Indexed OCR Text

Pages 101-120

٢- (هَلْ أَوْصَى النَّبِيُّ ◌َلَ﴾؟) - حديث رقم ٣٦٥٠
١٠١
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٦٤٨/٢ و٣٦٤٩ و٣٦٥٠ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٤٨/٢ و٦٤٤٩
و٦٤٥٠. وأخرجه (م) في ((الوصايا)) ١٦٣٥ (د) في ((الوصايا)) ٢٨٦٣ (ق) في
((الوصايا)) ٢٦٩٥ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)» ٢٣٦٥٦ و٢٤٥٣٢ و٢٤٩٩٢
و٢٥٠١١ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٣٦٤٩- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَذَّثَنَا مُضْعَبْ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا
شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، وَمَا أَوْضَى).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((مصعب)): هو ابن الْمِقَدام الْخَثْعَمِيّ مولاهم،
أبو عبد اللَّه الكوفي، صدوقٌ، له أوهام [٩] ٢٧٢٠/٤٩.
و((داود)»: هو ابن نُصَير، أبو سليمان الطائيّ الكوفي الثقة الفقيه الزاهد [٨] ٧٤/
١٠٠٣.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٥٠- (أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهُذَيْلِ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَاصِمُ
ابْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَّاشَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ
عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا
أَوْضَى، لَمْ يَذْكُرْ جَعْفَرْ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمَا).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((جعفر بن محمد بن الْهُذَيل)) الكوفيّ، أبو عبد الله
الْقَنّاد، ابن بنت أبي أسامة، ثقة، صاحب حديث [١١].
قال النسائيّ: ثقة. وقال مسلمة بن قاسم: كوفيّ، صاحب حديث، کیّس. قال
مطيّن: مات سنة (٢٦٠)، تفرّد به المصنّف بحديثين: هذا الحديث، و-٤١١٤/٢٢ -
حدیث «من قتل دون ماله فهو شهيد)).
و ((أحمد بن يوسف)) بن خالد الْمُهلْبيّ الأزديّ، أبو الحسن السُّلَميّ النيسابوريّ،
المعروف بحمدان، حافظ ثقة [١١] .
قال النسائيّ: ليس به بأس. وقال مرّةً: صالح. وقال الدار قطنيّ: ثقة نَبيل. وقال
الخليليّ: ثقة مأمون. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال:
كان راويًا لعبد الرزّاق، ثبتًا فيه. مات سنة (٢٦٤) وقيل: سنة (٢٦٣) وله إحدى

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابًا
وثمانون سنة. روى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، والترمذيّ، وله عند المصنّف في
هذا الكتاب حديث الباب فقط .
و((عاصم بن يوسف)): هو اليربوعيّ، أبو عمرو الخيّاط الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠]
٢٣٢٢/٦٧ .
و ((حسن بن عيّاش)): هو الأسديّ، أبو محمد الكوفيّ، أخو أبي بكر بن عيّاش
المقرىءِ، صدوقٌ [٨] ١٣٩٠/١٤.
وقوله: ((لم يذكر جعفر الخ)) يعني أن شيخه جعفرًا لم يذكر في روايته قولها:
((دينارًا، ولا درهما))، وإنما ذكره شيخه أحمد بن يوسف.
[تنبيه]: ذكر المصنّف رحمه اللَّه تعالى في ((الكبرى)): ما نصّه: قال
أبو عبد الرحمن: الصواب حديث أبي معاوية، ومفضّل، وداود، وحديث ابن عيّاش
لا نعلم أحدًا تابعه على قوله: ((عن إبراهيم، عن الأسود)). انتهى.
يعني أن أصحاب الأعمش اختلفوا عليه في هذا الحديث، فرواه أبو معاوية، ومفضّل
ابن مهلهل، وداود بن نُصير، ثلاثتهم عن الأعمش، عن مسروق، عن عائشة رضي الله
تعالى عنها. وخالفهم حسن بن عيّاش، فرواه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود،
عنها. والمحفوظ رواية الجماعة، وأما رواية حسن بن عياش، فتعتبر شاذّة، وهذا
بالنسبة لإسناده، وأما متن الحديث فإنه صحيح، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٥١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِّ، أَوْصَى إِلَى عَلِيّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَقَدْ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَبُولَ فِيهَا، فَانْخَتَفَتْ نَفْسُهُ وَ، وَمَا أَشْعُرُ، فَإِلَى مَنْ
أَوْصَى).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم في
(الطهارة)) -٣٣/٢٩- ((البول في الطّست)) سندًا ومتنا، وقد استوفيت شرحه، وبيان
مسائله هناك، ولله الحمد، وله المنّة والفضل.
و((عمرو بن علي)): هو الفلاس. و((أزهر)): هو ابن سعد السمان البصري ثقة [٩].
و ((ابن عون)): هو عبد الله.
وقولها: ((بالطست)»: إناء من صفر، ويقال فيها: الطّ بتشديد السين المهملة.
وقولها: ((فانخنثت نفسه)) أي مالت ذاته الشريفة بَ ير، قال في ((النهاية)): أي فانثنى،
وانكسر؛ لاسترخاء أعضائه رَ # عند الموت. انتهى.

٣- (بَابُ الْوَصِيّةِ بِالثُّثِ) - حديث رقم ٣٦٥٣
١٠٣ =
وقولها: ((وما أشعُر)) بضم العين المهملة، من باب قعد: أي ما أعلم.
وقولها: ((فإلى من أوصى)) أي إلى أيّ شخص أوصى وَلّ، تريد بذلك الإنكار على
من يزعم بهتانًا، وزورًا أنه وَلّ أوصى بالخلافة إلى عليّ رضي اللَّه تعالى عنه. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٥٢ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَارِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ،
عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ لَّه
وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، قَالَتْ: وَدَعَا بِالطَّسْتِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أحمد بن سليمان)): هو أبو الحسين الرُّهاويّ الثقة
الحافظ [١١] من أفراد المصنف.
[تنبيه]: هكذا في نسخ ((المجتبى)) ((أحمد بن سليمان))، ووقع في ((الكبرى)) بدله
((أحمد بن سفيان النسائيّ، وأصله مروزيّ)).
قال الحافظ أبو الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)): كذا في رواية
ابن السّنّيّ: ((أحمد بن سليمان))، وفي رواية حمزة بن محمد الكنانيّ ((أحمد بن
سفيان))، وفي رواية أبي الحسن بن حيويه ((أحمد بن نصر)). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لعلّ المصنف رحمه الله تعالی روی هذا الحدیث عن
الثلاثة كلّهم، فكان يحدّث عنهم، فإن الثلاثة من مشايخه الذين يروي عنهم بلا
واسطة. والله تعالى أعلم بالصواب.
و(عارم)): هو محمد بن الفضل السدوسيّ، أبو النعمان البصريّ الثقة الثبت [٩]
و((ابن عون)): هو عبد الله بن عون بن أرطبان.
والحديث أخرجه البخاري، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)).
٣- (بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ)
أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدّالّة على مشروعية الوصية بالثلث.
قال في (الفتح)): واستقرّ الإجماع على منع الوصيّة بأزيد من الثلث، لكن اختلف
فيمن كان له وارث، وسيأتي تحريره في ((باب إبطال الوصيّة لوارث))، وفيمن لم يكن له

١٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
وارث خاصّ، فمنعه الجمهور، وجوّزه الحنفيّة، وإسحاق، وشَريك، وأحمد في
رواية، وهو قول عليّ، وابن مسعود، واحتجوا بأن الوصيّة مطلقةٌ بالآية، فقيّدتها السنّة
بمن له وارث، فيبقى من لا وارث له على الإطلاق.
واختلفوا أيضًا هل يُعتبر ثلث المال حال الوصيّة، أو حال الموت؟ على قولين،
وهما وجهان للشافعيّة، أصحهما الثاني، فقال بالأول مالكٌ، وأكثر العراقيين، وهو قول
النخعيّ، وعمر بن عبد العزيز. وقال بالثاني أبو حنيفة، وأحمد، والباقون، وهو قول
عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، وجماعة من التابعين.
وتمسّك الأولون بأن الوصيّة عقد، والعقود تُعتبر بأولها، وبأنه لو نذر أن يتصدّق
بثلث ماله اعتُبر ذلك حالة النذر اتفاقًا.
وأجيب بأن الوصيّة ليست عقدًا من كلّ جهة، ولذلك لا تُعتبر بها الفوريّة، ولا
القبول، وبالفرق بين النذر والوصيّة بأنها يصحّ الرجوع عنها، والنذر يلزم.
وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مالٌ بعد الوصيّة.
واختلفوا أيضًا هل يُحسب الثلث من جميع المال، أو ينفّذ بما علمه الموصي، دون ما
خفي عليه، أو تجدّد له، ولم يعلم به؟، وبالأول قال الجمهور، وبالثاني قال مالك.
وحجة الجمهور أنه لا يشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصيّة اتفاقًا، ولو
كان عالمًا بجنسه، فلو كان العلم به شرطًا لما جاز ذلك. انتهى ((فتح))(١). واللَّه تعالى
أعلم بالصواب.
٣٦٥٣- (أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الرُّهْرِيِّ، عَنْ
عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا، أَشْفَيْتُ مِنْهُ، فَأَتَانِ رَسُولُ اللَّهِ لِهـ
يَعُودُنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُّنِي، إِلَّا ابْتَتِي، أَفَأَتَصَدَّقُ
بِثُلُغَيْ مَالِيٍ؟، قَالَ: ((لَا))، قُلْتُ: فَالشَّطْرَ؟، قَالَ: ((لَا))، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ؟، قَالَ: ((الثُّلُثَ،
وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَتْرُكَ وَرَثْتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ لَهُمْ، مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً، يَتَكَفِّفُونَ
النَّاسَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (عمرو بن عثمان بن سعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص
الحمصيّ صدوق [١٠] ٢١ /٥٣٥.
٢- (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي الإمام الثبت الحجة [٨] ١/١.
(١) ((فتح) ٢٠/٦-٢١.

١٠٥ =
٣- (بَأَبُّ الْوَصِيةِ بِالثُلُثِ) - حديث رقم ٣٦٥٣
٣- (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني الإمام الحجة الفقيه الثبت [٤] ١/١.
٤ - (عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهريّ المدنيّ الثقة [٣] ٦٧٩/٣٨ مات سنة
(١٠٤) .
٥- (أبوه) سعد بن أبي وقاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب
الزهريّ، أبو إسحاق، مات سنة بالعَقيق سنة (٥٥) على المشهور. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أنه
مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فحمصي، وسفيان، فمكيّ. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنة،
وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وآخر من مات من العشرة، مات سنة (٥٥) على
الأصحّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ:
مَرِضْتُ مَرَضًا) من باب تَعِبَ (أُشْفَيْتُ مِنْهُ) وفي رواية للبخاريّ: ((من وجع أشفيت منه
على الموت)). أي قاربت الموت من أجل شدّته. يقال: أشفى، وأشاف بمعنى واحد،
قاله الهرويّ. وقال القُتَبيّ: لا يقال: أشفى إلا على شرّ. قاله القرطبيّ(١).
(فَأَتَانِ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَعُودُنِي) أي يزورني، يقال: عُدت المريض عِيَادةً: زُرتُهُ،
فالرجل عائد، وجمعه عُوّادٌ، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوّدّ بغير ألف. قاله الفيّوميّ . وقال
القرطبيّ: ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، فأما الزيارة، فأكثرها للصحيح، وقد تقال
للمريض. وأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] فكناية عن الموت.
(٢)
انتھی(٢).
وفي الرواية التالية: ((جاءني النبيّ وَلقر يعودني، وأنا بمكّة)). زاد في رواية للبخاريّ:
((في حجة الوداع من وجع اشتدّ بي)). قال في ((الفتح)): واتفق أصحاب الزهريّ على أن
ذلك كان في حجة الوداع، إلا ابن عيينة، فقال: ((في فتح مكّة))، أخرجه الترمذيّ وغيره
من طريقه، واتّفق الحفّاظ على أنه وَهِمَ فيه. وقد أخرجه البخاريّ في ((الفرائض)) من
(١) ((المفهم)) ٤/ ٥٤٣ .
(٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٤٣.

=١٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
طريقه، فقال: ((بمكّة))، ولم يذكر الفتح، قال الحافظ: وقد وجدت لابن عيينة مستندًا
فيه، وذلك فيما أخرجه أحمد(١)، والبزار، والطبرانيّ، والبخاريّ في ((التاريخ))، وابن
سعد من حديث عمرو بن القاري ((أن رسول اللَّه ◌َّهرِ قَدِمَ، فخلّف سعدًا مريضًا، حيث
خرج إلى حُنين، فلما قدم من الجعرانة، معتمرًا، دخل عليه، وهو مغلوبٌ، فقال: يا
رسول اللَّه إن لي مالًا، وإني أورث كلالةً، أفأوصي بمالي ... )) الحديث، وفيه:
قلت: يا رسول الله، أموت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجرًا؟، قال: لا، إني لأرجو
أن يرفعك اللَّه حتى ينتفع بك أقوام ... )) الحديث، فلعلّ ابن عيينة انتقل ذهنه من
حديث إلى حديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع له مرّتين: مرّة عام
الفتح، ومرّةً عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارثٌ من الأولاد أصلًا، وفي
الثانية كانت له ابنةٌ فقط، فالله أعلم قاله في ((الفتح)) (٢).
وفي رواية سعد بن إبراهيم الآتية بعد حديث: كان النبيّ وَّلتر يعوده، وهو بمكة،
وهو يكره أن يموت بالأرض الذي هاجر منها، قال النبيّ وَلير: ((رحم الله سعد بن
عفراء، أو يرحم اللَّه سعد بن عفراء)).
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَلَيْسَ يَرِثُّنِي، إِلَّا ابْتَتِي) قال النوويّ
وغيره: معناه لا يرثني من الولد، أو من خواص الورثة، أو من النساء، وإلا فقد كان
لسعد عصبات؛ لأنه من بني زُهرة، وكانوا كثيرًا. وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب
الفروض، أو خصّها بالذكر على تقدير: لا يرثني ممن أخاف عليه الضَّيّاع والعجز إلا
هي، أو ظنّ أنها ترث جميع المال، أو استكثر لها نصف التركة.
قال الحافظ: وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أن اسمها عائشة، فإن كان
محفوظًا، فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث عنه عند البخاريّ، وهي
(١) ونصّ أحمد في ((مسنده)):
١٦١٤٨ - قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا وهیب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثیم، عن عمرو بن
القاريّ، عن أبيه، عن جده، عمرو بن القاري، أن رسول اللّه وَلي قدم، فخلّف سعداً مريضا، حيث
خرج إلى حنين، فلما قدم من جعرانة معتمرا، دخل عليه، وهو وجع مغلوب، فقال: يا رسول اللَّه،
إن لي مالا، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي كله؟، أو أتصدق به؟، قال: ((لا))، قال أفأوصي
بثلثيه؟ قال: ((لا))، قال: أفأوصي بشطره؟، قال: ((لا))، قال: أفأوصي بثلثه؟ قال: ((نعم، وذاك
كثير»، قال: أي رسول الله، أموت بالدار التي خرجت منها مهاجرا؟، قال: ((إني لأرجو أن يرفعك
الله، فینکأ بك أقواما، وينفع بك آخرين، يا عمرو بن القاري، إن مات سعد بعدي، فها هنا، فادفنه،
نحو طريق المدينة))، وأشار بيده هكذا. وإسناده ضعيف؛ لجهالة حال عمرو بن القاري. انظر
((المسند)) المحقق بإشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط جـ ٢٧ ص ١٢٥ .
(٢) ((فتح)) ٦/ ١٣.

