Indexed OCR Text
Pages 281-300
٦١ - (بَابُ الرُّخْصَةِ لِلْمُتَوَنَّى عَنْهَا ... - حديث رقم ٣٥٥٨ ٢٨١ قول الله عز وجل: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. قال ابن عطيّة: وهذا كلّه قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه، إلا ما قوّله الطبريّ مجاهدًا رحمهما الله تعالى، وفي ذلك نظر على الطبريّ. وقال القاضي عياضٌ: والإجماع منعقدٌ على أن الحول منسوخٌ، وأن عدّتها أربعة أشهر وعشرّ. وقال غيره: معنى قوله: ﴿وَصِيَّةٌ﴾ أي من اللّه تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيت سنةً، ثم نُسخ. قال القرطبيّ: ما ذكره الطبريّ عن مجاهد صحيحٌ ثابتٌ، خرّج البخاريّ، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدّثنا رَوْحٌ، قال: حدثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَّرُونَ أَزْوَبًا﴾، قال: كانت هذه العدةُ تَعتَدُّ عند أهل زوجها واجبةً، فأنزل اللَّه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَنَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِّ أَنْفُسِهِنَ مِن مَّعْرُوفٍ﴾، قال: جعل اللَّه لها تمامَ السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. إلا أن القول الأول أظهر؛ لقوله ◌َلَّلهُ: ((إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكنّ في الجاهليّة ترمي بالبعرة عند رأس الحول ... )) الحديث. وهذا إخبار منه وَ له عن حالة المتوفّى عنهنّ أزواجهنّ قبل ورود الشرع، فلما جاء الإسلام أمرهنّ اللّه تعالى بملازمة البيوت حولًا، ثمّ نُسخ بالأربعة الأشهر والعشر. هذا - مع وضوحه في السنة الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد- إجماعٌ من علماء المسلمين، لا خلاف فيه. قاله أبو عمر، قال: وكذلك سائر الآية، فقوله عز وجل: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَهًا وَصِيَّةٌ لِّأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ منسوخٌ كلّه عند جمهور العلماء، ثم نُسخ الوصيّة بالسكنى للزوجات في الحول، إلا روايةً شاذةً مهجورةً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، لم يُتَابَع عليها، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحدٌ من علماء المسلمين، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم فيما علمت. وقد روى ابن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس، فانعقد الإجماع، وارتفع الخلاف، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(١). (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٢٢٦/٣-٢٢٧. ((تفسير سورة البقرة)). ٢٨٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وهو بحث نفيسٌ جدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٦٢ - (عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنْ يَوْمٍ يَأْتِيهَا الْخَبَرُ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي أشار إليه المصنّف رحمه الله تعالى من أن عدّة المتوفّى عنها زوجها من يوم يأتيها الخبر، لا من يوم الوفاة قول لبعض أهل العلم، والأكثرون على خلافه، وهو الصحيح، كما سنحققه في المسألة الآتية قريبًا، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٥٩- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنْنِي زَيْتَبُ بِنْتُ كَعْبٍ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي فُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكِ، أُختُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ زَوْجِي بِالْقَدُومِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ ◌َّةِ، فَذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ دَارَنَا شَاسِعَةٌ، فَأَذِنَ لَهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَقَالَ: (امْكُثِي فِيَ بَيْتِكِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسحاق بن منصور)): هو الكوسج الحافظ المروزيّ. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ. وقوله: ((بالقدوم)) بتخفيف الدال، وتشديدها، تقدّم أنه اسم موضع. ووقوله: ((توفي)) لا تنافي بينه وبين ما تقدّم أنه قُتل، لأن من قُتل، فقد توفاه الله تعالى بانقضاء أجله. وقوله: ((أن دارنا شاسعة)) بفتح همزة ((أنّ))؛ لوقوعها مفعولا به لـ ((ذكرتُ)). و ((الشاسعة)): البعيدة. قال السنديّ رحمه الله تعالى: لا دلالة لهذا الحديث على أن العدّة من وقت وصول الخبر، دون الموت، إلا أن يقال: الأمر يدلّ على أن المدّة تُعتبر من وقت الأمر، لا من وقت الموت، لکن یرد علیه أن الأمر كان بعد وقت الخبر، فإن اعتذر عنه باتحاد اليوم، يقال: يجوز أن يكون ذلك اليوم يوم الموت أيضًا، ولا مانع عقلًا من ذلك على أنه لا دلالة للفظ الحديث على اتحاد يوم الخبر، ويوم الأمر، فليُتأمّل. انتهى. ٦٢- (عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنْ ... - حديث رقم ٣٥٥٩ ٢٨٣ = والحديث صحيحٌ، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قبل باب، وأتكلّم هنا على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، فأقول: [مسألة): في اختلاف أهل العلم في ابتداء عدةً المرأة، هل هو من يوم الوفاة والطلاق، أو من يوم علمها بذلك: قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها، أو طلاقه، فقالت طائفة: العدّة في الطلاق والوفاة من يوم يموت، أو يطلّق. هذا قول ابن عمر، وابن مسعود، وابن عبّاس. وبه قال مسروق، وعطاء، وجماعة من التابعين. وإليه ذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، والثوريّ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر. وفيه قولٌ ثانٍ، وهو أن عدّتها من يوم يبلغها الخبر. روي هذا القول عن عليّ، وبه قال الحسن البصريّ، وقتادة، وعطاء الخراسانيّ، وجُلَاس بن عمرو. وقال سعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز: إن قامت بيّنة، فعدّتها من يوم مات، أو طَلَّقَ، وإن لم تقم بيّنة، فمن يوم يأتيها الخبر. والصحيح الأول؛ لأنه تعالى علّق العدّة بالوفاة، أو الطلاق؛ ولأنها لو علمت بموته، فتركت الإحداد انقضت العدّة، فإذا تركته مع عدم العلم، فهو أهون، ألا ترى أن الصغيرة تنقضي عدّتها، ولا إحداد عليها. وأيضًا فقد أجمع العلماء على أنها لو كانت حاملًا، لا تعلم طلاق الزوج، أو وفاته، ثم وضعت حملها أن عدّتها منقضيةٌ، ولا فرق بين هذه المسألة وبين المسألة المختلف فيها . ووجه من قال بالعدة من يوم يبلغها الخبر أن العدّة عبادة بترك الزينة، وذلك لا يصح إلا بقصد ونيّة، والقصد لا يكون إلا بعد العلم. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن العدّة من يوم الوفاة، والطلاق، لا من يوم بلوغ الخبر إليها هو الأرجح، كما صححه القرطبيّ، وبيّن وجهه في كلامه السابق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٨٢/٣ -١٨٣. ٢٨٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ٦٣- (تَرْكُ الزِّينَةِ لِلْحَادَّةِ الْمُسْلِمَةِ، دُونَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ) ٣٥٦٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ -وَأَنَا أَسْمَعُ- وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعِ، عَنْ زَنْتَبَ بِثْتِ أَبِي سَلَمَةٌ، أَنَّا أَخْبَرَتْهُ، بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ: قَالَتْ زَيْئَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ، حِينَ تُؤُنِّيَ أَبُوهَا، أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَعَتْ أُمُ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ، فَدَهَنَتْ مِنَّهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتٍْ: وَاللَّهِ مَا لَّي بِالطّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِ، قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تَجِدُّ عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْج، أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا)). قَالَتْ زَيْتَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْتَبَ بِنْتِ جَخْشٍ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخَوهَا، وَقَدْ دَعَتْ بِطِيبٍ، وَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطَّبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ عَلَىِ الْمِنْبَرِ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تَجِدُّ عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَىَ زَوْجِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)) . وَقَالَتْ زَيْتَبُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَّلَمَةَ، تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْتَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَأَكْحُلُهَا؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لَا))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، تَزْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ)) - قَالَ حُمَّيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْتَبَ: وَمَا تَزْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ؟، قَالَتْ زَيْتَبُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ، إِذَا تُوُنِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بَهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ، أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرِ، فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيٍْ، إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، وَتُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ، مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ مَالِكٌ: تَفْتَضُّ: تَمْسَحُ بِهِ، فِي حَدِيثٍ مُحَمَّدٍ: قَالَ مَالِكٌ: الْحِفْشُ الْخُصُّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (محمد بن سلمة) المراديّ الجمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠ . ٢- (الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩ . ٦٣ - (تَرْكُ الزَّيْنَةِ لِلْحَادَةِ الْمُسْلِمَةِ، ... - حديث رقم ٣٥٦٠ ٢٨٥ == ٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠]٢٠/١٩. ٤- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٧] ٧/ ٧ . ٥- (عبد الله بن أبي بكر) محمد بن عمرو بن حزم -بفتح المهملة، وسكون الزاي- الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣ . ٦- (حُميد بن نافع) الأنصاريّ، أبو أفلح المدنيّ، ثقة [٣] ٣٣٢/٥٣. ٧- (زينب بنت سلمة) رضي الله تعالى عنه تقدّمت قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رَليها. ومنها: أن رجال رجال الصحيح غير شيخه الحارث، فتفرد به هو وأبو داود. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: عبد الله بن أبي بكر عن حُمَيد. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ زَنْتَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّى الصحابيّة، وهي بنت أم سلمة زوج النبيّ ◌َّه وهي ربيبة النبيّ وَّهِ، وزعم ابن التين أنها لا رواية لها عن رسول الله وَالر، كذا قال. وقد أخرج لها مسلم حديثها: ((كان اسمي برّةٍ، فِسمّاني رسول اللَّه ◌ِلتّ زينب ... )) الحديث. وأخرج لها البخاريّ حديثًا(١)(٢). (أَنَّا أَخْبَرَتْهُ، بَهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ) التي بيّنتها له حيث (قَالَتْ زَيْتَبُ) رضي اللَّه تعالى عنها (دَخَلْتُ عَلَى أُمُّ حَبِيبَةً) رملة بنت أبي سفيان رضي اللَّه تعالى عنهما (زَوْجِ النَّبِّ وَِّ، حِينَ تُؤُنِّيَ أَبُوهَا، أَبُو سُفْيَانَ) صخر (بْنُ حَرْبٍ) رَثيه، مات سنة (٣٢هـ) عند الجمهور. وقيل: سنة ثلاث. ووقع عند البخاريّ في ((الجنائز)) من رواية ابن عُيينة: ((لَمّا جاء نعي أبي سفيان من الشام)). قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه مات بالمدينة، بلا خلاف بين أهل الأخبار، ولم أر في (١) وهو ما أخرجه البخاريّ في ((المناقب))، ونصّه: ٣٤٩٢- حدثنا موسى، حدثنا عبدالواحد، حدثنا كليب، حدثتني ربيبة النبي وَّر، وأظنها زينب، قالت: نهى رسول اللَّه ◌َ لقول، عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت، وقلت لها: أخبريني النبي ** ، ممن كان، من مضر كان؟ قالت: فممن كان إلا من مضر؟