Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٠ (قَالَ: جُنْدَبْ) رضي اللّه تعالى عنه (فَاتَّقِهَا) أي فاجتنب هذه السيّئة القبيحة المؤدية إلى مثل هذا الجواب الفاضح. وقال في ((المرقاة)): أي اجتنب القتلة، أو احترز النُّصرة، أو المشاجرة، وهي المخالفة، والمنازعة المفضية إلى القتل. قال الطيبيّ: وكأنّ جندب رضي الله عنه ینصح رجلًا، أراد هذه الفعلة، واستشهد بهذا الحديث، ثم قال: فإذا سمعت بذلك، فاتّقها. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جندب، عن رجل مبهم هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا ٣٩٩٩/٢ - وفي ((الكبرى)) ٢/ ٣٤٦١. وأخرجه (أحمد) في أول مسند المدنيين)) ١٦١٦٤ و((باقي مسند الأنصار)) ٢٢٦٠٠ و٢٢٦٥٤ و٢٢٧٨ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٠- (٢) (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمَّارِ الدُّهْنِيّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ، سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنَا، مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ، وَآمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى؟، فَقَالَ أَبْنُ عَبَّاسِ: وَأَنَّى لَهُ الثَّوْبَةُ؟، سَمِعْتُ نَبِئِكُمْ بَهِ يَقُولُ: ((يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَائِلِ، تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمَا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ سَلْ هَذَا، فِيمَ قَتَلَنِي؟))، ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَّهَا اللَّهُ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (سفيان) بن عيينة الهلاليّ مولاهم، أو بحمد المكيّ الإمام الحافظ الحجة [٨] ١/١ . ٣- (عمّار الدُّهنيّ)-بضم، فسكون -: هو ابن معاوية البجليّ، أبو معاوية الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع [٥] ٧ / ٦٩٧ . (١) ((المرقاة)» ٤٠/٧. (٢) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تمام الألف الرابع، انتهيت منه بحمد الله تعالى ليلة الخميس بعد صلاة العشاء ٥/١٥/ ١٤٢٠هـ الموافق ٢٦/ أغسطس / ١٩٩٩ م. وكان إتمام الألف الثالث في ١٤١٩/٦/١٦ هـ فيكون ما بين إتماميهما عشرة أشهر، وهذا بفضل الله سبحانه تعالى، وحسن توفيقه، وأسأله المزيد من فضله، وعونه حتى أكمله في أقرب وقت على الوجه المطلوب، إنه وليّ ذلك، والقادر عليه. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك. ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ٤- (سالم بن أبي الجعد) رافع الغَطّفاني الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة، يرسل كثيرًا [٣] ٦١ / ٧٧ . ٥- (ابن عبّاس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس تَوًّا أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) رحمه اللَّه تعالى (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (سُئِلَ) بالبناءَ للمفعول، والسائل هو سعيد بن جبير، كما تبيّنه الروايات الآتية (عَمَّنْ قَتَلَ) بالبناء للفاعل (مُؤْمِنًا، مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ) بشرط التوبة، ومنها تمكينه للاقتصاص منه (وَآمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى؟، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) تَّبَ (وَأَنَّى لَهُ النَّوْبَةُ؟) ((أنّى)) بفتح الهمزة بمعنى ((كيف))، أي كيف تكون له التوبة، وتصحّ، وتُقبل منه، وقد قتل مؤمنًا متعمّدًا، ثمّ ذكر مستنده في ذلك، فقال (سَمِعْتُ نَبِيَكُمْ وَِّ، يَقُولُ: يَجِيءُ) أي المقتول، كما تبيّنه الرواية الآتية في ٤٠٦- (مُتَعَلْقًا بِالْقَاتِلِ، تَشْخَبُ) بمعجمتين، يقال: شَخَبَت أوداج القتيل دمًا شَخْبًا، من بابي قتل، ونفع: جرت، وشَخَبِ اللبنُ، وكلُّ مائع شَخْبًا: دَرَّ، وسالَ، وشَخَبته أنا، يتعدَّى، ولا يتعدّى. قاله الفيّوميّ (أَوْدَاجُهُ) بفتح الهمزة، جمع وَدَج. قال الفيّوميّ: الْوَدْجُ بفتح الدال، والكسر لغةٌ -: عِزْق الأخدع الذي يَقطعه الذابح، فلا يبقى معه حياةٌ، ويقال: في الجسد عرقٌ واحدٌ حيثما قُطع مات صاحبه، وله في كلّ عضو اسمٌ، فهو في العنق الودج، والْوَرِيد أيضًا، وفي الظهر النَّاطُ، وهو عرقْ ممتدٌ فيه، والأبهر، وهو عرقٌ مُستبطِنُ الصَّلْب، والقلبُ متصلٌ به، والوَتِين في البطن، والنَّسَا في الفخذ، والأبجلُ في الرجل، والأكحلُ في اليد، والصافن في الساق. وقال في ((المجرّد)) أيضًا: الوريد عِرْقٌ كبير، يدور في البدن، وذكر معنى ما تقدّم، لكنه خالف في بعضه، ثم قال: والْوَدَجان: عِزْقان غليظان، يكتنفان ثُغْرَة النَّخر يمينًا ويسارًا، والجمع أوداجٌ، مثلُ سبب وأسباب، وودَجْتُ الدّابَةَ وَذْجًا، من باب وَعَدَ: قطعت وَدَجَها، ووَدَّجْتُها بالتثقيل مبالغةٌ، وهو لها كالفصد للإنسان؛ لأنه يقال: وَدَجتُ المالَ: إذا أصلحته، وودجتُ بين القوم: أصلحتُ. انتهى كلام الفيوميّ. وقوله (دَمّا) منصوب على التمييز (فَيَقُولُ: أَني) حرف نداء للأوسط، كما قال في ٢٦٣ = ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٠ ((الكوكب الساطع)): (أَيْ)) لِنْدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرٍ لَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَ لِلتَّفْسِيرِ لكنها هنا مستعملة للقرب، والله تعالى أعلم. (رَبِّ) أصله ((ربّي)) مضافًا إلى ياء المتكلّم، ثم خُفّف بحذفها، استغناءً بالكسرة، وهذا هو الأكثر في الاستعمال، ويجوز ((ربّي)) بإبقاء الياء ساكنةٌ، ويجوز فيه ((رَبَّ)) بقلب الياء ألفًا، وحذفها استغناء بالفتحة، ويجوز فيه ((ربّا)) بقلب الياء ألفًا، والكسرة فتحةً، ويجوز فيه ((ربّيَ)) بفتح الياء، ويجوز على قلّة ضمّها تشبيهًا بالمفرد، وإلى هذه القاعدة، سوى الأخيرة أشار ابن مالك في ((خلاصته)) حيث قال: وَاجْعَلْ مُنَادِى صَحَّ إِنْ يَضَفْ لِيَا كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا (سَلْ هَذَا) القاتل (فِيمَ قَتَلَنِي؟) ووجه استدلال ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما بالحديث على أن قتل المؤمن عمدًا لا توبة له أن تعلّق المقتول بالقاتل شاخبةً أوداجه يقتضي أن يحكم له على خصمه، وقد تبيّن بالنصوص الأخرى أن القضاء عليه أن يبوء بإثمه، فيكون من أهل النار، كما قضّ اللّه تعالى ذلك في حكاية نبأ ابني آدم عليه السلام، حيث قال: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَّأَ بِثْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُاْ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩]، وكقوله