Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ٢- کَیْفَ يَكْتَبُ الْحَبْسُ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٣٦٢٩ الحديث تحت الترجمة التالية؛ لأنه المناسب لها، حيث إن فيه حبس المشاع، وأما مناسبته لهذا الباب، فليست واضحة، إذ لم يُصرّح فيه بذكر الكتابة، فضلًا عن كيفيّتها. والله تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (أبو بكر بن نافع) هو محمد بن أحمد بن نافع العبديّ القيسيّ البصريّ، صدوق من صغار [١٠] ٨١٣/٢٧. ٢- (بهز) بن أسد العميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٢٤٣٦/٢٤. ٣- (حماد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت [٨] ٢٨٨/١٨١ . ٤- (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٥٣/٤٥ . ٥- (أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَس) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) هذه الرواية مختصرة من حديث أنس تنزّ الطويل، وقد ساقه المصنّف في ((الكبرى)) مطوّلًا في (التفسير)) رقم (١١٠٦٦)، حديث، وأخرجه البخاريّ أيضًا في (صحيحه))، ولفظ البخاريّ: من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا، من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلةً المسجد، وكان رسول اللّه آلتر يدخلها، ويشرب من ماء فيها، طيبٍ، قال أنس: فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبَرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحة إلى رسول اللَّه بَ له، فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله، فضعها يا رسول الله، حيث أراك الله، قال، فقال رسول اللَّه وَله: ((بخ، ذلك مال رابح، ذلك ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخَاسِ مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين))، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول اللَّه، فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه. (﴿لَنْ تَتَالُوا الْبِرَّ) أي لن تبلغوا حقيقة البرّ، أو لن تكونوا أبرارًا، أو لن تنالوا برّ اللَّه تعالى، وهو ثوابه (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا يُحِبُونَ﴾) أي حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبّونها، وتؤثرونها(١) (قَالَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريّ النجّاريّ، مشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، وما بعدها، ومات سنة (٣٤)، وقيل: غير ذلك، تقدّم في ١٢٢/ ١٧٧ (إنَّ رَبَّنَا لَيَسْأَلْنَا عَنْ أَمْوَالِنَا) وفي نسخة ((من أموالنا))، ولفظ ((الكبرى)): ((أرى ربّنا يسألنا أموالنا)) (فَأَشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي لِلَّهِ) وفي رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة المتقدّمة قام أبو طلحة، فقال: ((يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الَّرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا شُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وإن أحب أموالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذُخرها)). وقد اختلف في ضبط ((بيرحاء))، ومعناها، على أقوال، قال في ((الفتح)): بفتح الموحّدة، وسكون التحتانيّة، وفتح الراء، وبالمهملة، والمدّ، وجاء في ضبطها أوجه كثيرةٌ، جمعها ابن الأثير في ((النهاية))، فقال: يُروى بفتح الباء، وبكسرها، وبفتح الراء، وضمّها، وبالمدّ، والقصر، فهذه ثمان لغات. وفي رواية حماد بن سلمة («بريحاء بفتح أوله، وكسر الراء، وتقديمها على التحتانيّة. وفي ((سنن أبي داود)) ((باريحا)) مثله، لكن بزيادة ألف. وقال الباجيّ: أفصحها بفتح الباء، وسكون الياء، وفتح الراء، مقصور. وكذا جزم به الصغانيّ، وقال: إنه فيعلى، من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الموحّدة، وظنّ أنها بئر من آبار المدينة، فقد صحّف(٢) وقال في ((كتاب الوصايا)): ونقل أبو عليّ الصدفيّ عن أبي ذرّ الهرويّ أنه جزم أنها مركّبةٌ من كلمتين ((بير)) كلمة، و((حاء)» كلمة، ثم صارت كلمة واحدة، واختلف في حاء، هل هي اسم رجل، أو امرأة، أو مكان، أُضيفت إليه البئر، أو هي كلمة زجر للإبل، وكأن الإبل كانت ترعى هناك، وتزجر بهذه اللفظة، فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة. انتهى(٣). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِّ: ((اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ) وفي رواية إسحاق المذكورة: ((فقال: بخ، ذلك مال رابخ))، أو ((رايح)). وقوله: ((بخ)) بفتح الموحّدة، وسكون المعجمة، وقد تنوّن مع التثقيل، والتخفيف بالكسرة، والرفع، والسكون، ويجوز التنوين، لغات، ولو (١) ((تفسير النسفي)) ١٦٩/١. (٢) ((فتح)) ٨٦/٤. ((كتاب الزكاة)). (٣) ((فتح)) ٦/ ٥٤ ((كتاب الوصايا)). ٢- كَيْفَ يَكْتَبُ الْحَبْسُ، وَذِكْرُ ... - حديث رقم ٣٦٢٩ ٦٣ == كرّرت، فالاختيار أن تنوّن الأولى، وتسكّن الثانية، وقد يسكّنان جميعًا، كما قال الشاعر: وَلِلْمَوْلُودِ لوالِدِهِ بخبخ ومعناها تفخيم الأمر، والإعجاب به. وقوله: ((رابح))، أو (رايح)) شك من الراوي، فالأول من الربح، أي ذو ربح. وقيل: هو فاعلٌ بمعنى مفعول، أي هو مالٌ مربوحٌ فيه. وأما الثانية: فمعناها: رائح عليه أجره. قال ابن بطال: والمعنى أن مسافته قريبةٌ، وذلك أنفس الأموال. وقيل: معناه: يروح بالأجر، ويغدو به، واكتُفي بالرواح عن الغدوّ. وادّعى الإسماعيليّ أن من رواها بالتحتانيّة، فقد صحف(١). وقوله: (فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ) بدل من الجارّ والمجرور قبله، وهو حسان بن ثابت بن المنذر بن حَرَام الأنصاريّ الخزرجيّ، أبي عبد الرحمن، أو أبي الوليد، شاعر رسول الله، صحابيّ مشهور مات سنة (٥٤)، وله مائة وعشرون سنة رضي اللَّه تعالى عنه (أُبَيّ بْنِ كَغْبٍ))) بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبي المنذر، سيّد القرّاء، كان من فضلاء الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، مات سنة (١٩) وقيل: (٣٢) وقيل: غير ذلك. قال في ((الفتح)): وقد تمسّك به من قال: أقلّ من يُعطى من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين اثنان. وفيه نظر؛ لأنه وقع في رواية الماجشون، عن إسحاق بن عبد الله: ((فجعلها أبو طلحة في ذوي رحمه، وكان منهم حسّان، وأبيّ بن كعب))، فدلّ على أنه أعطى غيرهما معهما. وفي مرسل أبي بكر بن حزم: ((فردّه على أقاربه: أبيّ بن كعب، وحسّان بن ثابت، وأخيه -أو ابن أخيه- شدّاد بن أوس، وبيط بن جابر، فتقاوموه، فباع حسّان حصّته من معاوية بمائة ألف درهم)». