Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١ =
٧٤- (الأقراء) - حديث رقم ٣٥٨٠
وقال آخر في الحيض [من الرجز]:
يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضٍ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْخَائِضِ
يعني أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض.
وقال قوم: هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض، وهو جمعه، ومنه القرآن؛ لاجتماع
المعاني، ويقال لاجتماع حروفه. ويقال: ما قرأت الناقة سَلّى قطّ، أي لم تجمع في
جوفها؛ وقال عمرو بن كُلثوم:
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرِ هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا
فكأنّ الرحم يَجمَع الدمَ وقت الحيض، والجسم يجمعه وقت الطهر. قال أبو عمر
ابن عبد البرّ: قول من قال: إن القرء مأخوذ من قولهم: قريت الماء في الحوض ليس
بشيء؛ لأن القرء مهموز، وهذا غير مهموز.
قال القرطبيّ: هذا صحيح بنقل أهل اللغة: الجوهريّ وغيره، واسم ذلك الماء قِرّى
-بكسر القاف، مقصور -. وقيل: القرء الخروج، إما من طهر إلى حيض، أو من
حيض إلى طهر، وعلى هذا قال الشافعيّ في قول: القرء الانتقال من الطهر إلى
الحيض، ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءًا، وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن
يكون قرءًا، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبِّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾: أي
ثلاثة أدوار، أو ثلاثة انتقالات، والمطلّقة متّصفة بحالتين فقط، فتارة تنتقل من طهر إلى
حيض، وتارة من حيض إلى طهر، فيستقيم معنى الكلام، ودلالته على الطهر والحيض
جميعًا، فيصير المعنى مشتركًا. ويقال: إذا ثبت أن القرء الانتقال، فخروجها من طهر
إلى حيض غير مراد بالآية أصلًا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقًا سُنّيًّا،
مأمورًا به، وهو الطلاق للعدّة، فإن الطلاق للعدّة ما كان في الطهر، وذلك يدلّ على
كون القرء مأخوذًا من الانتقال، فإذا كان الطلاق في الطهر سنيًّا، فتقدير الكلام: فعدّتهنّ
ثلاثة انتقالات، فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من
حيض إلى طهر، لم يُجعل قُرءًا؛ لأن اللغة لا تدلّ عليه، ولكن عَرَفْنَا، بدليل آخر، أن
الله تعالى لم يُرد الانتقال من حيض إلى طهر، فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مرادًا
بقي الآخر، وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادًا، فعلى هذا عدّتها ثلاثة انتقالات،
أولها الطهر، وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر،
ولا يكون ذلك حملًا على المجاز بوجه ما. قال إلكيا الطبريّ: وهذا نظر دقيق في غاية
الاتجاه لمذهب الشافعيّ، ويُمكن أن نذكر في ذلك سرًّا فهمه من دقائق حِكْم الشريعة،
وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جُعل قرءًا لدلالته على براءة الرحم، فإن

٣٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
الحامل لا تحيض في الغالب، فبحيضها عُلم براءة رحمها، والانتقال من حيض إلى طهر
بخلافه، فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل، وقَوِي
الولد انقطع دمها، ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر، وقد مدحت
عائشة رسول اللّه وَ ل بقول الشاعر [من الكامل]:
وَمُبَرَّاِ مِنْ كُلِّ غُبَّرٍ حَيْضَةٍ وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءِ مُغْيَلٍ
يعني أن أمه لم تحمل به في بقيّة حيضها. فهذا ما للعلماء، وأهل اللسان في تأويل
القرء.
وقالوا: قرأت المرأة قرءًا: إذا حاضت، أو طهرت، وقرأت أيضًا: إذا حملت.
واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة أوقات،
صارت الآية مفسَّرَةً في العدد، محتمِلَةً في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من
غيرها، فدليلنا قول الله تعالى: ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت
الطهر، فيجب أن يكون هو المعتبر في العدّة، فإنه قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾ يعني وقتًا
تعتدّ به، ثم قال تعالى: ﴿وَأَحْصُواْ أَلْيِدَّةً﴾ يريد ما تعتدّ به المطلّقة، وهو الطهر الذي
تطلّق فيه. وقال ◌َله لعمر رَمثيه: ((مره، فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم
تحيض، ثم تطهر، فتلك العدّة التي أمر اللَّه أن تُطلّق لها النساء)). أخرجه مسلم وغيره.
وهو نصّ في أن زمن الطهر هو الذي يسمّى عدّةً، وهو الذي تُطلّق فيه النساء، ولا
خلاف أن من طلّق في حال الحيض لم تعتدّ بذلك الحيض، ومن طلّق في حال الطهر،
فإنها تعتدّ عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر أن أرجح الأقوال في المعنى المراد
من القرء في قول عز وجل: ﴿ثَلَثَةَ قُرُوَةٌ﴾ قول من قال: إنها الطهر، لا الحيضُ، وإن
كان اللفظ يُطلق عليهما جميعاً، كما تقدّم بيانه عن أهل اللغة، إلا أن المراد في هذه الآية
هو الطهر؛ بدليل توضيح النبيّ وَلير ذلك في حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما
المذكور، فبيانه أوضح بيان، وأتمّه، حيث إن الله سبحانه وتعالى وكل بيان معنى كتابه
إليه، بقوله عز وجل: ﴿وَأَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. ولقد أجاد
العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان الأقوال المذكورة في معنى القرء، وأدلتها،
وترجيح أنه الطهر بأدلة كثيرة في كتابه الممتع ((زاد المعاد)) بما لا تجده مجموعًا عند
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١١٣/٣-١١٥. ((تفسير سورة البقرة)).

٧٥- (بَأَبُ نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ ... - حديث رقم ٣٥٨١
٣٤٣
غيره، ولولا خوف التطويل لنقلته بحروفه، فإن شئت فارجع إليه - ٥/ ٥٩٤ -٦٥٠ .
تزدد علما جما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٧٥- (بَابُ نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ
التَّطْلِيقَاتَ الثَّلَاثِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كان الأولى للمصنّف رحمه اللّه تعالى تأخير هذا
الباب عن الباب التالي؛ لأنه كالفرع له؛ إذ أن فيه بيان ثبوت أصل المراجعة، وهذا فيه
بيان مانع المراجعة، وتقديم الأول على الثاني هو الأنسب كما لا يخفى. والله تعالى
أعلم بالصواب.
٣٥٨١- (حَذَّثَنَا (١) زَكَرِيًّا بْنُ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَلِيُّ ابْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةً،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، وَقَالَ:
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَّةً مَكَانَ آيَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ الْآيَةَ، وَقَالَ: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنِتٌ
وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾، فَأَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ، وَقَالَ: ﴿وَالْمُطَلَقَتُ يَرَبَّعْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ أَرَدُوّا
إِصْلَعًا﴾، وَذَلِكَ بِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ(٢)، فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا
ثَلَاثَا، فَتَسَخَ ذَلِكَ، وَقَالَ: ﴿اَلَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِسَالِكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌِّ بِإِحْسَانٍ﴾).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم سندًا، ومتنا في -
٣٥٢٦/٥٤- باب «ما استثني من عدّة المطلقات»، وفي -٣٥٧٠/٦٩- («باب نسخ متاع
المتوفّى عنها بما فرض لها من الميراث»، وتقدّم هناك شرحه، وبيان مسائله بما فيه
الكفاية، إن شاء اللّه تعالى، فإن أردت الاستفادة، فراجعه، والله تعالى وليّ التوفيق.
واستدلال المصنف رحمه الله تعالی به علی ما ترجم له واضحٌ، حیث إن فيه بيان
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) وفي نسخة: ((امرأة)).