بَّر في حديث ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه الماضي: ((فيبوء بإثمه))، مع أن آية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣] ظاهرة في ذلك، كما أشار إليه قوله (ثُمَّ قَالَ) ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما (وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللَّهُ) أي الآية التي تدل على أن قاتل المؤمن عمدًا من أهل النار، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ, وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] (ثُمَّ مَا نَسَخَهَا) أي ثم بعد ما أنزلها لم يُنزل اللَّه تعالى ما ينسخ ما تضمّنته، فهي محكمة، غير منسوخة، تدلّ على أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا. هذا تقرير رأي ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما في هذه المسألة، وقد خالفه فيها جمهور السلف والخلف، فقالوا: إن له توبة، وإنه تحت المشيئة. وقد اختلفت الروايات عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، فقال في ((الفتح)): وَحَاصِلِ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ ابْنِ عَبَّاس كَانَ تَارَة يَجْعَلِ الْآيَتَيْنِ فِي مَحَلّ وَاحِد، فَلِذَلِكَ يَجْزِم بِنَسْخِ إِحْدَاهُمَا، وَتَارَةً يَجْعَلِ مَحَلَّهُمَا مُخْتَلِفًا . وَيُمْكِنِ الْجَمْعِ بَيْنَ كَلَامَيْهِ بِأَنَّ عُمُومِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ خَصَّ مِنْهَا مُبَاشَرَةَ الْمُؤْمِنِ الْقَتْلَ مُتَعَمِّدًا، وَكَثِيرٌ مِنْ السَّلَف يُطْلِقُونَ النَّسْخِ عَلَى النَّخْصِيصِ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِ كَلَامه ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ عَلَى التَّنَاقُضِ، وَأَوْلَى مِنْ دَغْوَى أَنَّهُ قَالَ بِالنَّسْخِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ . وَقَوْل ابْن عَبَّاسِ بِأَنَّ الْمُؤْمِن إِذَا قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا لَا تَوْبَة لَهُ مَشْهُور عَنْهُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَصْرَح مِمَّا تَقَدَّمَ: فَرَوَى أَحْمَد، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْجَابِرِ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْن مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَمَّار الدُّهْنِيّ كِلَاهُمَا عَنْ سَالِمِ بْن أَبِي الْجَعْد، قَالَ: ((كُنْت عِنْدَ ابْن عَبَّاسِ بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرِه، فَأَتَاهُ رَجُلٍ فَقَالَ: مَا تَرَى فِي رَجُلِ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا؟ قَالَ: جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا ، وَسَاقَ الْآيَةِ إِلَى ﴿عَظِيمًا﴾، قَالَ: لَقَدْ نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٍ حَتَّى قُبِضَ رَسُول اللَّهِ وَه، وَمَا نَزَلَ وَخِي بَعْدَ رَسُول اللَّه ◌َلِّ. قَالَ: أَفَرَّأَيْت إِنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى؟ قَالَ: وَأَنَّى لَهُ الثَّوْبَة وَالْهُدَى ((لَفْظ يَحْيَى الْجَابِرِ ، وَالْآخّر نَحْوه . وَجَاءَ عَلَى وَفْقَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ أَحَادِيث كَثِيرَة: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِذْرِيس الْخَوْلَانِيّ، عَنْ مُعَاوِيَة، سَمِعْتِ رَسُول اللَّهِ وَهِ يَقُول: ((كُلّ ذَنْب عَسَى اللَّه أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّ الرَّجُلِ يَمُوت كَافِرًا، وَالرَّجُل يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا)). وَقَدْ حَمَلَ جُهُورِ السَّلَفِ، وَجَميع أَهْلِ السُّنَّة مَا وَرَدّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيظ ، وَصَحَّحُوا تَوْبَة الْقَاتِلِ كَغَيْرِهِ، وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْله: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّهُ﴾ أَنْ إِنْ شَاءَ اللَّه أَنْ يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَة النِّسَاءِ أَيْضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفُرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وَمِنْ الْحُجَّة فِي ذَلِكَ حَدِيثِ الْإِسْرَائِيلِيّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ أَتَّى تَمَام الْمِائَة فَقَالَ لَهُ: لَا تَوْبَةَ، فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ جَاءَ آخَر فَقَالَ: (( وَمَنْ يَحُولِ بَيْنَك وَبَيْنَ الثَّوْبَةِ)) الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَشْهُور (١). وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قُبِلَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّة (١) هو ما أخرجه الشيخان، واللفظ لمسلم، قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ لابن المثنى، قالا: حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري، أن نبي اللَّه وَ لتر قال: ((كان فيمن كان قبلكم رجل، قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب، فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قِيسُوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة)) . ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٠ ٢٦٥ == فَمِثْله لَهُمْ أَوْلَى لِمَا خَفَّفَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ الْأَثْقَال الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ. انتهى(١). وقال النوويّ رحمه الله تعالى في شرح حديث قصّة الرجل الإسرائليّ المذكور: ما نصُّهُ: هَذَا مَذْهَب أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِجْمَاعهمْ عَلَى صِحَّة تَوْبَة الْقَاتِل عَمْدًا، وَلَمْ يُخَالِف أَحَد مِنْهُمْ إِلَّ ابْن عَبَّاس. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْض السَّلَف مِنْ خِلَاف هَذَا، فَمُرَاد قَائِله الزَّجْر عَنْ سَبَبِ الثَّوْبَةِ، لَا أَنَّهُ يَعْتَقِد بُطْلَان تَوْبَته. وَهَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرِ فِيهِ، وَهُوَ إِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلِنَا ، وَفِي الإِخْتِجَاجِ بِهِ خِلَاف فَلَيْسَ مَوْضِعِ الْخِلَافِ ، وَإِنَّمَا مَوْضِعه إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعِنَا بِمُوَافَقَتِهِ وَتَقْرِيرِه ، فَإِنْ وَرَدَ كَانَ شَرْعًا لَنَا بِلَا شَكُّ، وَهَذَا قَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الْآيَة [الفرقان: ٦٨-٧٠]. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: ٩٣] فَالصَّوَابِ فِي مَعْنَاهَا: أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّم، وَقَدْ يُجَازَى بِهِ ، وَقَدْ يُجَازَى بِغَيْرِهِ وَقَدْ لَا يُجَازَى بَلْ يُعْفَى عَنْهُ، فَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا مُسْتَحِلّاً لَهُ بِغَيْرِ حَقِّ وَلَا تَأْوِيل، فَهُوَ كَافِرَ مُرْتَدٌ ، يُخَلَّد بِهِ فِي جَهَنَّم بِالْإِجَمَاعِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرِ مُسْتَحِلّ بَلْ مُعْتَقِدًا تَحَرِيمِه فَهُوَ فَاسِقِ عَاصِ مُرْتَكِب كَبِيرَة، جَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا، لَكِنْ بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدَ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا فِيهَا ، فَلَا يَخْلُد هَذَا، وَلَكِنْ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ، فَلَا يَدْخُلِ النَّارِ أَضْلًا، وَقَدْ لَا يُعْفَى عَنْهُ ، بَلْ يُعَذِّب كَسَائِرِ الْعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، ثُمَّ يَخْرُج مَعَهُمْ إِلَى الْجَنَّة، وَلَا يُخَلَّد فِي النَّارِ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَعْنَى الْآيَةِ ، وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنه يَسْتَحِقْ أَنْ يُجَازَى بِعُقُوبَةٍ مَخْصُوصَة أَنْ يَتَحَثَّم ذَلِكَ الْجَزَاءِ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ إِخْبَارِ بِأَنَّهُ يُخَلَّدِ فِي جَهَنَّم ، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّا جَزَاؤُهُ أَنْ: يَسْتَحِقْ أَنْ يُجَازَى بِذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَاد مَنْ قَتَلَ مُسْتَحِلّاً، قِيلَ: وَرَدَتْ الْآيَةِ فِي رَجُل بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْخُلُودِ طُول الْمُدَّةِ لَا الدَّوَامِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهَا هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جَازَاهُ، وَهَذِهِ الْأَقْوَال كُلّهَا ضَعِيفَة أَوْ فَاسِدَة لِمُخَالَفَتِهَا حَقِيقَة لَفْظ الْآيَةِ، وَأَمَّا هَذَا الْقَوْل فَهُوَ شَائِع عَلَى أَلْسِنَة كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَهُوَ فَاسِد لِأَنَّةً يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا عُفِيَ عَنْهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنَهَا كَانَتْ جَزَاء ، وَهِيَ جَزَاء لَهُ، لَكِنْ تَرَكَ اللَّه مُجَازَاته عَفْوًا عَنْهُ وَكَرَمًا ، فَالصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ . وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى كلام النوويّ رحمه اللّه تعالى(٢). وسيأتي بيان الخلاف مفضّلًا في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((فتح)) ٤٤٢/٩-٤٤٣. ((كتاب التفسير)) رقم الحديث ٤٧٦٦. (٢) (شرح صحيح مسلم)) ٨٥/١٧-٨٦. ((كتاب التوبة)). ٢٦٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ٤٠٠٠ و٤٠٠١ و٤٠٠٢ و٤٠٠٥ وفي ((كتاب القسامة)) ٤٨/ ٤٨٦٤ و ٤٨٦٥ و٤٨٦٦ و٤٨٦٧- وفي ((الكبرى)) ٣٤٦٢/٢ و٣٤٦٣ و٣٤٦٤ و٣٤٦٥ و٣٤٦٨. وأخرجه (خ) في ((المناقب)) ٣٨٥٥ و((التفسير)» ٤٥٩٠ و٤٧٦٢ و٤٧٦٣ و٤٧٦٤ و٤٧٦٥ و٤٧٦٦ (م) في ((الإيمان)) ١٢٢ و((((التفسير)) ٣٠٢٣ (د) في ((الفتن)) ٤٢٧٥ (ق) في ((الديات)) ٢٦٢١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم دم المسلم. (ومنها): مجيء المقتول متعلّقًا بقاتله، شاخبة أوداجه بالدم؛ إظهرارّ للحجة، وإلزامًا لخصمه دون إقامة بيّنة. (ومنها): إثبات مخاطبة اللَّه تعالى للمتخاصمين، وفصل القضاء بينهما. (ومنها): أن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما استدلّ بهذا الحديث على أن قاتل المؤمن عمدًا لا توبة له، وقد خالفه جمهور السلف والخلف في ذلك، كما يأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في توبة قاتل المؤمن عمدًا: قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): واختلف العلماء في قاتل العمد، هل له توبة؟. فروى البخاريّ عن سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عبّاس، فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء. وروى النسائيّ عنه، قال: سألت ابن عباس، هل لمن قتل مؤمنا متعمّدًا من توبة؟ قال: لا، وقرأت عليه الآية التي في الفرقان: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال: هذه آية مكيّةٌ نسختها آية مدنيّةٌ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣] . وروى عن زيد بن ثابت نحوه، وأن آية النساء نزلت بعد الفرقان بستة أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذکرهما النسائي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه. وإلى عموم هذه الآية، مع هذه الأخبار عن زيد، وابن عبّاس ذهبت المعتزلة، ٢٦٧ ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٠ وقالوا: هذا مخصّص عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، ورأوا أن الوعيد نافذ حتمًا على كلّ قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدًا. وذهب جماعة من العلماء منهم: عبد الله بن عمر رَثّه وهو أيضًا مرويّ عن زيد بن ثابتٍ، وابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهم- إلى أن له توبةً، روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعيّ، عن سعيد عبيدة، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عبّاس، فقال: ألمن قتل مؤمنا متعمّدًا توبة؟ قال: لا إلا النار، قال: فلمّا ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبةً مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلًا مُغضبًا، یرید أن يقتُل مؤمنًا، قال: فبعثوا في إثره، فوجدوه كذلك. وهذا مذهب أهل السنّة، وهو الصحيح، وأن هذه الآية مخصّصة، ودليل التخصيص آياتٌ وأخبارٌ، وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن ضبابة، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن ضبابة، فوجدوا هشامًا قتيلًا في بني النجار، فأخبر بذلك النبيّ ◌َيقر، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه، وأرسل معه رجلاً من بني فهر، فقال بنو النجّار: والله ما نعلم له قاتلًا، ولكنّا نؤدي الدية، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة، فعدا مقيس على الفهريّ، فقتله بأخيه، وأخذ الإبل، وانصرف إلى مکة کافرا مرتدا، وجعل يُنشد: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَرَاةً بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعُ(١) وَكُنْتُ إِلَى الأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعٍ حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وَأَدْرَكْتُ ثَوْرَتِي فقال رسول اللَّه وَّيِ: ((لا أَأمّنه في حلّ، ولا حرم))، وأمر بقتله يوم فتح مكّة، وهو متعلّقٌ بالكعبة. وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير، وعلماء الدين، فلا ينبغي أن يُحمل على المسلمين. ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةً عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية [الشورى: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾ [النساء: ٤٨]، والأخذ بالظاهرين تناقضٌ، فلا بُدّ من التخصيص. ثم إن الجمع بين آية ((الفرقان)»، وهذه الآية ممكن، فلا نسخ، ولا تعارض، وذلك أن يُحمل مطلق آية ((النساء)) على مقيّد آية ((الفرقان))، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب، لا سيّما وقد اتّحد الموجِب، وهو القتل، والموجَب، وهو التواعد بالعقاب. (١) ((فارع)): حصن بالمدينة. ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وأما الأخبار، فكثيرة، كحديث عُبادة بن الصامت رضي اللَّه تعالى عنه الذي قال فيه: ((تبايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرِقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحقّ، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك، فعوقب به، فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذّبه)). متفقٌ عليه. وكحديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ وَّر في الذي قتل مائة نفس. متفقٌ عليه. إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة. ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل، ويُقرّ بأنه قتل عمدًا، ويأتي السلطانَ الأولياءُ، فيقام عليه الحدّ، ويُقتل قَوَدًا، فهذا غير متَّبَع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعًا على مقتضى حديث عبادة رضي الله تعالى عنه، فقد انكسر عليهم ما تعلّقوا به من عموم قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّهُ﴾ [النساء: ٩٣]، ودخله التخصيص بما ذكرنا، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بيّنًا، أو تكون محمولةً على ما حُكي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى ﴿مُتَعَيِّدًا﴾ معناه مستحلًا لقتله، فهذا أيضًا يؤول إلى الكفر إجماعًا. عنهما أنه قال: وقالت جماعة: إن القاتل في المشيئة تاب، أو لم يتُب. قاله أبو حنيفة، وأصحابه. [فإن قيل]: إن قوله تعالى: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيْهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ﴾ دليلٌ على كفره؛ لأن اللَّه تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج من الإيمان. [قلنا]: هذا وعید، والخلف في الوعید کرم، کما قال: وَإِنِّي مَتَى أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزْ مَوْعِدِي وقد تقدّم جوابٌ ثان: إن جازاه بذلك، أي هو أهلٌ لذلك، ومستحقّه لعظم ذنبه. نصّ على هذا أبو مِجْلَز لاحقُ بنُ حُميد، وأبو صالح، وغيرهما. وروى أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول اللّه وَلِّ أنه قال: ((إذا وعد اللَّه لعبد ثوابًا، فهو منجزه، وإن أوعد له العقوبةَ، فله المشيئة، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه))(١). وفي هذين التأويلين دَخَلٌ، أما الأول، فقال القشيريّ: وفي هذا نظرٌ؛ لأن كلام الربّ لا يقبل الخلف، إلا أن يُراد بهذا تخصيص العام، فهو إذًا جائزٌ في الكلام. وأما الثاني، وإن روي أنه مرفوعٌ، فقال النّحاس: وهذا الوجه الغلط فيه بيّنّ، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ: ﴿َذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾ الآية [الكهف: ١٠٦]، ولم يقل أحدٌ: إن جازاهم، وهو (١) قال الجامع: هذا يحتاج إلى البحث في سنده، ولم يعزه القرطبيّ إلى أي مرجع، ولم أتمكن من البحث عنه، فالله تعالى أعلم بثبوته. ٢٦٩= ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٠ خطأ في العربيّة؛ لأن بعده: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ﴾ [النساء: ٩٣]، وهو محمول على معنى جازاه. وجوبٌ ثالث ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إن لم يتُب، وأصرّ على الذنب حتى وافى ربّه على الكفر بشؤم المعاصي. وذكر هبة الله في ((كتاب الناسخ والمنسوخ)) أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال: هذا إجماع الناس إلا ابن عبّاس، وابن عمر، فإنهما قالا: هي محكمة. وفي هذا الذي قاله نظرً؛ لأنه موضع عموم وتخصيص، لا موضع نسخ. قاله ابن عطيّة. قال القرطبيّ: هذا حسنّ؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار، إنما المعنى: فهو يَجزيه. وقال النحاس في ((معاني القرآن)) له: القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه محكم، وأنه يُجازيه إذا لم يتُب، فإن تاب فقد بيّن أمره بقوله: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢]، فهذا لا يخرج عنه، والخلود لا يقتضي الدوام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَهُ﴾ [الهمزة: ٣]، وقال زُهیر: وَلَا خَالِدًا إِلَّ الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَا وهذا كلّه يدلّ على الخلد يُطلق على غير معنى التأبيد، فإن هذا يزول بزوال الدنيا، وكذلك العرب تقول: لأخلدنّ فلانًا في السجن، والسجن ينقطع ويفنى، وكذلك المسجون. ومثله قولهم في الدعاء: خلّد اللَّه ملكه، وأبد أيامه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبين بما تقدّم أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن قاتل المؤمن عمدًا تُقبل توبته؛ جمعًا بين النصوص المذكور، والعمل بالدليلين إذا أمكن أولى من إهمال أحدهما. على أنه قد جاء عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما القول بموافقة قول الجمهور، فقد أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد)» رقم ٤- بسند صحيح، على شرط الشيخين، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أنه أتاه رجلٌ، فقال: إني خطبت امرأةً، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري، فأحبّت أن تنكحه، فغِرتُ عليها، فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أمّك حيّةٌ؟ قال: لا، قال: تب إلى الله عزّ وجلّ، وتقرّب إليه ما استطعت، فذهبتُ، فسألت ابن عبّاس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملًا أقرب إلى (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٣٣٢/٥-٣٣٥. ((تفسير سورة النساء)). ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ اللَّه عزّ وجلّ من برّ الوالدة. وأخرج ابن جرير ١٣٨/٥ بسند جيّد، عن سعيد، عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر اللَّه(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما قد تراجع عن قوله الأول، فقال بقول الجمهور في قبول توبة القاتل، وهذا القول منه هو الحقّ؛ لما ذكرنا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠١- (قَالَ: و أَخْبَرَنِي أَزْهَرُ بْنُ جِيلِ الْبَصْرِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ الثَّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَن يَقْتُلَ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ فِي آخِرٍ مَا أَنْزِلَ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٍ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((المغيرة بن النعمان)): هو النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٦] ٢٠٨٢/١١٨. والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِبْنِ عَبَّاسِ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةِ؟ قَالَ: لَا، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْقُرْقَانِ: ﴿وَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكْبَةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِئَةٌ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا، غير: ١- (القاسم بن أبي بزة(٢) ) بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي- واسمه نافع، ويقال: يسار، ويقال: نافع بن يسار المكيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عاصم القارىء (١) راجع ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الأبانيّ المجلد السادس - القسم الأول ص ٧١١- ٧١٢. رقم الحديث ٢٧٩٩ . (٢) وفي ((الفتح)) ٩/ ٤٤٠ -: مكيّ تابعيّ صغير، ثقة عندهم، وهو والد جدّ البزّيّ المقرىء، وهو أحمد بن محمد بن عبدالله بن القاسم. ويقال: أبو بزّة جدّ القاسم، لا أبوه. انتهى. ٢٧١ - ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٣ المخزوميّ مولاهم، قيل: إن أصله من هَمَذَان، ثقة [٥]. قال ابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: قال محمد بن عُمر: توفي سنة أربع وعشرين ومائة بمكّة، وكان ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات سنة أربع عشرة، أو خمس عشرة، وقد قيل: سنة خمس وعشرين ومائة، والأول أصحّ. وجدّه من فارس، أسلم على يد السائب بن صَيْفيّ، ولم يسمع التفسير من مجاهد أحدٌ غير القاسم، وكلّ من يروي عن مجاهد التفسير، فإنما أخذه من كتاب القاسم. وذكر البخاريّ في ((الأوسط)) عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزة أن جده القاسم مات سنة (١١٥) . روى له الجماعة. وقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ﴾ الآية بدل من («آية مدنيّة))، أو خبر لمحذوف: أي هي: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ﴾. والحديث متّفقٌ عليه، كما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى (١)، أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسِ، عَنِ هَاتَيْنِ الْآَيَتَيْنِ: ﴿وَمَنَ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّهُ﴾ [النساء: ٩٣]، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: لَمَ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَعَنْ هَذِهِ الْآَيَّةِ: ﴿ وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرٌ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ﴾ [الفرقان: ٦٨]، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّزْكِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((محمد)): هو ابن جعفر غندر. و((منصور)): هو ابن المعتمر. وقوله: ((أمرني عبد الرحمن بن أبي ليلى)) هكذا في رواية المصنف هنا، وفي ((الكبرى))، وهو غلطٌ، والصواب ((أمرني عبد الرحمن بن أبزى))، كما سيأتي له في آخر ((كتاب القسامة)) برقم (٤٨٦٥)، وهو الذي في ((الصحيحين))، فقد رواه البخاريّ عن عبدان، عن أبيه، عن شعبة، ورواه مسلم عن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشّار، كلاهما عن غندر، عن شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى الخ. وأشار في هامش ((الكبرى)) إلى أنه يوجد في بعض النسخ: ((عبد الرحمن بن أبزى))، وهذا هو الصواب، والأول تصحيف، فتنبه. والله تعالى أعلم. (١) هذا خطأ، والصواب ((عبدالرحمن بن أبزى))، كما سيأتي في الشرح. ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ وقوله: ((هاتين الآتين)) أي آية ﴿ومن يقتل مؤمنا﴾ الآية، وآية ﴿ولا يقتلون النفس﴾ الآية . وقوله: ((وعن هذه الآية)) هذه هي الآية الثانية المسؤول عنها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٤- (أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَتْبِجِيُّ (١)، قَالَ: حَذْثَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلِيّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ، أَنَّ قَوْمًا كَانُوا قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، وَانْتَهَكُوا، فَأَتَوْا الَنَّبِيِّ وَ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ الَّذِي تَقُولُ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَاَ كَفَّارَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إِلَى ﴿فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨- ٧٠]، قَالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إِيمَانًا، وَزِنَاهُمْ إِخْصَانًا، وَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الْآيَةَ [الرمز: ٥٣]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (حاجب بن سليمان الْمِنْبَجيّ) أبو سعيد، صدوق ◌ِهِم [١٠] ٧/ ٦٣٤ من أفراد المصنّف . ٢- (ابن أبي رَوّاد) هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد بفتح الراء، وتشديد الواو- المكيّ، صدوق يخطىء، وكان مُرْجِئًا، أفرط ابن حبّان، فقال: متروك [٩] ٢٩١٠/١٢٧ . ٣- (ابن جُريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٣٢/٢٨. ٤- (عبد الأعلى الثعلبيّ) هو عبد الأعلى بن عامر الثعلبيّ الكوفيّ، صدوق يهِم (٢) [٦] ٢٠٠٩/٨٥ . ٥- (سعيد بن جُبير) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٣] ٢٨/ ٤٣٦ . ٦ - (ابن عباس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. (١) بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الموحّدة، بعدها جيم: نسبة إلى مدينة بالشام. قاله في ((لبّ اللباب)» ٢٧٦/٢ . (٢) هكذا قال ((التقريب))، وهي عبارة الساجيّ، لكن الذي في ترجمته من ((تهذيب التهذيب)) أن الأكثرين على تضعيفه، فتنبه. ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٤ ٢٧٣ = لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده، وعبد الأعلى، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ قَوْمًا كَانُوا قَتَلُوا) المسلمين (فَأَكْثَرُوا) من القتل (وَزَنَّوْا فَأَكْثَّرُوا) من الزنا (وَانْتَهَكُوا) قال الفيّوميّ: انتهك الرجل الْحُرمةً: تناولها بما لا يحلّ. انتهى. وحُذف المفعول هنا للتعميم. والمعنى: تناولوا جميع ما حرّم الله تعالی علیھم. (فَأَتَوْا النَّبِيَّ وَِّ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ) قال في ((الفتح)): في رواية الطبرانيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما أن السائل عن ذلك هو وَخْشِيّ بن حَرْب قاتل حمزة رضي اللَّه تعالى عنه، وأنه لما قال ذلك نزلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَلِحًا﴾ الآية [الفرقان: ٧٠]، فقال: هذا شرط شديد، فنزلت: ﴿قُلّ يَعِبَادِىّ﴾ الآية. وروى ابن إسحاق في ((السيرة)) قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ((اتّعدت أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص أن نهاجر إلى المدينة»، فذكر الحديث في قصتهم، ورجوع رفيقه، فنزلت: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، قال: فكتب بها إلى هشام. انتھی(١). (إِنَّ الَّذِي تَقُولُ) من كلمة التوحيد (وَتَدْعُو إِلَيْهِ) من عبادة اللَّه تعالى (لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا) قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى عنه: يحتمل أن تكون ((لو)) هنا للامتناع، ويكون جوابها محذوفًا، تقديره: لأسلمنا، أو نحوه. ويحتمل أن تكون للتمنّي، بمعنى ((ليت))، والأول أظهر. انتهى (٢). (أَنَّ) بفتح الهمزة؛ لوقوعهما مفعولًا ((تخبر))، أو مجرورة بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما قال ابن مالك: وَعَدْ لَازِمَا بِحَرْفِ جَرْ وَإِنْ حُذِفْ لِلْمُنْجَرْ (١) ((فتح)) ٥١٣/٩ ((تفسير سورة الزمر)». (٢) ((المفهم)) ٣٣١/١. ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ نَقْلًا وَفِي ((أَنَ)) و((أَنْ)) يَطْرِدُ مَغْ أَمْنٍ لَبْسِ كَ«عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا أي بأنّ لما عملنا الخ (لِمَا عَمِلْنَا) جارٌّ ومجرورٌ خبر مقدّم ((أنْ))، وقوله (كَفَّارَةً) بالنصب اسم ((أنّ)) مؤخّرًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إِلَى ﴿فَأُوْلَكَ يُبدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، قَالَ: يُبَدِّلُ اللَّهُ شِرْكَهُمْ إِيمَانًا، وَزِنَاهُمْ إِحْصَانًا) هذا أحد القولين في معنى التبديل المذكور في هذه الآية الكريمة، قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)): في معنى قوله تعالى: ﴿يُبَّدِّلُ اللَّهُ سَبِئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قولان: [أحدهما]: أنهم بُدّلوا مكان عمل السيئات بعملِ الحسنات. قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما في الآية، قال: هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب اللَّه بهم عن السيئات، فحوّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. ورُوي عن مجاهد، عن ابن عبّاس أنه كان يُنشد عند هذه الآية: بُدِّلْنَ بَعْدَ حَرْهِ خَرِيفَا وَبَعْدَ طُولِ النَّفَسِ الْوَجِيفَا يعني تغيّرت تلك الأحوال إلى غيرها. وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا يكون الرجل على صفة قبيحة، ثمّ يُبدّل الله بها خيرًا. وقال سعيد بن جُبير: أبدلهم اللَّه بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصريّ: أبدلهم اللَّه بالعمل السّىء العملَ الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر إسلامًا. وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين. [والقول الثاني]: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النَّصُوح حسنات، وما ذاك إلا لأنه كلّما تذكّر ما مضى نَدِمَ، واسترجع، واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه، فإنه لا يضرّه، وينقلب حسنةً في صحيفته، كما ثبتت السنّة بذلك، وصحّت به الآثار المرويّة عن السلف رضي الله تعالى عنهم، فعن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه، قال: قال رسول اللّه ◌َ له: ((إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة، يؤتى برجل، فيقول: نَحُوا كبار ذنوبه، وسَلُوه عن صغارها، قال: فيقال له عملت كذا، يوم كذا وكذا، وعملت كذا، يوم كذا وكذا، قال: فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا، فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: يا رب، لقد عملت أشياء، لم أرها هنا، قال: فضحك رسول اللَّه ◌َ#، حتى بدت نواجذه)) رواه مسلم. = ٢٧٥ ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٤ وأخرج الطبرانيّ بسنده عن أبي مالك الأشعريّ رضي اللَّه تعالى عنه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان أعطني صحيفتك، فيُعطيه إياها، فما وجد في صحيفة من حسنة محا بها عشر سيئات من صحفية الشيطان، وكتبهنّ حسنات، فإذا أراد أحدكم أن ينام، فليُكبّر ثلاثًا وثلاثين تكبيرةً، ويحمد أربعًا وثلاثين تحميدةً، ويُسبّح ثلاثين تسبيحة، فتلك مائة)). ثم ذكر ابن كثير آثارًا كثيرة تدلّ على أن ذلك التبديل في الآخرة، فراجع ((تفسيره)) تستفد (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أنه لا تنافي بين القولين، فالآية عامّة لكليهما، ولا داعي لقصرها على أحد المعنيين؛ مع صحّة الدليل على أن كلًّا من التبديلين مقصود بالآية، فتبديل اللّه تعالى أحوالهم السيّئة بعد التوبة النصوح إلى الأحول الحسنة مما لا نقاش فيه، وتبديل الله تعالى لهم ذنوبهم بالحسنات، يعطيهم مكان كلّ سيئة حسنة، ثابت في الحديث الصحيح، فاتّضح أن التبديل الدنيويّ والأخرويّ معًا ثابت لهم، والآية الكريمة دالّةٌ عليه دلالة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب. (وَنَزَّلَتْ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ الْآَيَّةَ) قال في ((الفتح)) بعد أن ذكر قصّة وحشيّ رضي الله تعالى عنه الآنفة الذكر: في رواية الطبرانيّ: ((فقال الناس: يا رسول الله، إنا أصبنا ما أصاب وحشيّ، فقال: هي للمسلمين عامّةً)). وروى أحمد، والطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث ثوبان رضي اللّه تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم يقول: ((ما أُحبّ أنّ لي بهذه الآية الدنيا، وما فيها: ﴿يَعِبَادِىّ الَّذِينَ أَشْرَفُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، فقال رجلٌ: ومن أشرك؟ فسكت ساعة، ثم قال: ((ومن أشرك)) ثلاث مرّات. واستُدِلّ بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب، كبيرِها، وصغيرِها، سواء تعلّقت بحق الآدميين، أم لا، والمشهور عند أهل السنّة أن الذنوب كلّها تُغفر بالتوبة، وأنها تُغفر لمن شاء اللّه، ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما خصوص ما وقع منه فلا بدّ له من ردّه لصاحبه، أو محاللته منه. نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعوّض الله صاحب الحقّ عن حقّه، ولا يُعذّب العاصي بذلك، ويُرشد إليه عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾. والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح))(٢). (١) ((تفسير ابن كثير ٣٣٩/٣-٣٤١. في تفسير سورة الفرقان. (٢) (فتح)) ٤١٣/٩-٤١٤. ((تفسير سورة الزمر. ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ولبعضهم في هذه الآية الكريمة من [الوافر]: وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهَا وَكِدتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الخُرَبأَ دُخُولِي ◌َحْتَ قَوْلِكَ ﴿يَا عِبَادِي﴾ وَأَنْ صَبَّرْتَ لِي أَحْمَدَ نَبِيأَ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده ابن أبي روّاد، وعبد الأعلى الثعلبيّ، وقد تكلّم فيهما، كما تقدّم؟ . [قلت]: نعم الإسناد فيه ضعف، لكن يصح بالحديث الذي بعده، فإنه متّفقٌ عليه كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى عنه، أخرجنا هنا-٢/ ٤٠٠٤- وفي ((الكبرى)) ٣٤٦٦/٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٥- (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي يَعْلَىِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشُرْكِ أَتَوْا مُحَمَّدًا، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ، وَتَّدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنَ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَتَزَلَتْ: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وَتَزَلَتْ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير: ١- (يعلى) بن مسلم بن هُرمز المكيّ، بصريّ الأصل، ثقة [٦]. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الآجريّ، عن أبي داود: يعلى بن مسلم بصريّ، كان بمكّة، وهو غير يعلى بن مسلم المكيّ، ذاك أخو الحسن بن مسلم. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، وفي ((كتاب البيعة)) ٤١٦٧/١٣- حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، قال: إن رسول اللَّه ◌َلتِ، وأبا بكر وعمر)) الحديث، وفي ((كتاب البيعة)) أيضًا ٤١٩٥/٢٨- حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] قال: نزلت في عبد الله بن حُذافة)) الحديث. وحديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفقٌ عليه، أخرجه المصنف هنا-٢/ ٤٠٠٥- وفي ((الكبرى)) ٣٤٦٧/٢. وأخرجه (خ) في ((التفسير)) ٤٨١٠ (م) في ٢٧٧ ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٧ ((الإيمان)) ١٢٢ (د) في ((الفتن)) ٤٢٧٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَؤَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍٍ، عَنْ الْنَبِيِّ وَهِ، قَالَ: ((يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَائِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ فِي يَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمّا، يَقُولُ: يَا رَبِّ قَتَلَنِي، حَتَّى يُذْنِيَهُ مِنْ الْعَرْشِ، قَالَ: فَذَكَرُوا لِإِبْنِ عَبَّاسِ الثَّوْبَةَ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، قَالَ: مَا نُسِخَتْ مُنْذُ نَزَلَتْ، وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ؟). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا. و((رقاء)): هو ابن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ [٧] ٦٠/ ٨٦٦ . و (عمرو)): هو ابن دینار. وقوله: «ناصيته، ورأسه في يده»: أي ناصية القاتل، ورأسه في يد المقتول، والجملة حالٌ بلا واو، بل الرابط هو الضمير، وفيها ضمير للقاتل والمقتول جميعًا، فيجوز أن تكون حالًا عنهما، أو عن أحدهما. قاله السنديّ. وقوله: ((حتى يدنيه)) من الإدناء، وهو متعلّق بـ((يجيء))، أو يقول يكرر السؤال حتى يُدنيه، وضيمر الفاعل لله تعالى، وضمير المفعول للمقتول، أو الفاعل للمقتول، والمفعول للقاتل. قاله السنديّ رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الصواب؛ لما في رواية الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) ٢/٩٥/٣-١/٩٦، و((الأوسط)) رقم (٤٣٧٥) بإسناد حسن بلفظ: ((يجيء المقتول متعلّقًا رأسه بإحدى يديه، متلبًّا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دمًا، حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لربّ العالمين: هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تَعِسْتَ، ويذهب به إلى النار)). وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح، أخرجه المصنف هنا-٢/ ٤٠٠٦- وفي ((الكبرى)) ٣٤٦٨/٢. وأخرجه (ت) في ((التفسير)) ٣٠٢٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٠٠٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : (١) ((شرح السنديّ ٧/ ٨٧. ٢٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ الْآيَةُ [النساء: ٩٣] كُلُّهَا بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي الْقُرْقَانِ، بِسِتَّةٍ أَشْهُرٍ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((الأنصاريّ)): هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك البصريّ القاضى، ثقة [٩] ١٢٣٦/٢٣. و((محمد بن عمرو)) بن علقمة بن وقّاص الليثيّ المدنيّ، صدوق، له أوهام [٦] ١٦/ ١٧ . و((أبو