Indexed OCR Text

Pages 241-260

٥٦- (بَأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَى ... - حديث رقم ٣٥٣٦
٢٤١=
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي السََّابِلِ) بن بَعْكَك رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: وَضَعَتْ) أي ولدت
(سُبَيْعَةُ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا) سعد بن خولة رَظُ (بِثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ
وَعِشْرِينَ لَيْلَةً) تقدّم في شرح الحديث الماضي بيان اختلاف الروايات في المدة التي بين
وفاته وولادتها (فَلَمَّا تَعَلَّتْ) تقدّم ضبطه ومعناه قريبًا (تَشَؤَّفَتْ) بتشديد الواو، بعدها
فاء: أي طَمَحَت، واستشرفت. قال الفيّوميّ: تَشَوَّفَتِ الأوعالُ: إذا علت رءوس
الجبال، تنظر السهل، وخلُوّه مما تخافه لتَرِدَ الماء والمرعَى. ومنه قيل: تشوّفَ فلانٌ
لكذا: إذا طَمَحَ بصره إليه، ثم استُعمل في تعلّق الآمال، والتطلّب انتهى. ووقع في
((الكبرى)): ((توّقت)» بالقاف.
(لِلْأَزْوَاجِ) أي للخُطّب (فَعِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا) ببناء الفعل للمفعول، والعائب هو أبو
السنابل رَ ◌ّهِ (فَذُكِرَ) بالبناء للمفعول، والذاكر هي سبيعة نفسها رضي اللّه تعالى عنها.
وفي نسخة: ((فَذَكَّرَت)) بالبناء للفاعل، وتاء التأنيث (ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ إِ لِهِ، فَقَالَ) ◌ِّ
(مَا يَمْنَعُهَا) يحتمل أن تكون ((ما)) نافية، أي لا يمنعها من التشوّف للأزواج كونها في أيام
نفاسها. ويحتمل أن تكون استفهاميّةً، استفهامًا إنكاريًّا، أي أيّ شيء يمنعها من ذلك،
أي لا شيء يمنعها (قَدِ انْقَضَى أَجَلُهَا) أي انتهى الوقت الذي تعتدّ فيه عن زوجها.
والجملة مستأنفة، استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأن قائلًا
قال: لِمَ لا تُمنع من ذلك؟ فأجيب بأنها قد انقضت عدّتها. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي السنابل رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥٣٥/٥٦ - وفي ((الكبرى)) ٥٧٠١/٥٥. وأخرجه (ت) في ((الطلاق))
١١٩٣ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٢٧. (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٢٣٨. وبقية
مسائل الحديث تقدّمت في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٣٦- (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ: اخْتَلَفَ أَبُو هُرَيْرَةً وَابْنُ
عَبَّاسٍ، فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تُزَوِّجُ، وَقَالَ ابْنُ

٢٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
عَبَّاسٍ: أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، فَبَعَثُوا إِلَى أُمْ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ، فَوَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةٍ
زَوْجِهَا، بِخَمْسَةً عَشَرَ، نِصْفِ شَهْرٍ، قَالَتْ: فَخَطَبَهَا رَجُلَانٍ، فَحَطَّتْ بِنَفْسِهَا إِلَى
أَحَدِهِمَا، فَلَمَّا خَشُوا، أَنْ تَفْتَاتَ بِنَفْسِهَا، قَالُوا: إِنَّكِ لَا تَحِلْيْنَ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتْ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: قَدْ حَلَلْتِ، فَانْكِجِي مَنْ شِئْتِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة
[١٠] ٣٣ / ٣٧ .
٢- (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/
٣٤٣ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ٢٧/٢٤.
٤ - (عبد ربه بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أخو يحيى المدنيّ، ثقة [٥] ٤٥٢/٢.
٥- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١/١.
٦- (أم سلمة) هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن المغيرة بن
مخزوم المخزوميّة، أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها، تزوّجها النبيّ وَلّر بعد أبي سلمة
عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ تَظّمه، سنة أربع، وقيل: ثلاث، وماتت سنة (٦٢)
على الأصحّ، وقيل: سنة (٦١)، وقيل: قبل ذلك، تقدّمت في ١٨٣/١٢٣. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه بعد شعبة مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي
عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
عن عبدربّه بن سعيد، أنه (قال: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (يَقُولُ:
اخْتَلَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهم، لا تعارض بين هذا وبين ما يأتي
أن الخلاف جرى بين ابن عباس، وبين أبي سلمة؛ لإمكان حمله على أن الأصل بين
الأخيرين، فلما وافق أبو هريرة لأبي سلمة صحّ أن يطلق عليه أنه اختلف مع ابن عبّاس
رضي الله تعالى عنهم (فِي الْمُتَوَفِّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا) هل تنقضي عدّتها،
أم لا (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َّهِ (تُزَوَّجُ) بالبناء للمفعول، أي يزوّجها أولياؤها، أو بالبناء

٥٦- (بَابُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٣٦
٢٤٣=
للفاعل، وأصله تتزوّج، فحذف إحدى التاءين. يعني أنه يجوز لها أن تتزوّج؛ لانقضاء
عدّتها (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ) بالنصب، أي تتربّص
الأبعد من الأجلين: أجلٍ أربعة أشهر وعشر، وأجلٍ وضع الحمل، وذلك لأنه جاءت
آیتان متعارضتان:
[إحداهما]: تقتضي أن العدّة في حقّها أربعة أشهر وعشر، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَّيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًاً﴾ الآية.
[والثانية]: تقتضي أن العدّة في حقّها وضع الحمل، وهي قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَتُ
اُلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الآية، ولم ندر بأيهما العمل؟، فالوجه العمل
بالأحوط، وهو الأخذ بالأجل المتأخّر، فإن تأخّر وضع الحمل عن أربعة أشهر وعشر
أخذت به، وإن تقدّم أخذت بالأربعة أشهر وعشر. نعم قد يتساويان، فلا يبقى أبعد
الأجلين، بل هما يجتمعان، لكن هذا القسم لقلته لم يُذكر. أفاده السنديّ.
(فَبَعَثُوا إِلَى أُمّ سَلَمَةَ) رضي اللّه تعالى عنهما، وفي الرواية الآتية أن المبعوث كريب
مولى ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما (فَقَالَتْ: تُؤُنِّيَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ) رضي اللّه تعالى
عنها، وهو سعد بن خولة تَظّه توفّي بمكة عام حجة الوداع. وإنما لم تجب أم سلمة
رضي اللّه تعالى عنها عن السؤال بـ (لا))، أو ((نعم))، بل ذكرت قصّة سُبيعة؛ لأن فيها
الجواب، مع دليله، ولم تذكر الجواب والدليل معًا؛ طلبًا للاختصار (فَوَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةٍ
زَوْجِهَا، بِخَمْسَةَ عَشَرَ، نِصْفِ شَهْرٍ) بجر ((نصفٍ)) بدلًا من ((خمسة عشر))، ويجوز قطعه
إلى الرفع والنصب، وقد تقدّم اختلاف الروايات في مقدار المدة التي بين وفاة زوجها
وولادتها قريبًا (قَالَتْ) أم سلمة رضي اللَّه تعالى عنهما (فَخَطَبَهَا رَجُلَانٍ) وفي الرواية
التالية: ((أحدهما شابٌ، والآخر كَهْلٌ)). والشاب هو أبو البشر بن الحارث العبدريّ، من
بني عبد الدار، والكهل أبو السنابل بن بَعْكَك القرشيّ العبدريّ (فَحَطَّتْ بِنَفْسِهَا) بحاء
مهملة، وطاء مهملة مشدّدة: أي مالت، ونزلت بقلبها (إِلَى أَحَدِهِمَا) وهو الشابّ (فَلَمَّا
خَشُوا) بضمّ الشين المعجمة، أصله خَشِيُوا بكسرها، نُقلت ضمته إلى الشين بعد سلب
حركتها، وحذفت الياء لالتقاء الساكنين، أي خشي الكهل ومن معه (أَنْ تَفْتَاتَ بِنَفْسِهَا) أي
تنفرد برأيها، فتتزوّج الشاب. قال الفيوميّ: يقال: فاته فلانٌ بذراع: سبقه بها، ومنه قيل:
افتات فلانٌ افتياتًا: إذا سَبَق بفعل شيء، واستبدّ برأيه، ولم يؤامر فيه من هو أحقّ منه بالأمر
فيه، وفلان لا يُفتات عليه - أي بالبناء للمفعول -: أي لا يُفعَل شيء دون أمره انتهى.
وقال السنديّ: افتعال من الفوت، يقال: فاته، وافتاته الأمر: أي ذهب عنه، وأفاته
إياه غيره، والباء ههنا للعتدية إلى المفعول الثاني، والأول محذوف، والمعنى أن تُفيتهم

