Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
١١- (مَا لِلْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْتِيمِ إِذاَ قَمَ عَلَيْهِ) - حديث رقم ٣٦٩٦
طعامه، فیحبس له، حتى يأكله، أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله
وَِّّ ... )) الحديث (فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) وفي نسخة: ((على الناس))، أي شقّ
عليهم هذا الاجتناب، حيث يلزمهم عزل طعامه عن طعامهم، وهو يتكرّر في اليوم عدّة
مرّات، وأيضًا أنه يتسبّب في فساد طعام اليتيم، إذا لم يستعب كلهِ بالأكلِ (فَشَكَوْا ذَلِكَ
إِلَى النَِّيِّ نَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّمْ خَيْرٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ:
﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾) رُوي عن ابن عباس رَاثبت: قال: لو شاء لجعل ما أصبتم من أموال
اليتامى مُوبقًا. وقيل: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لأهلككم. وقيل: لضيق عليكم وشدّد، ولكنه لم
يشأ إلا التسهيل عليكم. وقيل: لكلّفكم ما يشتدّ عليكم أدؤه، وأثّمكم في مخالطتهم،
كما فعل بمن كان قبلكم، ولكنه خفّف عنكم. والعَنَتُ: المشقّة(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصح، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط، ولا يُقبل حديثه إلا
من رواية من روى عنه قبل الاختلاطن وأبو كُدينة لم يُذكر في جملة من رووا عنه قبل
الاختلاط؟ .
[قلت]: لم يتفرّد به أبو كدينة، بل تابعه عليه عمران بن عيينة، كما في الرواية
التالية، وإسرائيل بن يونس، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، فقد أخرجه الحاكم في
((المستدرك)) ٢٧٨/٢-٢٧٩، فقال: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن
علي بن عفّان، حدثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: لما نزلت: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَّنِيِمِ
إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] عزلوا أموالهم عن أموال اليتامى، فجعل الطعام
يفسُد، واللحم يُنتِن، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه وَله، فأنزل اللَّه عَزّ وجلّ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ
◌َّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخالطوهم. قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم
يُخرجاه، ووافقه الذهبيّ، وهو كما قالا، فإن إسرائيل ممن رووا عن عطاء بن السائب
قبل اختلاطه، وهم ثمانية، وقد ذكرتهم في غير هذا المحلّ من هذا الشرح.
والحاصل أن هذا الحديث صحيح؛ لما ذُكر، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(١) راجع ((تفسير القرطبيّ ٦٦/٣.

=
١٨٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْوَصَابَا
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٩٦/١١ و٣٦٩٧ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٩٦/١١ و٦٤٩٧. وأخرجه
(د) في ((الوصايا)) ٢٨٧١ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٩٩٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو ما يجوز للوصيّ من مال
اليتيم، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه يدل على أن اللَّه تعالى يسّر في خلط وليّ
اليتيم ماله بماله، ومعلوم أنه إذا خُلِطًا لا يُعْلَمُ بالتحقيق ما يأكله اليتيم، فربما لم يأكل
قدر ماله، فيأكله الوليّ، وأهله، فسومح ذلك، وهذا من الأكل الجائز من ماله؛
للضرورة. (ومنها): بيان سبب نزول الآية المذكورة. (ومنها): سماحة الشريعة،
وسهولتها، حيث إنها تعتني في تسهيل الأمور عند الضيق. (ومنها): جواز مخالطة
اليتيم في أمواله بالمعروف. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ، من الاهتمام بأمور
اليتامى، فخافوا أن يصبيهم الوعيد الذي ذكره اللَّه عز وجل بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُلِلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠]، فاستفتوا في
أمورهم، فأنزل اللَّه عز وجل: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٠] الآية.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: لما أذن الله عز وجل
في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم، وفيهم كان ذلك دليلاً على جواز
التصرّف في مال اليتيم تصرّف الوصيّ في البيع والقسمة، وغير ذلك على الإطلاق؛
لهذه الآية، فإذا كفل الرجل اليتيم، وحازه، وكان في نظره جاز عليه فعله، وإن لم
يقدّمه والٍ عليه؛ لأن الآية مطلقة، والكفالة ولايةٌ عامّة، ولم يؤثر عن أحد من الخلفاء
أنه قدّم أحدًا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم
عندهم. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الخامسة): قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى أيضًا: تواترت الآثار
في دفع مال اليتيم مضاربة، والتجارة فيه، وفي جواز خلط ماله بماله دلالةٌ على جواز
التصرّف في ماله بالبيع والشراء، إذا وافق الصلاح، وجواز دفعه مضاربة إلى غير ذلك.
واختلف في عمله هو قراضًا، فمنعه أشهب، وقاسه على منعه من أن يبيع لهم من
نفسه، أو يشتري لها. وقال غيره: إذا أخذه على جزء من الربح بنسبة قراض مثله فيه
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٦٣/٣.

١٨٣
١١- (مَا لِلْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الْتِيمِ إِذاً قاَمَ عَلَيْهِ) - حديث رقم ٣٦٩٧
أُمضي، كشرائه شيئًا لليتيم بتعقّب (١)، فيكون أحسن لليتيم. قال محمد بن عبد الحكم:
وله أن يبيع له بالدين إن رأى ذلك نظرًا. قال ابن كنانة: وله أن يُنفق في عُرس اليتيم ما
يصلح من صنيع، وطيب، ومصلحتُهُ بقدر حاله، وحال من يُزوَّج إليه، وبقدر كثرة
ماله. قال: وكذلك في ختانه، فإن خشي أن يُتَّهم رفع ذلك إلى السلطان، فيأمره
بالقصد، وكلّ ما فعله على وجه النظر فهو جائز، وما فعله على وجه المحاباة، وسوء
النظر فلا يجوز، ودلّ الظاهر على أن وليّ اليتيم يُعلّمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له،
ويؤاجره ممن يعلّمه الصناعات. وإذا وُهب لليتيم شيءٌ، فللوصيّ أن يقبضه؛ لما فيه
من الإصلاح. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٩٧- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ
السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اَلْيَتَى كُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، قَالَ: كَانَ يَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ الْيَتِيمُ، فَيَعْزِلُ لَهُ طَعَامَهُ،
وَشَرَابَهُ، وَآَنِيَتَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ
فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ(٣)﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فَأَحَلِّ لَهُمْ خُلْطَتَهُمْ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((عمرو بن عليّ)): هو الفلاس.
و((عمران بن عُيينة)) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو الحسن الكوفيّ، أخو سفيان،
صدوقٌ له أوهام [٨] .
قال ابن معين: صالح الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم:
لا يُحتجّ بحديثه؛ لأنه يأتي بالمناكير. وقال الآجريّ: سُئل أبو داود، عن إبراهيم،
وعمران، ومحمد بني عيينة؟، فقال: كلهم صالح، وحديثهم قريبٌ. وقال العقيليّ:
في حديثه وهم وخطأ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال أبوبكر البزار: ليس به
بأس. وقال ابن خلفون: وقال أبو صالح: صدوق. روى له الأربعة، وله عند المصنّف
في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
وقوله: ((كان يكون الخ)» أحدهما زائد، ويحتمل أن تكون الكاف جارّةً، و((أن))
مصدريّة، ويجعل هذا بينًا لحالهم حين نزلت هذه الآية قبل أن يؤذن لهم في الخلط،
أي حالهم مثل أن يكون الخ. قاله السنديّ رحمه الله تعالى.
(١) أي مع تعقّب، وهو أن ينظر في أمر المشترى، يرفعه إلى السوق لمعرفة ثمنه.
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٦٣/٣.
(٣) وفي نسخة إسقط قوله: ((في الدين)).

