَاذٌ) رضي اللَّه تعالى عنه بعد أن سأل سبب قيده، ففي رواية البخاريّ
المذكورة: ((وإذا رجلٌ عنده، قد ◌ُمعت يداه إلى عُنُقه، فقال له معاذٌ: يا عبد الله بن
قيس، أَيُّمَ هذا؟، قال: هذا رجلٌ كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزِل حتى يُقتل)) الحديث
(لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ) بالبناء للمفعول (قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) بالرفع على أنه خبر لمبتد!
محذوفٍ: أي هذا قضاء الله تعالى، وقضاء رسوله صلّى الله تعالى عليه وسلم، ويجوز
نصبه على أنه مفعول لفعل محذوف: أي اقْضٍ قضاء الله تعالى، وقضاء رسوله صلّی
اللَّه تعالى عليه وسلم (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) أي قال معاذ هذا الكلام ثلاث مرّات. وفي رواية
أبي داود أنهما كرّرا القول، أبو موسى يقول: اجلس، ومعاذ يقول: لا أجلس، فعلى
هذا فقوله: ((ثلاث مرّات)) من كلام الراوي، لا تتمّة كلام معاذ. وزاد في رواية بعد
قوله: ((قضاء الله، ورسوله: إن من رجع عن دينه أو قال -: ((بدل دينه، فاقتلوه)).
(فَلَمَّا قُتِلَ قَعَدَ) وفي رواية: ((فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه، فضُرب عنقه)).
وفي روالطبرانيّ: ((فأتي بحطب، فألهب فيه النارُ، فكتفه، وطرحه فيها)).
قال الحافظ: ويمكن الجمع بأنه ضَرَّب عنقه، ثم ألقاه في النار. ويؤخذ منه أن
معاذًا، وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار، وإحراق الميت بالنار، مبالغة في
إهانته، وترهيبًا عن الاقتداء به. وأخرج أبو داود من طريق طلحة بن يحيى، ويزيد بن
عبد الله، كلاهما عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: ((قَدِمَ عليّ معاذ»، فذكر قصّة
(١) (فتح)) ٢٧٦/١٤. (كتاب استتابة المرتدين)).

٣٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
اليهوديّ، وفيه: ((فقال: لا أنزل عن دابّتي حتى يُقتل، فقُتل))، قال أحدهما: وكان قد
استثيب قبل ذلك. وله من طريق أبي إسحاق الشيبانيّ، عن أبي بُردة: ((أُتي أبو موسى
برجل قد ارتدّ عن الإسلام، فدعاه، فأبى عشرين ليلة، أو قريبًا منها، وجاء معاذ،
فدعاه، فأبى، فضرب عنقه)). قال أبو داود: رواه عبد الملك بن عُمير، عن أبي بُردة،
فلم يذكر الاستتابة، وكذا ابن فُضيل، عن الشيبانيّ. وقال المسعوديّ، عن القاسم -
يعني ابن عبد الرحمن- في هذه القصّة: ((فلم ينزل حتى ضرب عنقه، وما استتابه)).
قال الحافظ: وهذا يعارضه الرواية المثبتة أن معاذًا استتابه، وهي أقوى من هذه،
والرواياتُ الساكتةُ عنها لا تعارضها، وعلى تقدير ترجيح رواية المسعوديّ، فلا حجّة
فيه لمن قال: يُقتل المرتدّ بلا استتابة؛ لأن معاذًا يكون اكتفى بما تقدّم من استتابة أبي
موسى. انتهى كلام الحافظ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي موسى الأشعريّ رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٠٦٨/١٤- وفي ((الكبرى)) ٣٥٢٩/١٤. وأخرجه (خ) في ((المغازي))
٤٣٤٢ و٤٣٤٣ و٤٣٤٥ (م) في ((الإمارة)) ١٨٢٤ (د) في ((الحدود)) ٤٣٥٤ و٤٣٥٥
(أحمد) في ((أول مسند الكوفيين)) ١٩١٦٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم المرتدّ، وهو وجوب
قتله، وهو مجمع عليه، وإنما الخلاف في حكم استتابته، وسيأتي البحث عنه في الباب
التالي، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه ينبغي للشخص أن يُعرّف برتبته لمن لا يعرفه،
حتّى يستفيد منه، ولا يُقصّر في حقّه، فإن معاذًا رضي اللّه تعالى عنه لَمّا أتى قال: ((أيها
الناس، إني رسول رسول الله إليكم)). (ومنها): تزاور الإخوان، والأمراء، والعلماء.