٢٤٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
نفسَها، ويمكن أن يكون الباء في ((بنفسها)) بمعنى ((في))، أو للآلة بتقدير المضاف،
ويكون المفعول المقدّر جارًا ومجرورًا، من افتات عليه إذا تفرّد برأيه، دونه في التصرّف
فیه، والتقدير أن تفتات على أهلها في أمر نفسها، ویدلّ علیه روايات الحدیث انتهى
(قَالُوا: إِنَّكِ لَا تَحِلِينَ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ)، يحتمل أن يكون فاعل
(قالت)) ضمير أم سلمة، والتاء في ((انطلَقَتْ تاء التأنيث، والفاعل ضمير سبيعة، وهذا هو
الموافق للسياق السابق، ويحتمل أن يكون فاعل ((قالت)) ضمير سبيعة، والتاء في
((انطلقتُ)) مضموم على أنه ضمير سبيعة أيضًا، وهذا هو الموافق للسياق اللاحق. والله
تعالى أعلم. (فَقَالَ: قَدْ حَلَلْتِ، فَانْكِحِي مَنْ شِئْتٍ)) ) لانقضاء عدّتكِ بوضع الحمل،
فبيّن مراد اللَّه، فلا معنى لمن خالفه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥٣٦/٥٦ و٣٥٣٧ و٣٥٣٨ و٣٥٣٩ و٣٥٤٠ و٣٥٤١ و٣٥٤٢
و ٣٥٤٣ و٣٥٤٤ - وفي ((الكبرى)) ٥٥/ ٥٧٠٢ ٥٧٠٣ و٥٧٠٥ و٥٧٠٦ و٥٧٠٧
و٥٧٠٨ و٥٧٠٩ و٥٧١٠ و٥٧١١ . وأخرجه (خ) في ((التفسير)) ٤٩١٠ و((الطلاق))
٥٣١٨ (م) في ((الطلاق)) ١٤٨٥ (ت) في ((الطلاق واللعان)) ١١٩٤ (أحمد) في ((مسند
الأنصار)) ٢٦١١٨ و٢٦١٧٥ (الموطأ) في ((الطلاق)) ١٢٥٠ و١٢٥٣ (الدارمي) في
((الطلاق)) ٢٢٧٩ و٢٢٨٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان عدّة الحامل المتوفّى عنها
زوجها، وهو وضع حملها. (ومنها): أن الحجة عند التنازع السنّة فيما لا نصّ فيه من
الكتاب، وفيما فيه نصّ إذا احتمل للخصيص؛ لأن السنّة تبين مراد الكتاب، قال الإمام
الشافعيّ رحمه الله تعالى: من عرف الحديث قويت حجته، ومن نظر في النحو رقّ
طبعه، ومن حفظ القرآن نَّبُل قدره، ومن لم يصن نفسه، لم يصنه العلم. (ومنها): أن
المناظرة، وطلب الدليل، وموقع الحجة كان قديمًا من زمن الصحابة، ولا ينكره إلا
جاهلٌ. (ومنها): أن الكبير لا يتعاظم، ولا يتكبّر على الصغير، إذا ردّ عليه فتواه، بل
(١) المراد فوائد الحديث برواياته المختلفة، لا خصوص السياق المتقدم، فتنبه.

٢٤٥
٥٦- (بابُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٣٧
يتوقّف، ويبحث حتى يتوصّل إلى الدليل الصحيح، فإن ابن عبّاس رضي الله تعالى
عنهما الصحابيّ مع جلالته في العلم لما ردّ عليه أبو سلمة التابعيّ، أرسل إلى أم سلمة
رضي الله تعالى عنهما، يبحث عنده سنة تحكم بينه وبين مخالفه. (ومنها): أنه لا ينبغي
الصغير أن يسكت على علم من الكتاب والسنة أمام العالم الكبير إذا أخطأ، بل يردّ عليه،
ويُحاجّه بالأدلة الصحيحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٣٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّغْظُ لِمُحَمَّدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أپِي
سَلَمّةَ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيَّرَةَ، عَنِ الْمُتَوَفَى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ حَامِلٌ، قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِذَاَ وَلَدَتْ فَقَدْ حَلَّتْ، فَدَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ، إِلَى
أُمّ سَلَمَةَ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟، فَقَالَتْ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ، بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفٍ
شَهْرٍ، فَخَطَبِهَا رَجُلَانٍ: أَحَدُهُمَا شَابٌ، وَالْآخَرُ كَهْلٌ، فَحَطَّتْ إِلَى الشَّابِ، فَقَالَ
الْكَفَلُ: لَمْ تَحَلِلْ، وَكَانَ أَهْلُهَا غُيِّبًا، فَرَجَا إِذَا جَاءَ أَهْلُهَا أَنْ يُؤْثِرُوهُ بِهَا، فَجَاءَتْ رَسُولَ
اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((قَدْ حَلَلْتِ، فَانْكِجِي مَنْ شِئْتٍ)) ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
الحارث، وهو ثقة حافظ.
وقوله: ((فدخل أبو سلمة الخ)) لا ينافي هذا ما تقدّم من أن الذي دخل على أم سلمة
هو كريب مولى ابن عباس؛ لاحتمال أن يذهب أبو سلمة معه؛ للتأكّد بنفسه.
وقوله: ((كهلٌ)) -بفتح الكاف، وسكون الهاء -: من جاوز الثلاثين، ووخطه الشيب.
وقيل: من بلغ الأربعين، والجمع كُهُول، والأنثى كهلة، والجمع كَهْلات بسكون
الهاء، في قول الأصمعيّ، وأبي زيد، لَمْحًا للصفة، مثل صَعْب وصَعْبَات، وبفتحها في
قول أبي حاتم؛ تغليبًا لجانب الاسميّة، مثل سجْدَة وسَجَدَات انتهى.
وقوله: ((وكان أهلها غيبًا)) بفتح، فسكون، أو بفتحتين، أو بضمّ، فتشديد الياء التحتيّة.
قال الفيّوميّ: غاب الشيءُ يَغِيب غَيْبًا وغَيْبَةً- بفتح، فسكون فيهما-، وغِيَابًا -
بالكسر - وغُيُوبًا -بضمّتين-، ومَغِيبًا -بفتح، فكسر -: بَعُدَ، فهو غائبٌ، والجمع
غُيّبٌ، وغيّابٌ، وغَيْبٌ، مثلُ رُكْع، وكُفّار، وصَخْبٍ انتهى. وقال المجد في
((القاموس)): وقوم غُيّبٌ، وغُيّابٌ، وغَيَبْ محرّكةً: غائبون انتهى.
والمعنى: أن الكهل إنما قال: لم تحلل؛ لخوفه من مسارعتها إلى نكاح الشاب،
حيث كان أهلها غائبين، فطمع في حضورهم، حتى يأمروها بأن تتزوّجه دون الشاب.