١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
وقوله: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٠]. قال القرطبي: هذه المخالطة،
كخلط المثل بالمثل، كالتمر بالتمر. وقال أبو عبيد: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم
المال، ويشقّ على كافله أن يُفرد طعامه عنه، ولا يجد بُدًّا من خلطه بعياله، فيأخذ من
مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحرّي، فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد يقع فيه الزيادة
والنقصان، فجاءت الآية الناسخة بالرخصة فيه. قال أبو عبيد: وهذا عندي أصلٌ لما
يفعله الرفقاء في الأسفار، فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسويّة، وقد يتفاوتون في قلّة
المطعم، وكثرته، وليس من قلّ مطعمه تطيب نفسه بالتفضّل على رفيقه، فلما كان هذا
في أموال اليتامى واسعًا، كان في غيرهم أوسع، ولولا ذلك لَخِفتُ أن يضيّق فيه الأمر
على الناس. انتهى(١).
والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)).
١٢ - (اجْتِنَابُ أَكْلِ مَالِ الْيَتِم)
٣٦٩٨- (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ،
عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَّ اللَّهِ، قَالَ: «اجْتَنِبُوا
السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَّا هِيَ؟، قَالَ: ((الشّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّخْرُ، وَقَتْلُ
النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّخْفِ،
وَقَذْفُّ الْمُخْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ))(٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (الربيع بن سليمان) أبو محمد المصريّ الجِيزيّ الأعرج، ثقة [١١] ١٢٢/ ١٧٣.
٢- (ابن وهب) هو عبد الله، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/٩.
٣- (سليمان بن بلال) التيمي مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدينيّ، ثقة [٨]
٥٥٨/٣٠ .
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٦٥/٣.
(٢) يوجد هنا في النسخة الهنديّة: ما نصّه: ((آخر الوصيّة)).

١٢- (اجتنابُ أَكْلِ مَالِ الْتِم) - حديث رقم ٣٦٩٨
١٨٥ =====
٤- (ثور بن زيد) الدِّيليّ المدنيّ، ثقة [٦] ١٢٠١/١١.
[تنبيه]: وقع في کلّ نسخ ((المجتبی))، و((الکبری) التي بین یديّ: ((ثور بن يزيد))
بالياء التحتانية، وهو غلط، والصواب ((ثور بن زيد)) بدونها، وهو الواقع في
((الصحيحين))، وفي ((تحفة الأشراف)) ج٩/ ص٤٥٨، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و((ثور بن يزيد)) راو آخر، وهو أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبت، إلا أنه يرى القدر [v]
٥٠٤/٧ ٠
٥- (أبو الغيث) سالم مولى ابن مُطيع المدنيّ، ثقة [٣] ٢٥٧٧/٧٨.
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرد به هو، وأبو داود، وهو ثقة. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين من سليمان، وشيخُهُ، وابنُ وهب مصريان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رضي
الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ
الْمُوبِقَاتِ) بموحدة، وقاف: أي المهلكات، جمع مُوبِقَة، من أوبقه: إذا أهلكه. قال في
((القاموس)): وَبَقَ، كَوَعَدَ، وَوَجِلَ، وَوَرِثَ، وُبُوقًا، ومَوْبِقًا: هَلَك، كاستَوبَقَ،
وكمجلسٍ: المَهْلِك، والْمَوْعِد، والْمَحِبِسُ، ووادٍ في جهنّم، وكلُّ شيءٍ حال بين
شيئين، وأوبقه: حَبَسَهُ، وأهلكه. انتهى.
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: وسميت هذه الكبائر موبقات؛ لأنها تُلك
فاعلها في الدنيا بما يترتّب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب.
ولا شكّ في أن الكبائر أكثر من هذه السبع بدليل الأحاديث المذكورة في هذا
الباب(١) وفي غيره، ولذلك قال ابن عبّاس تفت حين سئل عن الكبائر، فقال: هي إلى
السبعين أقرب منها إلى السبع. وفي رواية عنه: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع.
وعلى هذا فاقتصاره وَلّ على هذه السبع في هذا الحديث يَحتمل أن يكون لأنها هي التي
أعلم بها في ذلك الوقت بالوحي، ثم بعد ذلك أعلم بغيرها. ويحتمل أن يكون ذلك
(١) يعني في ((صحيح مسلم)).