١٠٧=
٣- (بَابُ الْوَصِيةِ بالثُلُثِ) - حديث رقم ٣٦٥٣
تابعيّةٌ عُمْرت حتى أدركها مالكٌ، وروى عنها، وماتت سنة سبع عشرة ومائة، لكن لم
يذكر أحدٌ من النسّابين لسعد بنتًا تُسمّى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم
الكبرى، وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة، وذكروا له بنات أخرى
أمهاتهن متأخّرات الإسلام بعد الوفاة النبويّة، فالظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم
المذكورة؛ لتقدّم تزويج سعد بأمّها، ولم أر من حرّر ذلك. انتهى (١) كلام الحافظ.
(أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟) وفي الرواية التالية: ((أوصي بمالي كلّه)). قال الحافظ: فأما
التعبير بقوله: ((أفأتصدق))، فيحتمل التنجيز والتعليق، بخلاف ((أفأوصي))، لكن
المخرج متحد، فيحمل على التعليق للجمع بين الروايتين، وقد تمسّك بقوله:
((أتصدّق)) من جعل تبرّعات المريض من الثلث، وحملوه على المنجّزة، وفيه نظرٌ؛ لما
بینته .
وأما الاختلاف في السؤال، فكأنه سأل أوّلًا عن الكلّ، ثم سأل عن الثلثين، ثم سأل
عن النصف، ثم سأل عن الثلث، وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن يزيد عند
أحمد، وفي رواية بكير بن مسمار عن النسائيّ، كلاهما عن عامر بن سعد،، وكذا
أولهما من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن
سعد انتهى.
(قَالَ) وَلِّ (لَا) أي لا ينبغي لك أن تتصدّق بثلثي مالك (قُلْتُ: فَالشَّطْرِ؟) بالجزّ عطفًا
على قوله: (بثلثي مالي))، أي فأتصدّق بالنصف، وهذا رجحه السهيليّ، وقال
الزمخشريّ: هو بالنصب على تقدير فعل، أي أُسمّي الشطر، أو أُعيّن الشطر. ويجوز
الرفع على تقدير: أيجوز الشطرُ.
(قَالَ) ◌َِّ (لَا، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ؟) إعرابه كإعراب ((الشطر)) (قَالَ) وَِّ (الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ
كَثِيرٌ) قال في ((الفتح)): كذا في أكثر الروايات، وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ في
((الهجرة)): ((قال: الثلث يا سعد، والثلث كثير))، وفي رواية مصعب بن سعد، عن أبيه،
عند مسلم: ((قلت: فالثلث؟ قال: نعم، والثلث كثير))، وفي رواية عائشة بنت سعد،
عن أبيها عند البخاريّ: ((قال: الثلث، والثلث كبير، أو كثير))، وكذا للنسائيّ -٣٦٥٨-
من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، عن سعد، وفيه: ((فقال: أوصيتَ؟، فقلت: نعم،
قال: بكم؟ قلت: بمالي كلّه، قال: فما تركت لولدك؟))، وفيه: ((أوص بالعشر، قال:
فما زال يقول، وأقول، حتى قال: أَوْصٍ بالثلث، والثلث كثير، أو كبير)). يعني
(١) ((فتح)) ١٨/٦.

١٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
بالمثلثة، أو بالموحدة، وهو شكّ من الراوي، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلّثة،
ومعناه: كثيرٌ بالنسبة إلى ما دونه.
فقوله (الثلثَ) بالنصب على أنه مفعولٌ لفعل مضمر، تقديره: أعط الثلثَ، أو أمض،
أو نفّذ، أو نحوها، منصوب على الإغراء: أي الزم الثلثَ، واستبعده القرطبيّ، ويجوز
الرفع على أنه فاعل لفعل محذوف، أي يكفي الثلث، وضعفه القرطبيّ، وفي تضعيفه
نظر، أوخبر لمبتدإ محذوف، أي الكافي الثلث، أو مبتدأ خبره محذوفٌ، أي الثلث
كافٍ.
وقوله (والثلث كثير) مبتدأ وخبر، وهو يحتمل أن يكون مسوقًا لبيان الجواز بالثلث،
وأن الأولى أن ينقص عنه، ولا يزيد عليه، وهو ما يتبادره الفهم. ويحتمل أن يكون
لبيان أن التصدّق بالثلث هو الأكمل، أي كثيرٌ أجره. ويحتمل أن يكون معناه كثيرٌ غير
قليل. قال الشافعيّ رحمه اللّه تعالى: وهذا أولى معانيه. يعني أن الكثرة أمرٌ نسبيّ،
وعلى الأول عوّل ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، كما سيأتي - ٣٦٦١ - قوله: لو
غضّ الناس إلى الربع؛ لأن رسول اللّه وَّلته، قال: ((الثلث، والثلث كثير)). أفاده في
(الفتح))(١).
(إِنَّكَ أَنْ تَثْرُكَ) بفتح ((أَنْ)) على التعليل، وبكسرها على الشرطية. قال النوويّ:
كلاهما صحيح . وقال القرطبيّ: لا معنى للشرط هنا؛ لأنه يصير لا جواب له، ويبقى
«خیر)) لا رافع له. وقال ابن الجوزيّ: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وأنكره شيخنا
عبد الله بن أحمد - يعني ابن الخشّاب- وقال: لا يجوز الكسر؛ لأنه لا جواب له؛
لخلو لفظ ((خير)) من الفاء، وغيرها مما اشتُرط في الجواب.
وتُعُقْب بأنه لا مانع من تقديره. وقال ابن مالك: جزاء الشرط قوله: ((خير))، أي فهو
خيرٌ، وحذفُ الفاءِ جائزٌ، وهو كقراءة طاوس: ((ويسألونك عن الیتامی، قل: أَضْلِخْ لهم،
خیر))، قال: ومن خص ذلك بالشعر بعد عن التحقيق، وضيق حیث لا تضييق؛ لأنه کثیر
في الشعر، قليلٌ في غيره. وأشار بذلك إلى ما وقع في الشعر فيما أنشده سيبويه:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّه يَشْكُرُهَا وَالشَّرَّ بِالشَّرْ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَانٍ
أي فالله يشكرها، وإلى الرّدّ على من زعم أن ذلك خاص بالشعر، قال: ونظيره قوله
في حديث اللقطة: ((فإن جاء صاحبها، وإلا استمتع بها)) بحذف الفاء، وقوله في حديث
اللعان: ((البيّنة، وإلا حدٍّ في ظهرك)) انتهى.
(١) ((فتح) ٦/ ١٥- ١٦.