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٦٢٩/٢ - وفي ((الكبرى)) ٦٤٢٩ و((التفسير)) ١١٠٦٦ و١١٠٦٧. (المسألة الثالثة): في فوائده(٢): (١) (فتح)) ٨٦/٤. ((كتاب الزكاة)). (٢) المراد الفوائد التي اشتمل عليها الحديث بجميع طرقه، لا خصوص سياق المصنف رحمه الله تعالی، فتنبه. ٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخبَاسِ (منها): مشروعيّة الوقف، والحبس؛ خلافًا لمن منع ذلك، وأبطله. قال في ((الفتح)»: ولا حجة؛ لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة تمليكًا، وهو ظاهر سياق الماجشون، عن إسحاق، كما تقدّم انتهى(١). (ومنها): أن فيه فضيلة لأبي طلحة رضي الله تعالى عنه ؛ لأن الآية تضمّنت الحثّ على الإنفاق من المحبوب، فترقّى هو إلی إنفاق أحبّ المحبوب إليه، فصوّب النبيّ وَ# رأيه، وشكر عن ربّه فعله، ثم أمره أن يخصّ بها أهله، وكنى عن رضاه بذلك بقوله: ((بخ)). (ومنها): جواز التصدّق من الحيّ في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله؛ لأنه وي لتر لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به، وقال لسعد بن أبي وقّاص: ((الثلث كثيرٌ)). (ومنها): تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم. (ومنها): أن منقطع الآخر في الوقف يُصرف لأقرب الناس إلى الواقف. (ومنها): أن الوقف يتمّ بقول الواقف: جعلت هذا وقفًا. (ومنها): أن الوقف لا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه. (ومنها): أن الصدقة على الجهة العامّة لا تحتاج إلى قبول معيّن، بل للإمام قبولها منه، ووضعها فيما يراه، كما في قصّة أبي طلحة رضي الله تعالى عنه. (ومنها): جواز إضافة حبّ المال إلى الرجل الفاضل العالم، ولا نقص عليه في ذلك، وقد أخبر تعالى عن الإنسان: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، والخير هنا المال اتفاقًا. (ومنها): اتخاذ الحوائط والبساتين، ودخول أهل الفضل والعلم فيها، والاستظلال بظلّها، والأكل من ثمرها، والراحة، والتنزّه فيها، وقد يكون ذلك مستحبًّا يترتّب عليه الأجر، إذا قصد به إجمام النفس(٢) من تعب العبادة، وتنشيطها للطاعة. (ومنها): أن فيه كسب العقار. (ومنها): إباحة الشرب من دار الصديق، ولو لم يكن حاضرًا إذا علم طيب نفسه. (ومنها): إباحة استعذاب الماء، وتفضيل بعضه على بعض. (ومنها): أن بعض المالكيّة استدلّ به على صحّة الصدقة المطلقة، ثم يعيّنها المتصدّق لمن يريد. (ومنها): أنه استُدلّ به للجمهور في أن من أوصى أن يفرّق ثلث ماله حيث أرى اللَّه الوصيّ صحّت وصيّته، ويفرّقه الوصيّ في سبيل الخير، ولا يأكل منه شيئًا، ولا يُعطي منه وارثًا للميت، وخالف في ذلك أبو ثور، وفاقًا للحنفيّة في الأول، دون الثاني. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا قال الجمهور، والذي يظهر لي أن ما قاله أبو ثور أقرب؛ لعموم قول الموصي، فرّقه حيث أراك اللَّه. والله تعالى أعلم. (ومنها): التمسّك بالعموم؛ لأن أبا طلحة رضي اللّه تعالى عنه فهم من قوله تعالى: (١) ((فتح) ٥٦/٦. ((كتاب الوصايا)). (٢) أي إراحتها. ٦٥ ٣- (بَأَبُ حَبْسِ الْمُشَاع) - حديث رقم ٣٦٣٠ = = ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] تناول ذلك جميع أفراده، فلم يقف حتى يرد عليه البيان عن شيء بعينه، بل بادر إلى إنفاق ما يحبّه، وأقرّه النبيّ وَّل على ذلك. (ومنها): أنه استُدلّ به لما ذهب إليه مالكٌ رحمه الله تعالى من أن الصدقة تصخ بالقول من قبل القبض، فإن كانت لمعيّن استحقّ المطالبة بقبضها، وإن كانت لجهة عامّة خرجت عن ملك القائل، وكان للإمام صرفها في سبيل الصدقة، وكلّ هذا ما إذا لم يظهر مراد المتصدّق، فإن ظهر اتُّبعَ. (ومنها): جواز تولّي المتصدّق قسم صدقته. (ومنها): جواز أخذ الغنيّ من صدقة التطوّع، إذا حصل له بغير مسألة. (ومنها): جواز زيادة الصدقة في التطوّع على قدر نصاب الزكاة؛ خلافًا لمن قيّدها به. (ومنها): أنه لا يعتبر في القرابة من يجمعه والواقفَ أبّ معيّنٌ، لا رابعٌ، ولا غيره؛ لأن أبيًّا رضي الله تعالى عنه إنما يجتمع مع أبي طلحة رضي اللّه تعالى عنه في الأب السادس. (ومنها): أنه لا يجب تقديم القريب على القريب الأبعد؛ لأن حسّانًا وأخاه، كانا أقرب إلى أبي طلحة من أبيّ، ونبيط رضي اللَّه تعالى عنهم، ومع ذلك فقد أشرك معهما أبيًّا، ونبيط بن جابر. (ومنها): أنه لا يجب الاستيعاب؛ لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبو طلحة، وحسّان كانوا بالمدينة كثيرًا، فضلًا عن عمرو بن مالك الذي يجمع أبا طلحة وأبيًّا رضي اللَّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنیب)). ٣- (بَابُ حَبْسِ الْمُشَاع) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((المشاع)) - بضمّ الميم - يقال: سهمٌ شائعٌ، وشاعٌ، ومُشاع: غير مقسوم. قاله في ((القاموس)). وقال الفيّوميّ: وشاع اللبن في الماء -أي من باب باع -: إذا تفرّق، وامتزج به، ومنه قيل: سهمٌ شائعٌ، كأنه ممتزجٌ؛ لعدم تميّزه. قاله الفيوميّ. واستدلال المصنف رحمه الله تعالى بأحاديث الباب على الترجمة واضحة، حيث إن عمر رضي اللّه تعالى عنه وقف الأسهم التي له بخير، وهي مشاع، فدلّ على جواز وقف المشاع الذي لم يقسم. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: لا يصحّ، وبناه ٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخَاسِ على أصله في أن القبض شرطٌ، وأن القبض لا يصحّ في المشاع. واحتجّ الأولون بحديث الباب، فإن عمر رضي الله تعالى عنه استأذن النبيّ في أمر مائة سهم من خيبر، فأمره بوقفها، قال ابن قدامة: وهذا صفة المشاع، ولأنه عقدٌ يجوز على بعض الجملة مُفرزًا، فجاز عليه مشاعًا، كالبيع، أو عَرْصَة يجوز بيعها، فجاز وقفها، كالمفرزة؛ ولأن الوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع، كحصوله في الْمُفْرَز، ولا نُسلّم اعتبار القبض، وإن سلّمنا، فإذا صحّ في البيع صحَ في الوقف. انتهى كلام ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بصحة وقف المشاع هو الحقّ؛ لصحّة حديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٣٠- (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِلنَِّيِّ نَّهِ: إِنَّ الْمِائَةَ سَهْم، الَّتِي لِي بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَّالَا قَطُّ، أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهَا، قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((اخْبِسْ أَضْلَهَا، وَسَبِّلْ ثَمَرَتَّا))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم البحث عنه مستوفّی في الباب الماضي، ورجال الإسناد رجال الصحيح، سوى شيخه سعيد بن الرحمن المخزوميّ، أبي عبيد اللّه المكيّ، فإنه تفرّد به هو، والترمذيّ، وهو ثقة، من صغار [١٠] ٤١ / ١٢٧٧ . [تنبيه]: قوله: ((إن المائة سهم)) فيه إشكالٌ، حيث إن القاعدة النحويّة تقضي بأن العدد المضاف إذا أريد تعريفه يُعرّف المضاف إليه، دون المضاف، فيقال: ثلاثة الأثواب، ومائة الدرهم، وألف الدينار، هذا عند البصريين، وأجاز الكوفيّون تعريفهما، فيقال: الثلاثة الأثواب؛ تشبيهًا له بالحسن الوجه، وما هنا وقع على العكس، فعرّف المضاف، ونكّر المضاف إليه، وهذا لم يقل بجوازه أحدٌ من النحاة، فيما علمت، ووقع نحو هذا في ((صحيح البخاريّ)) في ((باب الكفالة بالقرض والديون))، وفيه: ثم قَدِمَ الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار))، وقد أوله الدمامينيّ رحمه الله تعالى بتقدير مضاف، مبدَلٍ من المعرّف، أي بالألف، ألف دينار، قال: ولا يقال: إن ((ال)) زائدة؛ لأن ذلك لا ينقاس. نقله االصبّان في حاشية الأشمونيّ على ألفية ابن مالك، في باب ((المعرَّفُ بأداة التعريف))(٢). (١) ((المغني) ٢٣٣/٨. ((كتاب الوقف)). ٦٧ ٣- (بَابُ حَبْسِ الْمُشَاع) - حديث رقم ٣٦٣١ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وعلى هذا هذا يكون التقدير هنا ((إن المائة السهم سهم)). وإلى القاعدة المتقدّمة أشار الأجهور رحمه الله تعالى، حيث قال: وَّعَدَدًا تُرِيدُ أَنْ تُعَرَّفَا فَـ((أَلْ)) بِجُزْتَيْهِ صِلَنْ إِنْ عُطِفَا وَفِي الْمُضَافِ عَكْسُ هَذَا يُفْعَلُ وَإِنْ يَكُنْ مُرَكَّبًا فَالأَوَّلُ وَخَالَفَ الْكُوفِيُّ فِي الأَخِيرِ فَعَرَّفَ الْجُزْءَيْنِ يَا سَمِيرِي قال الصبّان: والمراد بالأخير غير الأول، فيشمل الثاني، وهو المركّب؛ لأن الكوفيّ فيه أيضًا، وكان الأحسن أن يقول بدل الأخير: وَخَالَفَ الْكُوفِيُّ فِي هَذَيْنِ فِفِيهِمَا قَدْ عَرَّفَ الْجُزْءَيْنِ (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَنْجِيُّ، بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَّرَ تَّهَا، قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّيَّ أَصَبْتُ مَالًا، لَمْ أُصِبْ مِثْلَهُ قَطُ، كَانَ لِي مِائَةُ رَأْسٍ، فَاشْتَرَيْتُ بِهَا مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ، مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: ((فَاحْبِسَّْ أَصْلَهَا، وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو صدوق [١٠] ١٧٢٤/٤٣ . وقوله: ((الْخَلَنْجِيُّ)) -بفتح الخاء المعجمة، واللام، وسكون النون، بعدها جيم -: نسبة إلى الخَلَنْج نوع من الشجر، كما أفاده في ((القاموس)). و((سفيان)): هو ابن عيينة. [تنبيه]: وقع في هذا الإسناد غلط، وهو زيادة لفظ ((عن عمر)) في السند، كما هو الواقع في نسخ ((المجتبى))، والصواب خلافه، وأنه من مسند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، لا من مسند عمر رضي الله تعالى عنه، كما تقدّم التنبيه عليه في الباب الماضي. ومن الغريب أنه وقع في ((الكبرى)) على الصواب، ثم ألحق به المحقّق لفظ: ((عن عمر)) أخذًا من ((المجتبى))، فليُتَنّه، فإنه هذا من مزالّ الأقدام، والله الهادي إلى سواء السبيل. والحديث صحيح سبق الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه (١) راجع حاشية الصبّان على الأشمونيّ ١٨٦/١-١٨٨. (٢) راجع ((حاشية الصبّان على الأشموني على ألفية ابن مالك)) ١٨٦/١-١٨٨ - في باب ((المعرّف بأداة التعريف» . == ٦٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الإخبَاسِ المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى بْنِ بُلُولٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِم الْمَكْيْ، عَنْ عُنَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولٌ اللَّهِ وَِّ، عَنْ أَرْضٍ لِي بِشَمْغْ، قَالَ: ((أَخْبِسْ أَضْلَهَا، وَسَبِّلْ ثَمَرَتَّا))). قال الجامع عفا اللَّه تعالَى عنه: ((محمد بن مُصفّى بن بَهَلُول)) -بفتح الموحّدة- الحمصيّ القرشيّ، صدوق، له أوهام، وكان يُدلّس [١٠]. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ: صالح. وقال صالح بن محمد: كان مخلّطًا، وأرجو أن يكون صدوقًا، وقد حدّث بأحاديث مناكير. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة مشهور، حدّث عنه ابن وضّاح. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: كان ممن يُدلّس تدليس التسوية . وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان يُخطىء، قال: وسمعت مكحولًا يقول: سمعت محمد بن عوف يقول: رأيت ابن مُصفّى في النوم، فقلت: يا أبا عبد الله، أليس قد مت، إلى ما صرت؟ قال: إلی خیر، ومع ذلك، فنحن نرى ربنا كلّ يوم مرتین، فقلت: يا أبا عبد الله صاحب سنّة في الدنيا وفي الآخرة، قال: فتبسّم. قال: وسمعت محمد بن عبيدالله بن الفضيل الكلاعيّ يقول: عادلته من حمص إلى مكة سنة (٢٤٦)، فاعتلّ بالجحفة، ومات بمنى. روى عنه المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هنا - ٣٦٣٢ و٢٦ / ٤٥٤٠ ((تفسير بيع المنابذة» و ٤٠، ٤٨٥٧/٤١ ((صفة شبه العمد)». و(بقيّة)): هو ابن الوليد الحمصيّ، كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٥٥٧/٤٥ . و(سعيد بن سالم)) القدّاح، أبو عثمان المكيّ، خراسانيّ الأصل، أو الكوفة، صدوقٌ يَمُ، ورُمي بالإرجاء، وكان فقيهًا، من كبار [٩]. قال الدوريّ وغيره، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. قال عثمان: ليس بذاك في الحديث. وقال أبو زرعة: هو عندي إلى الصدق ما هو؟. وقال أبو حاتم: محلّه الصدق. وقال أبو داود: صدوق يذهب إلى الإرجاء. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: حسن الحديث، وأحاديثه مستقيمة، وهو عندي صدوقٌ، لا بأس به، مقبول الحديث. وقال يعقوب الفسويّ: كان له رأي سوء، وكان داعيةً، يُرغَب عن حديثه. وقال العجليّ: كان يَرَى الإرجاء، وليس بحجة. وقال البخاريّ: يرى الإرجاء. وكذا قال ابن حبّان، وزاد: وتِهِمُ في الأخبار، حتى يجيء بها مقلوبة، حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به. وقال ابن البرقيّ، ٦٩ ٤- (بَأَبُ وَقَفِْ الْمَسَاجِدِ) - حديث رقم ٣٦٣٣ عن ابن معين: كانوا يكرهونه. قال الساجيّ: حدّثنا الربيع، سمعت الشافعيّ يقول: كان سعيد القذّاح يفتي بمكة، ويذهب إلى رأي أهل العراق. قال الساجيّ: ضعيف. وقال العقيليّ: كان يغلو في الإرجاء. وقال الصريفينيّ: مات قبل المائتين. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وعند أبي داود حدیث واحد. وقوله: (ثَمْغ)) بفتح المثلّثة، وسكون الميم، آخره غين معجمة: أرض بالمدينة. وقوله: ((سَبِّلْ ثمرتها)) أمر من التسبيل، يقال: سَبّلتُ الثمرة - بالتشديد -: جعلتُها في سُبُل الخير، وأنواع البرّ. قاله الفيوميّ. والحديث صحيح بشواهده، فقد تقدّم له في الباب الماضي شواهد، وبيّنّاها هناك. واستدلال المصنف رحمه الله تعالى به على ما ترجم له واضح، حيث إن تلك الأرض كانت مشاعة، كما تقدّم تحقيقه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلتُ، وإليه انیب)». ٤- (بَابُ وَقْفِ الْمَسَاجِدِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: يعني وقف الأرض لأجل بناء المساجد فيها، وبهذا المعنی ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، في «صحيحه»، حیث قال: «باب وقف الأرض للمسجد)»، ثم أورد حديث أنس رضي الله تعالى عنه، من طريق عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التَّحِ، قال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه، لَمّا قَدِم رسول الله ﴿الجر المدينة، أمر ببناء المسجد، وقال :: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا))، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. قال في ((الفتح)): لم يختلف العلماء في مشروعيّة ذلك، لا من أنكر الوقف، ولا من نفاه، إلا أن في الجزء المشاع احتمالًا لبعض الشافعيّة، قال ابن الرفعة: يظهر أن وقف المشاع فيما لا يمكن الانتفاع به لا يصحّ، وجزم ابن الصلاح بالصحّة حتى يحرُمُ على الجنب المكث فيه، ونوزع في ذلك. قال الزين ابن الْمُنَيِّر: لعلّ البخاريّ أراد الردّ على من خصّ جواز الوقف بالمسجد، وكأنه قال: قد نفذ وقف الأرض المذكورة أن تكون ٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخباس مسجدًا، فدلّ على أن صحة الوقف لا تختص بالمسجد، ووجه أخذه من حديث الباب أن الذين قالوا: ((لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه)»، كأنهم تصدّقوا بالأرض المذكورة، فتمّ انعقاد الوقف قبل البناء، فيؤخذ منه أن من وقف أرضًا على أن يبنيها مسجدًا انعقد الوقف قبل البناء. قال الحافظ: ولا يخفى تكلّفه. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٣٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ جَاوَانَ، رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِیم، وَذَاكَ أَنِّي قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ اغْتِزَالَ الْأَحْتَفِ بْنِ قَيْسٍ مَا كَانَ؟، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَخْتَفَ يَقُولُ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، وَأَنَا حَاجٌ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا، نَضَعُ رِحَالَنَا، إِذْ أَتَى آتٍ، فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ، فَاطَّلَعْتُ، فَإِذَا - يَعْنِي النَّاسَ - مُجْتَمِعُونَ، وَإِذَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ نَفَرْ قُعُودٌ، فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ (٢)، فَلَمَّا قُمْتُ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: هَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، قَدْ جَاءَ، قَالَ: فَجَاءَ وَعَلَيْهِ مُلَئَةٌ صَفْرَاءُ، فَقُلْتُ لِصَاحِبِيٍ: كَمَا أَنْتَ، حَتَّى أَنْظُرَ مَا جَاءَ بِهِ؟، فَقَالَ عُثْمَانُ: أَهَاهُنَا عَلِيٍّ؟، أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟، أَهَاهُنَا طَلْحَةُ؟، أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِِّ قَالَ: ((مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بَنِي قُلَانٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ)، فَابْتَعْتُهُ، فَأَتَيْثُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَقُلْتُ: إِنِّي ابْتَعْتُ مِرْبَدَ بَنِي قُلَانٍ، قَالَ: ((فَاجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا، وَأَجْرُهُ لَكَ))؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَّهَ إِلَّ هُوَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((مَنْ يَبْتَعُ بِثْرَ رُومَةَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُ بِثْرَ رُومَةَ، قَالَ: ((فَاجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَجْرُهَا لَكَ))؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، هَلْ تَعْلَّمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: ((مَنْ يُجَهِّزُ (٣) جَيْشَ الْعُسْرَةِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، فَجَهَّزْتُهُمْ، حَتَّى مَا يَفْقِدُونَ عِقَالًا، وَلَا خِطَامًا؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدٍ، اللَّهُمَّ اشْهَدٍ، اللَّهُمَّ اشْهَذْ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث تقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى في ((الجهاد)) - ٣١٨٣/٤٤- ((فضل من جهّز غازيًا)) ومضى شرحه، وبيان مسائله هناك. و((عمر بن جاوان)) ويقال: عمرو، كما هو في نسخة، مقبول [٦] ٣١٨٣/٤٤. (١) ((فتح)) ٦/ ٦٤ ((كتاب الوصايا)). (٢) وفي نسخة ((رضي الله عنهم. (٣) وفي نسخة: ((من جهّز)). ٧١ ٤- (بَأَبُ وَقَفِْ الْمَسَاجِدِ) - حديث رقم ٣٦٣٤ وقوله: ((اعتزال الأحنف بن قيس ما كان؟)) أي بأي سبب اعتزل عن عليّ ومعاوية جميعًا. ولعل حاصل الجواب أنه ترك الناس تعظيمًا لقتل عثمان، وخوفًا على نفسه الوقوع في مثله، ورأى أن الناس قد يجتمعون على باطل، كقتلة