١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَایَا
لأن تلك السبع هي التي دعت الحاجة إليها في ذلك الوقت، أو التي سُئل عنها في ذلك
الوقت، وكذلك القول في كلّ حديث خصّ عددًا من الكبائر. والله تعالى أعلم. انتهى
كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(١).
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هِيَ؟، قَالَ: ((الشّرْكُ بِاللَّهِ) يجوز في ((الشرك)) وما عطف
عليه النصب، والرفع، فالنصب على البدلية من ((السبع))، أو على أنه مفعول لفعل
محذوف، أي ((أعني))، ونحوه.
وكون الشرك من الكبائر، بل هو أكبرها على الإطلاق، صريح النصّ القرآنيّ، حيث
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ
لَظُلْ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. وأخرج الشيخان من حديث ابن مسعود رَّه، قال:
قلت: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟، قال: ((أن تجعل لله ندا، وهو خلقك))، قلت:
ثم أيّ؟، قال: ((أن تقتل ولدك، خشية أن يأكل معك))، قال: ثم أيّ؟ قال: ((أن تزاني
حليلة جارك))، وأنزل اللَّه تصديق قول النبي وَ له: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَّهَا
ءَاخَرَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨].
وقال النوويّ رحمه اللّه تعالى: وأما قبح الكفر، وكونه من أكبر الكبائر، فكان
معروفًا عندهم، ولا يتشكّك أحدٌ من أهل القبلة في ذلك. انتهى(٢).
(وَالسِّخْرُ) هكذا في النسخة الهنديّة، وهو الموافق لما في ((الصحيحين))، ووقع في
النسختين المطبوعتين: ((والشخّ))، بدل ((السحر))، وسقطت هذه الكلمة من ((الكبرى))
أصلًا(٣)، والظاهر أنها سقطت من النسّاخ، لا من أصل الرواية؛ لأن السبع تكون ناقصة
بدونها، فتنبه.
و((السحر)) -بكسر، فسكون -: قال ابن فارس: هو إخراج الباطل في صورة الحقّ،
ويقال: هو الخديعة، وسَحَره بكلامه: استماله برقّته، وحسن تركيبه. قال الإمام فخر
الدين في ((التفسير)): ولفظ السحر في عرف الشرع مختصّ بكلّ أمر يخفَى سببه،
ويُتخيّل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه، والخداع. قال اللَّه تعالى: ﴿يُغَيِّلُ
إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أََّ تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]، وإذا أُطلق ذُمَّ فاعله. وقد يستعمل مُقيّدًا فيما يُمدح،
ويُحمد، نحو قوله وَلهو: ((إن من البيان لسحرًا)) أي إن بعض البيان سحرٌ؛ لأن صاحبه
يوضّح المشكل، ويَكشِف عن حقيقته بحسن بيانه، فيستميل القلوب، كما تُستمالُ
(١) ((المفهم)) ٢٨٣/١.
(٢) (شرح مسلم)) ٢/ ٨٨.
(٣) وقد ألحق المحقّق به من ((المجتبى)) لفظة ((والشخ)).

١٢- (اجتنابُ أكل مالِ الْتِم) - حديث رقم ٣٦٩٨
١٨٧
بالسحر. وقال بعضهم: لما كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف ما يجذب
السامع، ويُخرجه إلى حدّ يَكاد يَشغَلُهُ عن غيره، شُبّه بالسحر الحقيقيّ. وقيل: هو
السحر الحلال. ذكره الفيّوميّ. وسيأتي بسط فيما يتعلق بالسحر في ((كتاب المحاربة))،
إن شاء الله تعالى.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه وَّ السحر من الكبائر، فهو دليلٌ لمذهبنا
الصحيح المشهور، ومذهب الجماهير أن السحر حرام، من الكبائر فعله، وتعلّمه،
وتعليمه. وقال بعض أصحابنا: إن تعلّمه ليس بحرام، بل يجوز؛ ليعرف، ويرد على
صاحبه، ويميّز عن الكرامة للأولياء، وهذا القائل يمكنه أن يحمل الحديث على فعل
السحر. والله أعلم. انتهى(١).
وأما (الشح))، إن صحّت به الرواية، فهو أشدّ البخل، وهو أبلغ في المنع من
البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص. وقيل: البخل في أفراد الأمور، وآحادها،
والشّحّ عامّ. وقيل: البخل بالمال، والشح بالمال والمعروف. يقال: شخ يشُخ -
بالضمّ - فهو شَجِيحٍ، والاسم الشُّحَ. أفاده ابن الأثير(٢).
(وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا بِالْحَقْ) أي كأن تقتل بريئًا عمدًا، فيقتص منها، أو
زنت محصنة، فترجم (وَأَكْلُ الرِّبَا) قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِبَوَأْ لَا يَقُومُونَ
إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥] (وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَمَى كُلِلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
وَسَبَعْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (وَالتَّوَلْي يَوْمَ الزَّخْفِ) أي الفرار من الجهاد، ولقاء العدوّ في الحرب.
والزَّحفُ: الجيش يزحفون إلى العدوّ: أي يمشون، يقال: زَحف إليه زَحفًا، من باب
منع: إذا مشى نحوه. أفاده في ((النهاية))(٣).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: والزحف: القتال، وأصله المشي المتثاقل، كالصبيّ
يزحف قبل أن يمشي، والبعير إذا أعيى، فَجَرَّ فِرْسَنَه(٤). وقد سمّي الجيش بالزحف؛
لأنه يُزْحَفُ فيه، والتوليّ عن القتال إنما يكون كبيرةً إذا فرّ إلى غير فئة، وإذا كان العدوّ
ضعفي المسلمين. انتهى(٥) .
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٨/٢.
(٢) ((النهاية)) ٤٤٨/٢.
(٣) ((النهاية)) ٢٩٧/٢.
(٤) أي طرف خفّه .
(٥) «المفهم)) ٤/ ٢٨٤.

١٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما عدّه وَّلتر التولي يوم الزحف من الكبائر، فدليلٌ
صريحٌ لمذهب العلماء كافّةً في كونه كبيرةً، إلا ما حُكي عن الحسن البصريّ رحمه الله
تعالى أنه قال: ليس هو من الكبائر، قال: والآية الكريمة في ذلك إنما وردت في أهل
بدر خاصّة. والصواب ما قاله الجماهير أنه عامّ باقٍ. والله أعلم انتهى(١).
(وَقَذْفُ الْمُخْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) أي رميهنّ بالزنى، والإحصانُ هنا: العفّة
عن الفواحش. والغافلات يعني عما رُمين به من الفاحشة، أي هنّ بريئات من ذلك، لا
خبر عندهنّ منه. قاله القرطبيّ.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما المحصنات الغافلات، فبكسر الصاد، وفتحها
قراءتان في السبع قرأ الكسائيّ بالكسر، والباقون بالفتح، والمراد بالمحصنات هنا العفاف،
وبالغافلات الغافلات عن الفواحش، وما قُذِفْنَ به، وقد ورد الإحصان في الشرع على
خمسة أقسام: العفّة، والإسلام، والنكاح، والتزويج، والحرّيّة، وقد بيّنت مواطنه،
وشرائطه، وشواهده في ((كتاب تهذيب الأسماء واللغات)). والله أعلم. انتهى(٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٩٨/١٢ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٩٨/١٢. وأخرجه (خ) في ((الوصايا»
٢٧٦٦ و((الطبّ)) ٥٧٦٤ و((الحدود)) ٦٨٥٧ (م) في ((الإيمان)) ٨٩ (د) في ((الوصايا))
٢٨٧٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب اجتناب أكل مال
اليتيم. (ومنها): تقسيم الذنوب إلى كبائر، وصغائر. (ومنها): وجوب الاجتناب عن هذه
الذنوب الكبائر السبع. وسيأتي ذكر بيان الاختلاف بين العلماء في حدّ الكبيرة، وتقسيم
الذنوب إلى صغيرة وكبيرة، وبعض أمثلة الكبائر في باب ((ذكر الكبائر)) من ((كتاب
المحاربة))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(١) (شرح مسلم)) ٢/ ٨٨.
(٢) ((شرح مسلم)) ٢/ ٨٤.

١- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ الْفَاَظِ النَاقِلِينَ ... - حديث رقم ٣٦٩٩
١٨٩ =
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه أنيب)).
٣٠- (كِتَابُ النُّخلِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((النُّخلُ)) : -بضمّ النون، وسكون الحاء المهملة -:
العطيّةُ والهبة ابتداء من غير عوض، ولا استحقاق، يقال: نحله يَنْحَلُهُ، من باب فتح
نُخْلًا بالضمّ. والنّخلة بالكسر العطيّة. أفاده في ((النهاية))(١).
وقال الفيّومي: نَحَلتُهُ أَنحله -بفتحتين نُحلًا، مثل قُفْل: أعطيته شيئًا من غير عِوَض
بطيب نفس. ونَحَلتُ المرأة مهرَها نِخْلَةٌ بالكسر: أعطيتها. والنّخلةُ: الدَّغْوَى. انتهى.
وفي ((اللسان)): والنُّخلُ بالضمّ: إعطاؤك الإنسان شيئًا بلا استعاضة، وعمّ بعضهم جميع
أنواع العطاء. وقيل: هو الشيء المعطَى، وقد أنحله مالًا ونحله إياه، وأبى بعضهم هذه
الأخيرة. ونُخْلُ المرأة: مهرُها، والاسم النّخلة بالكسر: تقول أعطيتها مهرها نِحلةً: إذا
لم تُرد منها عوضًا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١- (ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ النَّاتِلِينَ
لِخَبَرِ الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي النُّخلِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن جمهور الرواة جعلوه من
مسند النعمان بن بشير رضيئها، وخالف في ذلك الأوزاعيّ عن ابن شهاب، أن محمد بن
النعمان، وحميد بن عبد الرحمن حدثاه، عن بشير بن سعد، فجعله من مسند بشير،
فشذّ بذلك، والمحفوظ رواية الجماعة، أنهما يرويانه عن النعمان ◌َّه ، لا عن أبيه
بشير رَّه . والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٦٩٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهرِيُ، عَنْ حُمَيْدِ ح
وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ غُلَامَا، فَتَى النَّبِيِّ
وَ﴿، يُشْهِدُهُ، فَقَالَ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نَخَلْتَ؟))، قَالَّ: لَاَ،َ قَالَ: ((فَارْدُدْهُ)). وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ).
(١) ((النهاية)) ٢٩/٥.

١٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الُخلِ
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/١٩ من أفراد المصنف.
٣- (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي، ثقة ثبت حجة [٨] ١/١.
عمهُأَلا الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١.
٥- (حُميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ ثقة [٢] ٧٢٥/٣٢.
٦- (محمد بن النعمان) بن بشير الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة [٣].
روى عن أبيه، وجدّه. وروى عنه الزهريّ، مقرونًا بحميد بن الرحمن. قال
العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقد ذكره مسلم في الطبقة
الأولى من أهل المدينة. روى له الجماعة، سوى أبي داود حديث النُّخل مقرونًا، ورواه
النسائيّ وحده من حديث الزهريّ، عن محمد وحده عن جدّه بشير. قال الحافظ: وهو
خطأ من الراوي عن الزهريّ. قال: وقرأت بخط الذهبيّ: حديثه عن جدّه مرسل
انتهى. وهذا بناء على روايته عنه انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((من حديث الزهريّ، عن محمد وحده)) هذا
غير صحيح، فإن رواية النسائيّ مقرونة بحميد بن عبد الرحمن، كما سيأتي برقم
(٣٧٠٢) فليُتنبه.
٧- (التُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي ابن الصحابيّ
رَو ثبتا، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥)، وله (٦٤) سنة،
تقدمت ترجمته في - ١٩/ ٥٢٨ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من
الزهري، وقتيبة بغلاني، ومحمد بن منصور، وسفيان مكيّان. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّين، والابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) بن سعد رضي اللّه تعالى عنهما.
(١) (تهذيب التهذيب)) ٧١٩/٣.

١- (ذِكْرُ اخْتِلاَفِ اَلْفَظِ النَّقِلِينَ ... - حديث رقم ٣٦٩٩
=
١٩١
[تنبيه]: قد روى هذا الحديث عن النعمان بن بشير رضي عدد كثير من التابعين، غير
حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن بن النعمان، منهم: عروة بن الزبير، عند مسلم،
والمصنّف، وأبي داود، وأبو الضُّحى عند المصنّف، وابنٍ حبّان، وأحمد،
والطحاويّ. والمفضل بن المهلَّب، عند المصنّف، وأحمد، وأبي داود. وعبدُالله
ابن عُتبة بن مسعود، عند أحمد. وعون بن عبد الله، عند أبي عوانة. والشعبيّ عند
المصنف، وفي ((الصحيحين))، وأبي داود، وأحمد، وابن ماجه، وابن حبّان،
وغيرهم. ورواه عن الشعبيّ عدد كثير أيضًا، وسنذكر ما في رواياتهم من الفوائد الزائدة
على هذا الطريق، مفصّلًا، إن شاء الله تعالى، كما اعتنى بذلك الحافظ رحمه الله
تعالى، وغيره.
(أَنَّ أَبَاهُ) بشير بن سعد بن ثعلبة بن الْجُلَاس- بضم الجيم، وتخفيف اللام-
الخزرجيّ، صحابيّ مشهور، شهد بدرًا، وغيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث
عشرة، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار. وقيل: عاش إلى خلافة عمر.
روى عن النبيّ وَلقر هذا الحديث فقط، على خلاف فيه. وروى عنه ابنه النعمان،
وابن ابنه محمد، وعروة، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف. وروايتهم عنه مرسلة،
سوى النعمان. وذكر ابن سعد في ((الطبقات)) أنه كان يكتب بالعربيّة في الجاهليّة، وأمّره
النبيّ وَّر على بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء.
وذكر ابن إسحاق، والواقديّ أنه قُتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد مُنصَرَفه من
اليمامة سنة (١٢)، لكن روى البخاريّ في ((تاريخه)) من طريق الزهريّ، عن محمد بن
النعمان بن بشير، عن أبيه، أن عمر بن الخطّاب قال يومًا، وحوله المهاجرون
والأنصار: أرأيتم لو ترخّصت في بعض الأمر، ما ذا كنتم فاعلين؟ قال: فقال له بشير
ابن سعد: لو فعلتَ قوّمناك تقويم الْقِذْح، فقال عمر: أنتم إذا أنتم. وهذا يدلّ على أنه
بقي إلى خلافة عمر تطرقنا (١).
(نَحَلَهُ) من باب فتح: أي أعطاه. وفي الرواية التالية: ((إن أباه أتى به إلى رسول الله
وَل#))، وفي رواية الشعبيّ: ((أعطاني أبي عطيّة، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى
حتى تُشهد رسول اللّه وَّر، فأتى رسول اللّه ◌َله فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت
رواحة عطيّة))، وفي رواية أبي حيّان، عن الشعبيّ(٢) بيان سبب سؤالها شهادة رسول الله
وَّر، ولفظه: عن النعمان، قال: سَأَلَتْ أمي أبي بعضَ الموهبة لي من ماله، فالتوى بها
(١) (فتح)) ٥٢٨/٥ (كتاب الهبة))، و(تهذيب التهذيب)) ٢٣٤/١.
(٢) يأتي برقم ٣٧٠٧ و٣٧٠٨ و٣٧٠٩ .

