Indexed OCR Text

Pages 241-260

٣٦- (کِتابُ المُحاربة) - حديث رقم ٣٩٨٥
٢٤١
تابعيّ كبير ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، ووهم من ذكره في الصحابة [٢] ١٧/ ٦٥٣.
والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي
عَوْنٍ، عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، يَخْطُبُ، وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ، عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ وَ﴿ِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَخْطُبُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَقُولُ: ((كُلُّ ذَتْبٍ عَسَى
اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّ الرَّجُلُ يَقْتُلُ الْمُؤْمِنَ، مُتَعَمِّدًا، أَوِ الرَّجُلُ يَمُوتُ كَافِرًا))).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (محمد بن المثنى) العنزيّ الزَّمِنُ أبو موسى البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٨٠/٦٤ .
٢- (صفوان بن عيسى) الزهريّ، أبو محمد القسّام البصريّ، ثقة [٩] ١٢٧٢/٣٧.
٣- (ثور) بن يزيد، أبو خالد الحمصيّ ثقة ثبت، رمي بالقدر [٧] ٥٠٤/٧ .
٤- (أبو عون) الأعور الأنصاريّ الشاميّ، اسمه عبد الله بن أبي عبد الله، مقبول
[٥].
روى عن أبي إدريس الخولانيّ، وعنهِ ثور بن يزيد، وأرطاة بن المنذر. ذكره ابن
حبّان في ((الثقات)). وقال الحاكم أبو أحمد: أبو عون عبد الله الشاميّ الأعور، سمّاه
أحمد بن عُمير، روى عن أبي إدريس، وسعيد بن المسيّب، ويقال: إن أبا بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم روى عنه. انتهى. وكذا ذكر مسلم في الرواة عنه ابن حَزْم.
وذكر ابن عبد البرّ في ((الكنى)): أنه روى عن عثمان مرسلاً، وزاد في الرواة عنه
الزُبيديّ. تفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٥- (أبو إدريس) عائذ اللّه بن عبد الله، الخَوْلانيّ الشاميّ، وُلد في حياة النبيّ ◌َّ يوم
حُنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة (٨٠)، قال سعيد بن عبد العزيز: كان
عالم الشام بعد أبي الدّرداء تَّ، تقدّم في ٧٢/ ٨٠ .
٦- (معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة الأمويّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رَّ، أسلم قبل الفتح، وكتبَ الوحي للنبيّ بَّه، ومات في رجب سنة (٦٠)، وقد
قارب (٨٠)، تقدّم في ٣٩٤/٢٨٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير أبي عون، فإنه من أفراد المصنّف، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه
مسلسل بالشاميين، غير شيخه، وعيسى بن صفوان، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي إِذْرِيسَ) الخولانيّ رحمه اللَّه تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةً) بن أبي
سفيان رضي اللَّه تعالى عنهما (يَخْطُبُ) جملة جالية في محلّ نصب (وَكَانَ قَلِيلَ
الْحَدِيثِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِ لهَ) أي كان معاوية تَظُه ممن لا يُكثر الرواية عنه وَلّ؛ إما
لكونه مشغولا بأمر الخلافة، أو لغير ذلك (قَالَ: سَمِعْتُهُ يَخْطُبُ) فاعل ((قال)) ضمير
معاوية رَّه، فالجملة مؤكّدة لما قبلها (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَقُولُ: ((كُلُّ
ذَنْبِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّ الرَّجُلُ) أي إلا ذنب الرجل، فالكلام على حذف مضاف
(يَقْتُّلُ الْمُؤْمِنَ، مُتَعَمِّدًا، أَوِ الرَّجُلُ) أي أو إلا ذنب الرجل (يَمُوتُ كَافِرًا) هذا الحديث
بظاهره يعارض قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءَ﴾
الآية. فلا بدّ من تأويله، فقال السنديّ رحمه الله تعالى: وكأن المراد كلّ ذنب تُرجى
مغفرته ابتداءً، إلا قتل المؤمن، فإنه لا يُغفر بلا سبق عقوبة، وإلا الكفر، فإنه لا يُغفر
أصلًا، ولو حُمل على القتل مستحلّاً لا يبقى المقابلة بينه وبين الكفر، ثم لا بُدّ من
حمله على ما إذا لم يتب، وإلا فالتائب من الذنب، كمن لا ذنب له، کیف، وقد يدخل
القاتل والمقتول الجنّة معًا، كما إذا قتله، وهو كافر، ثم آمن، وقُتل. انتهى.
وحمل المناويّ تبعًا لغيره الحديث على ما إذا استحلّ، وإلا فهو تهويلٌ وتغليظ.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قاله السنديّ أقرب. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله
تعالى، أخرجه هنا-٣٩٨٥/١ - وفي ((الكبرى)) ٣٤٤٦/١. وأخرجه (أحمد) في
((مسند الشاميين)) ١٦٤٦٤. (الحاكم) في)) المستدرك))، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه
الذهبيّ.
[تنبيه]: أخرج أبو داود رحمه الله تعالى هذا الحديث في ((سننه)) من حديث أبي
الدرداء رضيّه ، فقال:
حدثنا مؤمل بن الفضل الحرّاني، حدثنا محمد بن شعيب، عن خالد بن دهقان،
قال: كنا في غزوة القُسطنطينية، بِذُلُقْيَةً، فأقبل رجل من أهل فلسطين، من
أشرافهم وخیارهم، يعرفون ذلك له، يقال له: هانئ بن كلثوم بن شريك الكناني، فسلم

