Indexed OCR Text
Pages 361-380
= ٣٦١ ٢٧- (کِتابُ الخیل) - حديث رقم ٣٥٨٩ تَسْرَح مختلطةً، كيف شاءت(١). ولفظ ((الكبرى)): ((ولو عرض)) بدون التاء؛ نظرًا للفظ ((مرج))، حيث إنه مذكّر. وقوله (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) أي ساق الحديث بتمامه، والضير يحتمل أن يكون لأبي هريرة ◌َّ ، أو أبي صالح، فعلى هذا يكون الحديث الآتي هو تمام الحديث، ويحتمل أن يكون لسهيل، أو من دونه، فلا يكون الحديث الآتي تمامه، وقد ساقه مسلم رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) مطوّلًا، من طريق سهيل، فقال: وحدثني محمد بن عبد الملك الأموي، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((ما من صاحب كنز، لا يؤدي زكاته، إلا أخمِيَ عليه في نار جهنم، فيُجعَل صفائح، فيُكوَى بها جنباه وجبينه، حتى يَحكُم اللَّه بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يُرَى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل، لا يؤدي زكاتها، إلا بُطِحَ لها بِقَاعِ قَرْقَرٍ (٢)، كأوفر ما كانت، تَستَنُّ عليه(٣)، كلما مضى عليه أُخراها، رُدّت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب غنم، لا يؤدي زكاتها، إلا بُطِح (٤) لها بقاع قرقر، كأوفر ما كانت، فتطؤه بأظلافها، وتَنطِحه بقرونها، ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء(٥)، كلما مضى عليه أخراها، ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار))، قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر، أم لا؟، قالوا: فالخيل يا رسول اللّه، قال: ((الخيل في نواصيها))، أو قال: ((الخيل معقود في نواصيها)) -قال سهيل: أنا أشك- ((الخير إلى يوم القيامة، الخيل ثلاثة، فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما التي هي له أجر، فالرجل يتخذها في سبيل اللّه، ويُعِدّها له، فلا تُغَيِّب شيئا في بطونها، إلا كتب اللَّه له أجرا، ولو رعاها في مَرْج، ما أكلت من شيء، إلا كتب الله له بها أجرا، ولو سقاها من نهر، كان له بكل قطرة، تُغَيِّبها في بطونها أجر، حتى ذَكَرَ الأجر في أبوالها، وأرواثها، ولو استنت شَرَفًا (٦)، أو شرفين، كتب له بكل (١) ((النهاية)) ٣١٥/٤. (٢) القاع: الأرض المستوي الواسع. والقرقر: المستوي أيضًا. (٣) أي تجري عليه. (٤) ألقي على وجهه. (٥) العقصاء: ملتوية القرنين. والجلحاء: التي لا قرن لها. (٦) أي جرت، والشرف العالي من الأرض. وقيل: المراد طلقًا، أو طلقين. ٣٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْل خُطوَة تخطوها أجر، وأما الذي هي له ستر، فالرجل يتخذها تكرما، وتجملا، ولا ينسى حق ظهورها وبطونها، في عسرها ويسرها، وأما الذي عليه وِزْرٌ، فالذي يتخذها أَشَرًا، وبطرا، وبَذَخًا (١)، ورياء الناس، فذاك الذي هي عليه وزر))، قالوا: فالحمر يا رسول اللّه؟، قال: ((ما أنزل اللَّه علي فيها شيئا، إلا هذه الآية الجامعة، الفاذة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا يَرَؤُ﴾)). انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، كما مرّ آنفًا، وبقيّة المسائل ستأتي في الحديث التالي، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٩٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((الْخَيْلُ لِرَجُلِ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّ الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ، أَوْ رَّوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ، فِي الْمَرْجِ، أَوِ الرَّوْضَّةِ، كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ، فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا، أَوْ شَرَفَيَّنٍ، كَانَتْ آثَارُهَا)) -وَفِي حَدِيثٍ الْحَارِثِ- ((وَأَزْوَاتُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرِ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ تُسْقَى، كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ، فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنًِّا، وَتَعَقْفًا، وَلَمْ يَتْسَ حَقَّ اللَّهِ عَزّ وَجَلَّ فِي رِقَابِهَا، وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا، وَرِيَاءٌ، وَنِوَاءُ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ)). وَسُئِلَ النَّبِيُّ وََّ، عَنِ الْحَمِيرِ، فَقَالَ: ((لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيَّءٍ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ، الْفَاذَّةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرَّا يَرَؤُ﴾). ٧ رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (محمد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ٢٠/١٩. ٢- (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ الفقيه، ثقة [١٠] ٩/٩. ٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠ . ٤- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/٧. (١) الأشر بفتحتين: المرح واللجاج، والبطر بفتحتين: الطغيان، والبذخ بفتحتين: بمعنى الأَشّر والبطر . ٣٦٣ ٢٧- (کِتابُ الخیل) - حديث رقم ٣٥٩٠ ٥- (زيد بن أسلم) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه يرسل [٣] ٨/٦٤. والباقيان ترجما في السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َظّمه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلِ أَجْرٌ، وَلِرَجُلِ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّ الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ لَهَا) أي في حبلها (فِي مَرْج، أَوْ رَوْضَةٍ) شكّ من الراوي، والمرج موضع الكلا، وأكثر ما يُطلق على الموضع المطّئنّ، والروضة أكثر ما يُطلق في الموضه المرتفع (فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ) -بكسر