٣٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث، وهذا مما خلاف فيه إِذَا كان الطلاق مرتّبًا، وإنما
الخلاف فيما إذا أوقعه بكلمة واحدة، فقد تقدّم أن الأرجح، أن له المراجعة؛
والجمهور على خلافه، فراجع المسألة في -٧/ ٣٤٣٠ - تجد جوابًا شافيًا، واللَّه تعالى
وليّ التوفيق.
ثم إن قوله: ((وذلك بأن الرجل كان إذا طلّق امرأته إلى قوله: ((فنسخ ذلك)) يدلّ على
أن هذا كان في أول الإسلام؛ لأنّ النسخ لا يكون إلا فيما شُرع في الإسلام، ثم أزيل؛
إذ النسخ رفع حكم شرعيّ بخطاب شرعيّ متراخ عنه.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) عند قوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾
الآية: هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان
أحقّ برجعة امرأته، وإن طلّقها مائة مرّة، ما دامت في العدّة، فلما كان هذا فيه ضرر
على الزوجات، قصرهم اللَّه إلى ثلاث طلقات، وأباح الرجعة في المرة، والثنتين،
وأبانها بالكليّة في الثالثة.
وأخرج ابن مردويه، وغيره من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله
تعالى عنها، قالت: لم يكن للطلاق وقتّ، يطلّق الرجل امرأته، ثم يراجعها، ما لم
تنقض العدّة،، وكان بين رجل من الأنصار، وبين أهله ما يكون بين الناس، فقال:
والله لأتركنّك لا أيّمًا، ولا ذات زوج، فجعل يُطلّقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي
راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله عز وجل فيه: ﴿الطَّلَقُ مَرََّانٍ فَإِمِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
تَشْرِيحٌ ◌ِإِحْسَانٍ﴾، فوقت الطّلاق ثلاثًا، لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره.
روي هذا الحديث مرسلًا وموصولًا، وصححه الحاكم، وقال الترمذي: المرسل
أصح(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٧٦- (بَابُ الرَّجْعَةِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هي-بفتح الراء، وهو الأفصح، وكسرها، وسكون
(١) راجع ((تفسير ابن كثير) ٢٧٩/١.

=
٣٤٥
٧٦- (بابُ الرجعةِ) - حديث رقم ٣٥٨٢
الجيم - قال الفيّوميّ: الرَّجعة بالفتح بمعنى الرجوع، وفلانٌ يؤمن بالرجعة: أي بالعَوْد
إلى الدنيا. وأما الرجعة بعد الطلاق، ورجعة الكتاب، فبالفتح، والكسر، وبعضهم
يقتصر في رَجْعة الطلاق على الفتح، وهو أفصح. قال ابن فارس: والرجعة: مراجعة
الرجل أهله، وقد تكسر، وهو يملك الرجعة على زوجته. وطلاقْ رِجْعَى بالوجهين
أيضًا انتهى.
ثم إن استدلال المصنف رحمه الله تعالى على ما ترجم له بأحاديث الباب واضح، إذ
هي صريحة في مشروعيّة الرجعة بعد الطلاق.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: الرجعة ثابتة بالكتاب والسنة، والإجماع، أما
الكتاب فقول اللَّه سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةً قُرُوٍَ﴾ إلى
قوله: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَوِّنَ فِ ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا﴾ الآية، [البقرة: ٢٢٨]. والمراد
به الرجعة عند جماعة العلماء، وأهل التفسير. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية، [البقرة: ٢٣١] أي بالرجعة، ومعناه: إذا قاربن بلوغ
أجلهنّ، أي انقضاء عدْتهنّ.
وأما السنّة، فما روى ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، قال: طلّقت امرأتي، وهي
حائض ... الحديث. متفق عليه. ثم ذكر حديث طلاق النبيّ وَلقر حفصة رضي الله
تعالى عنها الآتي آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
قال: وأجمع أهل العلم أن الحرّ إذا طلّق امرأته دون الثلاث، أو العبد إذا طلّق دون
الاثنتين، أن لهما الرجعة في العدّة. ذكره ابن المنذر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا كله فيما إذا كانت المرأة مدخولًا بها، وأما إذا لم
تكن مدخولًا بها، فلا رجعة لزوجها إليها.
قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تَبِين بطلقة واحدة، ولا
يستحقّ مطلّقها رجعتها، وذلك لأن الرجعة إنما تكون في العدّة، ولا عدّة قبل الدخول؛
لقول اللَّه سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ
أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَمَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾
[الأحزاب: ٤٩] .
فبيّن الله سبحانه وتعالى أنه لا عدّة عليها، فتَبِين بمجرّد طلاقها، وتصير كالمدخول
بها بعد انقضاء عدّتها، لا رجعة عليها، ولا نفقة لها، وإن رغب مطلّقها فيها، فهو
خاطبٌ من الخطّاب، يتزوّجها برضاها بنكاح جديد، وترجع إليه بطلقتين، وإن طلّقها،
ثم تزوّجها، رجعت إليه بطلقة واحدة، بغير خلاف بين أهل العلم. انتهى المقصود من