٣- (بَابُ الْوَصِيّةِ بِالثُلُثِ) - حديث رقم ٣٦٥٣
١٠٩ ===
(وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَهُمْ) قال الزين ابن الْمُنَيِّر: إنما عبّر بَّ له بلفظ الورثة، ولم
يقل: أن تدع بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة؛ لكون الوارث حينئذ لم
يتحقّق؛ لأن سعدًا إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتى
ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجاب ◌َلتر بكلام كليّ، مطابق لكلّ حالة،
وهي قوله: ((ورثتك)) ولم يخصّ بنتًا من غيرها. وقال الفاكهيّ، شارح ((العمدة)): إنما
عَبْر ◌َّ بالورثة؛ لأنه اطّلع على أن سعدًا سيعيش، ويأتيه أولادٌ غير البنت المذكورة،
فكان كذلك، ووُلد له بعد ذلك أربعة بنين، ولا أعرف أسماءهم، ولعلّ اللّه أن يفتح
عليّ بذلك. انتهى.
قال الحافظ: وليس قوله: ((أن تدع بنتك)) متعيّنًا؛ لأن ميراثه لم يكن منحصرًا فيها،
فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك، منهم: هاشم بن عُتبة الصحابيّ الذي
قُتل بصفّين، قال: فجاز التعبير بالورثة لتدخل البنت، وغيرها، ممن يرث لو وقع موته
إذ ذاك، أو بعد ذلك.
أما قول الفاكهيّ: إنه وُلد له بعد ذلك أربعة بنين، وأنه لا يعرف أسماءهم، ففيه
قصور شديد، فإن أسماءهم في رواية هذا الحديث بعينه عند مسلم من طريق عامر،
ومصعب، ومحمد، ثلاثتهم عن سعد. ووقع ذكر عمر بن سعد فيه في موضع آخر.
ولَمّا وقع ذكر هؤلاء في هذا الحديث عند مسلم اقتصر القرطبيّ على ذكر الثلاثة. ووقع
في كلام بعض شيوخنا تعقّبٌ عليه بأن له أربعة من الذكور غير الثلاثة، وهم: عمر،
وإبراهيم، ويحيى، وإسحاق، وعزا ذكرهم لابن المدينيّ وغيره، وفاته أن ابن سعد ذكر
له من الذكور غير السبعة أكثر من عشرة، وهم: عبد الله، وعبد الرحمن، وعمرو،
وعمران، وصالح، وعثمان، وإسحاق الأصغر، وعمر الأصغر، وعمير مصغّرًا،
وغيرهم، وذكر له من البنات ثنتي عشرة بنتًا، وكأن ابن المدينيّ اقتصر على ذكر من
روى الحديث منهم. والله تعالى أعلم.
(مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً) أي فقراء، وهو جمع عالٍ، وهو الفقير، والفعل منه عَالَ يَعِيلُ:
إذا افتقر (يَتَكَفِّفُونَ النَّاسَ) أي يسألون الناس بأكفّهم، يقال: تَكَفَّفَ الناسَ، واستكفّ:
إذا بسط كفّه للسؤال، أو سأل ما يكفّ عنه الجوع، أو سأل كفّا كفّا من طعام.
وقال القرطبيّ: ((يتكفّفون الناس)) يسألون الصدقة من أكُفّ الناس، أو يسألونهم
بأكفّهم. انتهى(١).
(١) ((المفهم)) ٥٤٥/٤.

= ١٠
١
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَایَا
زاد في الرواية التالية: ((في أيديهم)) أي بأيديهم، أو سألوا بأكفّهم وضع المسؤول في
أيديهم. ووقع في رواية الزهريّ عند البخاريّ: أن سعدًا قال: ((وأنا ذومال))، ونحوه في
رواية عائشة بنت سعد عند البخاريّ أيضًا في ((الطبّ))، وهذا اللفظ يؤذن بمال كثير،
وذو المال إذا تصدّق بثلثه، أو بشطره، وأبقى ثلثه بين ابنته وغيرها، لا يصيرون عالة،
لكن الجواب أن ذلك خرج على التقدير؛ لأن بقاء المال الكثير إنما هو على سبيل
التقدير، وإلا فلو تصدّق المريض بثلثيه مثلًا، ثم طالت حياته، ونقص، وفنِيَ المال،
فقد تُجحف الوصيّة بالورثة، فردّ الشارع الأمر إلى شيء معتدل، وهو الثلث. قاله في
((الفتح))(١).
وزاد في رواية سعد بن إبراهيم، عن عامر: ((وإنك مهما أنفقتَ من نفقةٍ، فإنها
صدقة، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك، فينتفع بك ناسٌ،
ويضرّ بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة».
وقوله: ((وإنك ممهما أنفقت الخ)) معطوف على قوله: ((إنك أن تدع))، وهو علّة
للنهي عن الوصيّة بأكثر من الثلث، كأنه قيل: لا تفعل؛ لأنك إن متّ، تركتَ ورثتك
أغنياء، وإن عِشْتَ تصدّقت، وأنفقت، فالأجر حاصلٌ لك في الحالين.
وقوله: ((فإنه صدقة)) كذا أطلق في هذه الرواية، وفي رواية الزهريّ: ((وإنك لن تنفق
نفقةٌ تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرت بها))، مقيّدة بابتغاء وجه الله، وعلّق حصول الأجر
بذلك، وهو المعتبر، ويُستفاد منه أن أجر الواجب يزداد بالنيّة؛ لأن الإنفاق على الزوجة
واجبٌ، وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره بذلك. قاله ابن أبي
جمرة، قال: ونّبَّهَ بالنفقة على غيرها، من وجوه البرّ والإحسان.
وقوله: ((حتى اللقمةَ)) بالنصب عطف على ((نفقةً))، ويجوز الرفع، على أنه مبتدأ،
و((تجعلها)) الخبر.
وقال القرطبيّ: يجوز في ((اللقمة)) النصب على عطفها على ((نفقةً))، وأظهر من ذلك
أن تنصبها بإضمار فعل؛ لأن الفعل قد اشتغل عنها بضمير، وهذا كقول العرب: ((أكلت
السمكة حتى رأسها أكلته))، وقد أجازوا في ((رأسها)) الرفع، والنصب، والجرّ، وأوضح
هذه الأوجه النصب، وأبعدها الخفض، وكلّ ذلك جائز في ((حتى اللقمة)) ههنا، فنزِّلْه
عليه، والذي قرأت به هذا الحرف النصب، لا غير انتهى (٢).
(١) ((فتح)) ٦/ ١٧.
(٢) ((المفهم)) ٤ / ٥٤٦.
١