الطاء المهملة، وفتح التحتانيّة، بعدها لام -: هو الحبل الذي تُربط به، ويُطوّل لها؛ لترعى، ويقال له طِوَلٌ -بالواو المفتوحة - أيضًا. وقال ابن الأثير: الطَّلُ، والطَّيَل - بالكسر -: الحبلُ الطويلُ يُشدُّ أحدُ طرفيه في وَتِدٍ، أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس؛ ليُدُورَ فيه، ويَرْعَى، ولا يذهب لوجهه. وطَوَّلَ، وأطال بمعنى: أي شدّها في الحبل انتهى(١) (فِي الْمَرْجِ، أَوِ الرَّوْضَةِ، كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ) بالنصب خبرًا لكان، واسمها ضمير يعود إلى قوله: ((مَا أصابت)) (وَلَوْ أَنَّا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ، فَاسْتَنَّتْ) من الاستنان: أي جرت. قال ابن الأثير: استنّ الفرسُ يَستنُّ استنانًا: أي عدا لمَرَحِهِ، ونَشَاطه شوطًا، أو شوطين، ولا راكب عليه انتهى (٢) قال أبو عُبيد: الاستنان أن يحضر الفرس، وليس عليه فارس. وقال غيره: استنّ في طيله: أي (شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) بفتح الشين المعجمة، والراء: وهو العالي من الأرض. وقيل: المراد هنا طلَقًا، أو طَلَقين (كَانَتْ آثَارُهَا)) -وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ- ((وَأَزْوَاتُهَا) جمع رَوْث -بفتح، فسكون- قال الفيّوميّ: راث الفرس، ونحوه رَوْئًا، من باب قال، والخارج رَوْثٌ، تسمية بالمصدر، والروثة الواحدة منه انتهى (حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَّا مَرَّتٍ بِنَهَرٍ) -بسكون الهاء، وفتحها- قال الفيّومي: النَّهْرُ: الماء الجاري الْمُتَّسِعُ، والجمع نُرٌ - بضمّتين-، وأنُرٌ. (١) ((النهاية)) ١٤٥/٣. (٢) ((النهاية) ٢ /٤١٠. ٣٦٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْخَيْلِ والنَّهَر -بفتحتين لغة، والجمع أَنََّارٌ، مثلُ سبب وأسباب، ثم أُطلق النهر على الأُخدود، مجازًا؛ للمجاورة، فيقال: جرى النهر، وجفّ النهر، كما يقال: جرى الميزاب، والأصل جرى ماء النهر. انتهى (فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ تُسْقَى) بالبناء للمفعول: أي لم يرد صاحب الفرس أن يَسقي فرسه الماء (كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ) أي فإذا كان هذا حالَهُ مع عدم الإرادة، فاستحقاقه كتابة الحسنات مع الإرادة یکون من بابٍ أولى. قال النوويّ: هذا من باب التنبيه؛ لأنه إذا كان تحصل له هذه الحسنات من غير قصد، فمع القصد أولى بإضعاف الحسنات انتهى(١). وقال السنديّ. وهذا لا يخالف حديث ((إنما الأعمال بالنيّات))؛ لأن المفروض وجود النيّة في أصل ربط هذه الفرس، وتلك كافية. انتهى (٢). (فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ) أي سبب لحصول الأجر العظيم، فالتنوين للتعظيم (وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا) -بفتح المثنّاة، والمعجمة، ثم نون ثقيلة مكسورة، وتحتانية -: أي استغناء عن الناس، تقول: تغنّيت بما رزقني الله تغَنيًا، وتغانيت تغانِيًا، واستغنيت استغناءً: كلها بمعنى (وَتَعَفُّفًا) أي عن السؤال، والمعنى أنه يطلب بنتاجها، أو بما يحصل من أُجرتها ممن يركبها، أو نحو ذلك الغنى عن الناس، والتعفّف عن مسألتهم. وفي رواية سهيل، عن أبيه عند مسلم المتقدّمة: ((وأما الذي هي له ستر، فالرجل يتّخذها تعفّفًا، وتكرّمًا، وتجمّلًا)). (وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي رِقَابِهَا، وَلَا ظُهُورِهَا) قيل: المراد حسن ملكها، وتعهّد شبعها، وريَّهَا، والشفقة عليها في الركوب، وإنما خصّ رقابها بالذكر؛ لأنها تستعار كثيرًا في الحقوق اللازمة، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وهذا جواب من لم يوجب الزكاة في الخيل، وهو قول الجمهور. وقيل: المراد بالحقّ إطراق فحلها، والحمل عليها في سبيل اللّه، وهو قول الحسن، والشعبيّ، ومجاهد. وقيل: المراد بالحقّ الزكاة، وهو قول حمّاد، وأبي حنيفة، وخالفه صاحباه، وفقهاء الأمصار. قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا سبقه إلى ذلك. ذكره في ((الفتح))(٣). وقال النوويّ في ((شرحه)): استدلّ به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل، ومذهبه أنه إن كانت كلها ذكورًا، فلا زكاة فيها، وإن كانت إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا وجبت الزكاة، وهو بالخيار، إن شاء أخرج عن كلّ فرس دينارًا، وإن شاء قوّمها، وأخرج ربع (١) ((شرح مسلم)) ٧/ ٦٧ . (٢) (شرح السندي)) ٢١٦/٦-٢١٧. (٣) ((فتح)) ٦/ ١٥٤ - ١٥٥. ٣٦٥ ٢٧- (کِتابُ الخيل) - حدیث رقم ٣٥٩٠ عشر القيمة . وقال مالك، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا زكاة في الخيل بحال؛ للحديث السابق: ((ليس على المسلم في فرسه صدقة)) (١). وتأولوا الحديث على أن المراد أنه يجاهد بها، وقد يجب الجهاد بها إذا تعيّن. وقيل: يحتمل أن المراد بالحقّ في رقابها الإحسان إليها، والقيام بعلفها، وسائر مُؤَنها. والمراد بظهورها: إطرق فحلها إذا طُلبت عاريته، وهذا على الندب. وقيل: المراد حقّ اللَّه مما يُكسب من مال العدوّ على ظهورها، وهو خمس الغنيمة انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم في ((كتاب الزكاة)) أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الخيل؛ للحديث المذكور. والله تعالى أعلم. (فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ) بفتح السين، وكسرها، كما تقدّم (وَرَجُلٌ رَبَطَّهَا فَخْرًا) أي تعاظمًا (وَرِيَاءً) أي إظهارًا للطاعة، والباطن بخلاف ذلك. وفي رواية سهيل المتقدّمة: ((وأما الذي هي عليه وزرٌ، فالذي يتّخذها أَشَرًا، وبَطَرًا، وبَذَخَا، ورِيَاءً للناس))، والبذخ بفتحتين: بمعنى الأشر، والبطر (وَنِوَاءٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَام) بكسر النون، والمدّ، وهو مصدرٌ، تقول: ناوأت العدوّ مناوأةً، ونِوَاءٌ، وأصله منَ ناء: إذا نهض، ويُستعمل في المعاداة، قال الخليل: ناوأت الرجلَ: ناهضته بالعداوة. وحكى عياض عن الداوديّ شارح البخاريّ أنه وقع عنده: ((ونَوّى)) بفتح النون، والقصر، قال: ولا يصحّ ذلك. قال الحافظ: حكاه الإسماعيليّ عن رواية إسماعيل بن أبي أويس، فإن ثبت، فمعناه: وبُعْدًا لأهل الإسلام، أي منهم. والظاهر أن الواو في قوله: ((ورياء، ونواءٌ)) بمعنى: ((أو))؛ لأن هذه الأشياء قد تفترق في الأشخاص، وكلّ واحد منها مذموم على حدته انتهى كلام الحافظ. (فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ) أي سبب تحمل وزر (وَسُئِلَ النَّبِيُّ وَلِيَ) قال الحافظ: لم أقف على تسمية السائل صريحًا (عَنِ الْحَمِيرِ، فَقَالَ: ((لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ، إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ) أي العامّة المتناولة لكلّ خير وشرّ (الْفَاذَّةُ) - بالفاء، وتشديد الذال المعجمة -: أي المنفردة في معنها القليلة النظير. قال في ((الفتح)): سمّاها جامعةً لشمولها لجميع الأنواع من طاعة ومعصية، وسمّاها فاذة؛ لانفرادها في معناها. قال ابن التين: والمراد أن الآية دلّت على أن من عمل في اقتناء الحمير طاعة رأى ثواب ذلك، وإن عمل معصيةً، رأی عقاب ذلك. (١) متفقٌ عليه، وتقدّم للنسائيّ في ((الزكاة)) برقم ٢٤٦٧. (٢) ((شرح مسلم)) ٧/ ٦٦. ٣٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ (﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة) أي مقدار أصغر نملة (خَيْرًا) منصوب على التمییز لـ «ذرّة» (يَرَهُ) أي في الآخر؛ ليجازى عليه خيرًا (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾) أي ليجازى عليه شرًا؛ إذ الجزاء من جنس العمل. وأنشدوا في معنى الآية [من الخفيف]: إِنَّ مّنْ يَغْتَدِي وَيَكْسِبُ إِثْمًّا وَزْنَ مِثْقَالٍ ذَرَّةٍ سَيَرَاهُ وَبِفِعْلِ الْجَمِيلِ أَيْضًا جَزَّاهُ وَيُجَازَى بِفِعْلِهِ الشَّرَّ شَرًّا هَكَذَا قَوْلُهُ تَبَارَكَ رَبِّي فِي ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ﴾ وَجَلَّ ثَنَاهُ(١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥٨٩/١ و٣٥٩٠ و٣٦٠٩/١١ - وفي ((الكبرى)) ١/ ٤٤٠٢ و ٤٤٠٣ و٤٤٢٣/١١. وأخرجه (خ) في ((المساقاة)) ٢٣٧١ و((الجهاد والسير» ٢٨٥٣ (م) في ((الزكاة)) ٩٨٧ (ت) في ((فضائل الجهاد)) ١٦٣٦ (ق) في ((الجهاد)) ٢٧٨٨ (أحمد) في (باقي مسند المكثرين)) ٧٥٠٩ و٨٦٤٩ و٨٧٥٤ (الموطأ) في ((الجهاد)) ٩٧٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الخيل. (ومنها): بيان أن الخيل إنما يكون في نواصيها الخير والبركة، إذا كان اتخاذها في الطاعة، أو في الأمور المباحة، وإلا فهي مذمومة. (ومنها): أن فيه تحقيق إثبات العمل بظواهر العموم، وأنها ملزمة، حتى يدلّ دليل التخصيص. (ومنها): أن فيه إشارة إلى الفرق بين الحكم الخاصّ المنصوص، والعامّ الظاهر، وأن الظاهر دون المنصوص في الدلالة، ومحلّ بحث هذه المسألة فنّ أصول الفقه. (ومنها): أن ابن بطال قال: فيه تعليم الاستنباط والقياس؛ لأنه شبّه ما لم يَذكر الله حكمه في كتابه، وهو الحمر، بما ذكره من عمل مثقال ذرّة من خير أوشرّ، إذ كان معناهما واحدًا، قال: وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا فهم عنه. (١) راجع تفسير القرطبيّ ٢٠/ ١٥٢. ٣- (ما يُسْتَحَبُّ مِنْ شِێ الخل) - حديث رقم ٣٥٩٣ ٣٦٧ وتعقّبه ابن الْمُنَيِّر بأن هذا ليس من القياس في شيء، وإنما هو استدلال بالعموم، وإثبات لصيغته، خلافًا لمن أنكر، أو وقف. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٢- (بَابُ حُبِّ الْخَيْلِ) ٣٥٩٢- (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ((لَمْ يَكُنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللّهِ، بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدّم للمصنّف سندًا، ومتنا في ((كتاب عشرة النساء)) ٣٩٤١/١ - وتقدّم شرحه، وأنه حديث ضعيف؛ لعنعنة قتادة، وهو مدلّسٌ، ولاختلاط سعيد بن أبي عروبة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٣- (مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ شِيَةِ الْخَيْلِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد بيان ما يُستحسن من ألوان الخيل. و((الشِّيَةُ)) - بكسر الشين المعجمة، وفتح المثناة التحتانيّة- قال الفيّوميّ: العلامة، وأصلها وِشِيَةٌ، والجمع شِيّات، مثل عِدَات، وهي في ألوان البهائم سواد في بياض، أو بالعكس انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ((فتح)) ٦ / ١٥٥. ٣٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْل ٣٥٩٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْبَزَّازُ، هِشَامُ بْنُ سَعِيدٍ، الطَّالَقَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ شَبِيبٍ، عَنِ أَبِي وَهَبٍ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ، تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَارْتَبِطُوا الْخَيْلَ، وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا، وَأَكْفَالِهَا، وَقَلْدُوهَا، وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ، وَعَلَيْكُمْ بِكُلِ كُمَّيْتٍ، أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ، أَغَرَّ مُحَجَلٍ، أَوْ أَذْهَمَ، أَغَرَّ مُحَجَّلٍ)) ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن رافع) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] ١١٤/٩٢. ٢- (أبو أحمد البزاز - بزازيين- هشام بن سعيد الطالقاني) نزيل بغداد، صدوق، من صغار [٩]. قال الجوزجاني، عن أحمد: ثقة، صاحب خير وصلاح في بدنه. وقال عبد الله بن أحمد: كان يحيى بن معين لا يروي عنه شيئًا. وقال ابن سعد: كان ثقة، مات قبل أن يسمع منه الناس. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في الثقات. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط . ٣- (محمد بن مهاجر) بن أبي مسلم دينار الأنصاريّ الشاميّ، أخو عمرو، مولى أسماء بنت يزيد الأشهليّة، ثقة [٧] . قال أحمد، وابن معين، ودُحَيمٌ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأبو داود، والعجليّ: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وأخوه عمرو ثقة، ولهما أحاديث كِثَارٌ حِسَان. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان متقنًا. قال الهيثم بن خارجة وغيره: مات سنة (١٧٠) روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب فقط . ٤- (عَقِيل - بفتح العين المهملة، وكسر القاف- ابن شَبيب) -بمعجمة مفتوحة، وموحّدتين، بينهما مثناة تحتانيّة- وقيل: سعيد، مجهول [٤] . روى عن أبي وهب الْجُشَميّ، وعنه محمد بن مهاجر، ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن القطّان: مجهول الحال. وكذا قال أبو حاتم في ((كتاب العلل))، واختُلف عنده في اسم أبيه، فقيل: شبيب، وقيل: سعيد. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (أبو وهب) الْجُشَميّ، روى عن النبيّ وَّرِ، وعنه عَقِيل بن شَبِيب. قال البغويّ: ٣٦٩ == ٣- (مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ شِيَةِ الْخَيْل) - حديث رقم ٣٥٩٣ سكن الشام، وله حديثان(١). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي وَهْبٍ) الْجُشميّ، لا يُعرف اسمه (وَكَانَتْ لَهُ صُخْبَةٌ) ذكره ابن السكن وغير واحد في الصحابة، وقال أبو أحمد في ((الكنى)) : له صحبة، وحديثه في أهل اليمامة (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، تَسَمَّوْا) بفتح الميم المشدّدة، صيغة أمر من التّسمّي، وأصله (تَسَمَّيُوا)) بوزن تكلّموا، فقلبت الياء ألفًا؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار تَسَمَّوا، فليست الفتحة ما قبل الواو، بل ما قبلها محذوف؛ لما ذُكر، فلا يقال: كان الحقّ أن يُضم ما قبل الواو، فتنبه، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في «خلاصته)) حيث قال: أَلِفًا ابْدِلْ بَعْدَ فَتْحِ مُتَصِلْ مِنْ وَاوِ اوْ يَاءِ بِتَخرِيكٍ أُصِلْ إِعْلَاُلَ غَيْرِ اللَّامِ وَهْيَ لَا يُكَفُ إِنْ حُرْكَ الثَّالِي وَإِنْ سُكِّنَ كَفُ إِعْلَالُهَا بِسَاكِنٍ غِيْرٍ أَلِفْ أَوْ يَاءِ الشَّشْدِيدُ فِيهَا قَدْ أُلِفْ (بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ) عليهم الصلاة والسلام، وقد ثبت أن النبيّ وَُّ سمّى ولده بإبراهيم، فيستفاد منه استحباب التسمّي بأسماء الأنبياء، وأما الأمر به فما جاء إلا في هذا الحديث، وهو ضعيف، كما سيأتي، وأما قوله (وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) فصحيح، أخرجه مسلم بلفظ: ((إن أحبّ أسمائكم إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن)). وإنما كان التسمّي بعبد الله، وعبد الرحمن أحب إلى الله عز وجل؛ لما فيه من الاعتراف بالعبوديّة للَّه تعالى، والمراد هما، وأمثالهما، كعبد الرحيم، وعبد العزيز، وعبد الحميد، وغير ذلك (وَارْتَبِطُوا الْخَيْلَ) أمر بالارتباط، وهو مبالغة في الربط، وهو كناية عن اعتلافها، وإعدادها للغزو عليها (وَامْسَحُوا بِنَوَاصِيهَا) جمع ناصية، وهو شعرها المنسدل على جبهتها (وَأَكْفَالِهَا) بفتح الهمزة، جمع كَفَل بفتحتين، وهو عجزها. والمقصود من المسح تنظيفها من الغبار، وتَعرّف حال سِمَنها، وقد يحصل به الأُنْس للفرس بصاحبه (وَقَلْدُوهَا) بكسر اللام المشدّدة، أمر من التقليد، أي اجعلوا القلادة في عنقها. قال القاري: أي اجعلوا ذلك ملازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق. (١) هو حديث الباب فرقه حديثين، بل جعله أبو داود ثلاثة أحاديث، وساقه المصنّف مساقًا واحدًا. - ٣٧٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْخَيْلِ وقيل: معناه اجعلوا في أعناق الخيل ما شئتم (وَلَا تُقَلِّدُوهَا الْأَوْتَارَ) قال ابن الأثير: أي قلّدوها طلب أعداء الدين، والدفاع عن المسلمين، ولا تقلّدوها طلبَ أوتار الجاهليّة، وذُحُولها(١) التي كانت بينكم، والأوتار جمع وِتْر بالكسر، وهو الدم، وطلب الثأر، يريد اجعلوا ذلك لازمًا لها في أعناقها لُزُوم القلائد للأعناق. وقيل: أراد بالأوتار جمع وَتَر القوس: أي لا تجعلوا في أعناقها الأوتار، فتَختَنقَ؛ لأن الخيل ربّما رَعَت الأشجار، فَتَشِبَ الأوتارُ ببعض شُعَبها، فَخَنَقَها. وقيل: إنما نهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعُذوة لها، فنهاهم، وأعلمهم أنها لا تدفع ضررًا، ولا تَصرِفُ حَذَرًا انتهى(٢) . (وَعَلَيْكُمْ بِكُلِ كُمَيْتٍ) بضم الكاف، بصيغة التصغير: هو الذي لونه بين السواد والحمرة، يستوي فيهى المذكّر والمؤنّث (أَغَرَّ) هو الذي في وجهه غرّة، أي بياضٌ (مُحَجَّلٍ) بصيغة اسم المفعول، من التحجيل - بتقديم المهملة على الجيم- وهو الذي في قوائمه بياض. وقال في ((النهاية)): هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، ويُجاوز الأرسغ، ولا يُجاوز الركبتين؛ لأنها مواضع الأَحْجَالِ، وهي الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل باليد واليدين، ما لم يكن معها رجلٌ، أو رجلان. انتهى (١). (أَوْ أَشْقَرَ) أي أحمر خالصًا. قال الفيّوميّ: الشُّقْرة من الألوان حُمْرةٍ تعلو بياضًا في الإنسان، وحمرة صافية في الخيل. قاله ابن فارس (أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَذْهَمّ) أي أسود قال الفيّوميّ: الدُّهمة السواد، يقال: فرسٌ أدهم، وبعيرٌ أدهم، وناقَةٌ دهماء: إذا اشتدّت وُزقته حتى ذهب بياضه، وشاةً دهماء: خالصة الْحُمْرة انتهى (أَغَرَّ مُحَجَّلٍ) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي وهب هذا ضعيفٌ؛ لجهالة عَقِيل بن شبيب، كما تقدّم في ترجمته. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥٩٢/٣- وفي ((الكبرى)) ٤٤٠٦/٤. وأخرجه (د) في ((الجهاد)) ٢٥٤٣ و((الأدب)) ٤٩٥٠ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٥٥٣. والله تعالى أعلم (١) الذَّخْلُ: الثأر، أو هو العداوة، والحقد. ((ق)). (٢) ((النهاية)) ٤ / ٩٩. (٣) ((النهاية)) ٣٤٦/١. ٤- (الشّكَالُ فِي الْخَيْل) - حديث رقم ٣٥٩٤ ٣٧١ = بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٤- (الشّكَالُ فِي الْخَيْلِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هو بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الكاف، اختلف في تفسيره على أقوال، سيأتي بيانها قريبًا، إن شاء اللّه تعالى أعلم. والله تعالى أعلم بالصواب . ٣٥٩٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح وَأَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَِّيُّ نَّهِ، يَكْرَهُ الشّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ، وَاللَّفْظُ لِإِسْمَاعِيلَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ ابن راهويه المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢ . ٢- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدريّ، أبو مسعود البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢. ٣- (محمد بن جعفر) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغندر، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢٢/٢١ . ٤- (بشر) بن المفضّل بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨]٨٢/٦٦. ٥- (شعبة) بن الحجّاج الإمام البصريّ الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤. ٦- (عبد الله بن يزيد) النخعيّ الكوفيّ، هذا خطأ، والصواب أنه سلم بن عبد الرحمن الآتي في السند التالي، كما قاله الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى، قال: أخطأ شعبة في اسمه، وستأتي ترجمته هناك. ٧- (أبو زرعة) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفي، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: غير ذلك، ثقة [٣] ٥٠/٤٣ . ٨- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. ٣٧٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْخَيْلِ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، إلى عبد الله بن يزيد. (ومنها): أن فيه أبا هريرة تَنّه رأس المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَ النَِّيُّ نَّهِ، يَكْرَهُ الشِّكَالِ مِنَ الْخَيْلِ) ((الشِّكال)) -بكسر الشين المعجمة -: فسره المصنّف في الرواية التالية بأن تكون ثلاثُ قوائمَ محجْلةٌ، وواحدةٌ مطلقة، أو تكون الثلاثة مطلقة، ورجلٌ محجّلة، وليس يكون الشكال إلا في رجل، ولا يكون في اليد. وفسره في رواية مسلم، فقال: والشّكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياضٌ، وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى، ورجله الیسری انتھی. والتفسير الذي فسّر به المصنّف هو تفسير الجمهور، قال النوويّ في ((شرحه)) بعد أن ذكر التفسير المذكور في مسلم: وهذا التفسير أحد الأقوال في الشّكال. وقال أبو عبيد، وجمهور أهل اللغة والغريب: هو أن يكون منه ثلاث قوائم محجّلة، وواحدة مطلقة، تشبيهًا بالشّكال الذي تشكل به الخيل؛ فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا. قال أبو عُبيد: وقد يكون الشِّكال ثلاث قوائم مطلقة، وواحدة محجّلة، قال: ولا تكون المطلقة من الأرجل، أو المحجّلة إلا الرجل. وقال ابن دريد: الشّكال أن يكون مُحجّلًا من شقّ واحد في يده ورجله، فإن كان مخالفًا قيل: شِكَالٌ مخالفٌ (١). وقال في ((النهاية)): الشّكال: هو أن تكون ثلاث قوائم منه محجّلةً، وواحدة مطلقة؛ تشبيهًا بالشكال الذي تُشكل به الخيل؛ لأنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا. وقيل: هو أن تكون الواحدة محجّلةً، والثلاث مُطلقة. وقيل: هو أن تكون إحدى يديه، وإحدى رجليه من خلاف محجّلتين. وإنما كرهه لأنه كالمشكول صورةً تفاؤلًا، ويمكن أن يكون جرّب ذلك الجنس، فلم يكن فيه نجابةٌ. وقيل: إذا كان مع ذلك أغرّ زالت الكراهة؛ لزوال شبه الشّگال انتهى (٢). وقال الحافظ وليّ الدين: اختلف في تفسير الشّكال المنهيّ عنه على عشرة أقوال، (١) ((شرح مسلم)) ١٣/ ٢٢-٢٣. (٢) ((النهاية)) ٢ /٤٩٦ . ٤- (الشكالُ فِي الخيل) - حدیث رقم ٣٥٩٤ ٣٧٣ ==== فذكر الثلاثة المتقدّمة، قال: [والرابع]: أن يكون التحجيل في يد ورجل، من شِقْ واحد، فإن كان مخالفًا قيل: شِكالٌ مخالف. [والخامس]: أن الشكال بياض الرجل اليمنى. [والسادس]: أنه بياض اليسرى. [والسابع]: أنه بياض الرجلين. [والثامن]: أنه بياض اليدين. [والتاسع]: أنه بياض اليدين، ورجل واحدة [والعاشر]: بياض الرجلين، ويد واحدة. حكى هذه الأقوال السبعة المنذريّ في ((حواشيه))، والثلاثة الأُوَلُ مشهورة، والثالث منها هو الذي فُسّر به الشكال في حديث أبي داود -يعني التفسير الذي تقدّم في رواية مسلم- فالأخذ به أولى؛ لأنه إما من كلام النبيّ وَّ، أو من كلام الراوي، وهو أعرف بتفسير الحديث. انتهى(١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ -بعد ذكر الأقوال -: وليس فيها ما يوافق ذلك التفسير إلا ما حكاه ابن دريد من الشكال المخالف، فإن صحّ أن ذلك من قول النبيّ وَّ فهو حقّ - والله تعالى أعلم- وإن كان ذلك من قول بعض الرواة، فالمعروف عند اللغويين ما قدّمته من قول أبي عبيد. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي قاله أبو عبيد هو الذي فسّر به المصنّف رحمه الله تعالى في الرواية التالية. قال: ويحتمل أن يكون كره اسم الشّكال من جهة اللفظ؛ لأنه يُشعر بنقيض ما تراد الخيل له، وهذا كما قال: ((لا أُحبّ العقوق))(٢) ويحتمل أن يكرهه لما يقال: إن حوافر المشكل، وأعضاءه ليس فيها من القوّة ما فيما ليس كذلك انتهى (٣). وقوله (وَاللَّفْظُ لِإِسْمَاعِيلَ) يعني أن لفظ المتن الذي ساقه هنا لشيخه إسماعيل بن مسعود، وأما شيخه إبراهيم بن راهويه، فرواه بالمعنى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥٩٣/٤ و٣٥٩٤ - وفي ((الكبرى)) ٤٤٠٧/٥ و٤٤٠٨ . وأخرجه (م) في الإمارة)) ١٨٧٥ (د) في ((الجهاد)) ٢٥٤٧ (ت) في ((الجهاد)) ١٦٩٨ (ق) في ((الجهاد)) (١) راجع ((زهر الربى)) ٢٢٠/٦-٢٢١. (٢) راوه أحمد ٢/ ١٩٤ و٣٦٩/٥ و٤٣٠. (٣) ((المفهم)) ٧٠٤/٣. ٣٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْل ٢٧٩٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٦٣٦٠ و٩٣٤٣ و٢٧٧٩٥ و٩٨٠٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٩٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ، أَنَّهُ كَرِهَ الشّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الشِّكَالُ مِنَ الْخَيْلِ، أَنْ تَكُونَ ثَلَاثُ قَوَائِمَ مُحَجَّلَةً، وَوَاحِدَةٌ مُطْلَقَةٌ، أَوْ تَكُونَ الثَّلَاثَةُ مُطْلَقَةً، وَرِجْلٌ مُحَجَّلَةَ، وَلَيْسَ يَكُونُ الشِّكَالُ إِلَّ فِي رِجْلٍ، وَلَا يَكُونُ فِي الْيَدِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطّان. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((سلم بن عبد الرحمن)) النخعيّ الكوفيّ، أخو حُصين، قيل: يكنى أبا عبد الرحيم، صدوق [٦] . قال عبد الله بن أحمد، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس. ونقل ابن شاهين في ((الثقات)) عن أحمد بن حنبل أنه قال: ثقة. وقال العجليّ، والدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عندهم حديث الباب فقط. [تنبيه]: كون اسم هذا المترجم سلم بن عبد الرحمن، هو الذي في النسخة الهندية من ((المجتبى))، وهو الذي في ((صحيح مسلم)) ٢٢/١٣- بنسخة ((شرح النوويّ))، و (سنن أبي داود)) ٢١٩/٧- بنسخة ((عون المعبود))، و((تحفة الأشراف)) ١٠/ ٤٣٨- ٤٣٩- وهو الصواب، ووقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)) ((سالم بن عبد الرحمن)) بألف بعد السين، وفي ((الكبرى)) ((مسلم بن عبد الرحمن)) بزيادة ميم في أوله، وكلاهما تصحيف، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٥- (بَابُ شُؤْمِ الْخَيْلِ) أي هل هو على عمومه، أو مخصوص ببعض الخيل؟ وهل هو على ظاهره، أو مؤول؟، وسيأتي تفصيل ذلك. ٥- (بابُ شُؤْم الْخَيْل) - حديث رقم ٣٥٩٦ ٣٧٥ = قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أشار المصنف رحمه الله تعالى بالترجمة التي بعد هذه، حيث قال: ((باب بركة الخيل)) إلى أن الشؤم المذكور في حديث الباب، إنما هو في بعض الخيل، دون بعض، وهذا من دقيق فهمه، ونظره رحمه الله تعالى، وسيأتي قريبًا بيان اختلاف أهل العلم في معنى الشؤم في الأشياء الثلاثة المذكورة في الحديث، ولكن أذكر هنا ما أراه راجحًا عندي تقريبًا للاستفادة، وهو ما قاله أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى في ((المفهم))، مرجحًا حمل الإمام مالك رحمه الله تعالى الحديث علی ظاهره، حیث قال: وقال أبو عبد الله: إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس، وحمله على ظاهره، ولم يتأوله، فذكر في ((كتاب الجامع)) من ((العتبيّة)) أنه قال: ربّ دار سكنها قومٌ، فهلكوا، وآخرون بعدهم، فهلكوا، وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره، ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد، قال: جاءت امرأةٌ إلى النبيّ وَّر، فقالت: يا رسول اللَّه، دار سكناها، والعدد كثير، والمال وافر، فذهب العدد، وقلّ المال، فقال رسول اللَّهُ وَ: ((دعوها ذَمِيمٌ))(١). قال القرطبيّ: ولا يُظنّ بمن قال هذا القول: أن الذي رُخّص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهليّة تعتقد فيها، وتفعل عندها، فإنها كانت لا تُقدِم على ما تطيّرت به، ولا تفعله بوجهٍ، بناءً على أن الطيرة تضرّ قطعًا، فإن هذا ظنّ خطأ، وإنما يعني بذلك أن هذه الأشياء أكثر ما يتشاءم الناس بها؛ لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك، فقد أباح الشرع له أن يتركه، ويستبدل به غيره، مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يُقیم في موضع یکرهه، أو مع امرأة یکرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كلّه، لكن مع اعتقاد أن اللّه تعالى هو الفعّال لما يُريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثرٌ في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم. (١) الحديث بهذا السند ليس متصلاً، وقد أخرجه البيهقيّ -٨/ ١٤٠- بإسناد صحيح، عن عبدالله بن شداد بن الهاد أن امرأة من الأنصار، قالت: يا رسول الله، سكنا دارنا هذه، ونحن كثير، فهلكنا، وحسنّ ذات بيننا، فساءت أخلاقنا، وكثيرٌ أموالنا، فافتقرنا، فقال: ((أفلا تنتقلون عنها ذميمة))، قالت: فكيف نصنع بها يا رسول الله؟، قال: ((تبيعونها، أو تهبونها)). قال البيهقيّ: هذا مرسل. وتعقّبه ابن التركماني، فقال: هذه المرأة صحابيّة، وابن شداد سمع جماعة من قدماء الصحابة، كعمر، وعليّ، ومعاذ ، وقولهم: إن فلانا قال: كذا، كالعنعنة عند جماهير أهل الحديث، فالحديث إذًا مرفوع انتهى. ١٤٠/٨. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قاله ابن التركماني هو الصواب، فالحديث متصل صحيح. والله تعالى أعلم. ٣٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ [فإن قيل]: فهذا يجري في كلّ مُتطيّر به، فما وجه خصوصيّة هذه الثلاثة بالذكر؟. [فالجواب]: ما نبّهنا عليه من أن هذه ضروريّةٌ في الوجود، ولا بدّ للإنسان منها، ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها، فخصّها بالذكر لذلك. [فإن قيل]: فما الفرق بين الدار، وبين موضع الوباء، فإن الدار إذا تُطُيِّر بها، فقد وُسِّعَ له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد مُنع من الخروج منه؟. [فالجواب]: ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام: [أحدها]: ما لم يقع التأذي به، ولا اطّردت عادة به خاصّةٌ، ولا عامّةٌ، لا نادرة، ولا متكرّرةٌ، فهذا لا يُصغَى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه، كلُّقِيّ غراب في بعض الأسفار، أو صُراخ بُومة في دار، ففي مثل هذا قال بَّهَ: ((لا طِيَرَة))، و((لا تطيِّرُوا))، وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره، وتعمل عليه، مع أنه ليس في لقاء الغراب، ولا دخول البومة دارًا ما يُشعر بأذّى، ولا مكروه، لا على جهة الندور، ولا التكرار. [وثانيها]: ما يقع به الضرر، ولكنه يعمّ، ولا يخصّ، ويندر، ولا يتكرّر، كالوباء، فهذا لا يُقْدَمُ عليه؛ عملًا بالحزم والاحتياط، ولا يفرّ منه لإمكان أن يكون قد وصل الضرر إلى الفار، فيكون سفره سببًا في محنته، وتعجيلًا لهلكته، كما قدّمناه. [وثالثها]: سببٌ يخصّ، ولا يعمّ، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة، كالدار، والفرس، والمرأة، فيباح له الاستبدال، والتوكّل على اللَّه تعالى، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالی(١)، قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي بينه القرطبي رحمه الله تعالى، وفصّله بيان، وتفصيلٌ حسنُ جدًّا، يجمع بين أحاديث الباب المختلفة. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٩٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَِّيِّ ◌ََّ، قَالَ: ((الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالدَّارِ)) ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (قتيبة بن سعيد) الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢ - (محمد بن منصور) بن ثابن بن خالد الْخُزَاعِّ الْجَوّاز المكيّ، ثقة [١٠]٢١/٢٠. ٣- (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم (١) ((المفهم)) ٦٢٩/٥-٦٣١. (كتاب الرقى والطبّ)). ٥- (بَابُ شُؤْم الْخَيْل) - حديث رقم ٣٥٩٦ ٣٧٧ المكيّ، ثقة ثبت حجة [٨] ١/١. ٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/١ . ٥- (سالم) بن عبد الله العدويّ المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٩٠/٢٣. ٦- (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الثاني، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِم) بن عبد اللَّه. وفي رواية البخاريّ، من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ: ((أخبرني سالم)). قال في ((الفتح)): كذا صرّح شعيب عن الزهريّ بإخبار سالم له، وشذّ ابن أبي ذئب، فأدخل بين الزهريّ، وسالم محمد بن زُبيد بن قنفذ، واقتصر شعيب على سالم، وتابعه ابن جريج، عن ابن شهاب عند أبي عوانة، وكذا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهريّ، عند البخاريّ في ((الطبّ))، وكذا أكثر أصحاب سفيان، عنه، عن الزهريّ، ونقل الترمذيّ عن ابن المدينيّ، والحميديّ أن سفیان كان يقول: لم يرو الزهريّ هذا الحديث إلا عن سالم انتهى. وكذا قال أحمد عن سفيان: إنما نحفظه عن سالم. لكن هذا الحصر مردود، فقد حدّث به مالك عن الزهريّ، عن سالم، وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما، ومالك من كبار الحفّاظ، ولا سيّما في حديث الزهريّ. وكذا رواه ابن أبي عمر، عن سفيان نفسه، أخرجه مسلم، والترمذيّ عنه، وهو يقتضي رجوع سفيان عما سبق من الحصر، وأما الترمذيّ، فجعل رواية ابن أبي عمر هذه مرجوحة. وقد تابع مالكًا أيضًا يونس من رواية ابن وهب عنه، كما عند البخاريّ في ((الطبّ))، وصالح بن كيسان عند مسلم، وأبو أويس عند أحمد، ويحيى بن سعيد، وابن أبي عَتِيق، وموسى ابن عقبة، ثلاثتهم عند النسائيّ(١)، كلهم عن الزهريّ، عنهما. (١) أي في ((عشرة النساء)) ص ٣٣٣ رقم ٤٠٢ و٤٠٣. تحقيق عمرو علي عمر. ٣٧٨ : = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ ورواه إسحاق بن راشد عن الزهريّ، فاقتصر على حمزة. أخرجه النسائيّ(١)، وكذا أخرجه ابن خزيمة، وأبو عوانة من طريق عُقيل، وأبو عوانة من طريق شبيب بن سعيد، كلاهما عن الزهريّ. ورواه القاسم بن مبرور، عن يونس، فاقتصر على حمزة، أخرجه النسائيّ أيضًا (٢). وكذلك أخرجه أحمد من طريق رباح بن زيد، عن معمر، مقتصرًا على حمزة. وأخرجه النسائيّ(٣) من طريق عبد الواحد، عن معمر، فاقتصر على سالم. فالظاهر أن الزهريّ يجمعهما تارةً، ويُفرد أحدهما أخرى. وقد رواه إسحاق في (مسنده)) عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، فقال: عن سالم، أو حمزة، أو كلاهما، وله أصل عن حمزة من غير رواية الزهريّ، أخرجه مسلم، من طريق عتبة بن مسلم، عنه. والله أعلم انتهى ما في ((الفتح))(٤). (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي اللَّه تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ بَّ) أنه (قَالَ: ((الشُّؤْمُ) وفي رواية في ((عشرة النساء)): ((إنما الشؤم)). وهو -بضمّ المعجمة، وسكون الهمزة، وقد تُسهّل، فتصير واوًا (فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَسِ، وَالدَّارِ) وفي رواية: ((في ثلاث))، و((الشؤم)) مبتدأ، خبره الجار والمجرور. و(«الشؤم)): نقيض اليمن، وهو من باب الطيرة. قال ابن العربيّ: والحصر فيها بالنسبة إلى العادة، لا بالنسبة إلى الخلقة انتهى. وقال غيره: إنما خُصّت بالذكر لطول ملازمتها. وقد رواه مالك، وسفيان، وسائر الرواة بحذف ((إنما))، لكن رواية عثمان بن عمر: ((لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في الثلاثة)). قال مسلم: لم يذكر أحدٌ في حديث ابن عمر: ((لا عدوى)) إلا عثمان بن عمر . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في هذا النفي نظرٌ لا يخفى؛ لأنه لم ينفرد به عثمان، بل تابعه ابن وهب عند المصنّف في ((عشرة النساء))، ولفظه: ((أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، ومالك، عن ابن شهاب، عن حمزة، وسالم، عن ابن عمر: أن رسول اللَّه وَلّ قال: ((لا عدوى، ولا طيرة،، إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار)). انتهى. والله تعالى أعلم. قال في ((الفتح)) : ومثله في حديث سعد بن أبي وقاص الذي أخرجه أبو داود، لكن (١) ((عشرة النساء)) ص٣٢٩ رقم ٣٩٣. (٢) ((عشرة النساء)) ص ٣٣٠ رقم ٣٩٤. (٣) ((عشرة النساء)) ص ٣٣٢ رقم ٤٠٠ . (٤) ((فتح)) ١٤٩/٦ - ١٥٠. = ٣٧٩ ٥- (بَابُ شُؤْم الْخَيْل) - حديث رقم ٣٥٩٦ فيه: ((إن تكن الطيرة في شيء ... )) الحديث. و((الطيرة)) و((الشؤم)) بمعنى واحد. وظاهر الحديث أن الشؤم والطيرة في هذه الثلاثة، قال ابن قتيبة: ووجهه أن أهل الجاهلية كانوا يتطيّرون، فنهاهم النبيّ وَّر، وأعلمهم أن لا طِيَرَة، فلما أبوا أن ينتهوا بقيت الطيرة في هذه الأشياء الثلاثة. قال الحافظ: فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره. قال القرطبيّ: ولا يُظنّ به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضرّ وينفع بذاته، فإن ذلك خطأ، وإنما عَنَى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطيّر به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه، ويستبدل به غيره. وقد وقع عند البخاريّ في ((النكاح)) في رواية عمر العسقلانيّ -وهو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر- عن أبيه، عن ابن عمر، بلفظ: ((ذكروا الشؤم، فقال: إن كان في شيء ففي)) ولمسلم: ((إن يك من الشؤم شيء حقّ))، وفي رواية عتبة بن مسلم ((إن كان الشؤم في شيء))، وكذا في حديث جابر عند مسلم، -وهي الحديث التالي للنسائيّ هنا- وهو موافق لحديث سهل بن سعد عظيم عند البخاريّ بلفظ: ((إن كان في شيء)). وهو يقتضي عدم الجزم بذلك، بخلاف رواية الزهريّ. قال ابن العربيّ: معناه: إن كان خلق اللَّه الشؤم في شيء مما جرى من بعض العادة، فإنما يخلقه في هذه الأشياء. قال المازريّ: مجمل هذه الرواية: إن يكن الشؤم حقًّا، فهذه الثلاث أحقّ به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذا أكثر مما يقع بغيرها. وجاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أنكرت هذا الحديث، فروى أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده)) عن محمد بن راشد، عن مكحول، قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة قال: قال رسول اللّه وَلاير: ((الشؤم في ثلاثة))، فقالت: لم يحفظ، إنه دخل، وهو يقول: ((قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاثة))، فسمع آخر الحديث، ولم يسمع أوله . قال الحافظ: ومكحول لم يسمع من عائشة، فهو منقطع. لكن روى أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، من طريق قتادة، عن أبي حسّان: ((أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول اللَّه وَ لخير قال: ((الطيرة في الفرس، والمرأة، والدار))، فغضبت غضبًا شديدًا، وقالت: ما قاله، وإنما قال: ((إن أهل الجاهلية كانوا يتطيّرون من ذلك)) انتهى. ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة رَّه ، مع موافقة من ذكرنا من الصحابة له في ذلك. ٣٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْل وقد تأوله غيرها على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه إخبار من النبيّ وَل ﴿ بثبوت ذلك. وسياق الأحاديث الصحيحة المتقدّم ذكرها يُبعد هذا التأويل. قال ابن العربيّ: هذا جواب ساقطٌ؛ لأنه وَله لم يُبعَث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية والحاصلة، وإنما بُعث ليعلّمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه انتهى. وأما ما أخرجه الترمذيّ من حديث حكيم بن معاوية، قال: سمعت رسول اللّه وَله يقول: ((لا شؤم، وقد يكون الْيُمْنُ في المرأة، والدار، والفرس)) ففي إسناده ضعف، مع مخالفته الأحاديث الصحيحة. وقال عبد الرزاق في ((مصنّقه)) عن معمر: سمعت من يفسّر هذا الحديث، يقول: شؤم المرأة إذا كانت غير وَلُود، وشؤم الفرس إذا لم يُغزَ عليه، وشؤم الدار جار السوء. وروى أبو داود في ((الطبّ)) عن ابن القاسم، عن مالك، أنه سئل عنه؟ فقال: كم من دار سكنها ناسٌ، فهلكوا. قال المازريّ: فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أن قَدَرَ اللَّهِ ربّما اتفق ما يكره عند سكنى الدار، فتصير في ذلك كالسبب، فتسامح في إضافة الشيء إلیه اتساعًا . وقال ابن العربيّ: لم يُرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها، فأشار إلى أنه ينبغي للمرء الخروج عنها، صيانة لاعتقاده عن التعلّق بالباطل. وقيل: معنى الحديث: أن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها، مع كراهة أمرها؛ لملازمتها بالسكنى، والصحبة، ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها؛ ليزول التعذيب. قال الحافظ: وما أشار إليه ابن العربيّ في تأويل كلام مالك أولى، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم، مع صحّة نفي العدوى، والمراد بذلك حسم المادة، وسدّ الذريعة؛ لئلا يوافق شيء من ذلك القدر، فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى، أو من الطيرة في اعتقاد من نهي عن اعتقاده، فأشير إلى اجتناب مثل ذلك. والطريق فيمن وقع له ذلك في الدار مثلًا أن يبادر إلى التحوّل منها؛ لأنه متى استمرّ فيها ربما حمله ذلك على اعتقاد صحّة الطيرة والتشاؤم. وأما ما رواه أبو داود، وصححه الحاكم، من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس رَّ : قال رجلٌ: يا رسول اللَّه، إنا كنا في دار، كثير فيها عددنا، وأموالنا، فتحوّلنا إلى أخرى، فقلّ فيها ذلك؟ فقال: ((ذروها ذميمة))، وأخرج من حديث فروة بن مُسَيك - بالمهملة، مصغّرًا- ما يدلّ على أنه هو السائل، وله شاهد من