٢٤٣
٣٦- (كِتَابُ الْمُحَارِبةِ) - حديث رقم ٣٩٨٦
على عبد الله بن أبي زكريا، وكان يعرف له حقّه، قال لنا خالد: فحدثنا عبد الله بن أبي
زكريا، قال: سمعت أم الدرداء، تقول: سمعت أبا الدرداء، يقول: سمعت رسول الله
وَلَه، يقول: ((كلُّ ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركا، أو مؤمنٌ قتل مؤمنا
متعمدا)). وهو حديث صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وخالد بن دهقان وثّقه أبو مسهر،
وأبو زرعة الدمشقيّ، ودُحَيم، وغيرهم، فقول الحافظ في ((التقريب)): مقبول غير
مقبول. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم دم المسلم.
(ومنها): تعظيم شأن قتل المسلم، وسيعقد له المصنّف بعد هذا بابًا مستقلًا: (ومنها):
سعة رحمة الله تعالى، حيث يغفر الذنوب جميعًا، إلا المستثنى. (ومنها): تعظيم شأن
الشرك بالله تعالى، وأن من مات مشركًا، لا يُرجى له العفو، كما قال الله عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٦- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ (١)، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ، قَالَ: ((لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ
ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ، كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢- (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسّان البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤٩/٤٢.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ(٢) الكوفيّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٧/٣٣.
٤- (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي، ثقة ثبت يدلس (٥) ١٨/١٧.
٥- (عبد الله بن مُرّة) الهمدانيّ الخارفيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١٨٦٠/١٧.
[تنبيه]: وقع في كثير من نسخ ((المجتبى))، و(الكبرى)): ((عبد الرحمن بن مرّة))،
(١) وفي رواية حفص بن غياث عن الأعمش: ((حدثني عبدالله بن مرّة)). فصرّح بالتحديث. قاله في
((الفتح)) ١٤/ ١٧٣ .
(٢) وأخرج البخاريّ الحديث عن قبيصة، عن سفيان، عن الأعمش الخ، فقال في ((الفتح)): سفيان
هو الثوريّ، ويحتمل أن يكون ابن عيينة، فسيأتي في ((الاعتصام)) من رواية الحميديّ عنه: حدّثنا
الأعمش. انتهى. قلت: لكن الذي يترجّح عندي في سند المصنّف أنه الثوريّ؛ لأن عبدالرحمن
ابن مهديّ من كبار الآخذين عن الثوريّ، فإذا أطلقه فهو الثوريّ. والله تعالى أعلم.

٢٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
وهو غلطً، والصواب ((عبد الله بن مرّة))، كما هو في النسخة الهندية، و((تحفة الأشراف))
١٤٣/٧-١٤٤. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٦- (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمدنيّ، أبو عائشة الكوفيّ، مخضرم ثقة فقيه
عابد [٢] ٩٠ /١١٢.
٧- (عبد الله) بن مسعود الهذليّ الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه ٣٩/٣٥.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، وعبد الرحمن، فبصريّان.
(ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها):
أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن عبد الله بن مُرّة، عن
مسروق. (ومنها): أنّ فيه ((عبد الله)) مهملاً، والقاعد أنه إذا أُطلق عند الكوفيين فإنه ابن
مسعود رضي، كما تقدّم غير مرّة، قال الحافظ السيوطيّ في ((ألفية الحديث)):
طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي
وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُاللَّهِ فِي
بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرٍ أَوْ جَرَى
وَالشَّامَ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رَّهُ (عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ) أنه (قَالَ: ((لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا) وفي
رواية للبخاريّ: ((وليس من نفس تُقتَلُ ظلمًا)). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يدخل فيه
بحكم عمومه نفس الذمّيّ، والمعاهد، إذا قُتلا ظُلمًا؛ لأنّ نفسًا نكرة في سياق النفي،
فھي للعموم. انتهى.
(إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ) بالجرّ صفة ل((ابن))، أي الذي هو أول في القتل،
ويحتمل أن يكون المراد الأول في الولادة. والله أعلم.
وقال في ((الفتح)): وهو قابيل، عند الأكثر، وعكس القاضي جمال الدين بن واصل
في ((تاريخه))، فقال: اسم المقتول قابيل، اشتُقّ من قبول قربانه. وقيل: اسمه قابن بنون
بدل اللام بغير ياء. وقيل: قبن مثله بغير ألف. انتهى. وقال في ((الفتح)) أيضًا في موضع
آخر: واختلف في اسم القاتل، فالمشهور قابيل بوزن المقتول، لكن أوله هاء. وقيل:

٢٤٥
٣٦- (كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ) - حديث رقم ٣٩٨٦
اسم المقتول قَيْن بلفظ الْحَدّاد. وقيل: قاين بزيادة ألف. وذكر السدّيّ في ((تفسيره)) عن
مشايخه بأسانيده أن سبب قتل قابيل لأخيه هابيل أن آدمّ الَّلام كان يزوّج ذكر كلّ بطن
من ولده بأنثى الآخر، وأن أخت قابيل كانت أحسن من أخت هابيل، فأراد قابيل أن
يستأثر بأخته، فمنعه آدم، فلمّا ألح عليه أمرهما أن يُقرّبا قُربانًا، فقرّب قابيل حُزْمة من
زرع، وكان صاحب زرع، وقرّب هابيل جذعة سمينة، وكان صاحب مواش، فنزلت
نار، فأكلت قربان هابيل، دون قابيل، وكان ذلك سبب الشرّ بيهما، وهذا هو المشهور.
ونقل الثعلبيّ بسند واوٍ عن جعفر الصادق أنه أنكر أن يكون آدم زوّج ابنا له بابنة له،
وإنما زوّجٍ قابيل جنّةً، وزوّج هابيل حُوريّةً، فغضب قابيل، فقال: يا بُنيّ ما فعلته إلا
بأمر من اللَّه، فقرّبا قربانًا. وهذا لا يثبت عن جابر، ولا عن غيره، ويلزم منه أن بني آدم
من ذرّيّة إبليس؛ لأنه أبو الجنّ كلّهم، أو من ذرّيّة الحور العين، وليس لذلك أصلٌ، ولا
(١)
شاهد. انتھی(١).
وأخرج الطبريّ عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما: كان من شأنهما أنه لم يكن
مسكين يُتصدّق عليه، إنما كان القربان يقرّبه الرجل، فمهما قُبل تنزل النار، فتأكله،
وإلا فلا. وعن الحسن: لم يكونا ولدي آدم لصلبه، وإنما كانا من بني إسرائيل. أخرجه
الطبريّ. ومن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كانا ولدي آدم لصلبه، وهذا هو
المشهور، ويؤيّده حديث الباب لوصفه ((ابنَ)) بأنه الأول، أي أول ما وَلَد آدم، ويقال:
إنه لم يولد في الجنّة لآدم غيره وغیر توامته، ومن ثَمّ فخر على أخيه هابيل، فقال: نحن
من أولاد الجنّة، وأنتما من أولا د الأرض. ذكر ذلك ابن إسحاق في ((المبتد!)). وعن
الحسن: ذُكر لي أن هابيل قُتل وله عشرون سنة، ولأخيه القاتل خمس وعشرون سنة.
وتفسير هابيل هبة الله، ولَمّا قُتل هابيل، وحزِن عليه آدم وُلد له بعد ذلك شيئ، ومعناه
عطيّة اللّه، ومنه انتشرت ذرّية آدم. وقال الثعلبيّ: ذكر أهل العلم بالقرآن أن حوّاء
وَلَدت لآدم أربعين نفسًا في عشرين بطنًا، أولهم قابيل، وأخته اقليما، وآخرهم
عبد المغيث، وأمة المغيث، ثم لم يمت حتى بلغ ولده، وولد ولده أربعين ألفًا،
وهلكوا كلّهم، فلم يبق بعد الطوفان إلا ذرّيّة نوح، وهو من نسل شيث، قال اللّه
تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِيَّتَهُ مُرُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، وكان معه في السفينة ثمانون نفسًا،
وهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ﴾ [هود: ٤٠]، ومع ذلك فما
بقي إلا نسل نوح، فتوالدوا حتى ملأوا الأرض. انتهى(٢).
(١) (فتح)) ١٣/٧. ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم ٣٣٣٥.
(٢) ((فتح)) ١٤/ ١٧٣-١٧٤. ((كتاب الديات)) رقم الحديث ٦٨٦٧ .

