Indexed OCR Text
Pages 261-280
٥٦- (بَأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَنَّى ... - حديث رقم ٣٥٥٠ ٢٦١ === و((ابن شُبرمة)): هو عبد الله بن شُبْرُمة - بضم المعجمة، وسكون الموحّدة، وضمّ الراء - ابن الطفيل بن حسّان بن المنذر بن ضِرَار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن بَجَالة الضبّيّ، أبو شُبْرُمة الكوفيّ القاضي، وقيل في نسبه غير ذلك، ثقة فقيه [٥]. قال أحمد، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال عليّ بن المدينيّ: قلت لسفيان: كان ابن شُبرُمة جالس الحسن؟ قال: لا، ولكن رأى ابن سيرين بواسط. وقال عبد الله بن داود، عن الثوريّ: فقهاؤنا ابن شبرمة، وابن أبي ليلى. وقال العجليّ: كان قاضيًا على السواد لأبي جعفر، وكان الثوريّ إذا قيل له: من مُفتيكم؟ يقول: ابن أبي ليلى، وابن شُبرمة، وكان ابن شبرمة عفيفًا، حازمًا، عاقلًا، فقيهًا، يُشبه النسّاك، ثقةً في الحديث، شاعرًا، حَسَنَ الْخُلُق، جوادًا. وقال محمد بن فُضيل، عن أبيه: كان ابن شُبرمة، ومغيرة، والحارث الْعُكْليّ، والقعقاع بن يزيد، وغيرهم، يسمُرُون في الفقه، فربّما لم يقوموا إلى الفجر. وقال عبد الوارث: ما رأيت أسرع جوابًا منه. وقال ابن سعد: كان شاعرًا، فقيهًا، ثقة، قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان من فقهاء أهل العراق. وقال أبو جعفر الطبريّ: كان شاعرًا، فقيهًا، وَرِعًا. وقال ابن المبارك: جالسته حينًا، ولا أروي عنه. وقال ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن أحمد: لم يسمع ابن شُبرُمة من عبد الله بن شدّاد. قال يحيى بن بُكير: مات سنة (١٤٤) وقال بعض المؤرّخين: وُلد سنة (٧٢). علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث برقم ٣٥٤٩/٥٦ و ٥٧١٠/٤٨ و ٥٧١١ و ٥٧/ ٥٧٧٧ و٥٧٨٤ و٥٧٨٥ . وقوله: ((من شاء لاعنته)) أي من خالفني في نزول هاتين الآيتين، وفي كون عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها بالوضع، فإن شاء، فليجتمع معي، حتى نلعن المخالف، وهذا كناية عن قطعه وجزمه بما يقول من وهم بخلافه. وقوله: ((ما أنزلت: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ﴾ الخ)) جملة مستأنفة، بيّنِ بها الملاعَن عليه، ويحتمل أن يكون التقدير ((من شاء لاعنته على أنه ما أنزلت ﴿وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ﴾ الخ. وقوله: ((واللفظ لميمون)) يعني أن لفظ الحديث الذي ساقه هنا هو لشيخه ميمون بن العبّاس، وأما محمد بن مسكين، فرواه بمعناه. والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوکیلِ. ٣٥٥٠- (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ - وَهُوَ ابْنُ أَعْيَنَ - قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌح وأَخْبَرَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَمَسْرُوقٌ، وَعَبِيدَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى، نَزَلَتْ بَعْدَ الْبَقْرَةِ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو داود)» شيخه: هو الحرّانيّ الثقة الحافظ [١١] ١٣٦/١٠٣. من أفراده. و((الحسن بن أعين)): هو الحسن بن محمد بن أعين - نُسب لجدّه- أبو عليّ الحرّانيّ، صدوق [٩]٦٤٩/١٦. و((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم)): هو المعروف أبوه بابن عُليّة. و((يحيى)): هو ابن كثير بن درهم العنبريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ، ثقة [٩] ٢٢٣/٤٣ . [تنبيه]: هذا الذي ذكرته من أن ((يحيى)) هنا هو ابن كثير هو الذي صرّح به المصنّف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) -٣٩١/٣ رقم ٥٧١٧، ولفظه: ((قال: حدّثنا يحيى - وهو ابن كثير-، قال: حدّثنا زهير بن معاوية الخ. فما وقع للحافظ أبي الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى(١) في ((تحفة الأشراف)) ١٣/٧ من أنه يحيى بن آدم، وهو يحيى بن آدم بن سليمان الكوفيّ، ولم يذكر لذلك مستنده، فالظاهر أنه غلطٌ، فتنبّه. والله تعالى أعلم. و((زهير بن معاوية)) بن حُديج: هو الجعفيّ الكوفيّ الثقة الثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأخَرَة. و((أبو إسحاق)): هو عمرو بن عبد الله السبيعيّ الكوفيّ. و((الأسود)): هو ابن يزيد النخعيّ. و((عَبيدة)) -بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة، مكبرًا -: هو ابن عمرو السلمانيّ الكوفيّ التابعيّ المخضرم الثقة العابد. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)) ((بضبط القلم ((عُبيدة)) بضم العين المهملة، مصغّرًا، وهو غلطٌ، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم. والحديث، وإن كان في سنده أبو إسحاق السبيعيّ، وهو مدلّسٌ، وقد عنعنه، ومختلطً، وسماع زهير منه بآخره، إلا أنه يشهد له ما قبله، فهو صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) وقد قلّده في ذلك أصحاب برنامج الحديث الشريف (صخر)، فذكروا ترجمة يحيى بن آدم، وهو غلط، فتنبه لذلك. والله تعالى أعلم. ٢٦٣ ٥٧- (عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَبَل ... - حديث رقم ٣٥٥١ ٥٧- (عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا) ٣٥٥١- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلِ، تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَغْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ؟، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَّهَا مِثْلُ صَدَاقٍ نِسَائِهَا، لَّا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِتَانِ الْأَشْجَعِيُّ، فَقَالَ: قَضَى فِيَا رَسُولُ اللّهِ وَّهِ، فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، امْرَأَةٍ مِنَّا، مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ ابْنُ مَسْعُودٍ تَّه). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيحٌ، وقد تقدم للمصنّف رحمه الله تعالى في -٣٣٥٥/٦٨- باب ((إباحة التزوّيج بغير صداق»، وتقدّم هناك شرحه ومسائله مستوفاة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. و((سفيان)): هو الثوريّ. وقوله: ((لا وكس)) -بفتح، فسكون -: أي لا نقصان منه. وقوله: ((لا شطط)) -بفتحتين -: أي لا زيادة عليه. وقوله: ((معقِل بن سنان)) -بفتح الميم، وكسر القاف. وقوله: (بَزْوَع بنت واشق)) -بفتح الموحدة، وكسرها، وقد تقدم في الباب المذكور الاختلاف في ضبطها، فراجعه تستفد. [تنبيه]: أورده المصنف رحمه اللّه تعالى هذا الحديث هنا استدلالًا على وجوب العدّة على المتوفّى عنها زوجها قبل أن يدخل بها، وهذا مما لا خلاف فيه. قال العلامة ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: أجمع أهل العلم على أن عدّة الحرّة المسلمة، غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر، مدخولًا بها، أو غير مدخول بها، سواء كانت كبيرة بالغة، أو صغيرةً لم تبلغ؛ لعموم آية: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَنَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَّيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية. وإنما لم تحمل هذه الآية على المدخول بها، كما حُملت آية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ الآية على المدخول بها؛ لأن آية الطلاق خصّصتها آية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةِ تَعْنَدُّونَهَا﴾ الآية، وأما آية الوفاة، فلم يرد لها مخصّصٌ. ولم يمكن قياسها على المطلّقة؛ لأن المطلّقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها، ونفيه باللعان، وهذا ممتنع في حقّ الميت، فلا يؤمن أن تأتي بولد، فيلحق الميت نسبه، وما له من ينفيه، فاحتيط ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ بإيجاب العدّة عليها؛ لحفظها عن التصرّف، والمبيت في غير منزلها؛ حفظًا لها. انتهى باختصار، وقد تقدّم بأتمّ من هذا(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٥٨- (بَابُ الإِحْدَادِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الإحداد)) -بكسر الهمزة -: مصدر أحدّت المرأة رُباعيًّا، ويقال: حدّت ثلاثيًّا. قال الفيّوميّ: حدّت المرأة على زوجها تَجِدُّ -بالكسر - وتَحَدّ -بالضمّ حِدَادًا بالكسر، فهي حادّ، بغير هاء، وأحدّت إحدادًا، فهي مُحِدٍّ، ومُحِدَّةٌ: إذا تركت الزينة لموته. وأنكر الأصمعيّ الثلاثيّ، واقتصر على الرباعيّ. (٢) انتھی(٢). وقال ابن منظور - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: قال أبو عبيد: وإحداد المرأة على زوجها ترك الزينة. وقيل: هو إذا حَزِنت عليه، ولبست ثياب الحزن، وتركت الزينة والخضاب. قال أبو عبيد: ونرى أنه مأخوذ من المنع؛ لأنها قد مُنِعَت من ذلك، ومنه قيل للبوّاب حدّاد؛ لأنه يمنع الناس من الدخول انتهى (٣). وقال في ((الفتح)): قوله: ((تحد)) بضمّ أوله، وكسر ثانيه، من الرباعيّ، ويجوز بفتحة، ثم ضمة، من الثلاثيّ. قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمّي البوّاب حدّادًا؛ لمنعه الداخل، وسميت العقوبة حدًّا؛ لأنها تردع عن المعصية . وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدّة نفسَهَا الزينةَ، وبَدَنَها الطيبَ، ومنع الْخُطّاب خِطبتها، والطمعَ فيها، كما منع الحدّ المعصية. وقال الفرّاء: سمّي الحديد حديدًا؛ للامتناع به، أو لامتناعه على محاوله، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلّبه في الجهات. ويُروى بالجيم، حكاه الخطّابيّ، قال: يُروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم (١) راجع ((المغني)) ٢٢٣/١١-٢٢٤. (٢) ((المصباح المنير)) مادة ((حدد)). (٣) ((لسان العرب)) ١٤٣/٣ ((مادة حدد)). ٢٦٥ ٥٨- (بابُ الإِخدادِ) - حديث رقم ٣٥٥٢ مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة. وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعيّ حَدّت، ولم يَعرِف إلا أحدّت. وقال الفرّاء: كان القدماء يؤثرون أحدّت، والأخرى أكثر في كلام العرب(١). وقال في موضع آخر: قال ابن بطّال: الإحداد -بالمهملة -: امتناع المرأة المتوفّى عنها زوجها من الزينة، كلها من لباس، وطيب، وغيرهما، وكلّ ما كان من دواعي الجماع. وأباح الشارع للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لَوْعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا؛ لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحل لها منعه في تلك الحال. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٥٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ، قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ، تَحَدُّ عَلَى مَيْتٍ، أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. وقوله: ((تُحدّ)) -بضم أوله، أو بفتحه، من الإحداد، أو الحدّ- وهو فاعلُ ((لا يَحلّ)) بتقدير ((أن المصدريّة))، وهو قياس على الأصح، لوقوعه في القرآن، كما قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾ الآية، فـ((يريكم)) بتقدير ((أن)) مبتدأ مؤخّر. والحديث أخرجه المصنف رحمه الله تعالى هنا-٣٥٥٢/٥٨ و٣٥٥٣- وفي (الكبرى)) ٥٧١٩/٥٨ و٥٧٢٠. وأخرجه (م) في ((الطلاق)) ١٤٩٠ و١٤٩١ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٨٥ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٥٧٢ و٢٤٩٨٦ و٢٥٥٩٠ و٢٥٨٧٢ (الموطأ) في ((الطلاق)) ١٢٧١ (الدارمي) في ((الطلاق)) ٢٢٨٣، وقد تقدم شرحه في شرح حديث أم حبيبة رضي اللّه تعالى عنها قبل بابين، وسيأتي أيضًا بعد أربعة أبواب مشروحًا بشرح مطوّل، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٥٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَیْمَانُ بْنُ كَثِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ، تُؤْمِّنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تَدَّ فَوْقَ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ)) ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((مَحمد بن معمرٌ)) : البحرانيّ - بالموحدة، (١) ((فتح)) ٦٠٨/١٠ ((كتاب الطلاق)) رقم ٥٣٣٣. (٢) ((فتح)) ٤٩٠/٣ (كتاب الجنائز)) رقم ١٢٧٩. ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ والمهملة- البصريّ، صدوق، من كبار [١١] ١٨٢٩/٥ (١). و((حَبّان)) -بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة -: هو ابن هلال، أبو حبيب البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٥٩٠/٤٤ . و ((سلیمان بن کثیر)) العبدي البصريّ، أبو داود، ويقال: أبو محمد، لا بأس به في غير الزهريّ [٧] . قال النسائيّ: ليس به بأس، إلا في الزهريّ، فإنه يُخطىء عليه. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال العجليّ: جائز الحديث، لا بأس به. وقال ابن معين: ضعيف. وقال الآجريّ، عن أبي داود: سليمان بن کثیر أخو محمد بن کثیر، أصله من واسط، يقال له: أبو داود الواسطيّ، كان يصحب سفيان بن حُسين. وقال العقيليّ: واسطيّ، سكن البصرة، مضطرب الحديث عن ابن شهاب، وهو في غيره أثبت. وقال الذهليّ: نحو ذلك. وقال ابن حبّان: كان يُخطىء كثيرًا، فأما روايته عن الزهريّ، فقد اختلطت عليه صحيفته، فلا يُحتجّ بشيء ينفرد به عن الثقات. وقال ابن عديّ: لم أسمع أحدًا في روايته عن غير الزهريّ شيئًا(٢)، قال: وله عن الزهريّ، وعن غيره أحاديث صالحة، ولا بأس به. مات سنة (١٣٣). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث، حديث الباب -٣٥٥٣/٥٨ وحديث ((باب فضل الصدقة عن الميت)) ٨/ ٣٦٨٣ وحديث ((باب من قتل بحجر أو سوط) ٤٩١٦/٣٢،٣١ و٤٨١٧ . والحديث صحيح، ولا يضرّ كونه من رواية سليمان بن كثير، وهو متكلّم فيه في حديث الزهريّ؛ لأنه لم ينفرد به، بل تابعه ابن عيينة، كما في الرواية السابقة، وتقدم شرحه، وبيان مسائله في شرح حديث أم حبيبة رضي اللّه تعالى عنها قبل بابين، وسيأتي شرحه أيضًا مطوّلًا بعد أربعة أبواب، ولنتكلّم هنا على مسألتين تتعلّقان بما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى: (المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في حكم إحداد المرأة: قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما ملخصه: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في وجوب الإحداد على المتوفّى عنها زوجها، إلا الحسن، فإنه قال: لا يجب الإحداد، وهو قول شذّ به عن أهل العلم، وخالف به السنّة، فلا يعرّج عليه، ويستوي (١) هذا الذي ذكرته من أن محمد بن معمر البحرانيّ هو الذي صرّح به المصنّف في ((الكبرى))، وقد أخطأ في هذا أصحاب البرنامج ((الحديث الشريف)) صخر، فترجموا محمد بن معمر الحضرمي، وهو خطأ، فلیتنبه. (٢) هكذا نسخة ((تهذيب التهذيب))، والظاهر أن في العبارة سقطًا، ولعله ((لم أسمع أحدا يقول في روايته إلخ)) أو نحو ذلك، فليحرر. والله تعالى أعلم. ٢٦٧ = ٥٨- (بابُ الإِخدادِ) - حديث رقم ٣٥٥٢ في وجوبه الحرّة، والأمة، والمسلمة، والذمّيّة، والكبيرة، والصغيرة. وقال أصحاب الرأي: لا إحداد على ذمّيّة، ولا صغيرة؛ لأنهما غير مكلّفين. والصحيح قول الجمهور؛ لعموم الأحاديث. ولا إحداد على غير الزوجات، كأم الولد، إذا مات سيّدها، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك. وكذلك الأمة التي يطؤها سيّدها، إذا مات عنها، ولا الموطوءة بشبهة، ولا المزنيّ بها؛ لحديث الباب، فإنه قال: ((إلا على زوج))، فشرط کونه زوجًا. ولا إحداد أيضًا على الرجعية، ولا نعلم فيه خلافًا بين العلماء؛ لأنها في حكم الزوجات، لها أن تتزيّن لزوجها، وتستشرف له، ليرغب فيها، كما تفعل في حال النكاح. ولا إحداد أيضًا على المنكوحة نكاحًا فاسدًا؛ لأنها ليست زوجة على الحقيقة. واختلف في المطلّقة البائن، فذهب إلى وجوب الإحداد عليها ابن المسيّب، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وهي رواية عن أحمد؛ لأنها معتدّة من بائن من نكاح، فلزمها الإحداد، كالمتوفّى عنها زوجها، وذلك لأن العدّة تحرم النكاح، فحرمت دواعيه . وذهب عطاء، وربيعة، ومالك، وابن المنذر، والشافعيّ إلى أنه لا يجب عليها الإحداد؛ لأن النبيّ وَ لّ قال: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا))، وهذه عدّة الوفاة، فيدلّ على أن الإحداد إنما يجب في عدة الوفاة (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المذهب الثاني، وهو عدم وجوب الإحداد على المطلّقة البائن هو الأرجح عندي؛ لقوة دلیله، فإن الموجبین لم يأتوا بنصّ، ولا إجماع، فليس لنا دليلٌ نتمسّك به حتى نخرج من البراءة الأصلية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): فيما تجتنبه المحدّة في زمن إحدادها: قال أهل العلم يجب عليها أن تجتنب ما يدعو إلى جماعها، ويرغّب في النظر إليها، ويُحسّنها، وذكر من ذلك أشياء: (فمنها): الطيب، ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد؛ لقوله وَلتر: ((لا تمسّ طيبًا إلا عند طهرها، إذا طهرت من حيضتها بنبذة من قسط، أو أظفار)). متّفقٌ - (١) راجع ((المغني)) ٢٨٤/١١-٢٨٥ و٢٩٩. ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ عليه. ولا يجوز لها استعمال الأدهان المطيّبة، كدهن البنفسج، والياسمين، والبان، وما أشبهه؛ لأنه استعمال للطيب، فأما الأدهان بغير الطيب، كالزيت، والشيرج، والسمن، فلا بأس به. (ومنها): الزينة، واجتنابها واجب في قول عامّة أهل العلم، منهم: ابن عمر، وابن عبّاس، وعطاء. وجماعة أهل العلم يكرهون ذلك، وينهون عنه. وهي ثلاثة أقسام: [أحدها]: الزينة في نفسها، فيحرم عليها أن تختضب، وأن تحمّر وجهها، وتبيّضه، وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة، ورخّص فيه عند الضرورة عطاء، والنخعيّ، ومالك، وأصحاب الرأي. والصحيح أنه لا يجوز؛ لما سبق من قصّة المرأة التي استأذنت في أن تكحل ابنتها للمرض، فنهاها النبيّ وَلآر . [الثاني]: زينة الثياب، فتحرم عليها الثياب المصبوغة للتحسين، كالمعصفر، والمزعفر، وسائر الملون للتحسين؛ لقوله وَله: ((لا تلبس ثوبًا مصبوغًا)). متفق عليه. وأما ما لا يقصد بصبغه حسنه، كالكحليّ، والأسود، والأخضر المشبع، فلا تُمنع منه؛ لأنه ليس بزينة. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وقد ذكروا مما تجتنبه الحادة أيضًا النقاب، وما في معناه، مثل البرقع؛ لأن المعتدّة كالمحرمة، لكن لم أجد لذلك دليلًا، فإن كان هناك دليل من نصّ أو إجماع، فذاك، وإلا فلا أرى لمنعه وجهًا، فليتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٥٩- (بَابُ سُقُوطِ الإِحْدَادِ عَنِ الْكِتَابِيَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) ٣٥٥٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْتَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِثْبَرِ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَّيَّتٍ، فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) ). ٥٩- (بابُ سُقُوطِ الإِخدادِ عن ... - حديث رقم ٣٥٥٤ ٢٦٩ == قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا. و((إسحاق بن منصور)): هو الكّوْسَجُ. [تنبيه]: هذا الذي ذكرته من كون شيخ المصنّف هو إسحاق بن منصور الكوسج، هو الذي وقع في نسخ ((المجتبى))، ووقع في ((الكبرى)) بدله عمرو بن منصور النسائيّ، وهو ثقة ثبت [١١] ١٠٨ / ١٤٧. والذي يظهر لي أن ما في ((الكبرى)) هو الصواب؛ لأمرين: (الأول): تنصيصه بنسبته إلى بلده، فهذا التنصيص يرجّح على أنه رواه عن عمرو، لا عن إسحاق، فإنه مروزيّ. (والثاني): أنه لم يذكر في ((تهذيب الكمال))، ولا ((في تهذيب التهذيب)) إسحاق بن منصور ممن روى عن عبد الله بن يوسف التّنِيسيّ، بل نصّ في الثاني على أن النسائيّ يروي عنه بواسطة عمرو بن منصور النسائيّ. واللَّه تعالى أعلم. و((عبد الله بن يوسف)): هو التِّنِيسِيّ. و((الليث)): هو ابن سعد المصريّ. و((أيوب ابن موسى)): هو أبو موسى الأمويّ المكيّ، ثقة [٦] ٢٤١/١٥٠. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم قبل ثلاثة أبواب، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فارجع إليه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: استدلّ المصنّف رحمه الله تعالى بهذا الحديث على عدم وجوب الإحداد على الكتابيّة المتوفى عنها زوجها، وهذا الذي ذهب إليه المصنّف رحمه اللّه تعالى قال به أبو حنيفة، وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكيّة؛ لقوله وَ الر: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله ... )) الحديث.، فخصّه بالمؤمنة. وذهب الجمهور، ومنهم الشافعيّ إلى أنها يجب عليها الإحداد، وأولوا الحديث بأنه إنما خصّ المؤمنة؛ لأن الذي يستثمر خطاب الشارع، وينتفع به، وينقاد له هو المؤمن. وقال العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: والتحقيق أن نفي حلّ الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفي حكمه عن الكفّار، ولا إثباته لهم أيضًا، وإنما يقتضي أن من التزم الإيمان وشرائعه، فهذا لا يحلّ له، ويجب على كلّ حال أن يلزم الإيمان وشرائعه، ولكن لا يُلزمه الشارع شرائع الإيمان إلا بعد دخوله فيه، وهذا كما لو قيل: لا يحلّ لمؤمن أن يترك الصلاة، والحجّ، والزكاة، فهذا لا يدلّ على أن ذلك حلّ للكافر، وهذا كما قال في لباس الحرير: ((لا ينبغي هذا للمتقين)). أخرجه مسلم. فلا يدلّ أنه ينبغي لغيرهم، وكذا قوله: ((لا ينبغي لمؤمن أن يكون لعّانًا)). أخرجه مسلم. وسرّ المسألة أن شرائع الحلال والحرام والإيجاب، إنما شُرعت لمن التزم أصل ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ الإيمان، ومن لم يلتزمه، وخُلّي بينه وبين دينه، فإنه يُخلّى بينه وبين شرائع الدين الذي التزمه، كما خُلي بينه وبين أصله ما لم يُحاكم إلينا، وهذه القاعدة متّفقٌ عليها بين العلماء، ولكن عُذرُ الذين أوجبوا الإحداد على الذمّية أنه يتعلّق به حقّ الزوج المسلم، وكان منه إلزامها به كأصل العدّة، ولهذا لا يُلزمونها به في عدّتها من الذميّ، ولا يُتعرّض لها فيها، فصار هذا كعقودهم مع المسلمين، فإنهم يُلزمُون فيها بأحكام الإسلام، وإن لم يُتعرّض لعقودبعضهم مع بعض. ومن ينازعهم في ذلك يقولون: الإحداد حقّ اللَّه تعالى، ولهذا لو اتّفق هي والأولياء، والمتوفّى على سقوطه بأن أوصاها بتركه، لم يسقط، ولزمها الإتيان به، فهو جار مجرى العبادات، وليست الذميّة من أهلها، فهذا سرّ المسألة. انتهى كلام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه المصنّف، وهو مذهب الحنفيّة، وبعض طائفة من أهل العلم، من عدم وجوب الإحداد على الكتابية هو الأرجح؛ عملا بظاهر التقييد بالإيمان، ولما ذُكر من أن الإحداد يُغَلَّب فيه جانب العبادة، وهي ليست من أهلها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٦٠- (مُقَامُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي بَيْتِهَا حَتَّى تَحِلَّ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((مقام)) - بضمّ الميم - مصدر أقام يُقيم، بمعنى الإقامة. وقوله: ((حتى تحلّ)) -بكسر الحاء المهملة، يقال: حلّت المرأة للأزواج تَجِلّ بالكسر: زال المانع الذي كانت متّصفة به، كانقضاء العدّة، فهي حلالٌ. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٥٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَابْنُ جُرَيْجِ، وَيَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْتَبَ بِئْتِ كَعْبٍ، (١) ((زاد المعاد)) ٦٩٨/٥ - ٦٩٩. ٢٧١ ٦٠- (مُقَامُ الْمُتَوَفِّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي ... - حديث رقم ٣٥٥٥ عَنِ الْفَارِعَةِ بِنْتِ مَالِكِ، أَنَّ زَوْجَهَا، خَرَجَ فِي طَلَبٍ أَعْلَاجِ، فَقَتَلُوهُ، قَالَ: شُعْبَةُ، وَابْنُ جُرَيْج: وَكَانَتْ فِي دَارٍ قَاصِيَةٍ، فَجَاءَتْ وَمَعَهَا أَخُوَهَا، إِلَىَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَذَكَرُوا لَهُ، فَرَخَّصَ لَهَا، حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ دَعَاهَا، فَقَالَ: ((اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ آجلَهُ»). رجال هذا الإسناد: تسعة : ١- (محمد بن العلاء) الهمدنيّ، أبو كريب الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] ١١٧/٩٥. ٢- (ابن إدريس) هو عبد الله الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة فقیه عابد [٨] ٨٥٪ ١٠٢ . ٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٧/٢٤. ٤- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل [٦] ٣٢/٢٨. [تنبيه]: قوله: ((وابن جريج، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن إسحاق)» كلّه بالجرّ عطفًا على شعبة، فالأربعة، وهم: شعبة، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومحمد ابن إسحاق يرون عن سعد بن إسحاق (١)، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبط ((ابن جريج، وما بعده ضبط قلم بالرفع غلط، فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٥- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥] ٢٣/٢٢. ٦- (محمد بن إسحاق) بن يسار المطّلبيّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، نزيل بغداد، إمام المغازي، صدوقٌ يدلّس، ورُمي بالتشيّع والقدر، من صغار [٥] ٤٨٠/٥. ٧- (سعد بن إسحاق) بن كعب بن عُجرة البلويّ المدنيّ، حليف الأنصار، ثقة [٥] ١٦٠٠/١ ٠ ٨- (زينب بنت كعب) بن عُجرة، زوج أبي سعيد الخدريّ رَّه، مقبولة [٢]. روت عن زوجها أبي سعيد ◌َّه، وأخته الفُريعة بنت مالك. وعنها ابنا أخويها: سعد بن إسحاق، وسليمان بن محمد ابني كعب بن عُجرة. وقال ابن المدينيّ: لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق. كذا قال: وحديث سليمان عنها في ((مسند أحمد)) بسند جيّد. وذكرها ابن حبّان في ((الثقات)). وذكرها ابن الأثير، وابن فتحون في ((الصحابة)). أخرج لها الأربعة، ولها عند المصنف في هذا الكتاب حديثها عن فريعة هذا، وحديثها عن زوجها في ((الأضاحي)) في النهي عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام. (١) راجع ((تحفة الأشراف)) ١٢/ ٤٧٥ . ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ٩- (الفارعة بنت مالك) ويقال لها: الفُريعة -وهو المشهور- بنت مالك بن سنان الخدريّة الأنصاريّة، أخت أبي سعيد الخدريّ رضي اللَّه تعالى عنهما، وأمهما حبيبة بنت عبد الله بن أبيّ، صحابيّة شهدت بيعة الرضوان. روى لها الأربعة حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْفَارِعَةِ) وفي الرواية التالية: ((عن الفريعة)) بالتصغير، وهو المشهور. وفي رواية الطحاويّ: ((الفرعة)) (بِئْتِ مَالِكِ) بن سنان الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ زَوْجَهَا) لم يسمّ (خَرَجَ فِي طَلَبٍ أَعْلَاج) -بفتح الهمزة- جمع عِلْج، -بكسر، فسكون- قال الفيّوميّ: العِلْج حمار الوحش الغليظ، ورجلٌ عِلْجٌ شديد، وعَلِجَ عَلَجًا، من باب تَعِبَ: اشتدّ. والعِلْجُ الرجل الضخم من كفّار العجم، وبعض العرب يُطلق العِلْج على الكافر مطلقًا، والجمع عُلُوجٌ، وأعلاجٌ، مثلُ حِمْلٍ وحُمُول وأحمال. قال أبو زيد: يقال: استعلج الرجل: إذا خرجت لحيته، وكلُّ ذيَ لحية عِلْجٌ، ولا يقال للأمرد: عِلْج انتھی . والمراد به هنا العبيد، ففي رواية الترمذيّ: ((خرج في طلب أعبد له أَبَقُوا)). (فَقَتَلُوهُ) وفي الرواية الآتية: ((فقتل بطرف القدوم)). وفي رواية الترمذيّ: ((حتى إذا كان بطرف القدوم لَحِقهم، فقتلوه)). والقَدّوم -بفتح القاف، وضم الدال مشدّدة، ومخفّفةً: موضع على ستّة أميال من المدينة (قَالَ شُعْبَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: وَكَانَتْ فِي دَارٍ قَاصِيَةٍ) أي بعيدة من أهلها، أو من الناس مطلقًا، والظاهر الأول، بدليل أنه وَلّ أمرها أخيرًا بأن لا تنتقل عنه، فلو كان بعيدًا من الناس لما أمرها بذلك (فَجَاءَتْ وَمَعَهَا أَخُوهَا) أبو سعيد الخدريّ ◌َّهِ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، فَذَكَرُوا لَهُ) أي ما حصل من قتل زوجها، وكونها في دار قاصية، وتريد النقلة منها، وفي الرواية الثالثة: ((فذكرتُ له النقلة إلى أهلي، وذكرتْ له حالاً من حالها))، وفي رواية الموطّا)): فسألت رسول اللّه وَليل أن أرجع إلى أهلي في بني خُذْرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة)) (فَرَخَّصَ لَهَا) أي في الانتقال من تلك الدار إلى أهلها (حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ) أي إلى بيتها بعد أن استفتت (دَعَاهَا) وَّر. وفي رواية ((الموطّإِ)): ((قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول اللَّه وَله، أو أمر بي، فنوديتُ له، فقال: كيف قلت؟، فرددت عليه القصّة التي ذكرتُ له من شأن زوجي)) (فَقَالَ: ((اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ) أي البيت الذي أسكنها زوجها، وأتاها قتله، وهي فيه (حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ) أي المكتوب من العدّة (أَجَلَهُ) أي وقته الذي حُدّد له، وهو أربعة أشهر وعشر. ٦٠ - (مُقَامُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي ... - حديث رقم ٣٥٥٥ ٢٧٣ زاد في رواية «الموطّا)): ((قالت: فلما كان عثمان بن عفّان ◌َّه أرسل إليّ، فسألني عن ذلك؟، فأخبرته، فاتبعه، وقضى به)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث الفارعة بنت مالك رضي اللَّه تعالى عنها هذا صحيح. [تنبيه]: ضعّف أبو محمد ابن حزم حديث الفريعة رضي اللّه تعالى عنها هذا، وقال: هذا الحدیث لا یثبت، فإن زینب هذه مجهولة، لم يرو حدیثها غیر سعد بن إسحاق بن کعب، وهو غير مشهور بالعدالة، ومالك رحمه الله تعالى يقول فيه: سعد بن إسحاق، وسفيان يقول: سعيد. فتعقّبه ابن القيّم رحمه الله تعالى، وأجاد في ذلك، حيث قال: وما قاله أبو محمد غير صحيح، فالحديث حديث صحيح مشهور في الحجاز، والعراق، وأدخله مالك في (موطئه))، واحتج به، وبنى عليه مذهبه. وأما قوله: إن زينب بنت كعب مجهولة، فنعم مجهولة عنده، فكان ما ذا؟