٢٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٣٨- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ زُرَنِع - قَالَ:
حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ أَبِي كَثِيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسِ، فِي امْرَأَةٍ وَضَعَتْ بَعْدُ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِعِشْرِينَ لَيْلَةٌ: أَيَضْلُحُ لَهَا أَنْ
تَزَوَّجَ؟، قَالَ: لَا، إِلَّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، قَالَ: قُلْتُ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَأُوْلَتُ اَلْأَحْمَالِ
أَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾، فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي -
يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ- فَأَرْسَلَ غُلَامَهُ كُرَيْبًا، فَقَالَ: انْتِ أُمَّ سَلَمَةَ، فَسَلْهَا، هَلْ كَانَ هَذَا سُنَّةً مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَجَاءَ، فَقَالَ: قَالَتْ: نَعَمْ، سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ، وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا
بِعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَأَمَرَهَا رَسُولُ الَّهِ وَهِ أَنْ تَزَّوَّجَ، فَكَانَ أَبُو السَّئَابِلِ فِيمَنْ يَخْطُبُهَا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((بزيع)) - بفتح الموحّدة، وكسر الزاي، آخره عين مهملة -. و((زُريع)) - بضمّ
الزاي، وفتح الراء، مصغّرًا، آخره عين مهملة -.
و((حجّاج)) : هو ابن أبي عثمان ميسرة، أو سالم الصوّاف الكنديّ مولاهم، أبو
الصلت البصريّ، ثقة حافظ [٦] ١٢ /٧٩٠.
وقوله: ((أن تزوّج)) -بفتح التاء- أصله تتزوّج، فحذفت إحدى التاءين، كما مرّ
قريبًا. ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، أي يزوّجها أهلها.
وقوله: ((إلا آخر الأجلين)) أي إلا تتربّص أبعد الأجلين، وهو هنا أربعة أشهر
وعشر. وقوله: ((قال: قلت)» القائل هو أبو سلمة.
وقوله: ((فقال: إنما ذلك في الطلاق)) القائل هو ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما.
وقوله: ((أنا مع ابن أخي)) قاله ملاطفةً، على عادة العرب، وإلا فليس ابن أخيه حقيقة.
وقوله: ((فأرسل غلامه كريبًا)) المرسل هو ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما.
وقوله: ((هل كان هذا سنّةً)) بالنصب خبرًا لـ ((كان)). أي هل كان هذا الذي قاله أبو سلمة،
ووافقه عليه أبو هريرة سنّةً منقولةً عن النبيّ وَِّ. ولفظ ((الكبرى)): ((هل كان في هذا سنّةٌ»،
وعليه ((فسنّةً)) بالرفع اسم ((كان)) مؤخّرًا. أي هل ثبت في هذا الأمر سنةً منقولة عنه وَل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٣٩- (أَخْبَرَنَا قُتِبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْتِى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا
هُرَيْرَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، تَذَاكَرُوا عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا،

٢٤٧
٥٦- (بَأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَنَّى ... - حديث رقم ٣٥٤١
تَضَعُ عِنْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْتَدُّ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: بَلْ تَجِلُّ
حِينَ تَضَعُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنٍ أَخِي، فَأَرْسَلُوا إِلَى أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَِّيِّ ◌َِّ،
فَقَالَتْ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ، بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِيَسِيرٍ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُوَلَ اللَّهِ وَلَهه
فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَزَّوَّجَ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((الليث)): هو ابن سعد. و((يحيى)): هو ابن سعيد الأنصاريّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٤٠- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِئٍ بْنُ آدَمَ،
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةً،
وَمُحَمَّدِ ابْنِ عَمْرٍوٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَثَ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ
بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَيَّامٍ، فَأَمَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ بَلِ أَنْ تَزَوَّجَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وهو
كوفيّ ثقة.
و((يحيى بن آدم)): هو أبو زكريا الأمويّ مولاهو الكوفيّ الثقة الحافظ الفاضل.
[تنبيه]: يحيى بن آدم هكذا وقع عند المصنّف هنا، وفي ((الكبرى))، ووقع عند
الحافظ المزّيّ في ((تحفة الأشراف)» ٢٩/١٣ ((يحيى بن يمان، وأظنّه غلطاً. والله تعالى
أعلم.
و((سفيان): هو الثوريّ الإمام الحجة.
وقوله: ((ومحمد بن عمرو)) بالجرّ عطفًا على يحيى بن سعيد، فسفيان يروي هذا
الحديث بطريقين: طريق يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن كريب. وطريق
محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن كريب. راجع ((تحفة الأشراف)) ١٣/
٢٨-٢٩ .
والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٤١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِم، عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَّاً سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحِمَنِ، اخْتَلَفَا فِي
الْمَرْأَةِ، تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَّةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ: آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، وَقَالَ أَبُو
سَلَمَةَ: إِذَا نُفِسَتْ فَقَدْ حَلَّتْ، فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَنَا مَعَ أَبْنٍ أَخِي - يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ بْنَ