١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النُّخلِ
سنة)) أي مطلها. وفي رواية ابن حبّان من هذا الوجه: ((بعد حولين))، ويُجمع بينهما بأن
المدّة كانت سنة وشيئًا، فجبر الكسر تارةً، وألغاه أخرى، قال: ((ثم بدا له، فوهبها لي،
فقالت له: لا أرضى حتى تُشهد النبيّ وَّر، قال: فأخذ بيدي، وأنا غلام))، ولمسلم من
طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن النعمان: ((انطلق بي أبي، يحملني إلى رسول
اللَّهِ وَ لخر))، ويجميع بينهما بأنه أخذ بيده، فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعضها
لصغر سنّة، أو عبّر عن استتباعه إياه بالحمل.
(غُلَامًا) الأصل فيه الابن الصغیر، ويُطلق مجازًا على الرجل باعتبار ما كان عليه،
ويُجمع على غِلْمة في القلّة، وعلى غِلمان في الكثرة، والمراد به هنا العبد.
ثمّ إن رواية هذا الباب صريحة في أن الذي أعطى بشير ولده النعمان هو غلام، ووقع
في رواية ابن حبّان، والطبرانيّ من طريق أبي حَرِيز - بمهملة، وراء، ثم زاي، بوزن
عظيم- عن الشعبيّ: ((أن النعمان بن بشير، خطب بالكوفة، فقال: إن والدي بشير بن
سعد أتى النبيّ وَط ◌ّ، فقال: إن عمرة بنت رواحة نُفست بغلام، وإني سمّيته النعمان،
وإنها أبت أن تربّيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال، هو لي، وأنها قالت: أَشهِد
على ذلك رسول اللَّه وَ لي))، وفيه قوله وَ له: ((لا أشهد على جور)).
وجمع ابن حبّان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما عند ولادة النعمان،
وكانت العطيّة حديقةً، والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانت العطية عبدًا. وهو جمع لا
بأس به، إلا أنه يعكُر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة
حتى يعود إلى النبيّ وَّهر، فيستشهده على العطيّة الثانية بعد أن قال له في الأولى: ((لا
أشهد على جور)).
وجوز ابن حبّان أن يكون بشير ظنّ نسخ الحكم. وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل
الأول على كراهة التنزيه، أو ظنّ أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛
لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد.
قال الحافظ: ثم ظهر وجه آخر من الجمع، يسلم من هذا الخدش، ولا يحتاج إلى
جواب، وهو أن عمرة لَمّا امتنعت من تربيته، إلا أن يهب له شيئًا، يخصّه به وهبه
الحديقة المذكورة تطييبًا لخاطرها، ثم بدا له، فارتجعها؛ لأنه لم يقبضها منه أحدٌ غيره،
فعاودته عمرة في ذلك، فمطلها سنة، أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة
غلاما، ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضًا، فقالت له: أشهد على
ذلك رسول اللَّه وال هل تريد بذلك تثبيت العطية، وأن تأمن من رجوعه فيها، ويكون
مجيئه إلى النبيّ وَّ للإشهاد مرّة واحدةً، وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة

١- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلْفَاَظِ النَّقِلِينَ ... - حديث رقم ٣٦٩٩
=
١٩٣
حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقصّ بعض القصّة تارة، ويقصّ بعضها
أخرى، فسمع كلِّ ما رواه، فاقتصر عليه. والله تعالى أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن هذه التأويلات كلّها يظهر فيها التعسّف،
والتكلّف، فالأولى أن تُجعل رواية الجماعة في أن ما وهبه غلام هي المحفوظة، ورواية
الحديقة شاذّة. والله تعالى أعلم.
(فَأَتَى النَّبِيَّ نََّ، يُشْهِدُهُ) بضم أوله، من الإشهاد (فَقَالَ) وَ (أَكُلَّ وَلَدِكَ) زاد في
رواية أبي حيّان: ((فقال ألك ولد سواه؟ قال: نعم)). وقال مسلم لَمّا رواه من طريق
الزهريّ: أما يونس ومعمر، فقالا: ((أكلّ بنيك))، وأما الليث وابن عيينة، فقالا: ((أكلّ
ولدك)). ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورًا، أو إناثًا وذكورًا،
وأما لفظ البنين، فإن كان ذكورًا، فظاهر، وإن كانوا إناثًا وذكورًا، فعلى سبيل التغليب.
ولم يذكر ابن سعد لبشير والد النعمان ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتًا اسمها أُبيّة -
بالموحّدة، تصغير أبى. قاله في ((الفتح)) (نَحَلْتَ؟) وفي رواية مالك: «أكلّ ولدك
نحلته))، وفي رواية عروة، عن بشير: ((أكلّ ولدك نحلته مثل ذا))، وفي رواية داود، عن
الشعبيّ: ((كلّ ولدك نحلت مثل الذي نحلت نعمان))، وفي رواية له: ((أفكلهم وهبت
لهم مثل الذي وهبت لابنك هذا؟))، وفي رواية له: ((فأعطيتهم مثل ما أعطيت لهذا»
(قَالَ) بشير (لَا) وفي رواية ابن القاسم، في ((الموطّآت للدارقطنيّ عن مالك: ((قال: لا
واللَّه، يا رسول اللَّه)) (قَالَ) وَ (فَارْدُذْهُ) وفي رواية مالك التالية: ((فارجعه))، وفي رواية
الشعبيّ: ((فلا أشهد على شيء))، هذا لفظ ((المجتبى))، ولفظ ((الكبرى)): ((فَأَشْهِذْ على
هذا غيري، أليس يسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواءً؟، قال: بلى، قال: فلا إذَا))،
وفي رواية له: ((فلا تشهدني إذًا، فإني لا أشهد على جور))، وفي رواية عروة: ((فكره
النبيّ وَّير أن يشهد له))، وفي رواية أبي الضحى، عن النعمان: ((ألا سوّيت بينهم))، وفي
رواية الشعبيّ عند البخاريّ: ((قال: فرجع، فردّ عطيّته))، ولمسلم: ((فردّ تلك الصدقة))،
وفي رواية المغيرة، عن الشعبيّ، عند مسلم: ((اعدلوا بين أولادكم في النُّحل، كما
تحبون أن يعدلوا بينكم في البرّ))، وفي رواية مجالد، عن الشعبيّ، عند أحمد: ((إن
لبنيك عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرّك أن يكونوا إليك
في البرّ سواءً؟ قال: بلى، قال: فلا إذًا))، ولأبي داود من هذا الوجه: ((إن لهم عليك
من الحقّ أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحقّ أن يبرّوك)).
(١) ((فتح)) ٥٢٨/٥-٥٢٩. ((كتاب الهبة)).
٠٠ ٦٠

١٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النُخلِ
وكلّ هذه الألفاظ المختلفة في هذه القصّة متقاربة في المعنى.
(وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ) يعني أن هذا السياق لشيخه محمد بن منصور، وأما شيخه قتيبة،
فرواه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث النعمان بن بشير رضي هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- من رقم -٣٦٩٩ - إلى ٣٧١٣ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٩٩/١-٦٥١٤.
وأخرجه (خ) في ((الهبة)) ٢٥٨٦ و٢٥٨٧ و((الشهادات)) ٢٦٥٠ (م) في ((الهبات)) ١٦٢٣
(د) في ((البيوع)) ٣٥٤٢ و٣٥٤٤ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٦٧ (ق) في ((الأحكام)) ٢٣٧٥
و٢٣٧٦ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٧٨٩٠ و١٧٩٠٢ و١٧٩١١ (الموطأ) في
(الأقضية)) ١٤٧٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة النُّحل إذا لم يكن
هناك ما يمنعه، من تفضيل بعض الأولاد على بعض. (ومنها): الندب إلى التأليف بين
الإخوة، وترك ما يوقع بينهم الشحناء، أو يورث العقوق للآباء. (ومنها): أن عطيّة
الأب لابنه الصغير في حجره لا تحتاج إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يُغني عن القبض.
وقيل: إن كانت الهبة ذهبًا، أو فضّةً فلا بدّ من عزلها، وإفرازها. (ومنها): كراهة تحمّل
الشهادة فيما ليس بمباح. (ومنها): مشروعيّة الإشهاد في الهبة، وليس بواجب.
(ومنها): جواز الميل إلى بعض الأولاد، والزوجات، دون بعض، وإن وجبت التسوية
بينهم في غير ذلك. (ومنها): أن للإمام الأعظم أن يتحمّل الشهادة، وتظهر فائدتها، إما
ليحكم في ذلك بعلمه عند من يُجيزه، أو يؤدّيها عند بعض نُوابه. (ومنها): مشروعيّة
استفصال الحاكم، والمفتي عما يحتمل الاستفصال، لقوله وَّلير: ((ألك ولدٌ غيره؟))،
فلما قال: نعم، قال: ((أفكلهم أعطيت مثله))، فلما قال: لا، قال: ((لا أشهد))، فيفهم
منه أنه لو قال: نعم، لشهد. (ومنها): جواز تسمية الهبة صدقةً. (ومنها): أن للإمام
كلامًا في مصلحة الولد. (ومنها): المبادرة إلى قبول الحقّ، وأمر الحاكم، والمفتي
بتقوى الله في كلّ حال. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى سوء عاقبة الحرص، والتنطّع؛ لأن
عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لما رجع فيه، فلما اشتدّ حرصها في تثبيت ذلك

١- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلْفَظِ النََّقِلِينَ ... - حديث رقم ٣٦٩٩
١٩٥ ==
أفضى إلى بطلانه. (ومنها): ما قال المهلّب: فيه أن للإمام أن يردّ الهبة، والوصيّة ممن
يعرف منه هروبًا عن بعض الورثة.
(ومنها): أنه استُدلّ به على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه، وكذلك الأمّ، وهو
قول أكثر الفقهاء، وسيأتي تحقيق المذاهب، وأدلّتها في محله، من ((كتاب الهبة))، إن
شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل التسوية في العطيّة بين الأولاد واجبة،
أم لا؟ :
ذهب طائفة منهم إلى وجوبه، وبه صرّح البخاريّ، وهو قول طاوس، والثوريّ،
وأحمد، وإسحاق، وقال به بعض المالكية، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة. وعن
أحمد تصحّ، ويجب أن يرجع، وعنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد
لزمانته ودَينه، أو نحو ذلك، دون الباقين. وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد
بالتفضيل الإضرار.
وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضّل بعضًا صحّ، وگره، واستُحبّ
المبادرة إلى التسوية، أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب، والنهي على التنزيه.
ومن حجة من أوجبه أنه مقدّمة الواجب؛ لأن قطع الرحم، والعقوق محرّمان، فما
يؤدي إليهما يكون محرّما، والتفضيل مما يؤدي إليهما.
ثم اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وبعض
الشافعيّة، والمالكية: العدل أن يعطي الذكر حظّين كالميراث، واحتجوا بأنه حظّها من
ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات. وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر
والأنثى. وهذا هو الأرجح؛ لأن ظاهر الأمر بالتسوية يدلّ عليه، ويدلّ عليه أيضًا
حديث ابن عباس تتثبتا، رفعه: ((سّوا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضّلًا أحدًا
لفضّلت النساء)). أخرجه سعيد بن منصور، والبيهقيّ من طريقه. قال الحافظ: وإسناده
حسن .
وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان تنهه بأجوبة:
[أحدها]: أن الموهوب للنعمان کان جميع مال والده، ولذلك منعه، فليس فيه حجة
على منع التفضيل. حكاه ابن عبد البرّ عن مالك. وتعقّبه بأن كثيرًا من طرق حديث
النعمان وَّهُ صرّح بالبعضيّة. وقال القرطبيّ: ومن أبعد التأويلات أن النهي إنما يتناول
من وهب جميع ماله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون، وكأنه لم يسمع في نفس هذا
الحديث أن الموهوب كان غلامًا، وأنه وهبه له لما سألته الأم الهبة من بعض ماله،