عثمان رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم. قاله السنديّ رحمه الله تعالى. وقوله: ((مُليّة)) بمضم الميم تصغير ملاءة: وهي الإزار، أو الريطة. وقوله: ((كما أنت)) أي كن على الحال التي أنت عليها، حتى أستخبر الخبر، فآتيك به . وقوله: ((من يبتاع)) أي من يشتري. وقوله: ((مِربد)) بكسر الميم، وفتح الباء الموحدة: موضع تجفيف التمر. وقوله: ((بئر رومة)) بضمّ الراء: اسم بئر بالمدينة. والحديث صحيحٌ، ومحلّ استدلال المصنّف على الترجمة منه قوله: ((فاجعله في مسجدنا)) فإن المراد به جعله وقفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنٍ جَاوَانَ (١)، عَنِ الْأَخْتَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَنَحْنُ نُرِيدُ الْحَجَّ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا،َ نَضَعُ رِ حَالَنَا، إِذْ أَتَانَا آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ، وَفَزِعُوا، فَانْطَلَقْنَا، فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى نَفَرٍ، فِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا عَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَإِنَّا لَكَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ، عَلَّيْهِ مُلَاءَةٌ صَفْرَاءُ، قَدْ قَنَّعَ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَهَاهُنَا عَلِيٍّ؟ أَهَاهُنَا طَلْحَةُ؟ أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ؟ أَهَاهُنَا سَعْدٌ؟، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَتْشُدُكُمْ(٢) بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لّ قَالَ: ((مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((اجْعَلْهَا فِي مَسْجِدِنَا، وَأَجْرُهُ لَكَ))، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((مَنْ يَنْتَاعُ بِثْرَ رُومَةَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، فَابْتَعْتُهُ بِكَذَا وَكَذَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ بِ، فَقُلْتُ: قَدِ ابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: ((اجْعَلْهَا سِقَابَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَجْرُهَا لَكَ))، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَتَشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَقَالَ: ((مَنْ جَهَّزَ (١) وفي نسخة: ((عمرو بن جاوان)). (٢) وفي نسخة: ((فأنشدُكم)). ٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإخباس هَؤُلَاءِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ))، يَعْنِي جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَجَهَّزْتُهُمْ، حَتَّى مَا يَفْقِدُونَ عِقَالًا، وَلَا خِطَامَا، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدٍ، اللَّهُمَّ اشْهَذْ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحديث صحيح، وقد سبق الكلام عليه في الذي قبله. وقوله: ((قد قنّع)) بتشديد النون: أي ألقى الْمُلاءة على رأسه، إما لدفع الحرّ، أو لغير ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٥- (أَخْبَرَنِ(١) زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ يَحْتِى بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ، عَنْ سَعِيدِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنِ الْقُشَيْرِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ، حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِهِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ، غَيْرَ بِثِرِ رُومَّةَ، فَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِي بِثْرَ رُومَةً، فَيَجْعَلُ فِيهَا دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، بِخَيْرٍ لَّهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ))، فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبٍ مَالِي، فَجَعَلْتُ دَلْوِي فِيهَا مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْتَعُونِي مِنَ الشُّرْبِ مِنْهَا، حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ(٢)، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَتْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ(٣)، هَلْ تَعْلَمُونَ، أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((مَنْ يَشْتَرِي يُقْعَةَ آلٍ فُلَانٍ، فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ، بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ، فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبٍ مَالِي، فَزِدْتَهَا فِي الْمَسْجِدٍ، وَأَنْتُمْ تَمْتَعُونِي، أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنٍ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ (٤) بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ(٥)، هَلْ تَعْلَمُونَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، كَانَ عَلَى ثَبِيرٍ، ثَبِيرٍ مَكَّةَ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَنَا، فَتَحَرَّكَ الْجَبَّلُ، فَرَكَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: (اسْكُنْ ثَبِيرُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيِّ، وَصِدْيِقٌ، وَشَهِيدَانٍ))، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، شَهِدُوا لِي، وَرَبْ الْكَعْبَةِ - يَعْنِي أَنِّي شَهِيدٌ-). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((زياد بن أيوب)): هو المعروف بدَلْويه. و((سعيد بن عامر)): هو الضُّبَعيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة [٩] ٥١٨/١١ . و((يحيى بن أبي الحجاج)) الأهتميّ الْمِنْقريّ الخاقانيّ، واسم أبيه عبد الله بن الأهتم، (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) وفي نسخة: ((وبالإسلام)). (٣) وفي نسخة: ((وبالإسلام)). (٤) وفي نسخة: ((فأنشدكم)) . (٥) وفي نسخة: ((وبالإسلام)). ٤- (بَأَبُ وَقَفِْ الْمَسَاجِدِ) - حديث رقم ٣٦٣٥ ٧٣ أبو أيوب البصريّ، ليّن الحديث [٩]. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: ربّما أخطأ. وقال ابن عديّ: لا أرى بأحاديثه بأسًا. تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط. و ((سعيد الْجُرَيريّ)): هو سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة [٥] ٦٧٢/٣٢. و((ثمامة بن حَزْن)) -بفتح المهملة، وسكون الزاي، ثم نون- ابن عبد الله بن قَشير الْقُشيريّ البصريّ، والد أبي الورد بن ثُمامة، ثقة مخضرم [٢]. أدرك النبيّ وَّز، ولم يره. قال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، قيل: لم يسمع من عائشة؟ قال: نعم. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكر البخاريّ في ((تاريخه)) أنه قَدِم على عمر بن الخطّاب، وهو ابن (٣٥) سنة. وقال ابن البرقيّ: ذكر بعض أهل النسب من بني عامر أن الثمامة صحبة. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، ومسلم، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا، وحديث عائشة رضي اللّه تعالى عنه ٥٦٦٥- ((نهى النبيّ وَّ ر أن ينبذوا في الدبّاء والنقير)). وقوله: ((شهدت الدار)) ((ال)) للعهد، أي دار عثمان المعروفة بحصار المصريين الذين أنكروا عليه تولية عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، والقصّة مشهورة. وفي رواية زيد بن أبي أنيسة الآتية: ((قال: لما حُصر عثمان في داره اجتمع الناس حول داره ... )). وقوله: ((أنشدكم بالله، وبالإسلام)) أي أسألكم رافعًا نشيدتي، أي صوتي، مذكّرًا إياكم بالله، ومطالبًا لكم العمل بمقتضى الإسلام، فإنه يوجب على المسلمين، أن يناصحوا وليّ أمرهم، ويدافعوا عنه، ويَصْدُقُونه في أخبارهم، وشهاداتهم. وقوله: ((ليس في المدينة ماء يُستعذب فيه الماء)» أي يَطلبه الناس؛ ليشربوه عذبًا، أي حُلوًا . وفيه استحباب استعذاب الماء، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) بابًا، فقال: ((باب استعذاب الماء))، ثم أورد حديث أنس في قصّة أبي طلحة رضي اللّه تعالى عنهما الماضي، وفيه: ((وكان رسول اللّه وَل يدخلها -يعني بيرحاء- ويشرب من ماء فيها طيّب)). وقد ورد في استعذاب الماء حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((كان رسول اللَّهِ وَلِّ يُستعذَب له الماء من بيوت السُّقيا)). و((السُّقْيا)) - بضم المهملة، وبالقاف، بعدها تحتانية- قال قتيبة: هي عين بينها وبين المدينة يومان. هكذا أخرجه أبو داود عنه بعد سياق الحديث بسند جيّد، وصححه الحاكم. وفي قصّة أبي الهيثم بن ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخَاسِ التّيِّهان أن امرأته قالت للنبيّ وَّله﴿ لَمَّا جاءهم يَسأل عن أبي الهيثم: ((ذهب يستعذب لنا من الماء». رواه مسلم. وذكر الواقديّ من حديث سلمى امرأة أبي رافع: كان أبو أيوب حين نزل عنده النبيّ وَلا يستعذب له الماء من بئر مالك بن النضر، والد أنس، ثم كان أنس، وهند، وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا، وكان رباح الأسود عبده يستقي له من بئر عرس مرّة، ومن بيوت السقيا مرّة. قال ابن بطّال رحمه الله تعالى: استعذاب الماء لا ينافي الزهد، ولا يدخل في الترفّه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالكٌ؛ لما فيه من السرف، وأما شرب الماء الحلو، وطلبه فمباح، فقد فعله الصالحون، وليس في شرب الماء الملح فضيلة. قال: وفيه دلالة على أن استطابة الأطعمة جائزة، وأن ذلك من فعل أهل الخير، وقد ثبت أن قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَزِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٨٧] نزل في الذين أرادوا الامتناع من لذائذ المطاعم. قال: ولو كانت مما لا يريد اللَّه تناوله ما امتنّ بها على عباده، بل نهيه عن تحريمها يدلّ على أنه أراد منهم تناولها ليقابلوا نعمته بها عليهم بالشكر لها، وإن كانت نعمه لا يكافئها شكرهم. ذكره (١) في ((الفتح)) (١) . وقوله: ((من صُلب مالي)) أي من أصل مالي، ورأسه، لا مما أثمره المال من الربح والزيادة، وأصل المال عند التجّار أعزّ شيء عليهم، ومع ذلك آثر عثمان رضي الله تعالى عنه الآخرة على الدنيا، فاشترى البئر من رأس ماله. وقوله: ((من ماء البحر))، أي ماء البئر الذي في البيت، وهي مالحة، كماء البحر المالح. وقوله: ((على ثبير الخ)) -بفتح المثلثة، وكسر الموحّدة -: جبل بين مكة، ومنّى، ويُرى من منى، وهو على يمين الداخل منها إلى مكة. قاله الفيّوميّ. هذا في هذه الرواية أن الجبل هو ثبير، والمشهور في الرويات أن الجبل هو ((أحد))، و((أحد)) هو الجبل المعروف بالمدينة، فقد أخرج البخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن أنس بن مالك رضي الله عنه، حدثهم أن النبي وَلِّ، صَعِدَ أحدا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرَجَفَ بهم، فقال: ((اثبُت أحدُ، فإنما عليك نبي، وصدیق، وشهیدان». (١) ((فتح)) ٢٠٣/١١-٢٠٤ ((كتاب الأشربة)). ٧٥ ٤- (بأبُ وَقَفِْ الْمَسَاجِدِ) - حديث رقم ٣٦٣٦ وفي رواية لمسلم: ((حراء))، قال في ((الفتح)): والأول أصحّ، ولولا اتحاد المخرج لجوّزت تعدّد القصّة، ثم ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيد -يعني ابن أبي عروبة- فإني وجدته في ((مسند الحارث بن أبي أسامة)) عن رَوْح بن عُبادة، عن سعيد، فقال فيه: ((أحدًا، أو حراء)) بالشكّ. وقد أخرجه أحمد من حديث بُريدة بلفظ ((حراء))، وإسناده صحيح. وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ ((أحد))، وإسناده صحيح، فقوي احتمال تعدّد القصّة. انتهى(١). والحاصل أن أكثر الرواة رووه بلفظ ((أحد))، وبعضهم رواه بلفظ ((حراء))، وأما بلفظ (ثَبِير)) ففي هذه الرواية فقط، وفي إسنادها يحيى بن أبي الحجّاج، وقد تقدّم أنه ليّن الحديث، فلا يقبل ما خالف فيه الحفّاظ، بل هي شاذّة منكرة. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح(٢)، وسبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٣٦٣٦- (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ رَاشِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَطَّابُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عُثْمَانَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، حِينَ حَصَرُوهُ، فَقَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ، رَجُلًا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ، يَقُولُ يَوْمَ الْجَبَلِ، حِينَ اهْتَزَّ، فَرَكَلَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: اسْكُنْ، فَإِنَةً لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيِّ، أَوْ صِدِيقٌ، أَوْ شَهِيدَانٍ)، وَأَنَا مَعَهُ، فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ، رَجُلًا شَهِدَ رَسُولَ اللّهِ وَلِّهِ يَوْمَ بَيْعَةِ الرُضْوَانِ، يَقُولُ: ((هَذِهِ يَدُ اللَّهِ، وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ))، فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ، رَجُلًا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَوْمَ جَيْشِ الْعُسْرَةِ، يَقُولُ: (مَنْ يُنْفِقُ نَفَقَّةً مُتَقَبََّةً؟))