(ومنها): إكرام الضيف، حيث إن أبا موسى ألقى لمعاذ رضي اللّه تعالى عنهما وسادة؛
إكرامًا له. (ومنها): المبادرة إلى إنكار المنكر. (ومنها): وجوب إقامة الحدّ على من
وجب عليه. (ومنها): ما قاله القرطبيّ: أن ظاهره يدلّ على أنه صلّى اللَّه تعالى عليه
(١) ((فتح)) ٢٧٦/١٤.

٣٩٧
١٤ - (الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦٩
وسلم ولّى معاذًا على أبي موسى، ولم يَعزل أبا موسى، وعلى هذا يدلّ تنفيذ مُعاذ
الحكم بقتل المرتد، وإمضاؤه. ويحتمل أن يكون صلّى الله تعالى عليه وسلم ولّى كلّ
واحد منهما على عمل غير عمل الآخر، فإما في الجهات، وإما في الأعمال، وهذا هو
الصحيح بدليل ما وقع في ((صحيح البخاريّ)) أن النبيّ صلّى اللَّه تعالى عليه وسلم ولّى
معاذًا على مِخْلاف من اليمن، وأبا موسى على مخلاف، والمِخْلافُ واحد المخاليف:
وهي الْكُوَر. انتهى(١).
(ومنها): أن بعضهم استدلّ به على أنّ المرتد يُقتل، ولا يُستتاب. وتُعقّب بأنه تقدّم
أن هذا اليهوديّ استتيب عدّة أيام، فلم يتب.
(ومنها): أن فيه حجة على أن لولاة الأمصار إقامةً الحدود في القتل، والزنى،
وغيرهما، قال القرطبيّ: وهو مذهب كافّة العلماء: مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة،
وغيرهم. واختلف في إقامة ولاة المياه، وأشباههم لذلك، فرأى أشهب ذلك، إذا جَعَل
ذلك لهم الإمام. وقال ابن القاسم نحوه. وقال الكوفيون: لا يُقيمه إلا فقهاء الأمصار،
ولا يُقيمه عاملُ السواد.
واختلف في القّضاة إذا كانت ولايتهم مطلقةً، غير مقيّدة بنوع من الأحكام،
فالجمهور على أن جميع ذلك لهم، من إقامة الحدود، وإثبات الحقوق، وتغيير المناكر،
والنظر في المصالح، أكان الحقّ لآدميّ، أو لله تعالى، وحكمه عندهم حكم الوصيّ
المطلق اليد في كلّ شيء، إلا ما يَختصّ بضبط بيضة الإسلام، من إعداد الجيوش،
وجباية الخراج. واختلف أصحاب الشافعيّ، هل له نظر في مال الصدقات، والتقديم
للجمع والأعياد، أم لا؟ على قولين. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدّ،
ولا في مصلحة إلا لطالب مُخاصم، وحكمه عندهم حكم الوكيل. انتهى كلام
القرطبيّ(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٤٠٦٩- (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيًّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّل، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ، قَالَ: زَعَمَ السُّدْيُّ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ
فَتْحِ مَكَّةَ، أَمْنَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ النَّاسَ، إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَّرٍ، وَامْرَأَتَيْنٍ، وَقَالَ: ((اقْتُلُوهُمْ، وَإِنْ
وَجَّذْتُمُوهُمْ، مُتَعَلْقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ))، عِكْرِمَةُ بْ أَبِي جَهْلَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلِ،
وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، فَأَدْرِكَ
(١) ((المفهم)) ١٧/٤-١٨. ((كتاب الإمارة)).
(٢) ((المفهم)) ١٨/٤-١٩. ((كتاب الإمارة)).