=
٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذه الحكايات معظمها تكون من الإسرائليّات، فالله
تعالى أعلم بصحتها.
[تنبيه]: اختلف في كيفيّة قتله، وموضعه: فعن السدّيّ: شدخ رأس أخيه بحجر،
فمات. وعن ابن جريج: تمثّل له إبليس، فأخذ بحجر، فشدخ به رأس طير، ففعل
ذلك قابيل، وكان ذلك على جبل ثور. وقيل: على عقبة حراء. وقيل: بالهند. وقيل:
بموضع المسجد الأعظم بالبصرة، وكان من شأنه في دفنه ما قصّه الله تعالى في كتابه.
قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الاختلافات من جنس ما قبلها، لا يُعتمد على
شيء منها، إذ لا تعتمد على حجة، فلا ينبغي الركون إليها، وإنما الركون والاعتماد
على ما قصّه الله في كتابه العزيز، فقط، حيث قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ إلى قوله عز وجل: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ
اَلنَّدِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧-٣١]. والله تعالى أعلم.
(كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا) بكسر الكاف، وسكون الفاء: النصيب، وأكثر ما يُطلق على الأجر،
والضّعْفُ على الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِّهِ ﴾، ووقع على الإثم في قوله
تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ يَكُنْ لَُّ نَصِيبٌ مِنْهًا﴾. قاله في ((الفتح)) (وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ
مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) أي فهو متبوع في هذا الفعل، وللمتبوع نصيب من فعل تابعه، وإن لم
يقصد التابع اتباعه في الفعل.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا نصّ على تعليل ذلك الأمر؛ لأنه لما كان أول
من قتل، كان قتله ذلك تنبيهًا لمن أتى بعده، وتعليمًا له، فمن قتل كأنه اقتدى به في
ذلك، فكان عليه من وزره، وهذا جارٍ في الخير والشرّ، كما قد نصّ عليه النبيّ وَّل
بقوله: ((من سنّ في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم
القيامة، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم
القيامة)). رواه مسلم. قال: وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفلٌ من معصية كلّ من
عصى بالسجود(١)؛ لأنه أول من عصى به. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
(١) هكذا عبارة ((المفهم))، ولعل الأولى: ((كلّ من عصى بعدم السجود الخ)»، فليُتأمل.
(٢) ((المفهم)) ٤٠/٥-٤١. ((كتاب القسامة)).

=
٢٤٧
٣٦- (كِتَابُ الْمُحَاربة) - حديث رقم ٣٩٨٦
حديث عبد الله بن مسعود رَّه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٩٨٦/١- وفي ((الكبرى)) ٣٤٤٧/١. وأخرجه (خ) في ((أحاديث
الأنبياء)) ٣٣٣٥ و((الديات)) ٦٨٦٧ و(الاعتصام بالكتاب والسنّة)) ٧٣٢١ (م) في ((القسامة
والمحاربين)) ١٦٧٧ (ت) في ((العلم)) ٢٦٧٣ (ق) في ((الديات)) ٢٦١٦ (أحمد) في
((مسند المكثرين)) ٣٦٢٣ و٤٠٨١ و٤١١٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان تحريم دم المسلم إلا
بالحق، كما قال اللّه تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ الآية
[الإسراء: ٣٣]. (ومنها): أن من سنّ شيئًا، كُتب له، أو عليه، وقد أخرج مسلم،
وأصحاب السنن، من حديث جرير بن عبد الله البجليّ تنظيمه: قال رسول اللّه ◌َلت:
((من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فعُمِل بها بعده، كُتِب له مثلُ أجر من عمل بها، ولا
ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعُمل بها بعده، كتب عليه
مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء)).
وهذا محمولٌ على إذا مالم يتب ذلك القاتل الأول من تلك المعصية؛ لأن آدم عليَّلهُ
أول من خالف في أكل ما نُهي عنه، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما
نهي عنه، ممن بعده بالإجماع؛ لأن آدم عليَّلُ تاب من ذلك الذنب، وتاب الله عليه،
فصار كأن لم يَجْنِ، فإن التائب من الذنب، كمن لا ذنب له. أفاده القرطبيّ(١).
(ومنها): أن هذا الحديث أصل في أن المعونة على ما لا يحلّ حرام. قاله في
((الفتح))(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه
أنیب)).
(١) ((المفهم)) ٤١/٥. ((كتاب القسامة)).
(٢) ((فتح)) ١٤ / ١٧٤ ((كتاب الديات)).

٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
٢- (تَعْظِيمُ الدَّم)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على تعظيم شأن دم المسلم، وقد تقدّم في الباب
الماضي بعض ما يدلّ على تعظيمه، قال ابن العربيّ رحمه الله تعالى: ثبت النهي عن
قتل البهيمة بغير حقّ، والوعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدميّ، فكيف بالمسلم، فكيف
بالتقيّ الصالحِ. انتهى(١).
٣٩٨٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالَجَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ،
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَتْلُ
مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ زَوَالِ الدُّنْيًا)».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، لَيْسَ بِالْقَوِيّ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمد بن معاوية بن مالج)-بميم، وجيم، واسم جدّه يزيد: هو الأنماطيّ، أبو
جعفر البغداديّ، صدوقٌ ربّما وَهِم [١٠] ١٠٠/ ٢٨٥٨ من أفراد المصنّف.
٢- (محمد بن سلمة الْحَرّانيّ) الباهلي مولاهم، ثقة [٩] ٣٠٦/١٩١.
٣- (ابن إسحاق) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبيّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، نزيل
بغداد، إمام المغازي، صدوقٌ يُدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥]٤٨٠/٥.
٤- (إبراهيم بن مهاجر) البجليّ الكوفيّ، صدوقٌ ليّن الحفظ [٥] ٦٨ / ٩٩٢.
٥- (إسماعيل، مولى عبد الله بن عمرو) بن العاص السّهْمَيّ، مقبول(٢) [٣].
روى عن مولاه هذا الحديث، وعنه إبراهيم بن مهاجر. ذكره ابن حبّان في
(الثقات)). تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
٦- (عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم
السهميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللّه تعالى
عنهما ١١/٨٩ . والله تعالى أعلم.
(١) راجع ((الفتح)) ١٦٨/١٤. ((كتاب الديات)) رقم ٦٨٦٣.
(٢) هذا هو الموافق لقاعدة الحافظ في ((التقريب))، فيمن يُطلق عليه لفظ ((مقبول))، فإنه قليل
الرواية، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، فإنه مقبول حيث يُتابع، وإلا فليّن الحديث، وأما
قوله فيها: (صدوق))، ففيه نظر لا يخفى. والله تعالى أعلم.

٢٤٩
٢- (تَعْظِیمُ الدَّم) - حديث رقم ٣٩٨٧
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلَى: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَّقَتْلُ مُؤَمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ) اللام لام الابتداء، دخلت على
المبتد! للتأكيد (مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا) قالَ السنديّ رحمه اللّه تعالى: الكلام مسوقٌ لتعظيم
القتل، وتهويل أمره، وكيفيّةُ إفادة اللفظ ذلك، هو أن الدنيا عظيمة في نفوس الخلق،
فزوالها يكون عندهم عظيمًا، على قدر عظمتها، فإذا قيل: قتلُ المؤمن أعظم منه، أو
الزوال أهون من قتل المؤمن يفيد الكلام من تعظيم القتل، وتهويله، وتقبيحه، وتشنيعه
ما لا يحيطه الوصف، ولا يتوقّف ذلك على كون الزوال إثمًا، أو ذنبًا، حتّى يقال: إنه
ليس بذنب، فكلّ ذنب من جهة كونه ذنبًا أعظم منه، فأيّ تعظيم حصل للقتل يجعله
أعظم منه. وإن أريد بالزوال الإزالة، فإزالة الدنيا يستلزم قتل المؤمنين كلّهم، فكيف
يُقال: إن قتل واحد أعظم مما يستلزم قتل الكلّ، وكذا لا يتوقّف على كون الدنيا عظيمة
في ذاتها، أو عند الله، حتى يقال: هي لا تساوي جناح بعوضة عند الله، وكلّ شيء
أعظم منه، فلا فائدة في القول بأن قتل المؤمن أعظم منه. وقيل: المراد بالمؤمن الكامل
الذي يكون عارفًا بالله تعالى وصفاته، فإنه المقصود من خلق العالم؛ لكونه مظهرًا
لآيات الله، وأسراره، وما سواه في هذا العالم الحسّيّ من السموات والأرض مقصود
لأجله، ومخلوق ليكون مسكنا له، ومحلّا لتفكّره، فصار زواله أعظم من زوال التابع.
انتهى كلام السنديّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير غير صحيح؛ لأنه مخالف لإطلاق
النصّ، فبأي دليل يخالفه، وما ذكره من أن العالم خُلق لأجل المؤمن الكامل، مخالف
لقوله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وقوله
عز وجل: ﴿أَلَمْ تَّرَوَاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ﴾ الآية [لقمان: ٢٠] وقوله
عز وجل: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية: [الجاثية: ١٣] إلى غير
ذلك من النصوص التي بيّنت أن السموات والأرض خلقها الله تعالى لخدمة بني آدم
عمومًا،؛ لأن الخطاب في الآيات المذكورات، وغيرها لجميعهم، لا لخصوص
الكامل منهم، فمن أين له أنها خُلقت للمؤمن الكامل، فقط، فتبصّر بالإنصاف، ولا
تتحيّر بتقليد ذوي الاعتساف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللّه تعالى (إِنْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ، لَيْسَ
(١) (شرح السنديّ) ٧/ ٨٢-٨٣.

٢٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
بِالْقَوِيِّ) فيه إشارة إلى تضعيف هذا الحديث؛ لأنه من روايته؛ وما قاله المصنّف
نُقِلَ أيضًا عن يحيى القطّان، وغيره، ولكن قوّاه غيرهم، فقال الثوريّ، وأحمد: لا
بأس به، ووثقه ابن سعد، وقال أبو داود: صالح الحديث. وفي الإسناد أيضًا شيخه
إسماعيل مجهول الحال؛ لأنه لم يرو عنه غيره، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو
مدلسٌ، إلا أن الحديث يشهد له حديث بريدة بن الحُصيب ◌َفي ، كما سيأتي قريبًا،
فيصحّ به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث :
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح؛ لأن حديث
بريدة رضي اللَّه تعالى عنه يشهد له، كما سبق الكلام عليه آنفًا .
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٩٨٧/٢ و٣٩٨٨ و٣٩٨٩ و٣٩٩٠- وفي ((الکبری)) ٣٤٤٨/٢و٣٤٤٩
و٣٤٥٠ و٣٤٥١ . وأخرجه (ت) في ((الديات)) ١٣٩٥. وفوائد الحديث تُعلم مما سبق
في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٣٩٨٨- (أَخْبَرَنَا يَخْتِى بْنُ حَكِيمِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ،
عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَّدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِّ وََّ، قَالَ: ((لَزَوَالُ الدُّنْيَا
أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ)»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: "(يحيى بن حَكيم البصريّ)): هو أبو سعيد الْمُقَوِّم،
ثقة حافظ عابد [١٠] ٥١ /٦١٢ .
((ابن أبي عديّ)): هو محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩]
١٧٥/١٢٢. و((يعلى بن عطاء)): هو العامريّ، أو الليثيّ الطائفيّ، ثقة [٤] ٤٠ /٥٨٤.
و((عطاء» الطائفيّ، مقبول [٣].
روى عن أوس بن أبي أوس، وابن عمرو بن العاص، وابن عبّاس، وأبي علقمة
الهاشميّ، وعنه ابنه يعلى. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال شعبة عن يعلى بن
عطاء: وُلد أبي لثلاث سنين بقين من خلافة عمر. قال أبو الحسن بن القطّان: مجهول
الحال، ما روى عنه غير ابنه يعلى. وتبعه الذهبيّ في ((الميزان)». أخرج له البخاريّ في
(الأدب المفرد))، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان

٢٥١
٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٣٩٩٠
فقط: هذا، وحديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه في ((كتاب الاستعاذة))، مرفوعًا:
((استعيذوا بالله من خمس ... )) الحديث.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
٧
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٨٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَعْلَى، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: ((قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد)): هو ابن جعفر غندر. والحديث صحيح
موقوف، لكنه في حكم المرفوع. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الإمام الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد إخراجه طريق شعبة من رواية
محمد بن جعفر عنه: ما نصّه: وهذا أصحّ من حديث ابن أبي عديّ يعني المرفوع
المذكور قبل هذا- قال: وهكذا روى سفيان الثوريّ، عن يعلى بن عطاء موقوفًا، وهذا
أصح من المرفوع. انتھی.
وحاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى في كلامه هذا ترجيح رواية محمد بن جعفر
عن شعبة موقوفًا على رواية ابن أبي عديّ عن شعبة مرفوعًا؛ لأن الثوريّ روى الحديث
عن يعلى بن عطاء موقوفًا، فيُرجّح به الوقف على الرفع.
لكن الذي يظهر لي أن الرفع هنا أرجح؛ لسببين:
[أحدهما]: أن الوقف هنا في حكم الرفع؛ لأن هذا مما لا يقال بالرأي.
[الثاني]: أن رواية بريدة بن الحصيب رضي الله عنه الآتية تؤيّده.
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ هِشَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: ((قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ
عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عمرو بن هشام)): هو أبو أَميّة الْحَرّانيّ، ثقة [١٠]
١٤١/ ٢٢٢ من أفراد المصنّف.
و((مخلد بن يزيد)): هو القرشيّ الحرّانيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، من كبار [٩] ١٤١/
٢٢٢ .
و((سفيان)): هو الثوريّ. و((منصور)): هو ابن المعتمر. والحديث صحيح موقوف،
وهو في حكم المرفوع، كما سبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه

٢٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩١- أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ ثِقَةٌ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ خِدَاشِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بَشِيرٍ بْنِ الْمُهَاجِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِّهِ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا).
((الحسن بن إسحاق)) بن زياد الليثيّ مولاهم، أبو عليّ المروزيّ، يُلقّب حَسْنويه، ثقة
[١١] .
وثقه المصنّف هنا، وقال أيضًا: شاعر ثقة. وقال في ((مشيخته)): كان صاحب
حديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: يروي عن ابن المبارك. وقال أبو حاتم:
إنه مجهول، وكأنه ما لقيه، فلم يَعرفه، ولا يضرّه هذا، فقد عرفه البخاريّ، والنسائيّ،
قال البخاريّ، وغيره: مات سنة (٢٤١) . تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، وله عند
البخاريّ حديثان، وعند المصنّف ثلاثة أحاديث: حديث بريدة هذا، وحديثه في ((كتاب
القسامة)) ٤٧٣٢/٧: ((أن رجلًا جاء إلى النبيّ وَّر، فقال: إن هذا قتل أخي)) الحديث.
وحديث حُميد بن شكل في ((كتاب الاستعاذة) ٤٥٤٥/٤ و٥٤٥٦/١٠ قال: ((أتيت
النبيّ وَّر، فقلت: يا نبيّ اللَّه علّمني تعوّذًا أتعوّذ به)) الحديث.
و((خالد بن خداش)) بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الدّال، وآخره معجمةٌ- ابن
عَجْلان، أبو الْهَيثم الأزديّ الْمُهَلَّبِيّ مولاهم البصريّ، سكن بغداد، صدوقٌ يُخطىء
[١٠] .
قال ابن معین، وأبو حاتم، وصالح بن محمد البغداديّ: صدوق. وقال ابن سعد:
ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة صدوقًا. وقال ابن المدينيّ: ضعيف. وقال زكريا
الساجيّ: فيه ضعف. وقال ابن معين: قد كتبت عنه، ينفرد عن حماد بن زيد
بأحاديث. وقال أبو داود: روى عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن عمر حديث
الغار، ورأيت سليمان بن حرب يُنكره عليه. وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت سليمان بن
حرب عنه؟ فقال: صدوق، لا بأس به، كان يختلف معنا إلى حماد بن زيد، وأثنى عليه
خيرًا. قال مطيّن: مات سنة (٢٢٤) وأرخه ابن قانع، وقال: ثقة. وفي كتاب الساجيّ
أيضًا: كان أحمد يلزمه. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، ومسلم، وأبو داود في
(مسند مالك))، والمصنّف، له عنده حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث بريدة
المذكور في ترجمة الحسن بن إسحاق.
و((حاتم بن إسماعيل)): هو الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل،
صدوقٌ بِهِم، صحيح الكتاب [٨] ٥٤٣/٢٤.