، كان من ولد النضر بن كنانة. ٣٤٩١- حدثنا قيس بن حفص، حدثنا عبدالواحد، حدثنا كليب بن وائل، قال: حدثتني ربيبة النبي وَّل، زينب بنت أبي سلمة، قال: قلت لها: أرأيت النبي وَلَّ، أكان من مضر، قالت: فممن كان إلا من مضر، من بني النضر بن كنانة. (٢) ((فتح)) ٦٠٨/١٠ ((كتاب الطلاق)). ٢٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك، إلا في رواية ابن عيينة هذه، وأظنّها وهَمًا. وكنت أظنّ أنه حذف منه لفظ ((ابن))؛ لأن الذي جاء نعيه من الشام، وأمّ حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميرًا على الشام، لكن رواه البخاريّ في ((العِدَد)) من طريق مالك، ومن طريق سفيان الثوريّ، كلاهما عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن حُميد بن نافع بلفظ: ((حين توفّي عنها أبوها، أبو سفيان بن حرب))، فظهر أنه لم يسقط منه شيء، ولم يقل واحد منهما ((من الشام)). وكذا أخرجه ابن سعد في ترجمة أم حبيبة، من طريق صفيّة بنت أبي عُبيد، عنها. ثم وجدت الحديث في ((مسند ابن أبي شيبة))، قال: ((حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن حُميد بن نافع - ولفظه: جاء نعي أخي أم حبيبة، أو حميم لها، فدعت بصفرة، فلطخت به ذراعيها)). وكذا رواه الدارميّ عن هاشم بن القاسم، عن شعبة، لكن بلفظ: ((أن أخّا لأم حبيبة مات، أو حميمًا لها)). ورواه أحمد عن حجاج، ومحمد بن جعفر جميعًا، عن شعبة، بلفظ: ((أن حميمًا لها مات))، من غير تردّد، وإطلاق الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظنّ عند هذا أن القصّة تعدّدت لزينب مع أم حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان، ولا مانع من ذلك انتهى (فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ) أي طلبت طيبًا. زاد في رواية ((الموطّا)): ((وفيه صُفْرة خلوق، أو غيره)) (فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً) بالنصب، قال الحافظ: لم أعرف اسمها (ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا) أي جانبي وجهها، وجعل العارضين ما سحين تجوّزًا، والظاهر أنها جعلت الطيب في يديها، ومسحتها بعارضيها، والباء للإلصاق، أو الاستعانة، ومسح يتعدّى بنفسه، وبالباء، تقول: مسحت برأسي، ومسحت رأسي. وفي ((الإكمال)): قال ابن دريد: العارضان صفحتا العنق، وما بعده الأسنان. وفي ((كتاب العين)): عارضة الوجه: ما يبدو منه، ومبسما الوجه والثنايا. والمراد هنا الأول. وفي (المفهم)): العوارض: ما بعد الأسنان، أطلقت على الخدّين هنا مجازًا؛ لأنهما عليها، فهو من مجاز المجاورة، أو تسمية للشيء بما كان من سببه. قاله الزرقانيّ(١). (ثُمَّ قَالَتْ) أم حبيبة رضي اللَّه تعالى عنها (وَاللَّهِ مَا لِي بِالطَّيبِ مِنْ حَاجَةٍ) ((من)) زائدة، وفي رواية: ((حاجةٌ)) (غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ) وفي رواية: ((يقول)) (لَا يَحِلُّ) نفي بمعنى النهي، للتأكيد. واستدلّ به على تحريم الإحداد على غیر الزوج، وهو واضحٌ، وعلى وجوب الإحداد المدّة المذكورة على الزوج. واستُشكل بأن (١) (شرح الزرقاني على الموطإ)) ٢٣٠/٣-٢٣١. : ٦٣ - (تَرْكُ الزَّيْنَةِ لِلْحَادَّةِ الْمُسْلِمَةِ، ... - حديث رقم ٣٥٦٠ ٢٨٧ الاستثناء وقع بعد النفي، فيدلّ على الحلّ فوق الثلاث على الزوج، لا على الوجوب. وأجيب بأن الوجوب استُفيد من دليل آخر، كالإجماع. ورُدّ بأن المنقول عن الحسن البصريّ أن الإحداد لا يجب. أخرجه ابن أبي شيبة، ونقل الخلّال بسنده عن أحمد، عن هُشيم، عن داود، عن الشعبيّ، أنه كان لا يعرف الإحداد. قال أحمد: ما كان بالعراق أشدّ تبخّرًا من هذين -يعني الحسن والشعبيّ - قال: وخفي ذلك عليهما انتهى. ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيها رد على من ادعى الإجماع، وفي أثر الشعبيّ تعقّبٌ على ابن المنذر، حيث نفى الخلاف في المسألة، إلا عن الحسن. وأيضًا فحديث التي شكت عينها -وهي ثالث أحاديث الباب- دالّ على الوجوب، وإلا لم يمنع التداوي المباح. وأجيب أيضًا بأن السياق يدلّ على الوجوب، فإن كلّ ما منع منه إذا دلّ دليلٌ على جوازه كان ذلك الدليل دالًا بعينه على الوجوب، كالختان، والزيادة على الركوع في الكسوف، ونحو ذلك. قاله في ((الفتح))(١). (لِمْرَأَةِ) تمسّك بمفهومه الحنفيّة، فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها، كما تجب العدّة، وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلّفة لأن الولي هو المخاطب بمنعها مما تمنع منه المعتدّة، ودخل في عموم قوله: ((امرأة)» المدخول بها، وغير المدخول بها حرّة كانت، أو أمة، ولو كانت مبعضة، أو مكاتبة، أو أم ولد إذا تُوُفّي عنها زوجها، لا سيّدها لتقييده في الخبر، خلافًا للحنفيّة (تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ) هذا محلّ الاستدلال للمصنّف رحمه الله تعالى على ما ترجم له، وهو ترك الزينة للحادّة المسلمة، دون اليهوديّة والنصرانية، وبه قال الحنفيّة، وبعض المالكية، وأبو ثور؛ وذلك لتقییده بالإيمان، وأجاب الجمهور بأنه ذکر تأكيدًا للمبالغة في الزجر، فلا مفهوم له، كما يقال: هذا طريق المسلمين، وقد يسلكه غيرهم. وأيضًا فالإحداد من حقّ الزوج، وهو ملتحق بالعدة في حفظ النسب، فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النهي عن السوم على سوم أخيه، ولأنه حقّ للزوجية، فأشبه النفقة والسكنى، ونقل السبكيّ في فتاويه عن بعضهم أن الذميّة داخلة في قوله: ((تؤمن بالله، واليوم الآخر))، وردّ على قائله، وبيّن فساد شبهته، فأجاد. وقال النوويّ: قيد بوصف الإيمان؛ لأن المتّصف به هو الذي ينقاد للشرع، قال ابن دقيق العيد : والأول أولى. وفي رواية عند المالكيّة أن الذّمّيّة المتوفّى عنها تعتدّ بالأقراء. قال ابن العربيّ: هو قول من قال: لا إحداد عليها(٢). (١) ((فتح)) ٦٠٩/١٠. (٢) (فتح)) ٦٠٩/١٠. ٢٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ (تَجِدُّ) بضم أوله، من الإحداد، وبفتحه، من الحدّ. وهو على حذف ((أن)) المصدريّة، ورفع الفعل، وهو مقيس، وهو في تأويل المصدر فاعل ((يحلّ))، أي لا يحل لها الإحداد (عَلَى مَيْتٍ) استدلّ به لمن قال: لا إحداد على امرأة المفقود؛ لأنه لم تتحقّق وفاته، خلافًا للمالكية (فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) قال ابن بطّال: أباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير الزوج ثلاثة أيام؛ لما يغلب من لَوْعة الحزن، ويهجُمُ من أليم الوجد، وليس واجبًا؛ للاتفاق على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحلّ لها منعه في تلك الحالة (إِلَّا عَلَى زَوْجِ) أُخِذَ من هذا الحصر أن لا يُزاد على الثلاث في غير الزوج أبًا كان أو غيره، وأما ما أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) من رواية عمرو بن شعيب ((أن النبيّ وَلقول رخّص للمرأة أن تحدّ على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام))، فلو صحّ لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم، لكنه مرسلٌ، أو معضل؛ لأن جلّ رواية عمرو ابن شعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة، إلا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة، ووهم بعض الشّرّاح، فتعقّب أبا داود تخريجه في ((المراسيل))، فقال: عمرو بن شعيب ليس تابعيًّا، فلا يخرّج حديثه في المراسيل. وهذا التعقّب مردود لما سبق؛ ولاحتمال أن يكون أبو