٣٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
كلام ابن قدامة(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٨٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي، وَهِيَ
خَائِضٌ، فَأَتَى النَّبِيِّ نَِّ عُمَرُ، فَذَكَّرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيِّ نَّهِ: ((مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا (٢)، فَإِذَا
طَهُرَتْ -يَعْنِي فَإِنْ شَاءَ- فَلْيُطَلِّقْهَا))، قُلْتُ لِاِبْنِ عُمَرَ: فَاحْتَسَبْتَ مِنْهَا؟ فَقَالَ: مَا يَمْنَعُهَا،
أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ، وَاسْتَحْمَقَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((محمد)) شيخ ابن المثنى، هو ابن جعفر المعروف بغندر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق في أوائل ((كتاب الطلاق))، وقد استوفيت هناك -
بحمد الله تعالى- شرحه، وبيان مسائله، فراجعه، تستفد.
وقوله: ((فاحتسبتَ منها)) بضمير المتكلّم، وهو بتقدير استفهام، أي هل اعتددت
بتلك التطليقة، أم لا. والظاهر أن ((مِنْ)) بمعنى الباء.
وقوله: ((ما يمنعها)) ((ما)) استفهاميّة، استفهامًا إنكاريًّا، أي أيّ شيء يمنع من وقوع
تلك التطليقة .
وقوله: ((إن عجز، واستحمق)) أي فعل فعل الجاهل الأحمق بأن أبى عن الرجعة بلا
عجز، فالواو بمعنى ((أو)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٨٣- (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْتِى بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ إِذْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدٍ
ابْنِ إِسْحَاقَ، وَيَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَحِ وأَخِبَرَنَا
زُهَيْرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالُوا: إِنَّ أَبْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ،
وَهِيَ خَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ رَضِي اللَّهِ عُنْهِ لِلنَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ: ((مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، حَتّى تَحِيضَ
حَيْضَةً أُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، فَإِنّةُ الطَّلَاقُ الَّذِي أَمَرَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِذَّتِنَّ﴾).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا
غير مرّة. و((ابن إدريس)): هو عبد الله الأوديّ. و((يحيى بن سعيد)): هو الأنصاريّ.
وقوله: ((وأخبرنا زُهير)) معطوفٌ على ((ابن إدريس))، فهو موصول بالسند السابق،
فالقائل: و((أخبرنا زهيرٌ)) هو يحيى بن آدم، فهو يروي هذا الحديث عن زهير بن معاوية
(١) ((المغني)) ١٠/ ٥٤٧-٥٤٨.
(٢) وفي نسخة: ((فليراجعها))، وفي أخرى: ((فليرجعها)).

٣٤٧
٧٦- (بابُ الرَّجْعَةِ) - حديث رقم ٣٥٨٥
ابن حُديج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما. كما
رواه عن عبد الله بن إدريس الأديّ، عن شيوخه الثلاثة: محمد بن إسحاق، ويحيى بن
سعيد، وعبيدالله بن عمر، كلهم عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما.
[تنبيه]: هذا الذي ذكرته هنا بلفظ: ((وأخبرنا زهير، عن موسى بن عقبة)» بـ ((عن)) هو
الذي في ((الكبرى))، وهو الصواب، كما في ((تحفة الأشراف)) ٢٤٧/٦ - ووقع في نسخ
((المجتبى)) بلفظ: ((وأخبرنا زهير وموسى بن عقبة)) بالعطف، وهو غلط فاحش، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق القول فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٨٤- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، قَالَ:
كَانَ ابْنُ عُمَرَ، إِذَا سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ طَلَّقَ (١) امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، فَيَقُولُ: أَمَّا إِّنْ طَلَّقَهَا
وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا، حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةٌ
أُخْرَىٍ، ثُمَّ تَظْهُرَ، ثُمَّ يُطَلْقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، وَأَمَّا إِنْ طَلَّقَهَا (٢) ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ اللَّهَ،
فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ، مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((إسماعيل)): هو ابن عليّة. و((أيوب)): هو السختياني.
وقوله: ((أما إن طلّقها واحدة الخ)) جوابه محذوف، أي فله المراجعة، وأما قوله:
((فإن رسول اللَّه وَ لقر الخ)) علة للجواب.
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق الكلام عليه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٨٥- (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، مَرْوَزِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ
مَالِهِ ، فَرَاجَعَهَا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((حنظلة)) : هو ابن أبي سفيان الْجُمَحيّ المكيّ.
والحديث أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٨٦- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِيهِ
(١) وفي نسخة: ((يطلّق)).
(٢) وفي نسخة: ((إن يطلّقها)).

٣٤٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يُسْأَلُ عَنْ رَجُلِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا،
فَقَالَ: أَتَغْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّةُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا، فَأَتَى عُمَرُ
النَّبِيِّ ◌َِّ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَظْهُرَ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ يَزِيدُ عَلَى هَذَا).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((أبو عاصم)): هو الضحاك بن مخلد النبيل. و((ابن طاوس)): هو عبد الله.
وقوله: ((ولم أسمعه يزيد على هذا))، القائل: ولم أسمعه، هو ابن طاوس، يعني أنه
لم يسمع أباه يحدّث بتمام الحديث، وإنما سمعه يرويه مقتصرًا على هذا القدر.
ولفظ مسلم في ((صحيحه)): ((قال: لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه)). قال النوويّ
رحمه الله تعالى في ((شرحه)): قوله في آخره: «لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه)): بالباء
الموحدة، ثم الياء المثناة من تحت. ومعناه أن ابن طاوس قال: لم أسمعه، أي لم أسمع
أبي طاوسًا يزيد على هذا القدر من الحديث، والقائل: ((لأبيه)) هو ابن جريج، وأراد
تفسير الضمير في قول طاوس: لم أسمع، واللام زائدة، فمعناه: يعني أباه، ولو قال:
يعني أباه لكان أوضح انتھی(١).
والحديث أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٨٧- (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأْنَا يَحْتَى بْنُ آدَمَ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ
مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيًّا، عَنْ
صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ عُمَرَ،
أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ، وَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ نَّهِ، كَانَ طَلَّقَ حَفْصَةَ، ثُمَّ رَّاجَعَهَاَ. وَاللَّهُ
أَعْلَمُ))(٢) .
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١- (عبدة بن عبد الله) الصفّار الخزاعيّ، أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة
[١١] ١٨/ ٨٠٠ .
٢- (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ الثقة [١١] ١٠٨/ ١٤٧ من أفراد المصنف.
٣- (يحيى بن آدم) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريا الكوفي، ثقة حافظ
فاضل، من كبار [٩] ١١٤/٩٢.
(١) (شرح مسلم)) ٣١٠/١٠-٣١١.
(٢) يوجد في النسخة الهنديّة: ما لفظه: ((آخر كتاب الطلاق)).