١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النُّخلِ
قال: وهذا يُعلَم منه على القطع أنه كان له مالٌ غيره.
[ثانيها]: أن العطية المذكورة لم تُتنجّز، وإنما جاء بشيرٌ يستشير النبيّ وَّ في ذلك،
فأشار عليه بأن لا يفعل، فترك. حكاه الطحاويّ، وفي أكثر طرق حديث الباب ما
يُنابذه.
[ثالثها]: أن النعمان كان كبيرًا، ولم يكن قبض الموهوب، فجاز لأبيه الرجوع،
ذكره الطحاويّ، وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضًا خصوصًا قوله: ((ارجعه))،
فإنه يدلّ على تقدّم وقوع القبض، والذي تضافرت عليه الروايات أنه كان صغيرًا، وكان
أبوه قابضًا له لصغره، فأمر برد العطيّة المذكورة بعد ما كانت في حكم المقبوض.
[رابعها]: أن قوله: ((ارجعه)) دليل على الصحّة، ولو لم تصخ الهبة لم يصحّ
الرجوع، وإنما أمره بالرجوع لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده، وإن كان الأفضل
خلاف ذلك، لكن استحباب التسوية رجح على ذلك، فلذلك أمره به، وفي الاحتجاج
بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله: ((ارجعه))، أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا
يلزم من ذلك تقدّم صحة الهبة.
[خامسها]: أن قوله: ((أشهد على هذا غيري)) إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع
من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما
من شأنه أن يحكم، حكاه الطحاويّ أيضًا، وارتضاه ابن القصّار.
وتُعُقّب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمّل
الشهادة، ولا من أدائها إذا تعيّنت عليه، وقد صرّح المحتجّ بهذا أن الإمام إذا شهد عند
بعض نوابه جاز، وأما قوله: إن قوله: ((أَشهِذْ)) صيغة إذن، فليس كذلك، بل هو
للتوبيخ لما يدلّ عليه بقيّة ألفاظ الحديث، وبذلك صرّح الجمهور في هذا الموضع.
وقال ابن حبّان: قوله: ((أشهِد)) صيغة أمر، والمراد نفي الجواز، وهو كقوله لعائشة:
«اشترطي لهم الولاء)) انتهى.
[سادسها]: التمسّك بقوله: ((ألا سوّيت بينهم)) على أن المراد بالأمر الاستحباب،
وبالنهي التنزيه، وهذا جيّد لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولا سيما
أن تلك الرواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضًا، حيث قال: ((سوّ بينهم)).
[سابعها]: وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدل على أن المحفوظ في حديث
النعمان: ((قاربوا بين أولادكم))، لا ((سوّوا)). وتعُقّب بأن المخالفين لا يوجبون
المقاربة، كما لا يوجبون التسوية.
[ثامنها]: في التشبيه الواقع في التسوية بينهم بالتسوية منهم في برّ الوالدين قرينة تدل

١- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلْفَظِ النَّاقِلِينَ ... - حديث رقم ٣٧٠٠
١٩٧ =
على أن الأمر للندب. لكن إطلاق الجور على عدم التسوية، والمفهوم من قوله: ((لا
أشهد إلا على حقّ))(١). وقد قال في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه: ((قال: فلا إذًا)).
[تاسعها]: عمل الخليفتين: أبي بكر، وعمر بعد النبيّ بَّر على عدم التسوية قرينة
ظاهرة في أن الأمر للندب، فأما أبو بكر، فرواه في ((الموطّإ)) بإسناد صحيح، عن عائشة
أن أبا بكر قال لها في مرض موته: ((إني كنت نحلتك نُحلًّا، فلو كنت اخترتيه لكان
لك، وإنما هو اليوم للوارث)). وأما عمر، فذكره الطحاويّ وغيره أنه نحل ابنه عاصمًا
دون سائر ولده. وأجاب عروة عن قصّة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك. ويجاب
بمثل ذلك عن قصّة عمر تنزيه .
[عاشر الأجوبة]: أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز
له أن يخرج جميع ولده من ماله، جاز له أن يُخرج عن ذلك بعضهم. ذكره ابن عبد البرّ.
ولا يخفى ضعفه؛ لأنه قياس مع وجود النصّ. وزعم بعضهم أن معنى قوله: ((لا أشهد
على جور))، أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض. وفي هذا نظر لا
يخفى، ويردّه قوله في الرواية: ((لا أشهد إلا على الحقّ)). وحكى ابن التين عن الداوديّ
أن بعض المالكية احتج بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان تتّه ، ثم رده. ذكره
في ((الفتح)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبين بما ذكر من تحرير الأدلة أن المذهب الأول
هو الراجح، فالحقّ وجوب التسوية بين الأولاد في العطيّة. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ
الثَّعْمَانَ، يُحَدْثَانِهِ (٢) عَنِ الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَّسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: إِنِّي
تَحَلْتُ ابْنِي غُلَامًا، كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ: ((فَارْجِعْهُ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه الحارث،
فتفرد به هو وأبو داود وهو ثقة حافظ. والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه في الذي قبله.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) هكذا نسخ ((الفتح))، قال مصحّح بولاق: لعلّ هنا سقطا، وتمامه: ((والمفهوم من قوله: لا أشهد
· إلا على حقّ يدل على أن الأمر للوجوب)) ، أو نحو ذلك.
(٢) وفي نسخة: ((يُحدّثان).