داود كان لا يخصّ المراسيل برواية التابعيّ، كما هو منقول عن غيره أيضًا. واستُدلّ به للأصحّ عند الشافعيّة في أن لا إحداد على المطلّقة، فأما الرجعيّة، فلا إحداد عليها إجماعًا، وإنما الاختلاف في البائن، فقال الجمهور: لا إحداد عليها. وقالت الحنفيّة، وأبو عُبيد، وأبو ثور: عليها الإحداد؛ قياسًا على المتوفّى عنها، وبه قال بعض الشافعيّة، والمالكية. واحتجّ الأولون بأن الإحداد شُرع لأن تركه من التطيب، واللبس، والتزيّن، يدعو إلى الجماع، فمُنعت المرأة منه زجرًا لها عن ذلك، فكان ذلك ظاهرًا في حقّ الميت؛ لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدّة منه عن التزويج، ولا تراعيه هي، ولا تخاف منه، بخلاف المطلّق الحيّ في كلّ ذلك، ومن ثَمّ وجبت العدّة على كلّ متوفّى عنها، وإن لم تكن مدخولًا بها، بخلاف المطلّقة قبل الدخول، فلا إحداد عليها اتفاقًا، وبأن المطلّقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد. وتُعُقّب بأن الملاعنة لا إحداد عليها. وأجيب بأن تركه لفقدان الزوج بعينه، لا لفقدان الزوجية . واستُدلّ به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال، فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظّ النفس، ومراعاتها، ٢٨٩ ٦٣ - (تَرْكُ الزَّيْنَةِ لِلْحَادَّةِ الْمُسْلِمَةِ، ... - حديث رقم ٣٥٦٠ وغلبة الطباع البشريّة، ولهذا تناولت أمّ حبيبة، وزينب بنت جحش رضي الله تعالى عنهما الطيب؛ لتخرجا عن عُهدة الإحداد، وصرّحت كلّ منهما بأنها لم تتطيّب لحاجة، إشارةً إلى أن آثار الحزن باقيةٌ عندهما، لكنهما لم يسعهما إلا امتثال الأمر. (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) قال القرطبيّ: ((أربعة) منصوب على الظرف، والعامل فيه ((تحد))، و((عشرًا)) معطوف عليه. انتهى(١). وقال الطيبيّ: الاستثناء في قوله: ((إلا على زوج)) متّصل، إذا جعل قوله: ((أربعة أشهر)) منصوبًا بمقدّر، بيانًا لقوله: ((فوق ثلاث))، أي أعني، أو أذكر، فهو من باب قوله: ((ما اخترت إلا منكم رفيقًا؛ لكون ما بعد ((إلا)) شيئين، فيقدّم المفسّر، أعني ((أربعة أشهر)) على الاستثناء، تقديره: لا تحدّ المرأة على ميت فوق ثلاث، أعني أربعة أشهر، إلا على زوج. أو من قولك: ما ضرب أحدٌ أحدًا إلا زيدٌ عمرًا. وإذا جُعل معمولًا لـ ((تحد)) مضمرًا، كان منقطعًا، فالتقدير: لا تحدّ امرأة على ميت، فوق ثلاث، لكن تحدّ على زوج أربعة أشهر انتهى(٢). قيل: الحكمة في كونه أربعة أشهر وعشرًا أن الولد يتكامل تخليقه، وتنفخ فيه الروح بعد مضيّ مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلّة، فجُبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط. وذَكَرَ العشر مؤنّثًا؛ لإرادة الليالي، والمراد مع أيامها عند الجمهور، فلا تحلّ حتى تدخل الليلة الحادية عشرة. وعن الأوزاعيّ، وبعض السلف: تنقضي بمضيّ الليالي العشر بعد مضيّ الأشهر، وتحلّ في أول اليوم العاشر. واستُثنيت الحامل كما تقدّم شرح حالها في الكلام على حديث سُبيعة بنت الحارث الأسلميّة رضي اللّه تعالى عنها. وقد ورد في حديث قويّ الإسناد، أخرجه أحمد، وصححه ابن حبّان، عن أسماء بنت عُميس رضي اللّه تعالى عنها، قالت: ((دخل عليّ رسول اللَّه وَ له اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب، فقال: لا تُحدّي بعد يومك هذا»، لفظ أحمد، وفي رواية له، ولابن حبّان، والطحاويّ: ((لَمّا أُصيب جعفر أتانا رسول اللّهِ وَ له، فقال: تَسَلّبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت)). قال الحافظ العراقيّ في (شرح الترمذيّ)): ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفّى عنها بعد اليوم الثالث؛ لأن أسماء بنت عُميس، كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق، وهي والدة أولاده: عبد الله، ومحمد، وعون، وغيرهم، قال: بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز. وأجاب بأن هذا الحديث شاذّ مخالفٌ الأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على (١) ((المفهم)) ٢٨٤/٤. (٢) (شرح المشكاة) ٣٦٥/٦. ٢٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ خلافه. قال: ويحتمل أن يقال: إن جعفرًا قُتل شهيدًا، والشهداء أحياء عند ربهم، قال: وهذا ضعيف؛ لأنه لم يرد في حقّ غير جعفر، من الشهداء، ممن قُطع بأنهم شُهداء، كما قُطع لجعفر، كحمزة بن عبد المطلب عمه، وکعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر انتهى كلام العراقيّ، ملخصًا. وأجاب الطحاويّ بأنه منسوخ، وأن الإحداد كان على المعتدة في بعض عدّتها في وقت، ثم أمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشرًا، ثم ساق أحاديث الباب، وليس فيها ما يدلّ على ما ادعاه من النسخ، لكنّه يُكثر من ادعاء النسخ بالاحتمال، فجرى على عادته، ويحتمل وراء ذلك أجوبة أخرى: [أحدها]: أن يكون المراد بالإحداد المقيّد بالثلاث قدرًا زائدًا على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث. [ثانيها]: أنها كانت حاملًا، فوضعت بعد ثلاث، فانقضت العدّة، فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى: ((ثلاثا))؛ لأنه يُحمل على أنه وَّل اطلع على أن عدّتها تنقضي عند الثلاث. [ثالثھا]: لعله کان أبانها بالطلاق قبل استشهاده، فلم یکن علیها إحداد. [رابعها]: أن البيهقيّ أَعَلّ الحديث بالانقطاع، فقال: لم يثبت سماع عبد الله بن شدّاد من أسماء. وهذا تعليلٌ مدفوع، فقد صححه أحمد، لكنه قال: إنه مخالفٌ الأحاديث الصحيحة في الإحداد. وهو مصير منه إلى أنه يُعلّه بالشذوذ. وذكر الأثرم أن أحمد سُئل عن حديث حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر، رفعه: ((لا إحداد فوق ثلاث))؟، فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر من رأيه انتهى. وهذا يحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدّة، فلا نكارة فيه، بخلاف حديث أسماء. والله أعلم. وأغرب ابن حبّان، فساق الحديث بلفظ: ((تسلّمي)) بالميم، بدل الموحّدة، وفسّره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث، بل الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشدّ، فلذلك قيّدها بالثلاث. هذا معنى كلامه، فصحّف الكلمة، وتكلّف لتأويلها. وقد وقع في رواية البيهقيّ وغيره: ((فأمرني رسول اللَّه وَلّ أن أتسلّب ثلاثًا))، فتبيّن خطؤه. قاله في ((الفتح))(١). (١) ٦١٠/١٠-٦١١. ((كتاب الطلاق)). ٦٣- (تَرْكُ الزَّيْنَةِ لِلْحَادَّةِ الْمُسْلِمَةِ، ... - حديث رقم ٣٥٦٠ ٢٩١= (قَالَتْ زَيْتَبُ) رضي اللَّه تعالى عنها، بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثاني (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْتَبَ بِنْتِ جَخْشٍ) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها. قال في ((الفتح)): وظاهره أن هذه القصّة وقعت بعد قصّة أم حبيبة رضي اللّه تعالى عنها، ولا يصح ذلك إلا إن قلنا بالتعدّد، ويكون ذلك عقب وفاة يزيد بن أبي سفيان؛ لأن وفاته سنة ثمان عشرة، أو تسع عشرة، ولا يصحّ أن يكون ذلك عند وفاة أبيه؛ لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين، على الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار، فيُحمل على أنها لم ترد ترتيب الوقائع، وإنما أرادت ترتيب الأخبار. وقد وقع في رواية أبي داود بلفظ: ((ودخلت))، وذلك لا يقتضي الترتيب. والله أعلم انتهى(١ (حِينَ تُؤُنِّيَ أَخُوهَا) قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: لم أتحقّق من المراد به؟