٣٤٩
٧٦- (بَابُ الرَّجْعَةِ) - حديث رقم ٣٥٨٧
٤- (سهل بن محمد) بن الزبير، أبو سعيد، وقيل: أبو داود العسكريّ، نزيل
البصرة، ثقة [١٠] .
قال أبو حاتم: صدوقٌ ثقة. وقال النسائيّ: ثبت. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة. وقال
أبو زرعة: كان أكيس من سهل بن عثمان. وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): كان أنبل من
سهل بن عثمان. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال ابن قانع، وأبو القاسم: مات سنة
(٢٢٧). تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث
فقط، وله عند أبي داود آخر أيضًا.
٥- (يحيى بن زكريا) بن أبي زائدة الهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة متقن، من كبار
[٩] ٢٢٦/١٤٤ .
٦- (صالح بن صالح) بن حيّ، ويقال: ابن صالح بن مسلم بن حيّ، ويقال:
حيّان، وحيّ لقب حيّان، ثقة [٦] ٣٣٤٥/٦٥.
[تنبيه]: وقع في في هذا السند: ما نصّه: ((عن صالح بن صالح -هو ابن أخي والد
الحسن وعلي بن صالح الكوفي)) وهذا فيه تصحيف في موضعين، والصواب: عن
صالح بن صالح -وهو ابن حيّ، والد الحسن، وعليّ ابني صالح، فلفظ ((أخي))
مصحّف من ((حيّ)) بالحاء المهملة، وتشديد الياء، بلفظ ((حيّ)) ضدّ الميت، ولفظ ((ابن))
مصحّفٌ من لفظ ((ابني)) بالتثنية.
والحاصل أن ((حيّ)) اسم جدّ صالح بن صالح، وتارة يُنسب هو إليه، فيقال: صالح
ابن حيّ، كما مرّ في ترجمته السابق، وقوله: والد الحسن الخ بالرفع بدل من «ابن
حيّ))، أي صالح والد الحسن وعليّ ابني صالح. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٧- (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤] ٣١٢/١٩٥.
٨- (سعيد بن جبير) بن هشام الأسديّ الوالبيّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو محمد
الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨.
٩- (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧ .
١٠ - (عمر) بن الخطّاب بن نُفيل العدويّ الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه ٦٠/ ٧٥ .
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من ثمانيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات.
(ومنها): أن معظمهم كوفيون. (ومنها): أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد،
واختلف في اختصارها، وقد أشار إلى ذلك السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية

٣٥٠ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
الحديث)) حيث قال:
وَكَتَبُوا (ح) عِنْدَ تَكْرِيرٍ سَنَذْ فَقِيلَ مِنْ صَحَّ وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ
مِنَ الْحَدِيثِ أَوْ لِتَخْوِيلِ وَرَدْ أَوْ حَائِلِ وَقَوْلُهَا لَفْظًا أَسَدُّ
(ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ عُمَرَ) هكذا أشار في النسخة الهنديّة إلى أَنَّ في بعض النسخ بلفظ ((عن عمر))،
وعندي أن هذا هو الصواب، وأما الذي في معظم نسخ ((المجتبى)) بلفظ: ((عن ابن
عمر))، بزيادة لفظة (ابن))، فغلط؛ لأن هذا الحديث من رواية ابن عبّاس، عن عمر بن
الخطاب ** ، فقد أخرج الحديث أبو داود برقم -٢٢٨٣ -، وابن ماجه برقم ٢٠١٦ -
والدارميّ برقم ٢٢١٦٤-، كلهم من رواية ابن عباس، عن عمر ◌َّه، وكذا أورده
الحافظ المزّيّ في ((تحفة الأشراف)) ٤٢/٨-٤٣- في مسند عمر بن الخطّاب، لا في
مسند ولده عبد الله بن عمر، بل لا يوجد لابن عبّاس رواية عن ابن عمر ﴾ في
الكتب الستة أصلًا، كما يظهر من مراجعة ((تحفة الأشراف)) في مسند ابن عمر رضي الله
تعالى عنهما.
وهذا أيضًا هو الذي يظهر من نسخة ((السنن الكبرى)) للمصنّف حيث إن لفظ ((ابن))
وقعت فيه بين قوسين ملحقة هكذا عن [ابن] عمر، وهذا يدل على أن لفظ ((ابن)) ملحقة
من الكاتب لما رآها في بعض النسخ، أو في نسخ ((المجتبى))؛ ظنًّا منه أن الصواب
إلحاقها، مع أن الصواب هو العكس.
والحاصل أن لفظ ((ابن)) الواقع في معظم النسخ غلطً، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم
بالصواب.
(أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، وَقَالَ عَمْرٌو) يعني منصور شيخه الثاني (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ) يعني
شيخيه اختلفا في لفظ ((النبي))، و((رسول اللَّه)) (كَانَ طَلَّقَ حَفْصَةَ) بنت عمر رضي الله
تعالى عنهما (ثُمَّ رَاجَعَهَا) أي بأمر الله تعالى له بذلك. فقد أخرج ابن سعد مرسلًا من
طريق أبي عمران الْجَوْنيّ، عن قيس بن زيد: ((أن رسول اللّه وَ ل طلّق حفصة تطليقة،
ثم ارتجعها، وذلك أن جبريل قال له: ارجع حفصةً، فإنها صوّامة، قوّامة، وإنها زوجتك
في الجنّة)). وأخرج عن (١) عثمان بن أبي شيبة، عن حميد، عن أنس تعمّه أن النبيّ وَل
(١) هكذا النسخة، بـ» عن))، وهو محل نظر، فليحرر.

٧٦- (بابُ الرَّجْعَةِ) - حديث رقم ٣٥٨٧
=
٣٥١
طلّق حفصة، ثم أُمِر أن يراجعها، فراجعها. وروى موسى بن عُليّ، عن أبيه، عن عقبة
ابن عامر رَّ، قال: ((لما طلّق رسول اللَّه وَالهيل حفصة بنت عمر رضي اللّه تعالى
عنهما، فبلغ ذلك عمر، فحثا التراب على رأسه، وقال: ما يعبأ اللَّه بعمر، وابنته
بعدها، فنزل جبريل من الغد على النبيّ وَله، فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة؛
رحمة لعمر)). وفي رواية أبي صالح، عن أبي عمر(١) دخل عمر على حفصة، وهي
تبكي، فقال: لعل رسول اللَّه وَ له قد طلّقك، إنه كان قد طلّقك مرّةً، ثم راجعك من
أجلي، فإن كان طلّقك مرّة أخرى، لا أكلّمك أبدًا)). أخرجه أبو يعلى(٢). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: في سنده انقطاع، حيث وقع بلفظ (نُبْئتُ)) بالبناء للمجهول، ولم يُعرف
المنبىء، فكيف يصح؟.
[قلت]: هذا بالنسبة لسهل بن محمد، في رواية المصنّف، أما سند عبدة بن عبد الله
فليس فيه ذلك.
بل وقع في رواية أبي داود التصريح من سهل بن محمد نفسه بأن يحيى بن زكريا
أخبره، ولفظه: ((حدثنا سهل بن محمد بن الزبير العسكريّ، أخبرنا يحيى بن زكريا بن
أبي زائدة ... )).
وفي رواية ابن ماجه -٢٠١٦/١ -: حدثنا سُويد بن سعيد، وعبد الله بن عامر بن
زُرارة، ومسروق بن الْمَرْزُبان، قالوا: حدّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح
ابن صالح بن حيّ ... ». وفي رواية الدارميّ-٢٢٦٤ -: حدثنا إسماعيل بن خلیل،
وإسماعيل بن أبان، قالا: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح ...
والحاصل أن السند متصلٌ صحيح، والحمد لله. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧٦/ ٣٥٨٧ - وفي ((الكبرى)) ٥٧٥٥/٧٦. وأخرجه (د) في ((الطلاق))
٢٢٨٣ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠١٦ (الدارمي) في ((الطلاق)) ٢٢١٦٤ . والله تعالى أعلم.
(١) هكذا نسخة (الإصابة)) ١٩٩/١٢ ولعل الصواب ((عن ابن عمر)، فليحرر.
(٢) راجع ((الإصابة)) ١٩٨/١٢-١٩٩.