١١١ =
٣- (بَأَبُ الْوَصِيَةِ بِالثُلُثِ) - حديث رقم ٣٦٥٣
ووجه تعلّق قوله: ((وإنك لن تنفق نفقة الخ)) بقصّة الوصيّة أن سؤال سعد يُشعر بأنه
رغب في تكثير الأجر، فلما منعه الشارع من الزيادة على الثلث، قال له على سبيل
التسلية: إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة، ناجزة، ومن نفقةٍ، ولو كانت واجبةً
تؤجر بها، إذا ابتغيت بذلك وجه الله تعالى، ولعلّه خصّ المرأة بالذكر لأن نفقتها
مستمرّةٌ، بخلاف غيرها. قال ابن دقيق العيد: فيه أن الثواب في الإنفاق مشروطٌ بصحة
النيّة، وابتغاء وجه الله، وهذا عَسِرٌ إذا عارضه مقتضى الشهوة، فإن ذلك لا يُحَصِّل
الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه الله، وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه،
قال: وقد يكون فيه دليلٌ على أن الواجبات إذا أُدّيت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه
اللَّه أُثيب عليها، فإن قوله: ((حتى ما تجعل في في امرأتك)) لا تخصيص له بغير الواجب،
ولفظة ((حتّى)) هنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنسبة إلى المعنى، كما يقال:
جاء الحُجّاج حتى المشاة.
وقوله: ((وعسى الله أن يرفعك)) أي يُطيل عمرك، وكذلك اتّفق، فإنه عاش بعد ذلك
أزيد من أربعين سنةً، بل قريبًا من خمسين؛ لأنه مات سنة (٥٥) من الهجرة، وقيل:
سنة (٥٨)، وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجة الوداع (٤٥) سنة، أو (٤٨) سنة.
وقوله: ((فينتفع بك ناسٌ، ويُضرّ بك آخرون)) أي ينتفع بك المسلمون بالغنائم، مما
سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك، ويُضرّ بك المشركون الذين يهلكون على يديك.
وزعم ابن التين أن المراد بالنفع به ما وقع من الفتوح على يديه، كالقادسيّة، وغيرها،
وبالضرر ما وقع من تأمير ولده عمر بن سعد على الجيش الذين قتلوا الحسين بن عليّ،
ومن معه. وهو كلامٌ مردود؛ لتكلّفه لغير ضرورة تحمل على إرادة الضرر الصادر من
ولده، وقد وقع منه هو الضرر المذكور بالنسبة إلى الكفّار. وأقوى من ذلك ما رواه
الطحاويّ من طريق بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن أبيه، أنه سأل عامر بن سعد، عن
معنى قول النبيّ وَّر هذا، فقال: لَمَا أُمَر سعد على العراق، أُتي بقوم ارتدّوا،
فاستتابهم، فتاب بعضهم، وامتنع بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب، وحصل الضرر
للآخرين. قال بعض العلماء: ((لعل))، وإن كانت للترجّي، لكنّها من اللَّه للأمر الواقع،
وكذلك إذا وردت على لسان رسوله وَ ل ﴿ غالبًا. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((فتح) ١٧/٦-١٨. ((كتاب الوصيا)).
-

=
١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣/ ٣٦٥٣ و ٣٦٥٤ و٣٦٥٤ و ٣٦٥٥ ٣٦٥٧ و ٣٦٥٨ و٣٦٥٩ و٣٦٦٢ -
وفي ((الكبرى)) ٦٤٥٣/٣ و٦٤٥٤ و ٦٤٥٥ و ٦٤٥٧ و ٦٤٥٨ و٦٤٥٩ و٦٤٦٢ .
وأخرجه (خ) في ((الجنائز)) ١٢٩٦ و((الوصايا)) ٢٧٤٢ و٢٧٤٤ و((المناقب)) ٣٩٣٦
و((المغازي)) ٤٤٠٩ و((النفقات)) ٥٣٥٤ و((المرضى)) ٥٦٥٩ و((الدعوات)) ٦٣٧٣
و((الفرائض)) ٦٧٣٣ (م) في ((الوصايا)) ١٦٢٨ (د) في ((الوصايا)) ٢٨٦٤ (ت) في
((الوصايا)) ٢١١٦ (ق) في ((الوصايا)) ٢٧٠٨ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ١٤٤٣ و١٤٧٧
و١٤٨٢ و١٤٩١ و١٥٠٤ و١٥٤٩ و١٥٧١ و١٦٠٢ و١٤٩٥ و٣١٩٥ و٣١٩٦. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة الوصيّة بالثلث.
(ومنها): مشروعيّة عيادة المريض للإمام، فمن دونه، وتتأكّد باشتداد المرض.
(ومنها): أن فيه وضع اليد على جبهة المريض، ومسح وجهه، ومسح العضو الذي
يؤلمه، والفسح له في طول العمر؛ لما في رواية عائشة بنت سعد عند البخاريّ: ((ثم
وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي، وبطني، ثم قال: اللَّهم اشف سعدًا، وأتمم له
هجرته)). (ومنها): جواز إخبار المريض بشدة مرضه، وقوّة ألمه، إذا لم يقترن بذلك
شيء مما يُمنَع، أو يُكرّه، من التبرّم، وعدم الرضا، بل حيث يكون ذلك لطلب دعاء،
أو دواء، وربّما استُحبّ، وأن ذلك لا ينافي الاتصاف بالصبر المحمود، وإذا جاز ذلك
في أثناء المرض، كان الإخبار به بعد البرء أجوز. (ومنها): أن أعمال البرّ والطاعة، إذا
كان منها ما لا يمكن استدراكه، قام غيره في الثواب والأجر مقامه، وربّما زاد عليه،
وذلك أن سعدا رضي الله تعالى عنه خاف أن يموت بالدار التي هاجر منها، فيفوت عليه
بعض أجر هجرته، فأخبره النبي ێ بأنه إن تخلّف عن دار هجرته، فعمل عملًا صالحًا،
من حجّ، أو جهاد، أو غير ذلك، كان له به أجر بعوض ما فاته من الجهة الأخرى.
(ومنها): إباحة جمع المال بشرطه؛ لأن التنوين في قوله: ((وأنا ذو مال)) للكثرة، وقد
(١) المراد الفوائد التي اشتمل عليها حديث سعد رضي اللّه تعالى عنه، على ما بيّاه في الشرح، لا
خصوص سياق المصنّف فقط .