؛ لأن لزينب ثلاثة إخوة: عبد الله، وعبد، بغير إضافة، وعبيدالله بالتصغير، فأما الكبير، فاستُشهد بأحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًّا؛ لأن أباها أبا سلمة مات بعد بدر، وتزوّج النبيّ وَلير أمها، أم سلمة، وهي صغيرة ترضع، فقد ثبت أن أمها حلّت من أبي سلمة بوضع زينب هذه، فانتفى أن يكون هو المراد هنا، وإن كان وقع في كثير من («الموطّآت)) بلفظ: ((حين توفّي أخوها عبد الله))، كما أخرجه الدارقطنيّ من طريق ابن وهب وغيره عن مالك. وأما عبدٌ بغير إضافة، فيُعرف بأبي حميد، وكان شاعرًا أعمى، وعاش إلى خلافة عمر رَزّه . وقد جزم ابن إسحاق وغيره من أهل العلم بالأخبار بأنه مات بعد أخته زينب بسنة. وروى ابن سعد في ترجمتها في ((الطبقات)) من وجهين أن أبا حميد المذكور حضر جنازة زينب مع عمر رَّه ، وحكي عنه مراجعة له بسببها، وإن كان في إسنادهما الواقديّ، لكن يُستشهد به في مثل هذا، فانتفى أن يكون هذا الأخير المراد. وأما عُبيداللَّه المصغّر، فأسلم قديمًا، وهاجر بزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة، ثم تنصّر هناك، ومات، فتزوّج النبيّ وَل بعده أم حبيبة، فهذا يحتمل أن يكون هو المراد؛ لأن زينب بنت أبي سلمة عند ما جاء الخبر بوفاة عبيدالله، كانت في سنّ من يَضبط، ولا مانع أن يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيّما إذا تذكّر سوء مصيره. ولعلّ الرواية التي في ((الموطّا)) ((حين توفّي أخوها عبد الله)) كانت بالتصغير، فلم يَضبطها الكاتب. والله أعلم. ويعكُر على هذا قول من قال: إن عُبيد الله مات بأرض الحبشة، فتزوّج النبيّ ◌َله أم حبيبة، فإن ظاهرها أن تزويجها كان بعد موت عُبيدالله، وتزويجها وقع بأرض الحبشة، (١) ((فتح) ٣/ ٤٩١-٤٩٢. ((كتاب الجنائز)). ٢٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقبل أن تسمع النهي. وأيضًا ففي السياق: ((ثم دخلت على زينب)) بعد قولها: ((دخلت على أم حبيبة))، وهو ظاهر في أن ذلك كان بعد موت قريب زينب بنت جحش المذكور، وهو بعد مجيء أم حبيبة من الحبشة بمدّة طويلة، فإن لم يكن هذا الظنّ هو الواقع احتمل أن يكون أخا لزينب بنت جحش من أمها، أو من الرضاعة، أو يُرجّح ما حكاه ابن عبد البرّ وغيره من أنّ زينب بنت أبي سلمة وُلدت بأرض الحبشة، فإن مقتضى ذلك أن يكون لها عند وفاة عبد الله جحش أربع سنين، ومثلها يَضبط في مثلها. والله أعلم. قاله في ((الفتح))(١). (وَقَدْ دَعَتْ بِطِيبٍ، وَمَسَّتْ مِنْهُ) وفي رواية ((به)) أي شيئًا من جسدها (ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ) وفي رواية: ((أما واللّه)) (مَا لِي بِالطَّبِ مِنْ حَاجَةٍ) وفي رواية بحذف ((من)) (غَيْرَ أَنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلّهِ، يَقُولُ عَلَى الْمِثْبَرِ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) تقدّم أن هذا هو محلّ استدلال المصنّف على أنه لا إحداد على غير المسلمة، والجمهور على خلافه (شَحِدٌ) تقدّم على أنه على تقدير حرف مصدريّ، وهوفي تأويل المصدر فاعل ((يحلّ)) (عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ) أي فتحد عليه (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي أيامها، عند الجمهور، وقیل عشر ليال، وقد تقدّم تفصيل الخلاف في ذلك. (وَقَالَتْ زَيْتَبُ) بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثالث (سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ) أي أمها أم المؤمنين هند بنت أبي أميّة المخزوميّة رضي اللَّه تعالى عنهما (تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) زاد في رواية الليث، عن حميد بن نافع الآتية بعد ثلاثة أبواب: ((جاءت امرأة من قريش))، وسمّاها ابن وهب في ((موطّئه))، وأخرجه إسماعيل القاضي في ((أحكامه)) عاتكة بنت نعيم بن عبد الله، أخرجه ابن وهب: ((عن أبي الأسود النوفليّ، عن القاسم ابن محمد، عن زينب، عن أمها، أم سلمة، أن عاتكة بنت نُعيم بن عبد الله، أتت تستفتي رسول اللَّه وَله، فقالت: إن ابنتي تُوفّي عنها زوجها، وكانت تحت المغيرة المخزوميّ، وهي تحدّ، وتشتكي عينها ... )) الحديث. وهكذا أخرجه الطبرانيّ من رواية عمران بن هارون الرمليّ، عن ابن لهيعة لكنه، قال: ((بنت نُعيم))، ولم يسمّها. وأخرجه ابن منده في ((المعرفة)) من طريق عثمان بن صالح ((عن عبد الله بن عُقبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن حميد بن نافع، عن زينب، عن أمها، عن عاتكة بنت نُعيم، أخت عبد الله بن نعيم، جاءت إلى رسول اللَّه وَ له، فقالت: إن ابنتها تُوفّي (١) ((فتح)) ٤٩٢/٣ (كتاب الجنائز)). رقم الحديث ١٢٨١ و١٢٨٢. ٦٣- (تَرْكُ الزَّيْنَةِ لِلْحَادَةِ الْمُسْلِمةِ، ... - حديث رقم ٣٥٦٠ ٢٩٣ = زوجها ... )) الحديث. وعبد الله بن عقبة هو ابن لهيعة، نسبه لجدّه، ومحمد بن عبد الرحمن هو أبو الأسود، فإن كان محفوظًا فلابن لهيعة طريقان، ولم تسمّ البنت التي توفّي زوجها، قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم تنسب فيما وقفت عليه. وأما المغيرة المخزوميّ، فلم أقف على اسم أبيه، وقد أغفله ابن منده في ((الصحابة))، وكذا أبو موسى في ((الذيل)) عليه، وكذا ابن عبد البرّ، لكنه استدركه ابن فتحون علیه انتهى كلام الحافظ. (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْتَتِي تُوُنِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) قال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان ضمّ النون على الفاعليّة على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل، وهي المرأة، ورجّح هذا. ووقع في بعض الروايات ((عيناها)) يعني ويرجّح الضمّ، وهذه الرواية في مسلم، وعلى الضمّ اقتصر النوويّ، وهو الأرجح، والذي رجّح الأول هو المنذريّ (أَفَأَكْخُلُهَا؟) بضمّ الحاء المهملة، من باب قتل (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لَا))) وفي رواية: ((لا، مرّتين، أو ثلاثًا، كلّ ذلك يقول: لا)). وفي رواية شعبة، عن حميد ابن نافع، فقال: ((لا تكتحل)). قال النوويّ: فيه دليلٌ على تحريم الاكتحال على الحادة، سواء احتاجت إليه، أم لا. وجاء في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في ((الموطإ)) وغيره: (( اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار)). ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحلّ، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل، مع أن الأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار. قال: وتأول بعضهم حديث الباب على أنه لم يتحقّق الخوف على عينها. وتُعُقْب بأن في حديث شعبة المذكور ((فخشُوا على عينها))، وفي رواية ابن منده المتقدّم ذكرها ((رمدت رمَدًا شديدًا، وقد خشيت على بصرها))، وفي رواية الطبرانيّ أنها قالت في المرّة الثانية: ((إنها تشتكي عينها فوق ما يظنّ، فقال: لا))، وفي رواية القاسم بن أصبغ، أخرجها ابن حزم ((إني خشيت أن تنفقىء عينها، قال: لا، وإن انفقأت))، وسنده صحيح، وبمثل ذلك أفتت أسماء بنت عُميس، أخرجه ابن أبي شيبة، وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقًا، وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قال الشافعيّة مقيّدًا بالليل. وأجابوا عن قصّة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل، كالتضميد بالصبر ونحوه. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن صفيّة بنت أبي عبيد أنها أحدّت على ابن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها تزيغان، فكانت تقطر فيهما الصبر. ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص، وهو ما يقتضي التزيّن به؛ لأن محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة. ٢٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك، ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي على التنزيه؛ جمعًا بين الأدلة(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بالمنع مطلقًا هو الصواب؛ لقوة أدلته. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) فَرِ ((إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا) قال في ((الفتح)): كذا في الأصل بالنصب على حكاية لفظ القرآن(٢)، ولبعضهم بالرفع، وهو أوضح. وقال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدّة بالنسبة لما كان قبل ذلك، وتهوين الصبر عليها، ولهذا قال بعده (وَقَدْ كَانَتْ إِخْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ) وفي التقييد بالجاهليّة إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع، لكن التقدير بالحول استمرّ في الإسلام بنصّ قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةٌ لِّأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾، ثم نسخت بالآية التي قبلُ، وهي: ﴿يَتَّّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾. (قَالَ حُمَيْدٌ) هو ابن نافع، راوي الحديث، وهو موصول بالإسناد المبدوء به (فَقُلْتُ لِزَيْتَبَ) هي بنت أبي سلمة رضي اللَّه تعالى عنهما (وَمَا تَزْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ؟) أي بيّني لي المرادِ بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة (قَالَتَ زَيْتَبُ) رضيَ اللَّه تعالى عنها (كَانَتِ الْمَرْأَةُ، إِذَا تُؤُفِيَ عَنْهَا زَوْجُهَا) قال في ((الفتح)): هكذا في هذه الرواية لم تسنده زينب، ووقع في رواية شعبة، مرفوعًا كله، لكنه باختصار، ولفظه: ((فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شرّ أحلاسها، أو شرّ بيتها، فإذا كان حولٌ، فمرّ كلبٌ رمت ببعرة، فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشرٌ)). قال الحافظ: وهذا لا يقتضي إدراج رواية الباب ؛ لأن شعبة من أحفظ الناس، فلا يقضى على روايته برواية غيره بالاحتمال، ولعل الموقوف ما في رواية الباب من الزيادة التي ليست في رواية شعبة. انتهى (٣). لكن تعقّب هذا الزرقاني في ((شرح الموطإ)» حيث قال بعد نقل كلام الحافظ هذا: وقد يرد عليه أن ذلك ليس بالاحتمال، فقد صرّح هو في ((شرح نخبته)) تبعًا لغيره بأن مما يُعرف به الإدراج مجيء رواية مبيّنة للقدر المدرج، وما هنا من ذلك، فإن رواية مالك عن شيخه، عن حميد بيّنت أن التفسير من زينب، وكون شعبة من الحفّاظ لا يقتضي أنه لا يروي ما فيه المدرج، فلم يزل الحفّاظ يروونه كثيرًا، كابن شهاب وغيره انتهى (٤). (١) ((فتح" ٦١٢/١٠. ((كتاب الطلاق)). (٢) وقد تقدّم أن الأولى أن يكون منصوبًا على الظرفيّة لعامل مقدّر، هو خبر المبتدإ: أي إنما هي تربّيسيرة، أو نحو ذلك. والله تعالى أعلم. (٣) ((فتح)) ١٠/ ٦١٣. (٤) (شرح الزرقاني على الموطإ)) ٢٣٣/٣. ٦٣- (تَرْكُ الزَّيْنَةِ لِلْحَادَةِ الْمُسْلِمَةِ، ... - حديث رقم ٣٥٦٠ ٢٩٥ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ادعوه من الإدراج في رواية شعبة لا يظهر لي وجهه، فإن أصل الحديث مرفوع، لا إدراج فيه، وإنما التفسير الواقع في رواية مالك بطوله من زينب رضي اللّه تعالى عنها، فلا إدراج في رواية شعبة، وقد تقدّمت رواية شعبة، ونحوها رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ المذكورة، في -٣٥٢٨/٥٥ و٣٥٢٩- فتنبه. والله تعالى أعلم. (دَخَلَتْ حِفْشًا) بكسر الحاء المهملة، وسكون الفاء، بعدها شين معجمة -: سيأتي تفسيره (وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِها، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا) وفي رواية: (لها)) (سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْثَى بِدَابَّةٍ) بالتنوين (حِمَّارٍ) بالجرّ على البدل (أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرٍ) ((أو) فيهما للتنويع، لا للشك، وإطلاق الدابّة على ما ذُكر هو بطريق الحقيقة اللغويّة، لا العرفيّة (فَتَفْتَضُّ بِهِ) بفاء، ثم مثنّاة، ثم ضاد معجمة مشدّدة، سيأتي تفسير مالك له قريبًا. والباء في ((به)) سببيّة. وجوّز الكرمانيّ أن تكون للتعدية، أو تكون زائدة، أي تفتضّ الطائر بأن تكسر بعض أعضائه انتهى. لكن يردّه ما يأتي من تفسير الافتضاض صريحًا (فَقَلَّمَا تَفْتَضُ بِشَيْءٍ، إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ) بالبناء للفاعل، أي تخرج تلك المعتدة من حفشها (فَتُعْطَى) بالبناء للمفعول (بَعْرَةً) بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، ويجوز