٣٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْل
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة الرجعة.
(ومنها): بيان ما كان يحصل للنبيّ وَّله من المشكلة الزوجيّة، حتى يؤدي ذلك إلى أن
يفارق أهله، وذلك تشريعًا لأمته، كيف يطلّقون، وكيف يراجعون، ورفعًا لدرجاته
وَالثر؛ لأن ذلك من المصائب الدنيوية التي يؤجر عليها العبد، حيث يلحقه بسببه الغمّ
والهمّ. (ومنها): بيان فضيلة عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه، حيث إن اللَّه تعالى
أمر نبيّه وَله بمراجعة ابنته بعد طلاقها، رحمة به تمثّه. (ومنها): بيان منقبة أم المؤمنين
حفصة رضي اللَّه تعالى عنها، حيث أمر اللَّه تعالى نبيّه وَ له بمراجعتها بعد الطلاق،
وأخبره بأنها زوجته في الجنّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٧- (كِتَابُ الْخَيْلِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى تقديم هذا
الكتاب إلى ((كتاب الجهاد))، كما فعل في ((الكبرى))، حيث ذكره عقب ((كتاب الجهاد)).
و((الخيل)): الفُرسان. وفي (المحكم)): جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه. قال
أبو عبيدة: واحدها خائل؛ لأنه يختال في مشيته. قال ابن سيده: وليس هذا بمعروف.
وفي ((التنزيل العزيز)): ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، أي بفرسانك، ورَجّالتك. قاله
في ((اللسان)).
وفي ((المصباح)): الخيل: معروف، وهي مؤنّثة، ولا واحد لها من لفظها، والجمع
خُيُول، قال بعضهم: وتُطلَق الخيل على العراب، وعلى الْبَرَاذين، وعلى الفُرْسان،
وسُمّيت خيلًا؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا، ومنه خُيَلاءُ، وهو الكبر،
والإعجاب انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٨٨- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَزْوَانُ -وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - قَالَ:
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ صُبَيحِ الْمُرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلِ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا
عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذَالَ النَّاسَُ الْخَيْلَ، وَوَضَعُوا السَّلَاحَ،

٣٥٣
٢٧- (کِتابُ الخیل) - حديث رقم ٣٥٨٨
وَقَالُوا: لَا جِهَادَ، قَدْ وَضَعَتِ الْحَزِبُ أَوْزَارَهَا، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ،وَلِ بِوَجْهِهِ، وَقَالَ: ((كَذَبُوا
اْآنَ، الْآَنَ جَاءَ الْقِتَالُ، وَلَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي، أُمَّةٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، وَيُزِيغُ اللَّهُ لَهُمْ قُلُوبَ
أَقْوَامِ، وَيَرْزُقُهُمْ مِنْهُمْ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَحَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ، وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا
الْخَيْرُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ يُوحَى إِلَيَّ أَنِّي مَقْبُوضٌ، غَيْرُ مُلَبَّثٍ، وَأَنْتُمْ تَتَّبِعُونِي أَفْتَادًا،
يَضْرِبُ بَعْضُكُمَّ رِقَابَ بَعْضٍ، وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ)) ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (أحمد بن عبد الواحد) بن واقد التميميّ المعروف بابن عَبُّود الدمشقيّ، صدوق
. [二]
قال ابن عساكر: ذكره محمد بن يحيى بن أحمد الفقيه، فقال: ثقة. وقال النسائيّ:
صالحٌ، لا بأس به. وقال العقيليّ، وابن أبي عاصم، وغيرهما: ثقة. وقال أبو
الدَّخدَاح: توفي سنة (٢٥٤) زاد إبرهيم بن عبد الرحمن القرشيّ: في ليلة الجمعة،
لليلتين خلتا من شوّال. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب
حديثان فقط: هذا الحديث، و٤٨٨٣/٤٧،٤٦-حديث أبي بكر بن عمرو بن حزم:
(«هذا بيان من الله ورسوله، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ ... وله عند أبي داود
حديث واحد ٣٥٩٤- ((الصلح جائز بين المسلمين ... )).
٢- (مروان بن محمد) الأسديّ المدمشقيّ الطاطَرِيّ، ثقة [٩] ١٠٩١/١٢٨.
٣- (خالد بن يزيد بن صالح بن صُبَيح) بن الْخَشْخَاش بن معاوية بن سُفيان المُرِّيّ -
بضمّ الميم، وبالراء- أبو هاشم الدمشقيّ، قاضي البلقاء، قرأ القرآن على عبد الله بن
عامر، ثقة [٧] .
قال العجليّ، ودُحيم، وأبو حاتم: ثقة. زاد ابن أبي حاتم: وصدوق، وهو أمتن من
خالد بن يزيد بن أبي مالك، وأوثق من ابنه عِرَاك. وقال أحمد بن رِشدين: قيل لأحمد
ابن صالح: فخالد بن يزيد بن صُبيح، كأنه أرفع من هؤلاء، وأنبل، فشدّ يده، وقال:
نعم. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال الدارقطنيّ: يُعتبر به. وذكره ابن حبّان في
((الثقات)). قال أبو زرعة الدمشقيّ: حدثني ابن عِرَاك بن خالد، عن أبيه، أن جدّه خالد
ابن يزيد المرّيّ تُوفّي قبل سعيد بن عبد العزيز بنحوٍ من سنة، ابن تسع وثمانين، وتوفّي
سعيد سنة (١٦٧). روى له المصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، وابن ماجه، وله عند
المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
[تنبيه]: ((صُبيح)) الجدّ الأعلى لخالد هذا بضم الصاد المهملة، وفتح الموحّدة بصيغة
التصغير، كما نصّ عليه الحافظ ابن ماكولا في ((الإكمال)) ١٧٠/٥ . فما وقع في النسخ