١١٣
٣- (بأبُ الْوَصِيّةِ بِالثَّلُثِ) - حديث رقم ٣٦٥٣
وقع في بعض طرقه صريحًا: ((وأنا ذو مال كثير)). (ومنها): الحثّ على صلة الرحم،
والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد، والإنفاقِ في وجوه
الخير. (ومنها): أن المباح إذا قُصد به وجه اللَّه تعالى صار طاعةً، وقد نبه على ذلك
بأقلّ الحظوظ الدنيويّة العادية، وهو وضع اللقمة في في الزوجة، إذ لا یکون ذلك غالبًا
إلا عند الملاعبة، والممازحة، ومع ذلك فيؤجر فاعله، إذا قصد به قصدًا صحيحًا،
فكيف بما فوق ذلك. (ومنها): أن فيه منعَ نقل الميت من بلد إلى بلد، إذ لو كان ذلك
مشروعًا لأمر النبيّ وَلّ بنقل سعد بن خَوْلة رضي اللّه تعالى عنه. قاله الخطابيّ.
(ومنها): أن من لا وارث له تجوز له الوصيّة بما زاد على الثلث؛ لقوله وَالقر: ((أن تدع
ورثتك أغنياء»، فمهومه أن من لا وارث له لا يبالي بالوصيّة بما زاد؛ لأنه لا يترك ورثته
يخشى عليهم الفقر.
وتُعُقْب بأنه ليس تعليلًا محضًا، وإنما فيه تنبيه على الأحظّ الأنفع، ولو كان تعليلاً
محضًا لاقتضى جواز الوصيّة بأكثر من الثلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم
بغير إجازتهم، ولا قائل بذلك. وعلى تقدير أن يكون تعليلًا محضًا، فهو للنقص عن
الثلث، لا للزيادة عليه، فكأنه لما شرع الإيصاء بالثلث، وأنه لا يُعترض به على
الموصي إلا أن الانحطاط عنه أولى، ولا سيّما لمن ترك ورثة غير أغنياء، فنبّه سعدًا
على ذلك.
(ومنها): أن فيه سد الذريعة؛ لقوله وَ له: ((اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا
تردّهم على أعقابهم))، لئلا يتذرّع بالمرض أحدٌ لأجل حبّ الوطن. قاله ابن المنير.
(ومنها): أن فيه تقييد مطلق القرآن بالسنّة؛ لأنه قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
يُوصِى بِهَا أَوْ دَيُِّّ﴾ [النساء: ١١]، فأطلق، وقيّدت السنّة الوصيّة بالثلث. (ومنها): أن من
ترك شيئًا لله لا ينبغي له الرجوع فيه، ولا في شيء منه مختارًا. (ومنها): التأسّف على
فوت ما يُحَصِّل الثواب، وأن من فاته ذلك بادر إلى جبره بغير ذلك. (ومنها): تسلية من
فاته أمرٌ من الأمور لتحصيل ما هو أعلى منه؛ لما أشار ◌َ لو لسعد من عمله الصالح بعد
ذلك. (ومنها): الاستفسار عن المحتمل إذا احتمل وجوهًا؛ لأن سعدًا لما مُنع من
الوصيّة بجميع المال احتمل عنده المنع فيما دونه، والجواز، فاستفسر عما دون ذلك.
(ومنها): النظر في مصالح الورثة، وأن خطاب الشرع للواحد يعمّ من كان بصفته من
المكلّفين؛ لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا، وإن كان الخطاب إنما
وقع له بصيغة الإفراد، ولقد أبعد من قال: إن ذلك يختصّ بسعد، ومن كان في مثل
حاله ممن يخلف وارثًا ضعيفًا، أو كان ما يخلُفه قليلًا؛ لأن البنت من شأنها أن يطمع

١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا
فيها، وإن كانت بغير مال لم يرغب فيها. (ومنها): أن من ترك مالًا قليلًا، فالاختيار له
ترك الوصيّة، وإبقاء المال للورثة، وقد اختلف السلف في ذلك القليل، وقد تقدّم
البحث فيه، مستوفّى. (ومنها): أن بعضهم استدلّ به لفضل الغنيّ على الفقير. وفيه
نظر. (ومنها): أن فيه مراعاة العدل بين الورثة، ومراعاة العدل في الوصيّة. (ومنها):
أن الثلث في حدّ الكثرة، وقد اعتبره بعض الفقهاء في غير الوصيّة، ويحتاج الاحتجاج
به إلى ثبوت طلب الكثرة في الحكم المعيّن. (ومنها): أنه استَدَلَّ بقوله: ((ولا يرثني إلا
ابنة)) من قال بالرد على ذوي الأرحام؛ للحصر في قوله: ((ولا يرثني إلا ابنة)). وتُعُقّب
بأن المراد من ذوي الفروض، وما تقدّم، ومن قال بالرد لا يقول بظاهره؛ لأنهم يعطونها
فرضها، ثم يردّون عليها الباقي، وظاهر الحديث أنها ترث الجميع ابتداء. قاله في
(الفتح)»(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٣٦٥٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- قَالَا: حَدَّثَنَا
أَبُو نُعَيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ:
جَاءَ نِي التَِّيُّ ◌َ ◌ّهِ يَعُودُنِي، وَأَنَا بِمَكّةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟، قَالَ: ((لَا))،
قُلْتُ: فَالشَّطْرَ؟، قَالَ: ((لَ))، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ؟، قَالَ: ((الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ
وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةٌ، يَتَكَفَّقُونَ النَّاسَ، يَتَكَّفِّقُونَ فِي أَيْدِهِمْ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخيه،
فإنهما من أفراده، وكلاهما ثقتان. و((أبو نعيم)): هو الفضل بن دُكين. و((سفيان)): هو
الثوريّ.
وقوله: ((يتكفّفون في أيديكم)) بدل مما قبله، أو تأكيد له. أي يَمُدُّونَ أيديهمُ إليهم
يسألونهم.
والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث عنه مستوفّى في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٥٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: كَانَ الشَِّيُّ نَّهِ يَعُودُهُ، وَهُوَ بِمَكَّةَ،
وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي (٢) هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((رَحِمَ اللَّهُ سَعْدَ ابْنَ
(١) (فتح)) ١٨/٦ - ٢٠. ((كتاب الوصايا)).
(٢) ووقع في بعض نسخ ((المجتبى)) ((الذي)) بدل ((التي))، وهو، وإن أمكن تأويله، إلا أن الظاهر أنه
تصحيف، من النساخ. فتنبه.