: ٢٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ- فَبَعَثُوا كُرَيْبًا، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؟،
فَجَاءَهُمْ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّا قَالَتْ: وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ، بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ فَقَالَ: ((قَدْ حَلَلْتٍ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة.
وقوله: (تُنفَس)) -بضمَ أوله، وفتح ثالثه- مضارع نُفست المرأة بالبناء للمفعول: إذا
ولدت، وتقدّم الكلام عليه في شرح أول حديث في الباب.
وقوله: ((فجاء أبو هريرة)) لعله كان قام لحاجة، وإلا فقد كان جالسًا عند ابن عبّاس
لَمّا استُفتي، ففي رواية البخاريّ في ((التفسير)): ((جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة
جالسٌ عنده، فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلةً، فقال ابن عباس:
آخر الأجلين ... الحديث.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٤٢- (أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى
ابْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
قَالَ: كُنْتُ أَنَا، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا وَضَعَتِ الْمَرْأَةُ، بَعْدَ وَفَاةٍ
زَوْجِهَا، فَإِنَّ عِدَّتَهَا آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَبَعَثْنَاَ كُرَيْبًا إِلَى أُمَّ سَلَمَةَ، يَسْأَلُهَا عَنْ
ذَلِكَ، فَجَاءَنَا مِنْ عِنْدِهَا، أَنَّ سُبَيْعَةَ، تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَوَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَيَّامِ،
فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ أَنْ تَتَزَوَّجَ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
و((حسين بن منصور)): هو أبو عليّ السلميّ النيسابوريّ، ثقة فقيه [١٠] ١٦٦٤/٢٥ من
أفراد البخاريّ، والمصنّف.
و((جعفر بن عون)): هو المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] ٤٠ /٦٨٤.
وقوله: ((كنت أنا الخ)) خبره محذوف: أي جالسين، نتذاكر عدّة المرأة التي وضعت
حملها بعد وفاة زوجها بأيام.
وقوله: ((فبعثنا كريبًا الخ)) هذا لا ينافي ما تقدّم من قوله: ((فدخل أبو سلمة إلى أم
سلمة، فسألها عن ذلك)) ؛ لأنه يمكن أن يدخل بعد ذلك، للتأكّد، أو لما بُعث کریب
شاركه، فدخل معه. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((فأمرها رسول اللَّه ◌َ له أن تتزوّج)) أي أمر استحباب وإرشاد؛ لما في الرواية

٢٤٩ ===
٥٦- (بَأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٤٣
الآتية: ((فأمرني بالتزويج إن بدالي)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٤٣- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
جَدِي، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُزْمُزَ، عَنْ أَبِي سَلَّمَةَ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، أَنَّ زَيْئَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمُّهَا، أُمّ سَّلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ، أَنَّ امْرَأَةً
مِنْ أَسْلَّمَ، يُقَالُ لَهَا: سُبَيْعَةُ، كَانَتْ تَحَتَ زَوْجِهَا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا، وَهِيَّ حُبْلَى، فَخَطَبَهَا أَبُو
السَّتَابِلِ بْنُ بَعْكَكِ، فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَقَالَ: مَا يَضْلُحُ لَّكِ أَنْ تَنْكِحِي، حَتَّى تَعْتَدِّي آخِرَ
الْأَجَلَّيْنِ، فَمَكَثَتْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نُفِسَتْ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَِّهِ فَقَالَ:
«انکچي»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((جعفر بن ربيعة)): هو أبو شُرحبيل الكنديّ المصريّ الثقة. و((عبد الرحمن
ابن هرمز)) : هو المدنيّ الفقيه المعروف بالأعرج.
وقوله: ((عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته)) أبوها: هو
عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزوميّ، أخو النبيّ
وَلير، من الرضاعة، وابن عمّته برّة بنت عبد المطلب، كان من السابقين الأولين، شهد
بدرًا، ومات بعد أحد في جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة، فتزوّج النبيّ وَّر بعده
زوجته أم سلمة رضي اللّه تعالى عنهما. وإنما نبّهت على هذا؛ لأنه ربما يلتبس على من
لا يعلم الأسانيد أبو سلمة الرواي عن زينب بأبي سلمة والدها. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((أن زينب أخبرته)). تقدّم أنه سمعه من كريب، عن أم سلمة، وتقدّم أيضًا أنه
دخل على أم سلمة، فسألها عن ذلك، وسيأتي في الحديث التالي قوله: ((فأخبرني رجل
من أصحاب النبيّ وَلَّ أن سُبيعة ... )) الحديث. وعند أحمد من طريق ابن إسحاق،
حدثني محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة، قال: دخلتُ على سبيعة ... )).
وهذا الاختلاف على أبي سلمة لا يقدح في صحّة الخبر؛ فإن لأبي سلمة اعتناء
بالقصّة من حين تنازع هو وابن عبّاس فيها، فكأنه لَمّا بلغه الخبر من كريب، عن أم
سلمة لم يقتنع بذلك، حتى دخل عليها، ثم دخل على سُبيعة، صاحبة القصّة نفسِها، ثم
تحمّلها عن رجل من أصحاب النبيّ وَلّ، وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المسور بن
مخرمة تَظّه، كما تقدم أول الباب، ويحتمل أن يكون أبا هريرة رضيّه ، كما يشهد له
ما في آخر الحديث من قوله: ((فقال أبو هريرة رَّه: أشهد على ذلك))، فيحتمل أن

٢٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
يكون أبو سلمة أبهمه أوّلًا لَمّا قال: أخبرني رجلٌ من أصحاب النبيّ وَّ))(١).
وأما ما أخرجه عبد بن حميد من رواية صالح بن أبي حسّان، عن أبي سلمة، فذكر
قصّته مع ابن عباس، وأبي هريرة ، قال: ((فأرسلوا إلى عائشة، فذكرت حديث
سبيعة)). فهو شاذٌ، وصالح بن أبي حسّان مختلفٌ فيه.
ووقع في رواية أبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث: ((أن ابن عبّاس
احتجّ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ وأن أبا سلمة قال له: يا ابن
عبّاس، أقال اللّه: آخر الأجلين؟ أرأيت لو مضت أربعة أشهر وعشر، ولم تضع،
أتتزوّج؟ فقال لغلامه: اذهب إلى أم سلمة. قاله في ((الفتح))(٢).
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٤٤- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجِ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا
وَأَبُو هُرَيْرَةَ، عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِذْ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ حَامِلٌ،
فَوَلَدَتْ لِأَذْنَى مِنْ أَزَبَعَةِ أَشْهُرِ، مِنْ يَوْمِ مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الْأَجَلَيْنِ، فَقَالَ أَبُو
سَلَمَةَ: أَخْبَرَنِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّنَّهِ، أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَّمِيَّةَ، جَاءَتْ إِلَىَ رَسُولِ اللَّهِ
وَهِ، فَقَالَتْ: تُؤُنِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَاَ، وَهِيَ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ لِأَذْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرِ: فَأَمَرَهَا
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، أَنْ تَتَزَوَّجَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير:
١- (داود بن أبي عاصم) بن أبي عروة بن مسعود الثقفيّ الطائفيّ، ثم المكيّ، ثقة [٣].
قال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال
الدار قطنيّ: طائفيّ يُحتجّ به. وقال أبو بكر بن أبي عاصم: داود بن أبي عاصم ثقة.
أخرج له البخاريّ(٣)، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثان: هذا،
وحديث ((أن امرأة مخزوميّة استعارت حليًّا ... )) في ((كتاب قطع السارق)) - ٤٩٢٠/٥.
وقوله: ((جاءته امرأة الخ)) وفي رواية البخاريّ: ((جاء رجل إلى ابن عباس،
وأبو هريرة جالس عنده، فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة ... )).
(١) قال الجامع: هكذا ذكر في ((الفتح)) هذا الاحتمال، لكن سياق الحديث الآتي بعد هذا يُبْعِدُ أن
يكون المبهم أبا هريرة رتني . فتأمله بإمعان، والله تعالى أعلم.
(٢) (فتح)) ١٠ / ٥٩٠ .
(٣) رمز له المزّيّ علامة التعليق، فرد عليه الحافظ في ((تهذيب الكمال)) ٥٦٥/١.