٣٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْل
المطبوعة من ((المجتبى)) من ضبطه بالقلم بفتح أوله، وكسر ثانيه، مكبّرا، فغلط،
فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.
٤- (إبراهيم بن أبي عَبْلَة) -بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة- واسمه شِمْر -
بكسر المعجمة- ابن يقظان، أبو إسماعيل الشاميّ، ثقة [٥] ٢١ /٥٣٥ (١).
٥- (الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ) -بضم الجيم، وفتح الراء -: الحمصيّ
الزَّجَّاج، ثقة [٤] ١٠٣ / ١٣٦٤.
٦- (جُبير بن نُفير) الحضرميّ الحمصيّ، ثقة جليل مخضرم [٢] ٦٢/٥٠.
٧- (سَلَمَة بن نُفيل) - بنون، وفاء، مصغّرًا- السكونيّ، ثم التَّاغِميّ الحضرميّ، له
صحبة، قاله أبو حاتم، والبخاريّ، سكن حمص، وأصله من اليمن. روى عن النبيّ
وَ لله. وعنه جُبير بن نُفير، وضمرة بن حبيب، والوليد بن عبد الرحمن الجرَشيّ،
والصحيح أن بينهما جُبير بن نُفير. تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط. يقال: ما له
غيره، لكن قال في ((الإصابة)): وجدت له حديثًا آخر، أخرجه الطحاويّ، وهو في
زيادات أبي عوانة من («صحيحه)) انتهى(٢). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم
عن بعض: إبراهيم، عن الوليد، عن جبير بن نُفير. (ومنها): أن صحابيّه من المقلين
من الرواية، فليس له إلا حديثان فقط، كما مرّ آنفًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلِ الْكِنْدِيِّ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولٍ
اللّهِ وَلَّ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذَالَ النَّاسُ الْخَيْلَ) -بالذال المعجمة- أي
أهانوها، يقال: ذال الشيءُ يَذِيل، من باب باع: هان، وأذلته أنا: أهنته، ولم أُحسن
القيام به. وإذالة الخيل: امتهانها بالعمل، والحمل عليها. أفاده في ((اللسان)).
والمراد هنا أنهم أهانوها، واستخفّوا بها بقلّة الرغبة فيها. وقيل: أراد أنهم وضعوا
أداة الحرب عنها، وأرسلوها (وَوَضَعُوا السِّلَاحَ) أي تركوه، ولم يستعملوه في قتال
(١) ((إبراهيم بن أبي عبلة))، له عند المصنّف حديثان فقط، هذا، و٥٣٥/٢١- حديث عائشة ((أعتم
رسول الله ور ليلة بالعتمة ... )) في ((كتاب الصلاة)).
(٢) ((الإصابة)) ٢٣٦/٤.

=
٣٥٥
٢٧- (کِتابُ الْخیل) - حدیث رقم ٣٥٨٨
العدوّ (وَقَالُوا: لَا جِهَادَ، قَدْ وَضَعَتِ الْحَزْبُ أَوْزَارَهَا) - بفتح الهمزة- جمع وِزر -بكسر
الواو، وسكون الزاي -: الثّقْلُ، ومنه وزير الملك؛ لأنه يتحمّل عنه الأثقال: أي انقضى
أمر الحرب، وخفّت أثقالها، فلم يبقَ قتال. وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿حَّى تَضَعَ الْرّبُ
أَوْزَارَهًا﴾ أي إلى أن يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة، أو
الموادعة، ويقال: للكُرَاع أوزار، قال الأعشى [من المتقارب]:
وَأَعْدَدتَ لِلْحَزْبِ أَوْزَارَهَا رِمَاحًا طِوَالًا وَخَيْلًا ذُكُورًا
وَمِنْ نَسْجِ دَاوُدَ يَخدِي بِهَا عَلَى أَثَرِ الْحَيِّ عَيْرًا فَعَيْرَا
(1).
أفاده القرطبيّ
(فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ بِوَجْهِهِ) حتى يكون خطابه مواجهة؛ لأنه المؤثّر في نفوس
المخاطبين (وَقَالَ: ((كَذَبُوا) بتخفيف الذال المعجمة (الْآنَ الْآنَّ) منصوب على الظرفيّة،
ثم يحتمل أن يكون الأول متعلّقًا بما قبله، أي كذبوا الآن، أي في الوقت الذي تحدّثوا
فيه بأنه لا جهاد. ويحتمل أن يكون الثاني تأكيدًا للأول، والعامل فيهما قوله (جَاءَ
الْقِتَالُ) أي شرع الله تعالى القتال الآن، فكيف يُرفع عنهم سريعًا. أو المعنى: بل الآن
اشتدّ القتال، فإنهم قبل ذلك كانوا في أرضهم، واليوم جاء وقت الخروج إلى الأراضي
البعيدة .
(وَلَّا يَزَالُ) بالتحتانيّة، وفي نسخة: ((تزال)) بالفوقانيّة (مِنْ أُمَّتِي، أُمَّةٌ يُقَاتِلُونَ عَلَى
الْحَقِّ) أي لأجل إظهار الحقّ (وَيُزِيغُ اللَّهُ) بضم أوّله، من الإزاغة، وهو الإمالة،
والغالب استعماله في الميل عن الحقّ إلى الباطل (لَهُمْ قُلُوبَ أَقْوَامِ، وَيَرْزُقُهُمْ مِنْهُمْ) قال
السنديّ: والمراد يميل اللّه تعالى لهم، أي لأجل قتالهم، وسعادتهم قلوبَ أقوام عن
الإيمان إلى الكفر؛ ليقاتلوهم، ويأخذوا مالهم. ويحتمل على بعد أن المراد يميل الله
تعالى قلوب أقوام إليهم؛ ليعينوهم على القتال، ويرزق اللَّه تعالى أولئك الأقوام
الْمُعِينين من هؤلاء الأمة بسبب إحسان هؤلاء إلى أولئك. فالمراد بالأمة الرؤساء،
وبالأقوام الأتباع، وعلى الأول المراد بالأمة المجاهدون من المؤمنين، وبالأقوام
الكفرة. والله تعالى أعلم.
(حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) المراد أن تأتي علاماتها الكبرى، وذلك طلوع الشمس من
مغربها، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها
خيرًا، والريح الطيّبة التي يبعثها اللّه تعالى في آخر الزمان،، تقبض رُوح كلّ مؤمن،
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)» ٢٢٩/١٦.