الزناد)»: هو عبد الله بن ذكوان، أبو عبد الرحمن المدنيّ الفقيه الثقة [٥] ٧/ ٧. و((خارجة بن زيد)): هو ولد زيد بن ثابت الأنصاريّ شيخه في هذا السند، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم: مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقْ خَارِجَهْ إذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُاللَّهِ عُزْوَةُ قَاسِمُ أبو زيد المدنيّ، ثقة [٣] ١٩٢٠/٤٥. و((زيد بن ثابت)): هو الصحابيّ المشهور رضي الله تعالی عنه. وقوله: ((الآية كلّها)) يحتمل الرفع على أنه نائب فاعل لفعل محذوف: أي تُقرأ الآية كلُّها. ويحتمل النصب، على أنه مفعول لفعل محذوف: أي اقرأ الآيةَ كلّها. وحديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، أخرجه المصنف هنا-٢/ ٤٠٠٧- وفي ((الكبرى)) ٣٤٦٩/٢. وأخرجه [د] في ((الفتن والملاحم)) ٤٢٧٢. والله تعالى أعلم. وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) أي النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزَّنَادِ) أشار به إلى أن هذا السند منقطع؛ لأن محمد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد، وإنما سمعه بواسطة، لكن هذا لا يضرّ بصحّة الحديث؛ لأن الواسطة معروف، وهو موسى بن عُقبة، على أنه يحتمل أن يكون سمعه منه، ثم سمعه من شيخه أبي الزناد، فكان يحدّث تارةً عن هذا، وتارة عن هذا، وهذا كثير في روايات الحفّاظ. والحاصل أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم ذكر المصنّف رحمه الله تعالى عنه الواسطة التي أشار إليها في كلامه السابق، فقال: ٤٠٠٨- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، ٢٧٩ = ٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٤٠٠٩ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ الَّتِي فِي تَبَارَكَ الْفُرْقَانِ، بِثَمَانِيَّةِ أَشْهُرِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَِّ حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ﴾. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَدْخَلَ أَبُو الزَّنَادِ بَيْتَهُ وَبَيْنَ خَارِجَةَ مُجَالِدَ بْنَ عَوْفٍ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((عبد الوهاب)): هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، ثقة، تغيّر قبل موته بثلاث سنين [٨] ٤٨/٤٢. و((موسى بن عقبة)): هو الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه، إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢ . والحديث صحيح، لكن الظاهر أن لفظ: ((ستّة أشهر)) أصحّ؛ لأنها ثبتت من طريق آخر عن أبي الزناد، فقد أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير» ٤٨٦٩/١٥٠/٥ بإسناد حسن من طريق سعيد بن أبي هلال، عن جهم بن أبي الجهم، أن أبا الزناد أخبرهم، أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره، عن زيد بن ثابت، قال: ((لما نزلت هذه الآية التي في ((الفرقان)): ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِاَلْحَقِ﴾ [الفرقان: ٦٨] عَجِبنا للينها، فلبثنا ستة أشهر، ثم نزلت التي في ((النساء)): ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَيِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ﴾ [النساء: ٩٣] حتى فرغ))(١). وجهم بن أبي الجهم روى عنه ثلاثة، ووثقه ابن حبّان، فيكون حسن الحديث، وبقية الرواة رجال الشيخين. والله تعالى أعلم. وقوله (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: أَدْخَلَ أَبُو الزِّنَادِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَارِجَةَ مُجَالِدَ بْنَ عَوْفٍ) أشار به إلى أن هذا الإسناد السابق فيه انقطاع، حيث سقط بين أبي الزناد، وبين خارجة مجالد بن عوف، لكن الذي يظهر أنه لا انقطاع فيه؛ لإمكان حمله على أن أبا الزناد سمعه من مجالد، ثم سمعه من خارجة، بدليل رواية الطبرانيّ السابقة، حيث صرّح فيها أن خارجة أخبره، وهذا موجود كثيرًا في روايات الحفّاظ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ثم ذكر رواية مجالد التي أشار إليها بقوله: ٤٠٠٩ - (أَخَبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَّمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَارِجَةً (١) راجع ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ ٧٠٨/٦-٧٠٩. رقم ٢٧٩٩. ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ ابْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، أَشْفَقْنَا مِنْهَا، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي ﴿الْفُرْقَانَ﴾: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلََّّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس. و((مسلم بن إبراهيم)): هو الأزديّ الفراهيديّ البصريّ، ثقة مأمون مكثرٌ، من صغار [٩] ٢٣١٥/٦٢ . و((عبد الرحمن بن إسحاق)): هو المدنيّ، نزيل البصرة، يقال له: عبّادٌ، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٦] ٢٦١٨/١٠٠. و((مجالد بن عوف))، ويقال: عوف بن مُجالد الحضرميّ، حجازيّ صدوقٌ [٤] . رَوَى عن خارجة بن زيد. وعنه أبو الزناد، وقال: كان امرأ صدق. قال ابن أبي حاتم: سمع زيد بن ثابت. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) فيمن اسمه عوف. وقال الذهبيّ: لا يُعرف، تفرّد به أبو الزناد. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، له عندهما هذا الحديث فقط . وقوله: ((أشفقنا منه)): أي خِفنا من الشّدّة التي فيها، فنزلت الآية التي في ﴿ اُلْفُرْقَانَ﴾ للتخيف علينا. قاله السنديّ رحمه اللّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث بهذا اللفظ منكر؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة التي سبق بيانها، وذلك فيها أن آية ((الفرقان)) هي التي نزلت أوّلًا، ثم نزلت آية ((النساء))، وفي هذه الرواية بالعكس، وهي من رواية مجالد المذكور، وهو ليس بالمشهور، ولا سيّما مع هذه المخالفة، فتأمل. وأما جواب السنديّ في ((شرحه))، حيث قال: وهذا يفيد خلاف ما ذكره ابن عبّاس، والجمع ممكنٌ بأنه بلغ بعضًا إحدى الآيتين أوّلًا، ثم بلغتهم الثانية، فظنّوا التي بلغت ثانيًا أنها نزلت ثانيًا، إلا أن روايات هذا الحديث في نفسها أيضًا متعارضة، فالاعتماد على حديث ابن عبّاس. والله تعالى أعلم. انتهى. فغير مقبول، كما أشار إليه نفسه في آخر كلامه، فالحقّ أن هذه الرواية بهذا اللفظ منكرة، والصحيح الروايات المتقدّمة الموافقة لحديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) (شرح السنديّ)) ٨٨/٧.