٣٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
وَهُوَ مُتَعَلْقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَسَبَقَ سَعِيدٌ
عَمَّارًا، وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ، فَقَتَلَهُ، وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ،
فَقَتَلُوهُ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ، فَرَكِبَ الْبَحْرَ، فَأَصَابَتْهُمْ عَاصِفٌ، فَقَالَ أَضْحَابُ السَّفِينَةِ:
أَخْلِصُوا، فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ، لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ لَيْنْ لَمْ يُتَجِّنِي مِنْ
الْبَحْرِ، إِلَّا الْإِخْلَاصُِ، لَا يُتَجِّينِي فِي الْبَرْ غَيْرُهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا، إِنْ أَنْتَ
عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا بَّهِ، حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي ◌َدِهِ، فَلَأَّجِدَنَّهُ عَفُوَّا كَرِيمًا،
فَجَاءَ، فَأَسْلَمَ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، فَإِنَّ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ،
فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ وََّهِ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، جَاءَ بِهِ، حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَِّيِّ وَّهِ، قَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ
ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: ((أَمَا كَانَ فِيَكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ، يَقُومُ إِلَى هَذَا، حَيْثُ
رَآنِي كَفَّفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ، فَيَقْتُلُهُ؟))، فَقَالُوا: وَمَا يُدْرِينَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ؟،
هَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟، قَالَ: ((إِنّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ، أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (القاسم بن زكريا بن دينار) أبو محمد الكوفيّ الطّحان، ثقة [١١] ٤١٠/٨ .
٢- (أحمد بن مفضّل(١)) القرشيّ الأمويّ، أبو عليّ الكوفيّ، الْحَفَريّ - بفتح
المهملة، والفاء-، صدوقٌ شِيعيّ، في حفظه شيء [٩].
أثنى عليه أبو بكر بن أبي شيبة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن إشكاب:
حدثنا أحمد بن المفضّل، دلّني عليه ابن أبي شيبة، وأثنى عليه خيرًا. وقال الأزديّ:
منكر الحديث. وقال ابن سعد: توفّي سنة (١٥) وقيل: (٢١٤). تفرّد به المصنّف،
وأبو داود بهذا الحديث فقط.
٣- (أسباط) بن نصر الْهَمْدانيّ، أبو يوسف، ويقال: أبو نصر الكوفيّ، صدوق،
كثير الخطأ، يُغْرِب [٨] .
قال حربٌ: قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: ما أدري، وكأنّه ضعفه. وقال
أبو حاتم: سمعت أبا نُعيم يُضعّفه، وقال: أحاديثه عامتها سَقَطْ، مقلوبة الأسانيد. وقال
(١) وفي كتب الرجال: ((أحمد بن المفضّل))، بـ» أل))، وهي جائز الحذف، والذكر، كما قال ابن
مالك :
لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا
وَبَعْضُ الاغْلَامِ عَلَيْهِ دَخّلَا
فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالثُّعْمَانِ

١٤ - (الْحُكْمُ فِي الْمُرْتَدَ) - حديث رقم ٤٠٦٩
٣٩٩=
النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال البخاريّ في ((تاريخه الأوسط)): صدوقٌ. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ثقة. وقال موسى بن هارون:
لم يكن به بأس. وقال الساجيّ في ((الضعفاء)): روى أحاديث لا يُتابع عليها عن سماك
ابن حرب.
علّق له البخاريّ حديثًا واحدًا، وأخرج له الباقون، وله عند المصنّف في هذا الكتاب
ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، وفي ((كتاب القسامة)) ٤٨٣٠/٤٠- حديث ابن عبّاس
رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: ((كانت امرأتان جارتان، كان بينهما صَخَبٌ، فرمت
إحداهما)) الحديث. وفي ((كتاب قطع السارق)) ٤٨٨٦/٤- حديث صفوان بن أميّة
رضي اللّه تعالى عنه، قال: «كنت في المسجد نائمًا على خميصة لي، ثمنها ثلاثون
درهمًا، فجاء رجلٌ، فاختلسها)) الحديث.
٤-الشُّدِّيّ) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد الكوفيّ، صدوق
بِهِمْ، ورُمي بالتشيّع [٤] ٣٥٩/١٠٠.