٥٦- (بَأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٤٥
=
٢٥١
ولا تعارض بين الروايتين؛ لاحتمال أن يكون الرجل قريبًا لتلك المرأة، فسأل لها،
فصحّ نسبة السؤال إليها لكونها آمرة له، أو سألت هي بعد سؤاله للتثبت، أو بالعكس.
والحديث متّفقٌ عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبن، ونعم الوكيل.
٣٥٤٥- (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي، يُونُسُ عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ، كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ
الزَّهْرِيِّ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا حَدِيثَهَا، وَعَمَّا قَالَ لَهَا
رَسُولُ اللّهِ بِهِ حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ
سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَّا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ ابْنٍ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ
بَذْرًا، فَتُؤُنِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَتْشَبَ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ
وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخَطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكِ، رَجُلٌ
مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ، مُتَجَمِّلَةَ، لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ النّكَاحَ، إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ
بِنَاكِحٍ، حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ
ثِيَابِيَ، حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِوَهِ، فَسَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَّلْتُ، حِينَ
وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِي).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من
صغار [١٠] ٤٤٩/١ .
٢- (ابن وهب) هو عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة حافظ عابد
[٩] ٩/٩ .
٣- (يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/٩.
٤- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبت حافظ [٤] ١/١ .
٥- (عبيد بن عبد اللَّه) بن عتبة الهذليّ، أبو عبد اللّه المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٥/
٥٦ .
٦- (عمر بن عبد الله بن الأرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبدمناف بن زهرة
الزهريّ المدنيّ، مقبول [٣].
روَّى عن سُبيعة الأسلميّة. وعنه عبد الله بن عتبة بن مسعود، وابنه عبيدالله بن عبد الله
ابن عُتبة، فيما كتب إليهما. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو
داود، والمصنّف، وله عندهم حديث سبيعة رضي اللّه تعالى عنها هذا فقط.

٢٥٢ =
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
٧- (سُبيعة) بنت الحارث الأسلميّة زوجة سعد بن خَوْلة، روت عن النبيّ وَل
عدّتها، وروى عنها عمر بن عبد الله بن الأرقم، ومسروق بن الأجدع، وزُفر بن أوس
ابن الْحَدَثَانِ، وعبيد أبو سَوِيَّةً، وعمرو بن عُتبة بن فَرْقَد. قال ابن عبد البرّ: روى عنها
فُقهاء المدينة والكوفة حديثها هذا، وروى ابن عمر عنها حديث: ((من استطاع منكم أن
يموت بالمدينة فليمت ... )) الحديث، قال: وزعم العقيليّ أن سُبيعة التي روى عنها ابن
عمر غير الأولى، ولا يصحّ عندي. روى لها الجماعة، سوى الترمذيّ، ولها عندهم
هذا الحديث فقط، راجع ((تحفة الأشراف)) ٣٣٠/١١-٣٣١. وقد كرّره المصنّف رحمه
الله تعالى في هذا الباب ثلاث مرّات برقم ٣٥٤٥ و٣٥٤٦ و٣٥٤٧ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى، فهو سند وسط، وقد تقدّم أن
أعلى الأسانيد له الرباعيات، وأنزلها العشاريّات. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس بن يزيد، وبعده مسلسل
بالمدنيين. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن
عبيد الله بن عتبة، عن عمر بن عبد الله. (ومنها): أن صحابيّته من المقلّين من الرواية،
فليس لها إلا هذا الحديث عند الجماعة، إلا الترمذيّ، كما سبق آنفًا. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ) هو
عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذليّ، ابن أخي عبد الله بن مسعود، وُلد في عهد النبيّ
وَثّر، ثقة، من كبار [٢] وقد تقدّم في ٣١٥/١٩٧. (كَّبَ) فيه العمل بالمكاتبة، وهو
مذهب الجمهور، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى للمكاتبة، والمناولة بابًا في
((كتاب العلم)) من ((صحيحه))، فقالت: ((باب ما يُذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم
بالعلم إلى البلدان))، وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف، فبعث بها إلى الآفاق. ورأى
عبد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ومالكٌ ذلك جائزًا. واحتجّ بعض أهل الحجاز في
المناولة بحديث النبيّ وَالر حيث كتب لأمير السريّة كتابًا، وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان
كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبيّ وَّ. ثم أخرج
بسنده عن عبيدالله بن عبد الله عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس، أخبره، أن
رسول اللَّه وَله، بعث بكتابه رجلا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم

٥٦- (بَأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٤٥
٢٥٣ ==
البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مَزْقه ...
قال الحافظ رحمه الله تعالى: والمكاتبة من أقسام التحمّل، وهو أن يكتب الشيخ
حديثه بخطّه، أو يأذن لمن يَثِقِ به بكتبه، ويُرسله بعد تحريره إلى الطالب، ويأذن له في
روايته عنه. وقد سوّى البخاريّ بينها وبين المناولة. ورجّح قوم المناولة عليها؛
الحصول المشافهة فيها بالإذن، دون المكاتبة. وقد جوّز جماعة من القدماء إطلاق
الإخبار فيهما، والأولى ما عليه المحقّقون من اشتراط بيان ذلك انتهى(١).
(إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ الزُّهْرِيِّ) ولفظ البخاريّ: ((أنه كتب إلى ابن الأرقم))،
فظنّ جمع من الشرّاح أنه عبد الله بن الأرقم والد عمر هذا، وهو وهم منهم، كما بيّنه في
((الفتح)).
(يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَةِ) رضي اللَّه تعالى عنها (فَيَسْأَلَهَا
حَدِيثَهَا، وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، إِلَى عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةً) بفتح الخاء
المعجمة، وسكون الواو، أي كانت زوجًا له (وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ
شَهِدَ بَذْرًا، فَتُؤُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا) فيه الإظهار في مقام الإضمار للإيضاح (فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ)
بكسر الحاء: المرة من الحجّ، وهو غير قياس، والجمع حِججٌ، مثلُ سدرة وسِدَر. قال
ثعلبٌ: قياسه الفتح، ولم يُسمع من العرب. قاله الفيّوميّ. و((الوداع)) بفتح الواو اسم
من التوديع، يقال: وذعته توديعًا: إذا شيّعته عند سفره، وإنما سُمي بذلك لأن النبيّ ◌َِّهل
ودّع الناس فيه (وَهِيَ حَامِلٌ) جملة حاليّة، أي والحال أنها حامل من زوجها المتوفّى.
قال الفيّوميّ: حَمَلَت المرأةُ ولدَهَا، ويُجعلُ حَمَلت بمعنى عَلِقَتْ، فيتعدّى بالباء،
فيقال: حَمَلت به في ليلة كذا، وفي موضع كذا: أي حَبِلَت، فهي حاملٌ، بغير هاء؛
لأنها صفة مختصّةٌ، وربّما قيل: حاملةٌ بالهاء. قيل: أرادوا المطابقة بينها وبين حَمَلَت.
وقيل: أرادوا مجاز الحمل، إما لأنها كانت كذلك، أو ستكون، فإذا أريد الوصف
الحقيقيّ قيل: حاملٌ بغير هاء انتهى (فَلَمْ تَتْشَبْ) أي لم تلبث، ولم تتأخّر. قال ابن
الأثير: يقال: لم ينشب أن فَعَلَ كذا: أي لم يلبث، وحقيقته لم يتعلّق بشيء غيره، ولا
اشتغل بسواه. انتهى (٢) (أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا) بتشديد
اللام: أي ارتفعت، أو برأت (تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ) بضم الخاء المعجمة، جمع خاطب،
ككاتب وكُتّاب (فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّتَابِلِ بْنُ بَعْكَكِ) رضي اللّه تعالى عنه، تقدم الخلاف
(١) ((فتح)) ٢٠٨/١.
(٢) ((النهاية) ٥٢/٥.

٢٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
في اسمه في ثاني حديث الباب (رَجُلٌ) بالرفع بدلٌ من ((أبو السنابل)) (مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ،
فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ، مُتَجَمِّلَةٌ، لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ النّكَاحَ، إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحِ، حَتَّى
تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) هكذا نسخ ((المجتبى)) بالنصب. ووقع في ((الكبرى))
بالرفع، وهو ظاهر؛ لأنه فاعل ((تمرّ))، ويمكن أن يوجّه ما في ((المجتبى)) بأن يكون
النصب على الظرفية، والعامل فاعل ((تمرّ)) مقدّرًا: أي تمرّ عليك العدّة أربعة أشهر
وعشرًا، ويحتمل أن يكون على حكاية لفظ القرآن.
وأما ما وقع في النسخ المطبوعة من ضبطه بالقلم برفع ((أربعةُ))، ونصب ((عشرًا))،
فالظاهر أنه غلط. والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ سُبَيْعَةُ) رضي اللَّه تعالى عنها (فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) كناية عن
استتارها بثيابها، وتحفّظها عن أن يظهر شيء من جسدِها (حِينَ أَمْسَيْتُ) أي دخلت في
وقت المساء، وإنما اختارت المساء؛ لكونه أستر (فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَسَأَلْتُّهُ عَنْ
ذَلِكَ، فَأَقْتَانِ بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ، حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِي) أي
ظهر لي التزويج، أي إن أرادت ذلك، ففيه أن النكاح ليس بواجب على المرأة، وتقدّم
اختلاف أهل العلم في حكم النكاح مفصّلًا في بابه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سُبيعة الأسلمية بنت الحارث الأسلميّة رضي الله تعالى عنها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥٤٥/٥٦ و٣٥٤٦ و٣٥٤٧ - وفي ((الكبرى)) ٥٧١٢/٥٦ و٥٧١٣
و٥٧١٤ . وأخرجه (خ) في ((الطلاق)» ٥٣١٩ (م) في ((الطلاق)) ١٤٨٤ (د) في ((الطلاق))
٢٣٠٦ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٢٧ و٢٠٢٨ (أحمد) في ((مسند القبائل)) ٢٦٨٨.
وفوائد الحديث تقدّمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٤٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ
مُسْلِمِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ، يَذْكُرُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ، أَنَّ زُفَرَ بْنَ أَوْسٍ
بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا السَّنَابِلِ بْنَ بَعْكَكِ بْنِ السَّبَّاقِ، قَالَ لِسُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ:
لَا تَحِلْيْنَ، حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَِّهِ

٥٦- (بَأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٤٧
٢٥٥
فَسَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ؟، فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أَقْتَاهَا، أَنْ تَنْكِحَ، إِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا،
وَكَانَتْ حُبْلَى، فِي تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، حِينَ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، وَكَانَتْ تَحَتَ سَعْدٍ بْنِ خَوْلَةً، فَتُؤُنِّيّ
فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، فَتَكَحَتْ فَتَّى مِنْ قَوْمِهَا، حِينَ وَضَعَتْ مَا فِي
بَطْنِهَا).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غیر شيخه محمد
ابن وهب بن عمر بن أبي كريمة، أبي المعافى الْحَرّانيّ، صدوق [١٠] ٣٠٦/١٩١ فإنه
من أفراده.
و((محمد بن سلمة)): هو الحرّانيّ. و((أبو عبد الرحيم)): هو خالد بن أبي يزيد
الأمويّ الحرّانيّ.
[تنبيه]: وقع في ((الكبرى)) ج٣/ ص٣٩٠ ((أبو عبد الرحمن)) وهو تصحيف،
والصواب ما هنا.
و((زيد بن أبي أنيسة)): هو أبو أسامة الجزريّ الرُّهَاوِيّ. واسم أبيه زيد. و((يزيد بن
أبي حبيب)) : هو أبو رجاء الأزديّ المصريّ.
و ((زُفر - بضم الزاي، وفتح الفاء- ابن أوس بن الحَدَثَان -بفتح المهملتين، ثم مثلثة-
النّصريّ)) -بالنون، والصاد المهملة- المدنيّ، أخو مالك، يقال: له رؤية، وأما أبوه
فصحابيّ معروف.
روى عن أبي السنابل بن بعكك قصّة سبيعة. وعنه عُبيدالله بن عبد الله بن عُتبة.
ذكره ابن منده، وأبو نعيم في ((الصحابة))، وقال: يُقال: أدرك النبيّ وَّل، ولا يُعرف له
رواية، ولا صحبة. ولم يذكره البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم. تفرّد به المصنّف بحديث
الباب فقط .
وقوله: ((قال: كتب إليه الخ)) فاعل ((قال)) ضمير يزيد، أي قال: يزيد بن أبي حبيب:
كتب إليه يذكر الخ، يعني أن الزهريّ كتب إلى يزيد بهذا الحديث.
وقوله: ((أربعة أشهر وعشرًا)) هكذا نسخ ((المجتبى)) بالنصب. ووقع في ((الكبرى))
بالرفع. والظاهر أنهما جائزان، وقد تقدّم توجيههما.
والحديث في سنده زُفَر بن أوس، وهو مجهول عين، لكنه صحيح بما قبله، وهو
من أفراد المصنف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٣٥٤٧/٥٦- وفي ((الكبرى)) ٥٦/
٥٧١٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٣٥٤٧- (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيَ، عَنِ