، فَجَهَّزْتُ نِصْفَ الْجَيْشِ مِنْ مَالِي، فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ، رَجُلًا سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ يَزِيدُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، بِبَيتٍ فِي الْجَنَّةِ؟))، فَاشْتَرَيْتُهُ مِنْ مَالِي، فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ، رَجُلًا شَهِدَ رُومَةً تُبَاعُ، فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ مَالِي، فَأَبَحْتُهَا لِابْنِ السَّبِيلِ، فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير ((عمران بن بكّار بن راشد»: هو الْكَلَاعيّ البرّاد الحمصيّ المؤذّن، فإنه من أفراد المصنّف، وهو ثقة [١١] ١٥٤١/١٧ . و((خطّاب بن عثمان)) الطائيّ الْفَوْزيّ، أبو عمر، ويقال: أبو عَمْرو الحمصيّ، ثقة عابد [١٠] . (١) ((فتح)) ٣٩١/٧. (كتاب فضائل أصحاب النبيّ وَّر)). (٢) أي سوى لفظة ((ثبير)) فإنها شاذة كما مرّ آنفًا. ٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الإِخبَاسِ ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن أبي الدنيا، عن القاسم بن هاشم: حدّثني الخطّاب بن عثمان الفَوْزيّ، وكان يُعدّ من الأبدال. ووثّقه الدار قطنيّ. روی عنه البخاريّ، وروی له المصنّف بواسطة حدیثین، حديث الباب، وحديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما ٤٢٨٨/١٠- ((باب الفأرة تقع في السمن)). و ((عيسى بن يونس)): هو السبيعيّ، أخو إسرائيل الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون [٨] ٨/٨. و((أبوه)): هو يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، أبو إسرائيل الكوفيّ، صدوق يهم قليلًا [٥] ٦٥٢/١٦. و((أبو إسحاق)): هو عمرو بن عبد الله الهمدنيّ السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٤٣/٣٨. و((أبو سلمة بن عبد الرحمن)) بن عوف الزهريّ المدنيّ الثقة الفقيه، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال [٣]١/١. وقوله: ((یوم الجبل)) تقدم قريبًا أنه أحد. وقوله: «فَرَگله): أي ضربه برجله، قال في ((القاموس)): الرَّكْلُ: ضربُك الفرَسَ برجلك ليَعدُوَ، والضرب برجل واحدة. انتهى. وقوله: ((فانتشد له رجال)) أي أجابوه. والحديث صحيح بما قبله (١)، وبعضه عند البخاريّ معلّقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،ى وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٧- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ فِي دَارِهِ، اجْتَمَعَ النَّاسُ، حَوْلَ دَارِهِ، قَالَ: فَأَشْرَفَّ عَلَيْهِمْ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن وهب)): هو أبو المعافى الحرّانيّ، صدوق [١٠] ٣٠٦/١٩١ . [تنبيه]: وقع في معظم نسخ ((المجتبى)) ((محمد بن موهب)» بزیادی میم، وهو غلطً، والصواب ((ابن وهب))، كما في بعض النسخ، وهو الذي في ((الكبرى)). فتنبّه. والله تعالى أعلم. و((محمد بن سلمة)): هو الباهليّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة [٩] ٣٠٦/١٩١. و((أبو عبد الرحيم)): هو خالد بن أبي يزيد سماك الحرّانيّ، ثقة [٦] ٣٠٦/١٩١. (١) أي فلا يضرُّه عنعنة أبي إسحاق؛ إذ هو مدلس. (٢) (السُّلَمِيّ))، بضم السين المهملة، وفتح اللام: نسبة إلى بني سُلَيم قبيلة مشهورة. قاله في (الأنساب)) جـ ٣ ص ٣٠١ . ٧٧ ٢٩ - (كِتَابُ الْوَصَايَا) و((زيد بن أبي أنيسة زيد الحرّانيّ، أبو أسامة كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقة، له أفراد [٦] ٣٠٦/١٩١ . و ((أبو عبد الرحمن السُّلَميّ)): هو عبد الله بن حبيب رُبَيْعَة (١) الكوفيّ المقرىء، ولأبيه صحبة، ثقة ثبتْ [٢] ١٥٢/١١٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلتُ، وإليه أنيب)). ٢٩- (كِتَابُ الْوَصَايَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الوصايا)) -بفتح الواو -: جمع وَصِيّة، کھدیّة وهدایا، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: وَصَيتُ الشيء بالشيءٍ أَصِيهِ، من باب وَعَدَ: وَصَلْتُهُ، ووَصَّيتُ إلى فلان تَوْصِيةً، وأوصيتُ إليه إيصاءً، وفي السبعة: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن قُوصٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٢] - بالتخفيف، والتثقيل- والاسم الوِصَاية بالكسر، والفتحُ لغةٌ، وهو وَصِيٍّ فَعِيلٌ بمعنى مفعول، والجمع الأوصياء، وأوصيتُ إليه بمال: جعلته له، وأوصيته بولده: استعطفته عليه، وهذا المعنّى لا يقتضي الإيجاب، وأوصيتُهُ بالصلاة: أمرته بها، وعليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِي أَوْلَئِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]. أي يأمر. وفي حديثٍ ((خَطَبَ النبيّ وَلَّ، فأوصى بتقوى الله))، معناه أمر، فيعمّ الأمر بأيّ لفظ كان، نحوُ اتّقوا الله، وأطيعوا اللَّه، وكذلك الخبرُ إذا كان فيه معنى الطلب، نحولقد فاز من اتّقى، وطُوبى لمن وَسِعَته السنّةُ، ولم تستهوه البدعةُ، ورحم الله من شغله عيبه عن عيوب الناس. ولا يتعيّن في الخطبة أوصيكم، كيف ولفظ الوصيّة مشترك بين التذكير والاستعطاف، وبين الأمر، فيتعيّن حمله على الأمر، ويقوم مقامه كلّ لفظ، فيه معنى الأمر، وتواصى القوم: أوصى بعضهم بعضًا، واستوصیتُ به خيرًا. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): الوصايا: جمع وصيّة، كالهدايا، وتُطلق على فعل الموصِي، وعلى ما يوصي به، من مال، أو غيره، من عهد، ونحوه، فتكون بمعنى المصدر، وهو (١) -بضم الراء، وفتح الموحّدة، وتشديد الياء التحتانيّة، بصيغة التصغير. (٢) ((المصباح المنير)). =٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول، وهو الاسم. وفي الشرع: عهد خاصّ، مضافٌ إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التبرّع. قال الأزهريّ: الوصيّة من وَصَيتُ الشيءَ - بالتخفيف- أَصِيهِ: إذا وصلته، وسمّيت وصيّةً؛ لأن الميت يَصِل بها ما كان في حياته بعد مماته. ويقال: وَصِيَّة -بالتشديد-، ووَصَاةٌ بالتخفيف، بغير همز. وتُطلق شرعًا أيضًا على ما يقع به الزجر عن المنهيّات، والحثّ على المأمورت. قاله في ((الفتح))(١). وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: والوصيّة بالمال هي التبرّع به بعد الموت، والأصل فيها الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب، فقول اللَّه سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَّرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠] . وقال الله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية [النساء: ١١]. وأما السنّة، فحديث سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه الآتي في الباب الثالث. قال: وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصيّة. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ١- (الْكَرَاهِيَةُ فِي تَأْخِيرِ الْوَصِيَّةِ)(٣) قال السنديّ رحمه الله تعالى: أي لا ينبغي له أن يؤخّر الوصية، إما بإخراج ما يُحوجه إليها، أو بتقديمها على المرض، مع وجود ما يُحوجه إليها، فلذلك ذكر في الباب من الأحاديث ما يقتضي التصدّق بالمال قبل حلول الآجال؛ لما فيه من الخروج عن كراهية تأخير الوصيّة؛ لانتفاء الحاجة إليها أصلًا، فليُتأمّل انتهى(٤). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٦٣٨- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النِّيِّ ◌ََّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟، قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ، وَأَنْتَ صَحِيحٌ، شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَلَا تُمْهِلْ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ))). (١) ((فتح)) ٣/٦. ((كتاب الوصايا)). (٢) ((المغني)) ٣٨٩/٨-٣٩٠. ((كتاب الوصايا)). (٣) ووقع في بعض النسخ: ((باب الكراهية في تأخير الوصيّة)). (٤) (شرح السنديّ ٦/ ٢٣٧. ١- (الکرامیةُ فِی تأخیر الوصية) - حدیث رقم ٣٦٣٩ ٧٩ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم في ((كتاب الزكاة)» -٦٠ / ٢٥٤٢ - ((باب أيّ الصدقة أفضل؟)). رواه هناك عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان الثوريّ، عن عمارة، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، ولله الحمد والمنة . ومحلّ استدلال المصنف رحمه الله تعالى منه على ما ترجم له هنا قوله وَليقول: ((ولا تُمهل الخ)). ورجال إسناده رجال الصحيح، غير شيخه: ((أحمد بن حرب)) الطائيّ الموصليّ، فإنه من أفراده، وهو صدوق [١٠] ١٠٢/ ١٣٥ . و((عمارة)): هو ابن القعقاع. و((أبو زرعة)): هو البجليّ. وقوله: ((أن تصدّق)) -بفتح التاء المثناة، وأصله ((تتصدّق))، فحذفت منه إحدى التاءين، تخفيفًا، ثم هو في تأويل المصدر خبر لمبتدٍ مقدّر، هي تصدّقك الخ. وقوله: ((شحيح)) أي من شأنه الشخّ؛ للحاجة إلى المال. وقوله: ((تخشى الفقر)): أي بسبب إنفاق المال. وقوله: ((وتأمُل البقاء)) بضم الميم، أي ترجوه. وقوله: ((ولا تمهل)) نهي من الإمهال، وهو التأخير. وقوله: ((حتى إذا بلغت الحلقوم)) أي إذا بلغت الروح الحلق، وهو كناية عن الاحتضار. وقوله: ((وقد كان لفلان)) أي وقد صار المال للوارث، أي قارب أن يصير له، إن لم توص به، فليس بالتصدّق به كثير فضل. وقد تقدّم شرح الحديث مستوفى فى الباب المذكور، فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٦٣٩- (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ، إِلَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالٍ وَارِثِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، مَالُكَ مَا قَدَّمْتَ، وَمَالُ وَارِثِكَ مَا أَخَّرْتَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (هنّاد بن السريّ) بن مصعب التميمي، أبو السريّ الكوفي، ثقة [١٠]٢٥/٢٣. ٢- (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار [٩] ٣٠/٢٦ . ٣- (الأعمش) سليمان بن مهران لأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورع، لكنه يدلس [٥] ١٨/١٧. === ٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْوَصَابَا ٤- (إبراهيم التيمي) هو: ابن يزيد بن شريك، أبو أسماء الكوفي، ثقة عابد، يرسل ويدلّس [٥] ١٢١ / ١٧٠. ٥- (الحارث بن سُويد) التيميّ، أبي عائشة الكوفيّ، ثقة ثبت [٢]. قال عبد الله بن أحمد: ذكره أبي، فعظّم شأنه. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن معين أيضًا: إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عليّ، ما بالكوفة أجود إسنادًا منه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: صلّى عليه عبد الله بن يزيد. وقال ابن عيينة: كان الحارث من عِلّيّة أصحاب ابن مسعود. وقال العجليّ: ثقة. قال ابن سعد: تُوفّي في آخر خلافة عبد الله بن الزبير. وأرّخه ابن أبي خيثمة سنة إحدى، أو اثنتين وسبعين. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط: حديث الباب، و-٥٦٥٤/٣١- حديث عليّ رضي اللّه تعالى عنه، عن النبيّ صلّى اللَّه وسلم أنه نهى عن الدبّاء والمزفّت. ٦- (عبد الله) بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟) أي أنَّ الذي يُخَلِّفُهُ الإنسان من المال، وإن كان هو في الحال منسوبًا إليه، فإنه باعتبار انتقاله إلى وارثه يكون منسوبًا للوارث، فنسبته للمالك في حياته حقيقيّة، ونسبته للوارث في حياة المُوَرِّثِ مجازيّة، ومن بعد موته حقيقيّة (١) (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ) ((من)) زائدة (إِلَّ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالٍ وَارِثِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) قال السنديّ: خطاب للموجودين في ذلك الوقت عنده وَّر، لا لتمام الأمّة، فلا يرد أن في الأمّة من كان على خلاف ذلك، كنحو أبي بكر رضي الله تعالى عنه. انتهى (إِلَّ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، مَالُكَ مَا قَدَّمْتَ) أي المال الذي يضاف إليك في الحياة، وبعد الموت هو الذي قدّمته، وأنت (١) ((فتح) ٤١/١٣. ((كتاب الرقاق)).