١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الُّخلِ
٣٧٠١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِم، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَّيْدٍ بَّنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الثَّعْمَانِ، عَنِ
التُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، جَاءَ بِابْتِهِ الثَّعْمَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي
نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ؟))، قَالَ: لَا،
قَالَ: ((فَارْجِعْهُ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: (محمد بن هاشم)): هو البعلبكيّ القرشيّ، صدوق،
من صغار [١٠] ٤٥٤/٣ من أفراد المصنف. و((الوليد بن مسلم)): هو أبو العبّاس
الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس، والتسوية [٨] ٤٥٤/٥. والحديث متفقٌ عليه،
كما سبق بيان ذلك قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٢- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ
الزُّهْرِيّ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الثُّعْمَانِ، وَحُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَاهُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ
جَاءَ إِلَى النَِّّ وَِّهِ بِالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ
تُنْفِذَهُ أَنْفَذْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَهُ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَارْدُدْهُ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عمرو بن عثمان بن سعيد)): هو أبو حفص
الحمصيّ، صدوق [١٠] ٥٣٥/٢١. و(الوليد)): هو ابن مسلم الدمشقيّ.
والحديث تقدّم أنه بهذا الطريق شاذً، إذا المحفوظ الذي رواه الأثبات أنه من مسند
النعمان رَّ، لا من مسند أبيه بشير بن سعد رَّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٣- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَذْثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ
النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَهُ نُخْلًا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: أَشْهِدِ النَِّيَّ وَِّ،َ عَلَى مَا نَحَلْتَ
ابْنِي، فَأَتَى النَّبِيَّ وََّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَّهُ، فَكَرِهَ النَِّيُّ وَِّ، أَنْ يَشْهَدَ لَهُ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أحمد
بن حرب، فإنه من أفرده، وهو صدوق [١٠] ١٣٥/١٠٢. و((أبو معاوية)): هو محمد
بن خازم. و((هشام)): هو ابن عروة. والحديث متّفق عليه، وقد سبق بيان ذلك قريبًا.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
سَعْدٍ - يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ - عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ بَشِيرٍ، أَنَّهُ نَحَلَ ابْنَهُ غُلَامَا، فَأَتَى النَّبِيِّ وَِّ،

١٩٩
١- (ذِكْرُ اخْتِلَفِ أَلْفَاَظِ النَّاقِلِينَ ... - حديث رقم ٣٧٠٦
فَأَرَادَ أَنْ يُشْهِدَ النَّبِيَّ وَّهِ، فَقَالَ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ ذَا؟))(١)، قَالَ: لَا، قَالَ:
((فَارْدُدْهُ))) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((محمد
ابن معمر)): هو القيسيّ البحرانيّ البصريّ، أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بدون
واسطة، وهم تسعة، وتقدّموا غير مرّة.
[تنبيه]: وقع في نسخة: ((محمد بن معدان)) بدل ((محمد بن معمر))، وهو غلطٌ، فإن
ذلك شيخ للمصنف آخر حرّانيّ، وهذا بصريّ، وقد صرّح في ((الكبرى)) بأنه البصريّ.
فتنبه .
و((أبو عامر)): هو عبد الملك بن عمرو العَقَديّ البصريّ. و((سعد بن إبراهيم)): هو
الزهريّ المدنيّ الثقة الفاضل العابد قاضي المدينة.
والحديث وإن كان فيه انقطاع؛ لأن عروة لم يلق بشير بن سعد، إلا أنه رواه عن
النعمان، عنه؛ كما في الرواية التالية، فهو متّصل، وأخرجه مسلم من طريق جرير، عن
هشام، عن أبيه، قال: حدّثنا النعمان بن بشير ... )) الحديث. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا(٢) عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ بَشِيرًا أَتَى النَّبِيَّ نََّ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، نَحَلْتُ الثُّعْمَانَ
نِحْلَةٌ، قَالَ: ((أَعْطَيْتَ لِإِخْوَتِهِ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَارْدُدْهُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
من أفراده، وهو مروزيّ ثقة [١٢] ٣٩٧/١.
و((حِبّان)) -بكسر الباء الموحّدة -: هو ابن موسى المروزيّ. و((عبد الله)): هو ابن
المبارك.
والحديث ظاهره الإرسال، فإن عروة لم يحضر القصّة، لكنه سبق في الرواية التي
قبله أنه أخذه عن النعمان بن بشير، فهو متّصل صحيح، فتنبّه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ
زُرَيْع - قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنَ الثَّعْمَانِ، قَالَ: انْطَلَقَ بِهِ أَبُوهُ، يَحْمِلُهُ إِلَى
النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: اشْهَدْ أَنِّي قَّدْ نَحَلْتُ الثَّعْمَّانَ، مِنْ مَالِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: ((كُلَّ بَنِيكَ
نَحَلْتَ، مِثْلَ الَّذِي نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟))).
(١) وفي نسخة: ((كلّ ولدك نحلته مثل ذلك؟)).
(٢) وفي نسخة: ((أنا)).

=
٢٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النُّخل
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا
غير شيخه: ((محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب)) الأمويّ البصريّ، واسم أبي
الشوارب محمد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسد بن أبي العِيص
بن أميّة القرشيّ الأمويّ، أبو عبد الله الأُبُلَيْ البصريّ، صدوق، من كبار [١٠].
قال أبو عليّ بن خاقان، عن أحمد: ما بلغني عنه إلا خير. وقال صالح بن محمد
الأسديّ: شيخ جليلٌ صدوقٌ. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال في ((مشيخته)): ثقة.
وقال مسلمة: بصريّ ثقة. وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة:
شيخ صدوقٌ لا بأس به. مات بالبصرة سنة (٢٤٤) لعشر بقين من جمادى الآخرة. روى
عنه مسلم، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف حديثان فقط، هذا
الحديث، و٥٣٧٥/١١١- حديث أبي طلحة بنّ مرفوعًا: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه
کلب، ولا صورة تماثيل)).
و((داود)): هو ابن أبي هند.
وقوله: ((انطلق به أبوه)) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: انطلق بي أبي.
وقوله: ((كلّ بنيك نحلت الخ استفهام بتقدير أداته، أي أكلّ بنيك الخ، وحذف
جوابه، وقد ذُكر في الروية التي بعده، وهو قوله: ((لا، قال: فلا أشهد الخ.
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٧٠٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ،
عَنِ النُّعْمَانِ، أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ الثَِّيِّ نَّهِ، يُشْهِدُ عَلَى نُحْلَ، نَحَلَهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: ((أَكُلَّ وَلَدَِّ
نَخَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَهُ؟(١))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَلَا أَشْهَدُ عَلَى شَيٍْ، أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا
إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ))، قَالَ: بَلَى، قَالَ: ((فَلَا إِذَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا. و((داود)): هو ابن أبي هند. و((عامر)): هو الشعبيّ.
وقوله: ((فلا إذًا)) أي فلا تختر واحدًا إذًا بكثرة الإعطاء، فإنه يُخلّ في التسوية في
البرّ.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) وفي نسخة: ((مثل الذي نحلته)).