٢٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْبَةَ، كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ، أَنِ ادْخُلْ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَاسْأَلْهَا عَمَّا أَقْتَهَا بَهِ
رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ فِي حَمْلِهَا، قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّها
كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، مِمَّنْ شَهِدَ بَذْرًا، فَتُؤُنِّيَّ
عَنْهَا، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَوَلَدَتْ قَبْلِ أَنْ تَمْضِيَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا، مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا،
فَلَمَّا تَعَلَّثْ مِنْ نِفَاسِهَاَ، دَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السََّابِلِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِيَ عَبْدِ الدَّارِ، فَرَآهَا مُتَجَمِّلَةٌ،
فَقَالَ: لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ النَّكَاحَ، قَبْلَ أَنْ تَمُرَّ عَلَيْكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا، قَالَّتْ: فَلَمَّا سَمِعْتُ
ذَلِكَ مِنْ أَبِي السََّابِلِ، جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((قَدْ
حَلَلْتِ حِينَ وَضَعْتٍ حَمْلَكِ)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير كثير بن عبيد
الْمَذْحِجِيّ، أبي الحسن الحمصيّ، وهو ثقة [١٠]، فقد تفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه.
و((محمد بن حرب)): هو الخولانيّ الحمصيّ الأبرش الثقة. و((الزبيديّ)): هو
محمد بن الوليد الحمصيّ الحافظ الثبت.
وقوله: ((أربعة أشهر وعشرًا)) أيضًا بالنصب، وفي ((الكبرى)) بالرفع، وتقدّم توجيهه
قريبًا، فلا تنس.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٤٥٤٨- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ،
عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا، فِي نَاسٍ بِالْكُوفَةِ، فِي مَجْلِسٍ لِلْأَنْصَارِ، عَظِيمِ، فِيهِمْ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، فَذَكَرُوا شَأْنَ سُبَيْعَةَ، فَذَكَرْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ
مَسْعُودٍ، فِي مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَوْنٍ: ((حَتَّى تَضَعَ))، قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَكِنَّ عَمَّهُ، لَا يَقُولُ
ذَلِكَ، فَرَفَعْتُ صَوْتِي، وَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ، أَنْ أَكْذِبَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، وَهُوَ فِي
نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَلَقِيتُ مَالِكًا، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، يَقُولُ فِي شَأْنٍ
سُبَيْعَةَ؟، قَالَ: قَالَ: أَتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ، وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ، لَأُنْزِلَتْ سُورَةُ
النِّسَاءِ الْقُصْرَى، بَعْدَ الطُّولَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبد الأعلى) القيسيّ، أبو عبد الله الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠]
٥/٥ .
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.

٢٥٧ ===
٥٦- (بِأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٤٨
٣- (ابن عون) هو عبد اللَّه، أبو عون البصريّ، ثقة ثبت فاضل [٥] ٣٣/٢٩.
٤- (محمد) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت
فقيه عابد [٣] ٤٦/ ٥٧ .
٥- (مالك) بن عامر، أو ابن أبي عامر، أو ابن عوف، أو ابن حمزة، أو ابن أبي
حمزة، أبو عطية الوادعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة [٣] ١١٩٨/١٠ مات في حدود
السبعين .
٦- (ابن مسعود) عبد الله الصحابيّ المشهور رضي الله تعالى عنه٣٩/٣٥. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين
يروي بعضهم، عن بعض: ابن عون(١)، عن ابن سيرين، عن مالك بن عامر. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا، فِي نَاسِ بِالْكُوفَةِ، فِي مَجْلِسٍ
لِلْأَنْصَارِ، عَظِيم) بالجرّ صفة لـ ((مجلس)). ولفظ البخاريّ في ((تفسير سورة البقرة)):
جلست إلى مجلس فيه عُظُمْ من الأنصار)) (فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) التابعيّ
المعروف (فَذَكَرُوا شَأْنَ سُبَيْعَةَ) أي في وضع حملها بعد وفاة زوجها (فَذَكَرْتُ عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، فِي مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَوْنٍ: ((حَتَّى تَضَعَ)) ) يعني أن لفظ ((حتى
تضع)) ليس لفظ عبد الله بن عون، بل معناه. وحاصله أن خالدًا نسي لفظ ابن عون،
وحفظ معناه، وهو ((حتى تضع)).
فقوله: ((في معنى قول ابن عون)) متعلّق بحال مقدّر، و((حتى تضع)) مفعول
(ذكرتُ)).
(قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَكِنَّ عَمَّهُ) يعني ابن مسعود رَمْثُ (لَا يَقُولُ ذَلِكَ) أي بل يقول
بأبعد الأجلين، فالظاهر أن ابن العمّ يتبعه، وهذا الذي نَقَلْتَ منه غير ثابت، ولهذا أنكر
عليه محمد بن سيرين، فقال: ((إني لجريء الخ)) (فَرَفَعْتُ صَوْتِي، وَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ)
(١) الظاهر أن ابن عون تابعيّ صغير؛ لأنه رأى أنس بن مالك تنظي، فالحقّ أنه من الطبقة الخامسة،
لا من السادسة، كما هو في ((التقريب))، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.