٢٥٣ _
٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٣٩٩٢
و((بشير بن المهاجر)) الغَنَويّ بفتح المعجمة، والنون- الكوفيّ، صدوقٌ ليّن
الحديث، ورُمي بالإرجاء [٥] .
رأى أنس بن مالك. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال العجليّ:
كوفيّ ثقة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال الأثرم، عن أحمد: منكر
الحديث، قد اعتبرت أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب. وقال البخاريّ: يخالف في
بعض حديثه. وقال ابن عديّ: روی ما لا يُتابع علیه، وهو ممن يُکتب حديثه، وإن كان
فيه بعض الضّعف. وقال ابن حبّان في ((الثقات)): دلْس عن أنس، ولم يره، وكان يُخطىء
کثیرًا. وقال العقيليّ: مرجیء مُتھمْ، متكلّم فيه. وقال الساجيّ: منكر الحديث. روی له
مسلم، والأربعة، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث فقط، حديث بُريدة هذا، وحديثه
المتقدّم في ترجمة الحسن بن إسحاق آنفًا، و٥٧٢٦/٥٣ حديث: ((سألت الحسن عما
يُطبخ من العصير؟ قال: ما تطبخه حتى يذهب الثلثان، ويبقى الثلث)).
والحديث صحيحٌ، تفرّد به المصنّف، أخرجه هنا٣٩٩١/٢ وفي ((الكبرى)) ٢/
٣٤٥٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٣٩٩٢- (أَخْبَرَنَا سَرِيعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ الْخَصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ
الْأَزْرَقُ، عَنْ شَرِيكِ، عَنْ عَاصِم، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلِ: (أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُ مَّا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدُّمَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (سريع بن عبد اللَّه الواسطيّ الْخَصِيّ) بفتح الخاء المعجمة، وتخفيف الصاد
المهملة-، أبو عبد اللَّه الْجَمّال بالجيم - مولى عبد القاهر، من بني جمرة. مقبول [١١].
روى عن إسحاق الأزرق، وعنه المصنّف، وأسلم بن سهل الواسطيّ. تفرّد به
المصنّف بهذا الحديث.
٢- (إسحاق بن يوسف الأزرق) المخزوميّ الواسطيّ، ثقة [٩] ٤٨٩/٢٢.
٣- (شريك) بن عبد الله النخعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ القاضي بواسط، ثم بالكوفة،
صدوقٌ يُخطىء كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولّي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا
شديدًا على أهل البدع [٨] ١٢٩/٢٥.
٤- (عاصم) بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود الأسديّ مولاهم، أبو بكر الكوفيّ
المقرىء، صدوقٌ، له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في ((الصحيحين)) مقرون [٦]
٢٠ / ١٢٢١ .

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
٥- (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اسْمِهِ،
مخضرم ثقة [٢] ٢/ ٢ .
٦- (عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه٣٩/٣٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح غير شيخه كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه،
وإسحاق، فواسطيان. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَوَّلُ)
مبتدأ، مضاف إلى (مَا) اسم موصول، أو نكرة موصوفة (يُحَاسَبُ) بالبناء للمفعول (بِهِ)
الباء سببيّة، ويحتمل أن تكون بمعنى ((عن)): أي أوّل الذي، أو أول شيء يُحاسب بسببه
العبد من أعماله، أو أول الذي، أو أول شيء يُحاسب عنه العبد من الأعمال (الْعَبْدُ)
بالرفع على أنه نائب الفاعل (الصَّلَاةُ) بالرفع على الخبريّة ((أول)). والمراد بها هنا
الفريضة، بدليل قوله في حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه المتقدّم في ((كتاب
الصلاة)) ٩/ ٤٦٥ -: ((إن أول ما يُحاسب به العبد صلاته إلى أن قال- فإن انتقص من
فريضته شيء، قال: انظروا هل لعبدي من تطوّع، فيكمل به ما نقص من فريضته))
الحدیث.
(وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ)) ((ما)) موصول حرفيّ، والفعل مبنيّ للمفعول،
والجار والمجرور متعلّق بمحذوف، والتقدير: أول القضاء القضاء في الأمر المتعلّق
بالدماء، التي وقعت بَيْن النَّاس فِي الدُّنْيَا. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ((ما)» موصولا اسميًّا، أو
نكرة موصوفةً، والتقدير: أَوَّلُ الذي، أول شيء يُقْضَى فِيهِ الْأَمْرِ الْكَائِنِ فِي الدِّمَاءِ.
[فإن قيل]: هذا يُعارض قوله الأول: أَوَّل مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصلاة، فكيف الجمع
بینھما؟
[قلت]: يُجمع بينهما بأن هذا في حقّ اللّه تعالى، وذلك في حقوق الآدميين فيما بينهم.
أو هذا من فعل السيئات، وذاك من ترك العبادات. وقيل: المحاسبة غير القضاء، فتكون
المحاسبة أوّلًا في الصلاة، ويكون القضاء أوّلًا في الدماء. وقيل: غير ذلك. وقد تقدّم تمام
البحث في هذا في ((كتاب الصلاة)) بالرقم الماضي، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٢٥٥
٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٣٩٩٣
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا جزؤه الأخير متّفقٌ عليه.
وأما جزؤه الأول، فصحيح أيضًا؛ لأن له شواهد من حديث أبي هريرة، وتميم
الداريّ عند أبي داود، وغيره، وحديث تميم عند الطبرانيّ أيضًا(١).
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا٣٩٩٢/٢ و٣٩٩٣ و٣٩٩٤ و٣٩٩٥ و٣٩٩٦ و٣٩٩٧ - وفي ((الكبرى))
٣٤٥٣/٢ و٣٤٥٤ و٣٤٥٥ و٣٤٥٦ و٣٤٥٧ و٣٤٥٨ و٣٤٥٩. وأخرج الجزء الأخير
منه (خ) في ((الرقاق)) ٦٥٣٣ ((الديات)) ٦٨٦٤ (م) في ((القسامة)) ١٦٧٨ (ت) في
((الديات)) ١٣٩٦ و١٣٩٧ (ق) في ((الديات)) ٢٦١٥ و٢٦١٧ (أحمد) في ((مسند
المكثرين)) ٣٦٦٥ و٤١٨٨ و٤٢٠١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تعظيم دم المسلم
المعصوم، ووجه ذلك أن الابتداء إنما يكون بالأهمّ، فالأهمّ، والذنب يعظُم بحسب
عظم المفسدة، وتفويت المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك(٢). (ومنها):
أن فيه تعظيم شأن الصلاة، وأنها أفضل سائر العبادات، بعد الشهادتين، حيث وقعت
المحاسبة عليها قبل سائر الأعمال. (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على أن القضاء
يختصّ بالناس، ولا مدخل للبهائم فيه. ورد بأن حصر الأولية فيه بالنسبة لما بين
الناس، وليس فيه نفي القضاء بين البهائم، بل غاية ما يفيده أن يكون القضاء بين البهائم
بعد القضاء بين الناس. وقد وردت النصوص الدلّة على ثبوت القصاص بين البهائم،
فقد أخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه وَ له قال: ((لَتُؤَدَّنَّ
الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء)). وغير ذلك
من الأدلة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٣٩٩٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا وَائِلِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((أَوَّلُ مَا يُحْكَمُ بَيْنَ
النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ»).
(١) راجع ((السلسة الصحيحة)) للشيخ الألباني ٣٢٨/٤-٣٢٩ رقم ١٧٤٨.
(٢) ((فتح)) ٢١١/١٣ ((كتاب الرقاق)).