٣٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْخَيْلِ
ويبقى شرار الناس، فيتهارجون تهارج الحُمُر(١)، فعليهم تقوم الساعة، كما في الحديث
الطويل في ((صحيح مسلم)) في خبر الدجّال، من ((كتاب الفتن)).
(وَحَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) أي ما وعده من قيام الساعة، فيكون العطف على سابقه، من
عطف المؤكّد على المؤكَّد.
(وَالْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) جاء تفسير الخير في حديث آخر
عند البخاريّ، وغيره من حديث عروة البارقَيّ رَ ◌ّه: ((أن النبيّ وَّو قال: ((الخيل
معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم)). وقوله: ((الأجر والمغنم))
بدل من ((الخير))، أو خبر مبتدإ محذوف، أي هو الأجر والمغنم. ووقع عند مسلم من
رواية جرير، عن حُصين، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: ((الأجر والمغنم)).
والمراد بالخيل هنا ما يُتّخذ للغزو، بأن يُقاتل عليه، أو يُرتبط لأجل ذلك؛ لقوله في
الحديث الآتي: ((الخيل ثلاثة ... )) الحديث، فقد روى أحمد من حديث أسماء بنت
يزيد رضي اللّه تعالى عنها، مرفوعًا: ((الخيل في نواصيها الخير معقود إلى يوم القيامة،
فمن ربطها عُدّةً في سبيل الله، وأنفق عليها احتسابًا، كان شبعها، وجوعها، وريها،
وظمؤها، وأروائها، وأبوالها فلاحًا في موازينه يوم القيامة ... )) الحديث.
قال الطيبيّ: يحتمل أن يكون الخير الذي فُسّر بالأجر والمغنم استعارة لظهوره،
وملازمته. وخصّ الناصية لرفعة قدرها، وكأنه شبّهه لظهوره بشيء محسوس معقود
على مكان مرتفع، فنسب الخير إلى لازم المشبّه به، وذَكَرَ الناصيةَ تجريدًا للاستعارة.
والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة. قاله الخطّابيّ وغيره. قالوا:
ويحتمل أن يكون كَنَى بالناصية عن جميع ذات الفرس، كما يقال: فلانٌ مبارك الناصية.
ويبعده لفظ الحديث، فقد روى مسلم من حديث جرير ته، قال: رأيت رسول الله
وَ ل﴿ يَأْوِي ناصية فرسه بأصبعه، ويقول ... )) فذكر الحديث. فيحتمل أن تكون الناصية
خُصّت بذلك؛ لكونها المقدم منها، إشارةً إلى أن الفضل في الإقدام بها على العدوّ،
دون المؤخّر؛ لما فيه من الإشارة إلى الإدبار. ذكره في ((الفتح)) (٢).
(وَهُوَ يُوحَى إِلَيَّ أَنِّي مَقْبُوض) يحتمل أن يكون ((هو)) ضمير راجعًا إلى الله تعالى،
و(يوحي)) - بكسر الحاء المهملة مبنيًّا للفاعل -: أي يوحي الله سبحانه وتعالى إليَّ بأني
سأموت قريبًا. ويحتمل أن يكون ضمير الشأن، و((يوحَى)) مبنيًّا للمفعول: أي الشأن أنه
يوحى إليّ كوني ميتًا عن قريب. والله تعالى أعلم (غَيْرُ مُلَبَّثٍ) برفع ((غير)) صفة
(١) أي يجامع رجالهم نساءهم علانية مثل الحمار.
(٢) ((فتح)) ١٤٣/٦-١٤٤.

٣٥٧
٢٧- (کِتابُ الخيل) - حديث رقم ٣٥٨٨
((مقبوض))، و((ملبث)) اسم مفعول من ألبثه غيره، أو من لبّئه بالتشديد، أي غير مؤخّر
في الدنيا، بل أنتقل للدار الآخرة (وَأَنْتُمْ تَشَِّعُونِي) أي تكونون بعدي، فإن التابع يكون
بعد المتبوع، أو تلحقون بي بالموت (أفْتَادًا) -بفتح الهمزة- جمع فِنْد - بكسر الفاء،
وسكون النون، بعدها دال مهملة- كحِمْل وأحمال. قال ابن الأثير: أي جماعات
متفرقين، قومًا بعد قوم، واحدهم فِئْدٌ. والفِنْد: الطائفة من الليل. ويقال: هو فِنْدٌ على
حدة: أي فِئَةٌ. انتهى(١).
(يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) جملة في محلّ نصب لـ ((أفنادًا)) (وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ
الشَّامُ) قال ابن الأثير: بضم العين، وفتحها: أي أصلها، وموضعها، كأنه أشار إلى
وقت الفتن، أي تكون الشام يومئذ أمنًا منها، وأهل الإسلام بها أسلم انتهى(٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سَلَمَة بن نُفيل رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥٨٨/١ - وفي ((الكبرى)) ٤٤٠١/١. وأخرجه (الدارمي) في
((المقدّمة)) ٥٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الخيل. (ومنها): أن
الجهاد قائم إلى قيام الساعة، والمراد قربها، وهو وقت مجيئ العلامات الكبرى، كما
مرّ بيانه آنفًا، ففيه بشرى ببقاء الإسلام، وأهله إلى يوم القيامة؛ لأن من لازم بقاء الجهاد
بقاء المجاهدين، وهم المسلمون.
وقد وردت أحاديث كثيرة بمعناه:
[فمنها]: حديث المغيرة رَّ، مرفوعًا: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى
يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون)). متفق عليه.
[ومنها]: ((حديث معاوية رَّه، مرفوعًا: ((لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا
يضرّهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس)).
[ومنها]: حديث ثوبان رَّه، مرفوعًا: ((لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين على
(١) ((النهاية)) ٣/ ٤٧٥.
(٢) ((النهاية)) ٢٧١/٣.

٣٥٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْخَيْلِ
الحقّ، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر اللَّه، وهم كذلك)). أخرجه مسلم.
[ومنها]: حديث جابر وَه، مرفوعًا: ((لا تزال طائفة من أمتي، يقاتلون على الحقّ،
ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزلُ عيسى بن مريم فِىالَّلهُ، فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا،
فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أميرٌ، تكرمةَ اللَّه لهذه الأمّة)). أخرجه مسلم.
[ومنها]: حديث عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنهما، مرفوعًا: ((لا تزال طائفة
من أمتي، يقاتلون على الحقّ، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح
الدجّال)). أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه الحاكم.
[ومنها]: حديث عقبة بن عامر تَظمي، مرفوعًا: ((لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على
الحقّ، لا يضرّهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك)). أخرجه مسلم.
[ومنها]: حديثه أيضًا مرفوعًا: ((لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله،
قاهرين لعدوّهم، لا يضرّهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة، هم على ذلك)). أخرجه
مسلم. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة في هذا المعنى. والله تعالى أعلم.
(ومن فوائد الحديث أيضًا): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، حيث إنه ◌َ لّ حدّث بما
سيكون بعده في أمته، من قتال بعضهم بعضًا. (ومنها): ما قال عياض: في قوله وَلّر:
(الخيل معقود في نواصيها الخير)) مع وجيز لفظه من البلاغة، والعذوبة ما لا مزيد عليه
في الحسن، مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير. (ومنها): أن فيه تفضيل الخيل
على غيرها من الدواب؛ لأنه لم يأت عنه وَلّ في شيء غيرها مثل هذا القول. قاله ابن
عبد البرّ. وسيأتي للمصنّف -٣٥٩١/٢ - حديث أنس رَزّ: ((لم يكن شيء أحبّ إلى
رسول اللَّه و له بعد النساء من الخيل)). (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن المال الذي
يُكتسب باتخاذ الخيل من خير وجوه الأموال، وأطيبها، والعرب تسمّي المال خيرًا. كما
قيل في قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾. قاله الخطّابيّ. (ومنها): أن الإمام
البخاريّ رحمه الله تعالى استدلّ في ((صحيحه)) بقوله: وَالر: ((الخيل مقعود بنواصيها
الخير إلى يوم القيامة)) أن الجهاد ماضٍ مع البرّ والفاجر. وقد سبقه إلى هذا الاستدلال
الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى، ووجه ذلك أنه وسي ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى
يوم القيامة، وفسّره بالأجر والمغنم، والمغنمُ المقترنُ بالأجر إنما يكون من الخيل
بالجهاد، ولم يقيّد ذلك بما إذا كان الإمام عادلًا، فدلّ على أن لا فرق في حصول هذا
الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل، أو الجائر. أفاده في ((الفتح)) (١).
(١) ((فتح)) ١٤٤/٦.