٢٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
قال السنديّ: بحذف همزة الاستفهام.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لم يظهر لي وجه الاستفهام هنا، بل كونه خبرًا هو
الوجه، والمراد أنه جريء إن فعل ذلك، والغرض منه أنه لا يحصل منه الاجتراء. وفي
رواية هشام، عن ابن سيرين، عند عبدبن حميد: ((إني لحريص على الكذب)).
(أَنْ أَكْذِبَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةً، وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ) هذا يُشعر بأن هذه القصّة
وقعت له، وعبد الله بن عتبة حيّ. وزاد في رواية البخاريّ: ((فاستحيى، وقال: لكنّ
عمّه لم يقل ذلك)). يعني أن ابن أبي ليلى استحيى مما وقع منه، وقال: لكن عمه
عبد الله بن مسعود لم يقل: إنها تنقضي عدّتها بوضع حملها. قال في ((الفتح)): كذا نقل
عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه، والمشهور عن ابن مسعود رضيه أنه كان يقول خلاف ما
نقله ابن أبي ليلى، فلعلّه كان يقول ذلك، ثم رجع، أو وهم الناقل عنه انتهى (قَالَ) ابن
سيرين (فَلَقِيتُ مَالِكًا) وفي رواية البخاريّ: فلقيت أبا عطيّة مالك بن عامر)). قال في
((الفتح)): في رواية ابن عوف: ((مالك بن عامر، أو مالك بن عوف)) بالشك،
والمحفوظ مالك بن عامر، وهو مشهور بکنیته أكثر من اسمه، والقائل هو ابن سیرین،
كأنه استغرب ما نقله ابن أبي ليلى، عن ابن مسعود، فاستثبت فيه من غيره. ووقع في
رواية هشام، عن ابن سيرين «فلم أدر ما قول ابن مسعود في ذلك، فسكتُ، فلما قمتُ
لقيت أبا عطيّة)) (قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، يَقُولُ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ؟، قَالَ) أي مالك
ابن عامر أبو عطيّة. وفي رواية البخاريّ: ((فلقيت أبا عطيّة مالك بن عامر، فسألته،
فذهب يُحدّثني حديث سُبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد اللَّه فيها شيئًا؟، فقال: كنا
عند عبد الله، فقال: أتجعلون عليها التغليظ ... (قَالَ) أي ابن مسعود ◌َاثِ (أَجْعَلُونَ
عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ) أي وهو أبعد الأجلين، وهذا إنكار من ابن مسعود تَنَّه لما نقل عنه ابن
أبي ليلى، فعُلم أن ما نَقَل عنه ابن أبي ليلى غير ثابت.
وفي رواية أبي نعيم، من طريق الحارث بن عُمير، عن أيوب: ((فقال أبو عطيّة: ذُكر
ذلك عند ابن مسعود، فقال: أرأيتم لو مضت أربعة أشهر وعشر، ولم تضع حملها،
كانت قد حلّت؟ قالوا: لا، قال: فتجعلون عليها التغليظ ... )) الحديث (وَلَّا تَجْعَلُونَ
لَهَا الرَّخْصَةَ) وفي رواية البخاريّ: ((ولا تجعلون عليها الرخصة)» بـ ((على))، والأولى
أوجه. ويمكن أن تُحمل هذه على المشاكلة، أي من الأخذ بما دلّت عليه آية سورة
الطلاق. أفاده في ((الفتح))(١) (لَأَنْزِلَتْ) جواب قسم محذوف، وقع بيانه في رواية
(١) ((فتح)) ٩/ ٦٥٣ ((تفسير سورة الطلاق)).

٥٦- (بَأَبُ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى ... - حديث رقم ٣٥٤٨
٢٥٩
الحارث بن عمير، بلفظ: ((فوالله لقد نزلت)) (سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُضرَى، بَعْدَ الطُولَى) أي
سورة الطلاق بعد سورة البقرة. والمراد بعضه، فمن البقرة قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ
يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾، ومن الطلاق قوله عز
وجل: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
ومراد ابن مسعود ◌َّه إن كان هناك نسخٌ، فالمتأخّر هو الناسخ، وإلا فالتحقيق أن
لا نسخ هناك، بل عموم آية البقرة مخصوص بآية الطلاق.
وقد أخرج أبو داود، وابن أبي حاتم من طريق مسروق، قال: بلغ ابن مسعود أن
عليًّا يقول: تعتدّ آخر الأجلين، فقال: ((من شاء لاعنته أن التي في النساء القصرى أُنزلت
بعد سورة البقرة، ثم قرأ: ﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَبَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾)) .
وعرف بهذا مراده بسورة النساء القصرى. وفيه جواز وصف السورة بذلك. وحكى
ابن التين عن الداوديّ قال: لا أدري قوله: ((القصرى)) محفوظًا، ولا يقال في سور
القرآن قُصرى، ولا صُغْرى انتهى. وهو ردّ للأخبار الثابتة بلا مستند، والقصر والطول
أمر نسبيّ. وقد تقدّم في صفة الصلاة قول زيد بن ثابت: ((طولى الطوليين))، وأنه أراد
بذلك سورة الأعراف. قاله في ((الفتح))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥٤٨/٥٦ و٣٥٤٩ و٣٥٥٠ - وفي ((الكبرى)) ٥٧١٥/٥٦ و٥٧١٦
و١٧١٧ وفي ((التفسير)) ١١٦٠٤ و١١٦٠٥. وأخرجه (خ) في ((التفسير)) ٤٥٣٢ و٤٩١
(د) ٢٣٠٧ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان عدّة الحامل المتوفّى عنها
زوجها، وهو وضع حملها. (ومنها): ما كان عليه السلف من المناقشة العلمية؛
للتوصّل إلى الحقّ. (ومنها): تثبّت ابن سيرين في نقله، حيث إنه مع تأكده النقل عن
عبد الله بن عتبة، إلا أنه أراد التثبت، فسأل مالك بن عامر عن مذهب ابن مسعود تَظليه
(١) (فتح)) ٩/ ٦٥٣ ((تفسير سورة الطلاق)).

٢٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
في هذه المسألة. (ومنها): تغليظ العالم في إثبات ما ادعاه بدليله، إذا رأى من الخصم
عدم التراجع، فقد قال ابن مسعود رَزي: ((من شاء لاعنته)). (ومنها): جواز وصف
السورة بالقصرى، خلافًا لمن أنكر ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٤٩- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ بْنِ نُمَيْلَّةَ، يَمَامِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي
مَزْيَمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جِعْفَرِحِ وَ أَخْبَرَنِي مَيْمُونُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
الْحَكِّمِ ابْنِ أَبِي مَزْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شَبْرَمَةَ الْكُوفِيُّ،
عَنْ إِنْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ، مَا
أَنْزِلَتْ: ﴿وَأُوْلَتُ اَلْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾، إِلَّا بَعْدَ آيَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إِذَا
وَضَّعَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَدْ حَلَّتْ. وَاللَّفْظُ لِمَيْمُونٍ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن مسكين بن نُميلة)) - بالنون مصغّرًا- أبو
الحسن اليماميّ، نزيل بغداد، ثقة [١١].
قال البخاريّ: ثقة مأمون. وقال أبو داود: كان ثقة رحمه الله تعالى. وقال النسائيّ:
كتبنا عنه بالبصرة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال مسلمة: لا بأس به. وقال
الخطيب: كان ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكر ابن منده أنه مات ببغداد. مات سنة
(٢٨٩). روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب
حديث الباب فقط .
(وميمون بن العبّاس)) بن أيوب بن عطاء بن عبد الله، أبو منصور، وأبو ميمون
الجزريّ الرافقيّ -بفاء، ثم قاف- ثقة [١١] .
قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: أدركته، ولم أكتب عنه، وكان صدوقًا،
وسئل أبي عنه؟، فقال: صدوق. قال أبو عليّ الحرّانيّ: مات سنة (٢٥٤). تفرّد به
المصنّف بحديث الباب فقط.
و((سعيد بن أبي مريم)) : هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم
الجمحيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [١٠] ٢٠٩٨/٣.
و((محمد بن جعفر)) بن أبي كثير: هو الأنصاريّ الزرقيّ مولاهم، أخو إسماعيل،
وهو الأكبر، المدنيّ، ثقة [٦] .
قال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المدينيّ: معروف. وقال النسائيّ:
صالح. وقال أيضًا: مستقيم الحديث. وقال العجليّ: مدنيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في
(الثقات)). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.