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. و((سليمان)): هو
ابن مهران الأعمش.
والحديث صحيح موقوف، وهو في حكم المرفوع. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٤- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الْأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي وَائِلِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو داود)»: هو عمر بن سعد بن عُبيد الْحَفَريّ(١) ثقة
ثبت [٩]٥٢٣/١٥. و((سفيان)): هو الثوريّ. والحديث صحيح موقوف، سبق القول
فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٣٩٩٥- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَقْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ
طَهْمَانَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ - ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا- عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخْبِيلَ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ: ((قَالَ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((أبو أحمد)): هو حفص بن عبد الله بن راشد السلميّ النيسابوريّ قاضيها، صدوق [٩]
٤٠٩/٧. و((عمرو بن شُرَّحبيل)): هو أبو ميسرة الهمدانيّ الكوفيّ العابد المخضرم
الثقة .
وقوله: ((ثم ذكر كلمة الخ)) القائل هو الأعمش، والذاكر هو شقيق، والمعنى أن
شقيقًا ذكر كلمة لم أحفظ لفظها، لكن معناه: ((عن عمرو بن شُرحبيل الخ))، وإطلاق
الكلمة على الكلام شائع في اللغة، كما قال ابن مالك في «خلاصته»:
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمُ
والحديث صحيح موقوف، كما سبق القول فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٦- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و((أبو معاوية)):
(١) بفتحتين: نسبة إلى موضع بالكوفة.

٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٣٩٩٨
=
٢٥٧
هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، أحفظ من روى عن الأعمش، غير سفيان الثوريّ.
والحديث مرسل صحيح بما سبقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ،
عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ»).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، والحديث
صحيح موقوف، وهو في حكم المرفوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٨- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرْ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
مُعْتَمِرْ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَخَبِيلَ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ التَِّّ وََّ، قَالَ: ((يَجِيءُ الرَّجُلُ، آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ، فَقُولُ: يَا رَبُ
هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَّهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟، فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ، فَيَقُولُ: فَإِنَّا لِي،
وَيَجِيءُ الرَّجُلُ آَخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ:
لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِقُلَانٍ، فَيَقُولُ: إِنَّا لَيْسَتْ لِفُلَانٍ، فَيُبُوءُ بِإِثْمِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (إبراهيم بن الْمُسْتَمِرّ) الْهُذَليّ، الْعُرُوقِيّ بالقاف- الناجيّ بالنون، والجيم-
أبو إسحاق البصريّ، صدوقٌ يُغرب [١١].
قال النسائيّ: صدوق. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في
((الثقات))، وقال: ربّما أغرب. روى عنه أبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))،
والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وفي ((كتاب الزينة))
٥٠٦٥/١٠- حديث الحصين ((لما قدم على النبيّ وَّر بالمدينة)) الحديث.
٢- (عمرو بن عاصم) الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ في حفظه
شيء، من صغار [٩] ١٧/ ١٥٥٢.
٣- (معتمر) بن سليمان بن طرخان التيميّ، أبو محمد الملقّب بالطفيل البصريّ،
ثقة، من كبار [٩]١٠/١٠.
٤ - (أبوه) سليمان بن طرخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقة عابد [٤] ١٠٧/٨٧.
٥- (الأعمش) سلیمان بن مهران، أبو محمد الکوفيّ، ثقة ثبت ورع، لکنه یدلّس
[٥] ١٨/١٧ .
٦- (شقيق بن سلمة) أبو وائل المترجم قريبًا.

٢٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَّةِ
٧- (عمرو بن شُرَخبيل) الهمدانيّ، أبو ميسرة الكوفيّ، مخضرم ثقة عابد [٢]
١٨٠/ ٢٨٥ .
٨- (عبد الله بن مسعود) رضي اللَّه تعالى عنه٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، كما سبق آنفًا. (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين،
والثاني مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن
بعض: سليمان بن طرخان، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن شُرحبيل، ورواية
الأول من الثاني من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سليمان من الطبقة الرابعة،
والأعمش من الخامسة، ورواية الثالث من الرابع من رواية الأقران؛ لأنهما مخضرمان.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله تعالى عنه (عَنْ النَِّيِّ وَ﴿) أنه (قَالَ: ((يَجِيءُ
الرَّجُلُ) أي المقتول، وفي رواية جندب التالية: ((يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة)) (آخِذًا
بِيَدِ الرَّجُلِ) أي قاتله (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ) أي للقاتل (لِمَ قَتَلْتَهُ؟)
أي لأيّ سبب قتل هذا الرجل (فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لَكَ) هذا ظاهر فيمن قتل
مستحقًّا للقتل، كمن قتل للقصاص، أو للبغي، أو نحو ذلك؛ دفعا للفتنة، ورفعًا
للفساد عن البلاد والعباد، وهذا فيه إظهار عزّة اللّه تعالى بتنفيذ أحكامه، وظهور الحقّ
والعدل في الأرض فلذلك (يَقُولُ) تعالى (فَإِنَّا) أي العزّة (لي) أي ثابتة، ومستحقَّةٌ لي
(وَيَجِيءُ الرَّجُلُ) المقتول (آخِذًا بِيَدِ الرَّجُلِ) أي قاتله (فَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ
لَهُ: لِمَ قَتَلْتَهُ؟ فَيَقُولُ) القاتل (لِتَكُونَ الْعِزَّةُ لِفُلَانٍ) هذا فيمن قتل للعصبيّة، أو لنصرة من
لا يستحقّ النصر، بأن كان ظالمًا (فَيَقُولُ) اللَّه تعالى (إِنَّا) أي العزّة التي قتل من أجلها
(لَيْسَتْ لِفُلَانٍ) حيث كان ظالمًا، وإنما يستحقّ العزّة من عمل بطاعة المولى العزيز، كما
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [المنافقون: ٨] (فَيَيُوءُ) من باب
قال: أي يرجع (بِإِثْمِهِ) أي إثم القاتل، أي إثم قتله المؤمن ظلمًا. ويحتمل أن يكون
الضمير للمقتول، ويؤيّد هذا قوله عزّ وجلَ في قصّة ابني آدم،ّ الَّلهُ: ﴿إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ
بِئْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَّوْاْ الظَّلِينَ﴾ [المائدة: ٢٩].
[فإن قيل]: هذا يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُ﴾ الآية
[الإسراء : ١٥].