٣- (بابُ الْصِێ بالثلُثِ) - حديث رقم ٣٦٥٥
=
١١٥ =
عَفْرَاءَ))، أَوْ ((يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدَ ابْنَ عَفْرَاءَ))، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟، قَالَ: ((لَا))، قُلْتُ: النَّصْفَ؟، قَالَ: ((لَا))، قُلْتُ: فَالثُّلُثَ؟،
قَالَ: ((الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً،
يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، مَا فِي أَيْدِيِهِمْ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((عمرو بن
عليّ)): هو الفلاس. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ.
والحديث متفقٌ عليه.
وقوله: ((وهو يكره الموت بالأرض التي هاجر منها» يحتمل أن تكون الجملة حالاً
من الفاعل، أو من المفعول، وكلّ منهما محتملٌ؛ لأن كلَّا من النبيّ وَّر، ومن سعد
رضي اللّه تعالى عنه كان يكره ذلك، لكن إن كان حالًا من المفعول، وهو سعدٌ، ففيه
التفات؛ لأن السياق يقتضي أن يقول: ((وأنا أكره)). وقد أخرجه مسلم من طريق حميد
ابن عبد الرحمن، عن ثلاثة من ولد سعد، عن سعد، بلفظ: ((فقال: يا رسول اللَّه،
خشيتُ أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة))، والنسائيّ(١)
من طريق جرير بن يزيد، عن عامر بن سعد: «لكن البائس سعد بن خولة، مات في
الأرض التي هاجر منها))، وله من طريق بُكير بن مسمار، عن عامر بن سعد في هذا
الحديث بلفظ: ((فقال سعد: يا رسول الله، أموت بالأرض التي هاجرت منها؟، قال:
لا ، إن شاء الله تعالى)).
وقوله: ((رحم الله سعد بن عفراء)). قال الداوديّ: ((ابن عفراء)) غير محفوظ، وقال
الدمياطيّ: هو وَهَمّ، والمعروف ((ابن خولة))، قال: ولعلّ الوهم من سعد بن إبراهيم،
فإن الزهريّ أحفظ منه، وقال فيه: ((سعد بن خولة)). يشير إلى ما وقع في روايته بلفظ
((لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول اللّه ◌َ ر أن مات بمكّة)). وقد تقدّم ذكر من
وافق الزهريّ، وهو الذي ذكره أصحاب المغازي، وذكروا أنه شهد بدرًا، ومات في
حجة الوداع. وقال بعضهم في اسمه ((خَوْلِى)) بكسر اللام، وتشديد التحتانيّة، واتفقوا
على سكون الواو. وأغرب ابن التين، فحكى عن القابسيّ فتحها. ووقع في رواية ابن
عُيينة عند البخاريّ في (الفرائض)): ((قال سفيان: وسعد بن خولة رجلٌ من بني عامر بن
لؤيّ)) انتهى. وذكر ابن إسحاق أنه كان حليفًا لهم، ثمّ لأبي رُهُم بن عبد العزّى منهم.
وقيل: كان من الفرس الذين نزلوا اليمن. وتقدّم شيء من خبره في حديث سُبيعة
الأسلميّة في أبواب العدّة. وجزم الليث بن سعد في ((تاريخه)) عن يزيد بن أبي حبيب
(١) هكذا عزا في ((الفتح)) هذه الرواية إلى المصنّف، ولم أرها عنده، فالله أعلم.

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
بأن سعد بن خولة مات في حجة الوداع، وهو الثابت في الصحيح، خلافًا لمن قال: إنه
مات في مدّة الْهُذنة مع قريش سنة سبع. وجوّز أبو عبد الله بن أبي الخصاب الكاتب
المشهور في ((حواشيه على البخاريّ)) أن المراد بابن عفراء عوف بن الحارث أخو معاذ،
ومعوّذ، أولاد عفراء، وهي أمهم، والحكمة في ذكره ما ذكره ابن إسحاق أنه قال يوم
بدر: ((ما يُضحك الربّ من عبده؟ قال: أن يغمس يده في العدوّ حاسرًا، فألقى الدرع
التي هي عليه، فقاتل حتى قتل))، قال: فيحتمل أن يكون لما رأى اشتياق سعد بن أبي
وقّاص للموت، وعلم أنه يبقى حتى يلي الولايات، ذكر ابن عفراء، وحبّه للموت،
ورغبته في الشهادة كما يذكر الشيء بالشيء، فذكر سعد بن خولة لكونه مات بمكّة،
وهي دار هجرته، وذكر ابن عفراء، مستحسنًا لميتته اهـ ملخّصًا. وهو مردود بالتنصيص
على قوله: ((سعد ابن عفراء))، فانتفى أن يكون المراد عوف، وأيضًا، فليس في شيء
من طرق حديث سعد بن أبي وقّاص أنه كان راغبًا في الموت، بل في بعضها عكس
ذلك، وهو أنه ((بكى، فقال له رسول اللَّه ◌َ له ما يُبكيك؟ فقال: خشيت أن أموت
بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد بن خولة))، وهو عند النسائيّ، وأيضًا
فمخرج الحديث متّحد، والأصل عدم التعدّد، فالاحتمال بعيد لو صرّح بأنه عوف ابن
عفراء. والله أعلم. وقال التيميّ: يحتمل أن يكون لأمه اسمان خولة، وعفراء اهـ،
ويحتمل أن يكون أحدهما اسمًا، والآخر لقبًا، أو أحدهما اسم أمّه أبيه، أو الآخر اسم
جذّة له، والأقرب أن عفراء اسم أمه، والآخر اسم أبيه؛ لاختلافهم في أنه خولة، أو
خولي، وقول الزهريّ في روايته ((يرثي له الخ))، قال ابن عبد البرّ: زعم أهل الحديث أن
قوله: ((یرثي الخ)) من كلام الزهريّ. وقال ابن الجوزيّ وغيره: هو مدرج من قول الزهريّ.
قال الحافظ: وكأنهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطيالسيّ عن إبراهيم بن سعد،
عن الزهريّ، فإنه فصل ذلك، لكن وقع عند البخاريّ في ((الدعوات)) عن موسى بن
إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد في آخره ((لكن البائس سعد بن خولة، قال سعد: رثى له
رسول اللّه ◌َ ل﴾ الخ))، فهذا صريح في وصله، فلا ينبغي الجزم بإدراجه. ووقع في رواية
عائشة بنت سعد، عن أبيها في ((الطبّ)) من الزيادة ((ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح
وجهي وبطني، ثم قال: اللّهمّ اشف سعدًا، وأتمم له هجرته، قال: فما زلت أجد بردها»،
ولمسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن المذكورة ((قلت: فادع الله أن يشفيني، فقال:
اللَّهمَ اشف سعدًا ثلاث مرّات)). قاله في ((الفتح))(١) .
(١) ((فتح) ٦/ ١٤-١٥. ((كتاب الوصايا)).

١١٧ ====
٣- (بَابُ الْوَصِيِّ بِالثُلُثِ) - حديث رقم ٣٦٥٧
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) عند قوله: «لكن البائس سعد
ابن خولة)) نقلًا عن القاضي عياض: اختلفوا في قصّة سعد بن خولة، فقيل: لم يهاجر
من مكة، حتى مات بها، قاله عيسى بن دينار، وغيره. وذكر البخاريّ أنه هاجر، وشهد
بدرًا وغيرها، ثم انصرف إلى مكة، ومات بها. وقال ابن هشام: إنه هاجر إلى الحبشة
الهجرة الثانية، وشهد بدرًا، وغيرها، وتوفّي بمكة في حجة الوداع سنة عشر. وقيل:
توفّي بها سنة سبع في الهدنة، خرج مجتازًا من المدينة. فعلى هذا، وعلى قول عيسى
ابن دينار سبب بؤسه سقوط هجرته؛ لرجوعه مختارًا، وموته بها. وعلى قول الآخرين
سبب بؤسه موته بمكة على أيّ حال كان، وإن لم يكن باختياره؛ لما فاته من الأجر
والثواب الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه إلى هجرة الله تعالى.
انتھی.
وقوله: ((ما في أيدهم)) بدل من ((الناس)): أي يطلبون بأكفّهم ما في أيديهم من
الأموال. والحديث متَّفَقْ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٥٦- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَذَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ
سَعْدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ سَعْدٍ، قَالَ مَرِضَّ سَعْدٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ﴿ِ، فَقَّالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟، قَالَ: ((لَا)) ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
ثقة .
وقوله: ((حدّثني بعض آل سعد)» هكذا أبهمه مِسعر في روايته، وقد تقدم في الروايتين
السابقتين، أن سفيان سمّاه عامر بن سعد، وناهيك به حفظًا، فلا يضرّ إبهام مِسعر له.
وقوله: ((وساق الحديث)) الفاعل ضمير مسعر، أي ساق مسعر الحديث كما ساقه
سفيان، في الرواية السابقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٥٧- (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ
الْمَجِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ
اشْتَكَّى بِمَكَّةَ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ بَكَى، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمُوتُ
بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا؟، قَالَ: ((لَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ))، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي
بِمَالِي كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟، قَالَ: ((لَا))، قَالَ : - يَعْنِي- بِثُلُثَيْهِ؟، قَالَ: ((لَا))، قَالَ:
فَنِصْفَهُ؟، قَالَ: ((لَ))،َ قَالَ: فَثُلُنَهُ؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ

=١١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
تَتْرُكَ بَنِيكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً، يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلّهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير:
١- (بُكير بن مسمار) الزهريّ، أبي محمد المدنيّ، أخي مهاجر، صدوق [٤] .
قال العجليّ: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: مستقيم الحديث.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال الحاكم: استشهد به
مسلم في موضعين. مات سنة (١٥٣) . روى له مسلم، والمصنّف، والترمذيّ، وله
عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
وقوله: ((أن تترك بنيك الخ)) أكثر الروايات بلفظ: ((ورثتك)).
والحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٥٨- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ
أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ فِي مَرَضِي،
فَقَالَ: ((أَوْصَيْتَ؟))، قُلْتُ: نَعَمَ، قَالَ: ((بِكُمْ؟))، قُلْتُ: بِمَالِي كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ:
(فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ؟))، قُلْتُ: هُمْ أَغْنِيَاءُ، قَالَ: ((أَوْصِ بِالْعُشْرِ))، فَمَا زَالَ يَقُولُ،
وَأَقُولُ، حَتَّى قَالَ: ((أَوْصِ بِالثُّلُثِ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))، أَوْ ((كَبِيرٌ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((جرير)): هو ابن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، وهو
ممن سمع من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، كما هو معروف في ترجمته، من ((تهذيب
التهذيب)» -١٠٣/٣-١٠٥- وغيره، ولعلّ هذا منه، فإن قوله: ((فما تركت لولدك؟
قال: هم أغنياء الخ)) مخالف لروايات الثقات الضابطين، فإن وارثه بنت واحدة، كما
قال هو: ((ولا يرثني إلا ابنة))، فيتأمّل.
و((أبو عبد الرحمن)): هو عبد الله بن حبيب السُّلَميّ الثقة العابد المقرىء، تقدّم قبل
بابين. والحديث ضعيف؛ لأن سماع جرير من عطاء بن السائب بعد اختلاطه، كما مرّ
آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٥٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعْ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، أَنَّ النَّبِيِّ وََّ، عَادَهُ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوْصِي
بِمَالِي كُلِّهِ؟، قَالَ: ((لَا))، قَالَ: فَالشَّطْرَ؟، قَالَ: ((لَ))، قَالَ: فَالثُّلُثَ؟، قَالَ: ((الثُّلُثَ،
وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))، أَوْ ((كَبِيرٌ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.

٣- (بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُلُثِ) - حديث رقم ٣٦٦١
١١٩=
والحديث صحيح، وسبق البحث عنه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفَخَّامُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، أَتَى سَعْدًا يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ
سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِي بِثُلُثَيْ مَالِيٍ؟، قَالَ: ((لَا))، قَالَ: فَأُوصِي بِالنّصْفِ؟، قَالَ:
(لَا))، قَالَ: (فَأُوصِي بِالثُّلُثِ؟، قَالَ: ((نَعَم، الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))، أَوْ ((كَبِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ
تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ فُقَرَاءَ، يَتَكَفَّفُونَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن الوليد بن أبي الوليد الفَخام)) البغداديّ،
صدوق [١٠] .
قال النسائيّ، ومسلمة بن قاسم: لا بأس به. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال
البغويّ، وغيره: مات ببغداد سنة (٢٥٢) . تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
و((محمد بن ربيعة)): هو الكلابيّ الكوفيّ، ابن عمّ وكيع، صدوق [٩] ١٤٥٣/٤.
والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٦٦١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبُعِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((الثُّلُثَ،
وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ))، أَوْ (كَبِيرٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي، ثم المكيّ، ثقة ثبت إمام حجة [٨] ١/١.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): سفيان هنا: هو ابن عيينة؛ لأن قتيبة لم يلق الثوريّ. انتهى(١).
٣- (هشام بن عروة) بن الزبير بن العوّام، أبو المنذر المدنيّ، ثقة فقيه ربما دلس [٥]
٦١/٤٩ .
٤- (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني الفقيه، ثقة ثبت
[٣] ٤٠ /٤٤ .
٥- (ابن عباس) البحر الحبر، ترجمان القرآن رضي اللّه تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله
تعالى أعلم.
(١) ((فتح)» ٦/ ٢١.

١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَايَا
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وسفيان، فمكيّ.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ والابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ) بمعجمتين،
الثانية مشدّدة: أي نقصوا في الوصيّة من الثلث إلى الربع، و((لو)) للتمنّي، فلا تحتاج إلى
جواب. ويحتمل أن تكون شرطية، والجواب محذوف، وقد وقع في رواية ابن أبي
عمر في ((مسنده))، عن سفيان بلفظ: ((كان أحبّ إليّ))، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه،
ومن طريق أحمد بن عبدة أيضًا، وأخرجه من طريق العبّاس بن الوليد، عن سفيان
بلفظ: ((كان أحبّ إلى رسول اللَّه بَي) (إِلَى الرُّبُع) زاد الحميديّ ((في الوصية)»، وكذا
رواه أحمد، عن وكيع، عن هشام، بلفظ: ((وددتّ أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع
في الوصيّة ... )) الحديث. وفي رواية ابن نمير، عن هشام عند مسلم: ((لو أنّ الناس
غضّوا من الثلث إلى الربع)).
(لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ قَالَ) تعليلٌ لما اختاره من النقصان عن الثلث، وكأن ابن عبّاس
رضي الله تعالى عنهما أخذ ذلك من وصفه وَّلتر الثلث بالكثرة، وقد تقدّم بيان الاختلاف
في توجيه ذلك في شرح الحديث الأول من هذا الباب. ومن أخذ بقول ابن عباس في
ذلك، كإسحاق بن راهويه، والمعروف في مذهب الشافعيّ استحباب النقص عن
الثلث. وفي شرح مسلم للنوويّ: إن كان الورثة فقراء استُحبّ أن ينقص منه، وإن كانوا
أغنياء فلا. أفاده في ((الفتح))(١).
وعبارة النوويّ في شرحه: وفيه استحباب النقص عن الثلث. وبه قال جمهور العلماء
مطلقًا، ومذهبنا أنه إن كان ورثته أغنياء استُحبّ الإيصاء بالثلث، وإلا فيستحب النقص
منه. وعن أبي بكر الصدّيق تنظيم أنه أوصى بالخمس. وعن عليّ ◌َّه نحوه. وعن
ابن عمر، وإسحاق بالربع. وقال آخرون: بالسدس. وآخرون بدونه. وقال آخرون:
بالعشر. وقال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: كانوا يكرهون الوصيّة بمثل نصيب أحد
الورثة. وروي عن عليّ، وابن عبّاس، وعائشة، وغيرهم ** أنه يستحبّ لمن له
(١) ((فتح)) ٦/ ٢١.