٥- (مصعب بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زرارة المدنيّ، ثقة [٣] ٩١/
١٠٣٢.
٦- (أبوه) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب
الزهري، أبو إسحاق، مات رضي الله تعالى عنه بالعقيق سنة (٥٥) تقدّم في ٩٦/
١٠٢١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
موثّقون. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ،
والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو آخر من مات
منهم رضي اللّه تعالى عنهم، وأوّل من رمى بسهم في سبيل اللّه تعالى. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُضْعَبِ بْنِ سَعْدٍ) رحمه اللّه تعالى (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه
تعالى عنه، أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ) ((كان هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، أي
لَمّا وقع يوم فتح مكة. ويحتمل أن تكون ناقصةً، ويقدّر لها الخبر، أي لَمّا كان يوم فتح
مكة حاضرًا .

= ٤٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
وفتح مكة كان في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة (أمَّنَ) بتشديد الميم، من
التأمين، ويحتمل أن يكون بمد الهمزة، وتخفيف الميم، أي الإيمان، يقال: آمنت
الأسيرَ بالمدّ: أعطيته الأمان، فَأَمِنَ هو بالكسر (رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ النَّاسَ، إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ)
قال الفيّوميّ : -النفر بفتحتين -: جماعة الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة،
ولا يُقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة. انتهى (وَامْرَأَتَيْنٍ، وَقَالَ: ((اقْتُلُوهُمْ) أي المذكورين
من النفر الأربعة، والمرأتين، أعاد ضمير جمع الذكور عليهم تغليبًا للذكور (وَإِنْ
وَجَذْتُمُوهُمْ، مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ))، عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ) يجوز نصبه بدلًا من
((أربعة))، ورفعه خبر لمحذوف: أي أحد النفر الأربعة عكرمة بن أبي جهل عمرو بن
هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ، كان كأبيه من أشدّ
الناس على رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم، ثم أسلم عام الفتح، وخرج إلى
المدينة، ثم إلى قتال أهل الرّذّة، ووجهه أبو بكر الصّدّيق إلى جيش نَعْمان، فظهر
عليهم، ثم إلى اليمن، ثم رجع، فخرج إلى الجهاد عام وفاته، فاستُشهد. وذكر الطبريّ
أن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم استعمله على صدقات هوازن، عام وفاته، وأنه قُتل
بأجنادين. وكذا قال الجمهور حتى قال الواقديّ: لا اختلاف بين أصحابنا في ذلك.
وقال ابن إسحاق، والزبير بن بكّار: قُتِل يوم الْيَزْمُوك في خلافة عمر. وروى سيف في
(الفتوح)) بسند له، أنّ عكرمة نادى من يبايع على الموت؟ فبايعه عمّه الحارث، وضِرَار
بن الأزور في أربعمائة من المسلمين، وكان أميرًا على بعض الكراديس(١)، وذلك سنة
خمس عشرة في خلافة عمر، فقُتلوا كلّهم إلا ضرارًا. وقيل: قُتل يوم مَرْج الصُّفّر(٢)،
وذلك سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه.
(وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ) وقد تقدّمت قصّة قتله في ((كتاب الحجّ، في ٢٨٦٨/١٠٧ -
(باب دخول مكة بغير إحرام))، فراجعها تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق
(وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ) بالصاد المهملة، وموحدتين، بينهما ألف، هذا هو المشهور،
وضبطه المجد في ((القاموس)) بالحاء المهملة بدل الصاد، ونصّه، مع شرحه: و((مِقيس))
-كمِثْبر- ابن حُبّابة بالضمّ، من بني كلب بن عوف من الدِّيل، وهو أحد الأربعة الذين
لو يؤمّنهم النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلم يوم فتح مكّة. وذكر الجوهريّ مقيص
بالصاد، وهو بالسين. انتهى (٣).
(١) في ((القاموس)): ((الكُردوسة)) بالضمّ: قطعة عظيمة من الخيل. اهـ.
(٢) في ((القاموس)): مَرْجُ الصُّفِّر، كسُكّر: موضع بالشام. اهـ.
(٣) ((القاموس)) مع شرحه ((التاج)) ٢٣٨/٤.