٢٥٩ =
٢- (تَعْظِيمُ الدَّم) - حديث رقم ٣٩٩٩
[أجيب]: بأن الآية فيمن لم يستحقّ حمل ذنب غيره بفعله، وأما إذا استحقّ ذلك،
فإنه يحمل وزر غيره، حيث ظلمه، فجوزي بتحميل وزره عليه، كما قال الله تعالى:
﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلَّمْ﴾ الآية
[النحل: ٢٥]. وقد جاء في حمل ذنوب غيره ما أخرجه مسلم في (صحيحه)) من
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: أن رسول اللّه بَلّر، قال: ((أتدرون ما
المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، فقال: ((إن المفلس من أمتي
من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل
مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته،
فإن فنيت حسناته، قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح
في النار)).
قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثِ مُعَارِض لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ﴾ [الإسراء: ١٥]، وَهَذَا الاغْتِرَاض غَلَط مِنْهُ، وَجَهَالَة بَيِّنَة؛ لِأَنَّهِ إِنَّمَا
عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْره وَظُلْمِه، فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ حُقُوق لِغُرَمَائِهِ ، فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاته،
فَلَمَّا فَرَغَتْ وَبَقِيَتْ بَقِيَّة قُوبِلَتْ عَلَى حَسَب مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَةِ اللَّه تَعَالَى فِي خَلْقه ،
وَعَذْلُه فِي عِبَادِه ، فَأُخِذَ قَدْرَهَا مِنْ سَيِّئَات خُصُومه ، فَوُضِعَ عَلَيْهِ ، فَعُوقِبَ بِهِ فِي النَّار.
فَحَقِيقَة الْعُقُوبَة إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ ظُلْمِه، وَلَمْ يُعَاقَب بِغَيْرِ جِنَايَةٍ وَظُلْم مِنْهُ، وَهَذَا كُلّه
مَذْهَب أَهْلِ السُّنَّة. وَاَللَّه أَعْلَم انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا
صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٣٩٩٨/٢- وفي
((الكبرى)) ٢/ ٣٤٦٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٩٩٩- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيٌّ، قَالَ: قَالَ جُنْدَبَّ، حَدَّثَنِي فُلَانْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ،
قَالَ: ((يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي، فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ عَلَى
مُلْكِ فُلَانٍ))، قَالَ: جُنْدَبْ: فَاتَّقِهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيم) أبو حُميد الْمصّيصيّ، ثقة [١١] ٣١٩/٢٠٠.
٢- (حجّاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصّيصيّ، ثقة ثبت، لكنه اختلـ

٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْمُحَارَبَةِ
قدم بغداد [٩] ٣٢/٢٨.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤- (أبو عمران الجَوْنيّ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ البصريّ، مشهور بكيته، ثقة،
من كبار [٤] ١٤/١٤.
٥- (جندب) بن عبد الله بن سفيان البجليّ، ثم الْعَلَقيّ بفتحتين، ثم قاف-
أبو عبد الله، وربّما نُسب لجده، له صحبة، ويقال: جندب بن خالد بن سفيان. روی
عن حذيفة. وقال البغويّ: عن أحمد: جندب ليست له صحبة قديمة. قال ابن حبان:
هو جندب الخير. وقال البغويّ: هو جندب ابن أم جندب. وذكره البخاريّ في
((التاريخ)) فيمن توفّي من الستين إلى السبعين. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في
هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا الحديث، و-٤١١٦/٢٨ -: ((من قاتل تحت راية عمّية»
الحديث. وفي ((كتاب الضحايا)) -٤٣٦٩/٤ و٤٣٧٠/٥ -: ((من ذبح قبل الصلاة،
فليذبح شاة)) الحديث.
٦- (الرجل المبهم) والظاهر أنه صحابيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ) - بفتح الجيم، وسكون الواو -: نسبة إلى جَوْن بطن من
الأزد (قَالَ: قَالَ جُنْدَبٌ) رضي الله تعالى عنه (حَدَّثَنِي فُلَانْ) كناية عن اسم رجل سمّاه،
والظاهر أنه صحابيّ؛ وجهالتهم لا تضرّ؛ لأنهم كلهم عدول (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، قَالَ:
(يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ) الباء للتعدية: أي يأتي به، أو يُحضِره، أو للمصاحبة: أي يجيء
معه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ) أي المقتول للَّه سبحانه وتعالى (سَلْ هَذَا) أي القاتل (فِيمَ) هي
((ما)) الاستفهاميّة، حذفت ألفها؛ لدخول الجاز عليها؛ تخفيفًا، كما قال في ((الخلاصة)):
وَمَا فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
(قَتَلَنِي) أي لأيّ سبب قتلتني حين قتلني؟، و((في)) تعليليّة (فَيَقُولُ) أي القاتل (قَتَلْتُهُ
عَلَى مُلْكِ فُلانٍ))) بكسر الميم، أو ضمها، قال الطيبيّ: [فإن قلت]: كيف طابق هذا
قوله: ((فيم قتلني؟))؛ لأنه سأله عن سبب قتله؟. [قلت]: قوله: ((على ملك فلان))
معناه: على عهده ملك من السلاطين، وزمانه، أي في نُصرته، هذا إذا كانت الرواية
بضم الميم في ((ملك))، وإذا كانت بالكسر، كان المعنى: قتلته على مشاجرة بيني وبينه
في ملك زيد مثلًا. انتهى(١).
(١) راجع ((المرقاة)) ٧ / ٤٠.