٣٥٩
٢٧- (کِتابُ الخیل) - حدیث رقم ٣٥٨٩
(ومنها): أن الخطّابيّ رحمه الله تعالى استنبط منه إثبات سهم للفرس، يستحقّه
الفارس من أجله. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فإن أراد السهم الزائد للفارس على
الراجل، فلا نزاع فيه، وإن أراد أن للفرس سهمين، غير سهم راكبه، فهو محلّ النزاع،
ولا دلالة من الحديث عليه انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٨٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْتِى بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - يَعْنِي الْفَزَارِيَّ - عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِيَ نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الْخَيْلُ
ثَلَاثَةٌ: فَهِيَ لِرَجُلِ أَجْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلِ سِتْرٌ، وَهِيَ عَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ،
فَالَّذِي يَخْتَبِسُهَا،َ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَتَّخِذُهَا لَهُ، وَلَا تُغَيِّبَُ فِي بُطُونِها شَيْئًا، إِلَّا كُتِبَ لَهُ
بِكُلِّ شَيْءٍ، غَيَّيَتْ فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ، وَلَوْ عَرَضَتْ لَهُ مَرْجٌ ... )) وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (عمرو بن يحيى بن الحارث) الحمصيّ الثقة [٢١]٢٣٢٩/٦٧، من أفراد المصنف.
٢- (محبوب بن موسى) أبو صالح الأنطاكيّ الفرّاء، صدوق [١٠].
قال أبو حاتم: هو أحبّ إليّ من المسئَّب بن واضح. وقال العجليّ: ثقة، صاحب
سنّة. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة لا يُلتفتُ إلى حكايته إلا من كتاب. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات))، وقال: متقنْ فاضل. وقال الدارقطنيّ: صويلحْ، وليس بالقويّ.
مات سنة (٢٣٠) وقيل: (٢٣١) وهو ابن (٧٩) سنة. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله
عند المصنّف في هذا الكتاب أحد عشر حديثًا: هذا وفي ((كتاب قسم الفيء)) ١/ ٤١٦٢
و ٤١٦٥ و٤١٦٨ و٤١٦٩ و٤١٧٧٠ و٤١٧٧١ و٤١٧٧٢ و٤١٧٧٣ و٤١٧٧٤ وفي
((كتاب الزينة)) - ((وصل الشعر بالخرق)) ٦٨/ ٥٢٧٤ .
٣- (أبو إسحاق الفزاريّ) إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة الكوفيّ
الإمام الحافظ الثقة، ذو التصانيف [٨] ٨٦٣/٥٨.
٤- (سُهيل بن أبي صالح) ذكوان، أبو يزيد المدنيّ، صدوق تغيّر حفظه بآخره،
روى له البخاريّ مقرونًا وتعليقًا [٦] ٨٢٠/٣٢.
٥- (أبوه) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦.
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
(١) ((فتح)) ١٤٤/٦-١٤٥.

٣٦٠
E
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْخَيْلِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح غير شيخه، وشيخ شيخه كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين
من سهيل. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه؛ ومنها: أن فيه أبا هريرة رضي أحفظ
من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((الْخَيْلُ مَعْقُودٌ
فِي نَوَاصِيهَا) جمع ناصية، وهي الشعر المنسدل على الجبهة (الْخَيْرُ، إِلَى يَوْم الْقِيَّامَةِ)
متعلّقٌ بـ ((معقود)). وفهم منه دوام حكم الجهاد إلى يوم المعاد. وهذا الكلامَ جَمعَ من
أصناف البديع ما يعجز منه كلُّ بليغ، ومن سُهولة الألفاظ ما يعجب، ويُستطاب. قاله
أبو العبّاس القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(١) (الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ) وفي رواية: ((الخيل لثلاثة)).
ووجه الحصر في الثلاثة أن الذي يقتني الخيل، إما أن يقتنيها للركوب، أو للتجارة،
وكلّ منهما، إما أن يقترن به فعل طاعة اللَّه، وهو الأول، أو معصيته، وهو الأخير، أو
يتجرّد عن ذلك، وهو الثاني. قاله في ((الفتح)) (٢) (فَهِيَ لِرَجُلِ أَجْرٌ) هذا هو أحد الثلاثة،
أي هي سبب الأجر له عند اللَّه تعالى (وَهِيَ لِرَجُلِ سِتْرٌ) هذا الثاني، وهو بكسر،
فسكون: أي ساتر له تستره عن مذلّة سؤال الناس، أو هو بفتح، فسكون: مصدر ستر
يستر، من باب قتل، وصفت بالمصدر للمبالغة، كقولهم زيد عَدْلٌ (وَهِيَ عَلَى رَجُلٍ
وِزْرٌ) هذا الثالث، وهو بكسر، فسكون- أي سبب اكتساب الإثم له (فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَّهُ
أَجْرٌ، فَالَّذِي يَحْتَبِسُهَا) أي يرتبطها، ويقتنيها، وفي نسخة: (يحبسها))، وهو بكسر
الموحّدة، من باب ضرب (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي لأجل إعلاء كلمة اللّه تعالى، والمراد به
الجهاد (فَيَتَّخِذُهَا لَهُ) الضمير لـ ((سبيلَ اللَّه)) يعني أن الذي دفعه لاتخاذها هو قصد الجهاد
عليها (وَلَا تُغَيِّبُ) بضم أوله، وتشديد الياء، من التغييب، والضمير للخيل (فِي بُطُونِها
شَيْئًا) أي لا يستقرّ في بطنها شيء من المأكولات (إِلَّا كُتِبَ) بالبناء للمفعول (لَهُ بِكُلِّ
شَيْءٍ، غَيََّتْ فِي بُطُونِها أَجْرٌ، وَلَوْ عَرَضَتْ لَهُ مَرْجٌ) هكذا نسخ ((المجتبى)) ((عرضت))
بتاء التأنيث؛ وذلك نظرًا لمعنى المرج، بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها جيم: وهي
-كما في ((النهاية)) -: الأرض الواسعة، ذات نبات كثير، تَمْرُجُ فيه الدوابُ، أي ثُلَّى،
(١) ((المفهم)) ٣/ ٧٠٣.
(٢) ((فتح) ٦ / ١٥٤.