فتحها (فَتَزْمِي بِهَا) وفي رواية مطرّف، وابن الماجشون، عن مالك: ((ترمي ببعرة من بعر الغنم، أو الإبل، فترمي بها أمامها، يكون ذلك إحلالًا لها))، وفي رواية ابن وهب: ((فترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها))، ووقع في رواية شعبة المذكورة: ((فإذا كان حولٌ، فمرّ كلبٌ رمت ببعرة)). وظاهره أن رميها البعرة يتوقّف على مرور الكلب، سواء طال زمن انتظار مروره، أم قصر، وبه جزم بعض الشرّاح. وقيل: ترمي بها من عرض، من كلب، أو غيره، ترمي من حضرها أن مقامها حولًا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبًا أو غيره. وقال عياضٌ: يمكن الجمع بأن الكلب إذا مرّ افتضّت به، ثم رمت البعرة. قال الحافظ: ولا يخفى بعده، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيّما إذا كان حافظًا، فإنه لا منافاة بين الروايتين حتى يحتاج إلى الجمع. واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدّة رمي البعرة. وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربّص، والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى، كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها؛ استحقارًا له، وتعظيمًا لحقّ زوجها. وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك. قاله في ((الفتح)). (وَتُرَاجِعُ) بضم المثناة الفوقيّة، من المراجعة (بَعْدُ) أي بعد ما ذُكر من الافتضاض، ٢٩٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ والرمي (مَا شَاءَتْ، مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ) مما كانت ممنوعة منه في تلك المدّة. (قَالَ مَالِكٌ) إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى، مفسّرًا معنى قوله (تَفْتَضُّ: تَمْسَحُ بِهِ) وفي رواية ((الموطّا)): ((تمسح به جلدها)). قال في ((الفتح)): وأصل الفضّ الكسر، أي تكسر ما كانت فيه، وتخرج منه بما تفعله بالدابة. ووقع في رواية النسائيّ: ((تقبص)) بقاف، ثم موحّدة، ثم مهملة خفيفة، وهي رواية الشافعيّ، والقبص الأخذ بأطراف الأنامل. قال الأصبهانيّ، وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع، أي تذهب بعَدْو، وسرعة إلى منزل أبويها؛ لكثرة حيائها؛ لقبح منظرها، أو لشدّة شوقها إلى التزويج؛ لبعد عهدها به. والباء في قوله: ((به)) سببيّة، والضبط الأول أشهر. قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدّة، كانت لا تمسّ ماءً، ولا تقلّم ظفرًا، ولا تُزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضّ، أي تكسر ما هي فيه من العدّة بطائر تمسح به قبلها، وتنبذه، فلا یکاد یعیش بعد ما تفتضّ به. وهذا لا يخالف تفسير مالك، لكنه أخصّ منه؛ لأنه أطلق الجلد، وتبيّن أن المراد به جلد القبل. وقال ابن وهب: معناه أنها تمسح بيدها على الدابة، وعلى ظهره. وقيل: المراد تمسح به، ثم تفتضّ، أي تغتسل، والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب؛ لإزالة الوسخ، وإرادة النقاء، حتى تصير بيضاء نقيّة كالفضّة، ومن ثمّ قال الأخفش: معناه تتنظّف، فتنتفي من الوسخ، فتشبه الفضّة في نقائها وبياضها. والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، ومن الرمي الانفصال منه بالكلّيّة. انتهى. (فِي حَدِيثٍ مُحَمَّدٍ : قَالَ مَالِكٌ: الْحِفْشُ الْخُصُّ) يعني أن شيخه محمد بن سلمة زاد في روايته تفسير مالك للحفش. وفي رواية يحيى بن يحيى، عن مالك: ((والحفش البيت الرديء))، وفي رواية القعنبيّ، عنه: ((الصغير جدًّا)). وهما بمعنى، فرداءته لصغره. و ((الحفش)) -بكسر المهملة، وسكون الفاء، بعدها شين معجمة -: فسره مالك بالخصّ، وهو -بضم الخاء المعجمة، وتشديد الصاد المهملة -: البيت من القصب، والجمع أَخصاص، مثل قُفْل وأَقفال. وفسره أبو داود في روايته من طريق مالك بالبيت الصغير، وهو أعم مما ذكره المصنّف. وقال الشافعيّ: الحِفش: البيت الذليل الشعث البناء. وقيل: هو شيء من خوص يُشبه القفّة، تجمع فيه المعتدّة متاعها من غزل، أو نحوه. وظاهر سياق القصّة يأبى هذا، ففي الرواية الآتية من طريق يحيى الأنصاريّ، عن حميد بن نافع: ((عمدت إلى شرّ بيت لها، فجلست فيه)). ولعلّ أصل الحفش ما ذُكر، ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق الاستعارة. قاله في (الفتح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٦٤ - (مَا تَجْتِبُهُ الْحَادَةُ مِنَ الثَّابِ الْمُصْبَقَةِ) - حديث رقم ٣٥٦١ ٢٩٧ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبقيّة مسائله في - ٥٥/ ٣٥٢٧ - ((باب عدة المتوفى عنها زوجها)»، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٦٤- (مَا تُجْتَنِبُهُ الْحَادَّةُ مِنَ القِيَابِ الْمُصْبَغَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الحادة)): اسم فاعل، من حدّت المرأة، ثلاثيًا، ويقال لها: الْمُحِدّة، من الإحداد رباعيًّا: إذا تركت الزينة لموت زوجها. و((المصبّغة)): اسم مفعول من التصبيغ، قال في ((اللسان)»: وثيابٌ مُصَبَّغَةٌ: إذا صُبِغت، شُدِّدّ للكثرة انتهى. وقال الفيّميّ: صَبَغتُ الثوب صَبْغًا، من بابي نفع، وقَتَل، وفي لغة من باب ضرب. قال: والصّبْغِ، بكسر الصاد، والصِّبْغَةُ، والصّاغُ أيضًا، كله بمعنى، وهو ما يُصبغ به، ومنهم من يقول: الصُّبَاغ جمع صِبْغٍ، مثلُ بِثْرٍ وبِثَارٍ. انتهى بتصرّف. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٦١- (أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ حَقْصَةَ، عَنْ أُمْ عَطِئَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا تَجِدْ امْرَأَةٌ عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ، فَإِنَّا تَجِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَلَا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمْتَشِطُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا، إِلَّا عِنْدَ طُهْرِهَا، حِينَ تَظْهُرُ، نُبَذّا مِنْ قُسْطِ، وَأَظْفَارٍ)) ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (حُسين بن محمد) بن أيوب الذارع السعديّ، أبو عليّ البصريّ، صدوق [١٠] ١٣٥٥/٩٧ . ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢. ٣- (هشام) بن حسّان القُردسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [٦] ٣٠٠/١٨٨. ٤- (حفصة) بنت سيرين، أم الْهُذيل الأنصاريّة البصريّة، ثقة [٣] ٣٩٠/٢٢. ٢٩٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ٥- (أمّ عطيّة) نُسيبة -بالتصغير، ويقال: بفتح النون- بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصاريّة صحابيّة، مشهورة، ثم سكنت البصرة، تقدّمت في -٣٦٨/٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُمّ عَطِيئَةَ) الأنصاريّة رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ: ((لَا تَجِدُ) تقدّمِ أنه بضم أوله، أو فتحها، من الإحداد، أو الحدّ (امْرَأَةٌ عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ، فَإِنَّا تَجِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَضْبُوغًا، وَلَا ثَوْبَ عَصْبٍ) هكذا نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ كلها بلفظ: ((ولا ثوب عصب)) بواو العطف، و((لا)) النافية، فيكون عطفًا على الممنوع، وهذا غلطّ فاحشٌ، والصواب، كما في ((الكبرى)): ((إلا ثوب عصب))، بأداة الاستثناء، فهو مستثنىّ من الممنوع، فيكون لبسها له جائزًا. فتنبه. و((العَصَب)) -بفتح العين، وسكون الصاد المهملتين- قال في ((المحكم)): هو ضرب من برود اليمن، يُعصب غَزْله، أي يُجمَع، ثم يُصبغ، ثم يُنسج. وقال ابن الأثير: العَصب برودٌ يمنيّةٌ، يُعصب غزلها: أي يُجمع، ويُشدّ، ثم يُصبغ، ويُنسج، فيأتي مَوْشِيًّا؛ لبقاء ما عُصب منه أبيض لم يأخذه صِبْغ، يقال: بُرْدٌ عَصْبٌ، وبُرُودُ عَصْب، بالتنوين والإضافة. وقيل: هي برودٌ مخطّطةٌ. والعصب: الفَتْلُ، والعَصّاب الْغَزَّالَ، فيكون النهي للمعتدّة عما صُبغ بعد النسج. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: ((إلا ثوب عَصْبٍ -بمهملتين، مفتوحة، ثم ساكنة، ثم موحّدة- وهو بالإضافة، وهي برود اليمن، يُعصب غزلها، أي يُربط، ثم يُصبغ، ثم ينسج معصوبًا، فيخرج موشى؛ لبقاء ما عُصِب به أبيض لم ينصبغ، وإنما يُعصب الشّدّى، دون اللُّحمَة. وقال صاحب ((المنتهى)): العصب هو المفتول من برود اليمن. وذكر أبو موسى المدينيّ في ((ذيل الغريب)) عن بعض أهل اليمن أنه من دابة بحريّة، تُسمّى فرس فرعون، يُتخذ منها الخرز وغيره، ويكون أبيض. وهذا غريب. وأغرب منه قول السهيليّ: إنه نبات لا ينبت إلا باليمن، وعزاه لأبي حنيفة الدِّينَوَريّ. وأغرب منه - (١) ((النهاية)) ٢٤٥/٣. ٦٤ - (مَا تَجْتَنِبُ الْحَادَّةُ مِنَ النَّابِ الْمُصْبَغَةِ) - حديث رقم ٣٥٦١ ٢٩٩= قول الداوديّ: المراد بالثوب العصب الخضرة، وهي الْحِبّرَة، وليس له سلف في أن العصب الأخضر. انتهى(١). (وَلَّا تَكْتَحِلُ) أي لا تستعمل الكحل (وَلَا تَمْتَشِطُ) أي لا تسرّح شعرها بالْمُشط. يقال: مَشَطتُ الشعر مَشْطًا، من بابي قتل، وضرب: سَرَّحْتُهُ، والتثقيل مبالغة. وامتشطت المرأةُ: مشَطتْ شعرها، والْمُشط الذي يُمْشَط به بضم الميم، وتميم تكسرها، وهو القياس؛ لأنه آلة، والجمع أمشاط. قاله الفيّوميّ (وَلَا تَمَسُ) بفتح الميم، وضمها، يقال: مَسِسْتُهُ مَسًّا، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قتل: أفضيتُ إليه بيدي من غير حائل. قاله الفيّومي (طِيبًا، إِلَّا عِنْدَ طُهْرِهَا، حِينَ تَطْهُرُ، نُبَّذًا) وفي نسخة: (نُبْذة)). و((التُّذُ)) -بضمّ أوله، وفتح ثالثه -: جمع نبذة - بضم، فسكون -: ومعناها القطعة. قال القرطبيّ: قال القاضي أبو الفضل: النبذة: الشيء اليسير، وأدخل فيه الهاء؛ لأنه بمعنى القطعة. (مِنْ قُسْطٍ، وَأَظْفَارِ))) قال ابن الأثير: الْقُسط: ضرب من الطيب. وقيل: هو العود. والقسط عقّارٌ معروفٌ في الأدوية طيّب الريح، تبخّر به النساء والأطفال، وهو أشبه بالحديث؛ لإضافته إلى الأظفار(٢). قال: و((الأظفار)): جنس من الطيب، لا واحد له من لفظه. وقيل: واحده ظفر. وقيل: هو شيء من العطر أسود. والقطعة منه شبيهةٌ (٣) بالظفر انتهى (٣). وقال النوويّ: القُسط والأظفار: نوعان معروفان من الْبَخُور، وليسا من مقصود الطيب، رُخْص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم، لا للتطيّب. وقال الحافظ: المقصود من التطيّب بهما أن يُخلطا في أجزاء أخر من غيرهما، ثم تُسحَق، فتصير طيبًا، والمقصود بهما هنا - كما قال الشيخ- أن تتبع بهما أثر الدم؛ لإزالة الرائحة، لا للتطيّب. وزعم الداودي أن المراد أنها تسحق القسط، وتُلقيه في الماء آخر غسلها؛ لتذهب رائحة الحيض. وردّه عياضٌ بأن ظاهر الحديث يأباه، وأنه لا يحصل منه رائحة طيّبة، إلا من التبخّر به. كذا قال. وفيه نظر انتهى (٤). وقال أبو العبّاس القرطبيّ: وإنما رُخْص لها في هذا؛ لقطع الروائح الكريهة، والتنظيف، لا على معنى التطيّب، مع أن القسط والأظفار ليس من مؤنّث الطيب (١) ((فتح) ٦١٥/١٠-٦١٦. ((كتاب الطلاق)). (٢) ((النهاية)) ٦٠/٤. (٣) ((النهاية)) ٣/ ١٥٧. (٤) ((فتح)) ٦١٦/١٠. ٣٠٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ المستعمل نفسه في ذلك . وظاهره أنها تتبخرت بذلك. وقال الداوديّ: تَسْحَقُ القُسْطَ والأَظفارَ، وتُلقيه في الماء آخر غسلها، والأول أظهر؛ لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلا من بَخُورهما، ويقال: قُسْط -بالقاف، والكاف- وأكثر ما يُستعمل الْقُسط، والأظفار مع غيرهما فيما يُتبخّر به، لا بمجرّدهما انتهى. ووقع في كتاب البخاريّ: ((قسط أظفار))، وهو خطأ، إذ لا يضاف أحدهما للآخر؛ لأنهما لا نسبة بينهما. وعند بعضهم: ((قسط ظفار)) وهذا له وجهً، فإن ظَفَارِ مدينة باليمن، نُسب إليها الْقُسْط، وما في مسلم أحسن. قال: وعلى هذا فينبغيى ألا يُصرف للتعريف والتأنيث، ويكون كـ((حَذَام))، و((قَطَام))، أو يكون مبنيًّا على الكسر، على القول الثاني في ((حذام))، و((قطاع)). انتهَى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم عطيّة رضي اللَّه تعالى عنها متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥٦١/٦٤ و٦٥/ ٣٥٦٣ و٣٥٦٩/٦٨- وفي «الكبرى)) ٥٧٢٨/٦٤ و٥٧٣٠/٦٥ و٥٧٣٦/٦٨. وأخرجه (خ) في (الحيض)) ٣١٣ و((الجنائز)) ١٢٧٩ و٥٣٤٠ و٥٣٤١ و٥٣٤٣ (م) في ((الطلاق)) ٩٣٨ (د) في ((الطلاق)) ٢٣٠٢ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٨٧ ((أحمد) في ((مسند البصريين)) ٢٠٢٧٠ و((مسند القبائل)» ٢٦٧٥٩ (الدارمي) في ((الطلاق)) ٢٢٨٦ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان ما تجتنبه الحادة من الثياب الْمُصَبَّغَة. (ومنها): جواز لبس الثوب المعصوب، أي الذي ربط غزله، ثم صُبغ، ونُسج. (ومنها): وجوب الإحداد على الزوج المتوفّى. (ومنها): أن مدة الإحداد أربعة أشهر وعشر. (ومنها): عدم جواز الاكتحال والامتشاط للحاذة. (ومنها): عدم استعمال الطيب، إلا شيئًا يسيرًا من القسط عند طهارتها من المحيض. (ومنها): أنه يؤخذ من مفهومه جواز لبس ما ليس بمصبوغ، من الثياب البيض، ونحوها. (ومنها): أنه يدلّ على جواز استعمال ما فيه منفعة لها، من جنس ما مُنِعت منه، إذا لم يكن (١) ((المفهم)) ٢٨٩/٤-٢٩٠.