، وزينب هذه من التابعيّات، وهي امرأة أبي سعيد، روى عنها سعد بن إسحاق بن كعب، وليس بسعيد، وقد ذكرها ابن حبّان في ((كتاب الثقات))، والذي غرّ أبا محمد قولُ عليّ بن المدينيّ: لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق. وقد روينا في ((مسند الإمام أحمد)): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عُجرة، عن عمّته زينب بنت كعب بن عجرة، وكانت عند أبي سعيد الخدريّ، عن أبي سعيد رَظنّه، قال: اشتكى الناس عليًّا تَّه، فقام النبيّ وَّهَ خطيبًا، فسمعته يقول: ((يا أيها الناس لا تَشْكُوا عليًّا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل اللّه))(١) . فهذه امرأة تابعيّةٌ، كانت تحت صحابيّ، وروى عنها الثقات، ولم يُطعَن فيها بحرف، واحتج الأئمة بحديثها، وصححوه. وأما قوله: إن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة، فقد قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال النسائيّ، والدراقطنيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في ((كتاب الثقات)). وقد روى عنه الناس: حماد بن زيد، وسفيان (١) رواه أحمد في ((مسنده» ٨٦/٣. وسنده جيد، كما قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)). ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ الثوريّ، وعبد العزيز الدراورديّ، وابن جُريج، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والزهريّ، وهو أكبر منه، وحاتم بن إسماعيل، وداود بن قيس، وخلقٌ سواهم من الأئمة، ولم يُعلم فيه قدح، ولا جرح البتّة، ومثل هذا يُحتجّ به اتفاقًا. انتھی(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ردّ به ابن القيّم على ابن حزم رحمهما الله تعالی حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الحديث صحيح، صححه جماعة من الحفّاظ: منهم الذهليّ، والترمذيّ-١٢/٢-، وابن حبّان رقم ١٣٣٢ - والحاكم ٢٠٨/٢ وأقرّه الذهبيّ، ونقل الحاكم عن محمد بن يحيى الذهليّ، أنه قال: هذا حديث صحيح محفوظ. وقال ابن عبد البرّ: هذا حديث مشهورٌ عند علماء الحجاز، والعراق. وصححه الحافظ في ((بلوغ المرام)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥٥٥/٦٠ و٣٥٥٦ و٣٥٥٧ و٣٥٥٩/٦٢ - وفي ((الكبرى)) ٥٧٢٢/٦٠ و٥٧٢٣ و٥٧٢٤ و٥٧٢٦/٦٢. وأخرجه (د) في ((الطلاق)) ٢٣٠٠ (ت) في ((الطلاق واللعان)» ١٢٠٤ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٣١ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٦٥٤٧ و((مسند القبائل)) ٢٦٨١٧ (الموطأ) في ((الطلاق)) ١٢٥٤ (الدارمي) في ((الطلاق)) ٢٢٨٧. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو وجوب إقامة المتوفّى عنها زوجها في بيتها إلى انتهاء عدّتها. (ومنها): مشروعيّة استفتاء المرأة في أمر دينها. (ومنها): أنه دليلٌ على جواز نسخ الحكم قبل الفعل، فقد أذن النبي وَالر للفريعة أولًا بالانتقال إلى أهلها، ثم نهاها قبل أن تفعل. (ومنها): ما كان عليه الخلفاء الراشدون ، من البحث عن حكم رسول اللَّه وي ليه قبل الحكم باجتهادهم. (ومنها): قبول خبر المرأة الواحدة، والعمل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أين تعتدّ المتوفّى عنها زوجها؟: قال الإمام الترمذيّ رحمه اللّه تعالى -بعد إخراج الحديث -: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ وَّل98، وغيرهم، لم يروا للمعتدّة أن (١) ((زاد المعاد)) ٦٨٠/٥-٦٨١. ٦٠ - (مُقَامُ الْمُتَوَفِى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي ... - حديث رقم ٣٥٥٥ ٢٧٥ == تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدّتها. وهو قول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ وَله، وغيرهم: للمرأة أن تعتدّ حيث شاءت، وإن لم تعتدّ في بيت زوجها. والقول الأول أصخ. وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وممن أوجب على المتوفى عنها زوجها الاعتداد في منزلها: عمر، وعثمان، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن مسعود، وأم سلمة . وبه يقول مالكٌ، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وإسحاق. قال ابن عبد البرّ: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر. وقال جابر بن زيد، والحسن، وعطاء: تعتدّ حيث شاءت. وروي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس، وجابر، وعائشة ﴾. قال ابن عبّاس: نَسَخَت هذه الآية عدّتها عند أهله، وسكنت في وصيّتها، وإن شاءت خرجت؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ خَجْنَ فَلَاَ ◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىَ أَفُسِهِنَ﴾. قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنی، تعتدّ حیث شاءت. رواهما أبو داود. واحتجّ الأولون بحديث فريعة بنت مالك رضي اللَّه تعالى عنها المذكور في الباب، وهو حديث صحيحٌ، قضى به عثمان في جماعة الصحابة، فلم ينكروه إذا ثبت هذا، فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها، وهي ساكنة به، سواء كان مملوكًا لزوجها، أو بإجارة، أو عارية؛ لأن النبيّ وَله قال للفريعة: ((امكثي في بيتك))، ولم تكن في بيت يملكه زوجها، وفي بعض ألفاظه: ((اعتدّي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك)»، وفي لفظ: ((اعتدّي حيث أتاك الخبر))، فإن أتاها الخبر في غير مسكنها، رجعت إلى مسكنها، فاعتدت فيه. وقال سعيد بن المسيّب، والنخعيّ: لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها؛ اتباعًا للفظ الخبر الذي رويناه. والأول أصحّ؛ لقوله وَله: ((امكثي في بيتك))، واللفظ الآخر قضيّةٌ في عين، والمراد به هذا، فإن قضايا الأعيان لا عموم لها، ثم لا يمكن حمله على العموم؛ فإنه لا يلزمها الاعتداد في السوق، والطريق، والبرّيّة، إذا أتاها الخبر، وهي فيه. انتهى ملخصًا من كلام ابن قدامة رحمه اللّه تعالى(١) . وقال العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى -بعد أن ذكر القائلين بوجوب العدة في (١) راجع ((المغني)) ٢٩٠/١١-٢٩١. شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ٢٧٦ = منزلها - : وحجة هؤلاء حديث الفريعة بنت مالك، وقد تلقّاه عثمان بن عفّان رَّه بالقبول، وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار، وتلقّاه أهل المدينة، والحجاز، والشام، والعراق، ومصر بالقبول، ولم يُعلَم أن أحدًا منهم طعن فيه، ولا في رواته، وهذا مالك مع تحرّيه، وتشدّده في الرواية، وقوله للسائل له عن رجل، أثقة هو؟ فقال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي، قد أدخله في ((موطّئه))، وبنى عليه مذهبه. قالوا: ولا ننكر النزاع بين السلف في المسألة، ولكن السنّة تفصل بين المتنازعين. قال أبو عمر ابن عبد البرّ: أما السنّة، فثابتةٌ - بحمد الله- وأما الإجماع، فمستغنى عنه مع السنّة، لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنّة انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره ابن عبد البرّ، وأيده ابن القيّم رحمهما الله تعالى حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الحقّ قول من قال بأن المتوفّى عنها زوجها تعتدّ في بيتها، ولا تخرج منه، إلا للضرورة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم خروجها للضرورة: إذا تضررت المتوفّى عنها زوجها، فلم تستطع أن تعتدّ في بيتها، بأن خافت هَذْمًا، أو غَرَقًا، أو عَدُوًّا، أو نحو ذلك، أو حوّلها صاحب المنزل؛ لكونه عارية رجع فيها، أو بإجارة، وانقضت مدّتها، أو منعها السكنى تعدّيًا، أو امتنع من إجارته، أو طلب أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به، أولم تجد إلا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عذر؛ ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وإذا تعذّرت السكنى سقطت، ولها أن تسكن حيث شاءت. وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: تنتقل إلى أقرب ما يمكنها النقلة إليه(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أنه إن لحقها ضرر في سكنى بيتها الذي بلغها وفاة زوجها، وهي فيه، بشيء من الأشياء التي ذُكِرت، فلها أن تنتقل عنه إلى حيث يصلح لها السكنى؛ للضرورة؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهُ﴾ الآية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٥٦- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ (١) ((زاد المعاد)) ٦٨٧/٥. (٢) راجع ((المغني)) ٢٩١/١١-٢٩٢. ٦٠ - (مُقَامُ الْمُتَوَفِى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي ... - حديث رقم ٣٥٥٧ ٢٧٧ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمَّتِهِ، زَيْتَبَ بِنْتِ كَعْبٍ، عَنِ الْقُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ، أَنَّ زَوْجَهَا تَكَارَى عُلُوجًا؛ لِيَعْمَلُوا لَهُ، فَقَتَلُوهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولَ اللَّهِ وَلِّ، وَقَالَتْ: إِنِّي لَسْتُ فِي مَسْكَنٍ لَهُ، وَلَا يَجْرِي عَلَيَّ مِنْهُ رِزْقٌ، أَفَأَنْتَقِلُ إِلَى أَهْلِي وَيَتَامَايَ، وَأَقُومُ عَلَيْهِمْ، قَالَ: (افْعَلِي))، ثُمَّ قَالَّ: ((كَيْفَ قُلْتِ؟))، فَأَعَادَتْ عَلَيْهِ قَوْلَّهَا، قَالَ: ((اعْتَدْي حَيْثُ بَلَغَكِ الْخَبَرُ)) ). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((يزيد بن محمد)) بن قيس بن مخرمة بن المطّلب بن عبدمناف القرشيّ المطّلبيّ البصريّ مدنيّ الأصل، نزيل مصر، ثقة [٦]. قال الدارقطنيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. وقوله: ((الفريعة)) -بضمّ الفاء، وفتح الراء- بصيغة التصغير. وقوله: (تَكَارَى)) تفاعل، من الكِرّاء. أي استأجر. قال الفيّوميّ: الكِرَاء بالمدّ: الأُجرة، وهو مصدر في الأصل، من كاريته، من باب قاتل، والفاعل مُكارٍ على النقص، والجمع مُكارُون، ومُكارِین، مثل قاضون وقاضین، ومُکارِیُّون بالتشديد خطأً ، وأكريته الدارَ وغيرَها إكراءً، فاكتراه بمعنى آجرته، فاستأجر، والفاعل مُكتَرٍ، ومُكْرٍ بالنقص أيضًا، وجمعهما كجمع المنقوص انتهى. وهذا لا يعارض ما تقدّم من أنهم عبيده؛ لامكان الجمع بأنهم عبيدٌ لغيره استأجرهم للعمل، فنسبوا إليه مجازًا. وقولها: ((لست في مسكن له)) أي ليس ملكًا له، وإنما استأجره، أو استعاره. وقولها: ((ويتاماي)) بالرفع عطف على الضمير المستتر في ((أنتقل))؛ للفصل بينهما بالجار والمجرور، وهو جمع يتيم، ويُجمع أيضًا على أيتام، وهو مضافٌ إلى ياء المتكلّم. وقوله: ((حيث بلغك الخبر)) تقدّم أن المراد به بيتها، فلا يكون حجة لمن قال: إنها لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي زوجها، وإن لم يكن بيتها كما تقدّم تحقيقه. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٥٥٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْتَبَ، عَنْ فُرَيْعَةَ، أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبٍ أَعْلَاجِ لَهُ، فَقُتِلَ بِطَرَفِ الْقَدُّومِ، قَالَتْ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﴿﴿ِ، فَذَكَرْتُ لَهُ النَّقْلَةَ إِلَى أَهْلِي، وَذَكَرَّتْ لَهُ حَالًا مِنْ حَالِهَا، قَالَّتْ: فَرَخَّصَ لِي، فَلَمَّا أَقْبَلْتُ نَادَانِي، فَقَالَ: ((امْكُثِي فِي أَهْلِكِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)) ). ٢٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((حماد» : هو ابن زيد. وقوله: ((النقلة)) -بضمّ، فسكون -: الانتقال. قاله في ((القاموس)). وقوله: ((وذكرت له حالًا من حالها)) ببناء الفعل للفاعل، أي ذكر فريعة له وَله مما يسبب لها الانتقال من مكانها، وهو ما سبق من أنها كانت في دار قاصية، وأن المسكن ليس ملكًا لزوجها. وقوله: ((امكثي في أهلك)) المراد أهلها الذين تسكن معهم في بيتها، وليس المراد أقاربها الذين طلبت النقلة إليهم. والحديث صحيحٌ، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٦١- (بَابُ الرُّخْصَةِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَعْتَدَّ حَيْثُ شَاءَتْ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف يرى أن ما دلّ عليه حديث فُريعة المذكور في الباب الماضي، من وجوب العدة على المتوفّى عنها في بيتها منسوخ، بالآية المذكورة في الباب، لكن الحقّ أن الآية ليست ناسخة للحديث. قال العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى - بعد ذكر الاختلاف في وجوب الاعتداد في منزلها : وحديث الفريعة حجة ظاهرة، لا معارض لها، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فإنها نسخت الاعتداد في منزل الزوج، فالمنسوخ حكم آخر، غير الاعتداد في المنزل، وهو استحقاقها للسكنى في بيت الزوج الذي صار للورثة سنّةً، وصيّة أوصى اللَّه بها الأزواج، تُقدّم به على الورثة، ثم نُسخ ذلك بالميراث، ولم يبق لها استحقاقٌ في السكنى المذكورة، فإن كان المنزل الذي تُوفّي فيه الزوج لها، أو بذل الورثة لها السكنى، لزمها الاعتداد فيه، وهذا ليس بمنسوخ، فالواجب عليها فِعْلُ السكنى، لا تحصيل المسكن، فالذي نُسخ إنما هو اختصاصها بسكنى السنة، دون الورثة، والذي أُمرت به أن تمكث في بيتها حتى تنقضي عدّتها، ولا تنافي بين الحكمين ٦١- (بَأَبُ الرُّخْصَةِ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا ... - حديث رقم ٣٥٥٨ ٢٧٩ ==== نتهى كلام ابن القيّم رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي جمع به ابن قيّم رحمه الله تعالى بين حديث فريعة رضي الله تعالى عنها، وبين ما دلّت عليه الآية من النسخ جمع حسنٌ جدًّا، لا ما دلّ عليه ظاهر كلام المصنّف رحمه اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٥٥٨- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثْنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ عَطَاءٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، عِدَّتًا فِي أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتَّ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عليّة، البصريُّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة [١١] ٤٨٩/٢٢. ٢- (يزيد) بن هارون السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنّ عابد [٩] ٢٤٤/١٥٤ . ٣- (ورقاء) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ [٧] ٦٠] ٨٦٦ . ٤- (ابن أبي نَجِيح) عبد الله بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة، رُمي بالقدر، روبّما دلّس [٦] ١٥٥/١١٢. ٥- (عطاء) بن أبي رَبَاح القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل كثير الإرسال [٣] ١٥٤/١١٢. ٦- (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه قال (نَسَخَتْ هَذِهِ الْآَيَّةُ) ببناء الفعل (١) (تهذيب السنن)) ٤٠٧/٦-٤٠٨ بنسخة ((عون المعبود)). ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ للفاعل، والفاعلُ اسمُ الإشارة، والإشارة إلى الأولى، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ الآية. (عدَّتها في أهلها) بنصب ((عدةَ)) على أنه مفعول به ل((نسخت))، يعني أن الآية المذكورة نَسَخَت وجوبَ اعتداد المتوفّى عنها زوجها المذكورة في الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَّذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ الآية، فإن هذه الآية توجب عليها أن تعتدّ عند أهل زوجها، فنُسِخَت بالآية الأولى. (فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ) أي في أيّ مكان شاءت، غير بيت زوجها؛ لأن السكنى تبع للعدّة، فلما نُسخ الحول بأربعة أشهر وعشر نُسخت السكنى أيضًا (وَهُوَ) أي المنسوخ حكمه (قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَالَّ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾) أي فهذه الآية الثانية التي فيها ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ منسوخة بالآية الأولى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٥٥٨/٦١ و٣٥٧٠/٦٩ و٣٥٧١ - وفي ((الكبرى)) ٥٧٢٥٦٩/٦١/ ٥٧٣٧ و٥٧٣٨ . وأخرجه (خ) في ((التفسير)) ٤٥٣١ و(الطلاق)) ٥٣٤٤ (د) فى ((الطلاق)) ٢٢٩٨ و٢٣٠١ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في آية عدّة الوفاة: قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: ذهب جماعة من المفسّرين في تأويل هذه الآية أن المتوفّى عنها زوجها، كانت تجلس في بيت المتوفّي عنها حولًا، ويُنفَق عليها من ماله ما لم تخرُج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها، ثم نُسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقة بالربع والثمن في سورة النساء. قاله ابن عبّاس، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والربيع. وفي السكنى خلافٌ للعلماء، روى البخاريّ عن ابن الزبير، قال: قلت لعثمان: هذه الآية التي في البقرة: ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ - إلى قوله -: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾، قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها، أو تَدَعُها؟ قال: يا ابن أخي لا أُغيّر شيئًا منه من مكانه. وقال الطبريّ، عن مجاهد: إن هذه الآية محكمة، لا نسخ فيها، والعدّة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرًا، ثم جعل الله لهنّ وصيّة منه سُكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيّتها، وإن شاءت خرجت، وهو