Indexed OCR Text

Pages 201-220

٥٢- (بَابُ إِسْلَامٍ أَحَدِ الزَّوْجَيْن، ... - حديث رقم ٣٥٢٢
٢٠١ =
٢- (عبد الرزاق) بن همام المترجم قبل باب.
٣- (سفيان) الثوريّ المترجم قبل باب أيضًا.
٤- (عثمان) بن مسلم، ويقال: اسم أبيه سليمان، ويقال: اسم جدّه جرموز ((البنّيّ))
-بفتح الموحّدة، وتشديد المثنّاة- أبو عمرو البصريّ، صدوق، عابوا عليه الإفتاء
بالرأي [٥] .
قال الجوزجاني، عن أحمد: صدوقٌ ثقة. وقال الدوريّ، عن ابن معين: ثقة. وقال
معاوية بن صالح، عن ابن معين: ضعيف. قال النسائيّ في ((الكنى)) : عثمان الْبَتّيّ،
أخبرنا معاوية بن صالح، عن ابن معين، قال: عثمان البتّيّ ضعيف. قال النسائيّ: هذا
عندي خطأ، ولعله أراد عثمان بن مقسم البُرّيّ. وقال ابن سعد: كان ثقة، له أحاديث،
وكان صاحب رأي وفقه، أخبرنا الأنصاريّ، قال: كان عثمان الْبَتّيّ من أهل الكوفة،
فانتقل إلى البصرة، فنزلها، وكان مولى لبني زُهرة، ويُكنى أبا عمرو، وكان يبيع
الْبُتُوت(١)، فقيل: البتّيّ. وقال أبو حاتم: شيخٌ يُكتب حديثه. وقال الدار قطنيّ: ثقة.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول:
مات سنة (١٤٣ هـ) وفيها أرخه ابن جرير، والقرّاب. روى له الأربعة، وله عند المصنّف
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥- (عبد الحميد بن سلمة الأنصاريّ) يقال: هو ابن يزيد بن سلمة، مجهولٌ [٦].
روى عن أبيه، عن جدّه، أن أبوية اختصما فيه ... الحديث. وعنه عثمان البتّّ. قاله
ابن عليّة عنه. وقال الثوريّ: عن عثمان، عن عبد الحميد الأنصاريّ، عن أبيه، عن جدّه
به. وقال حماد بن سلمة وغيره: عن عثمان، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، أن رجلًا
أسلم، فذكره مرسلًا. ورواه المعافى بن عمران، وعيسى بن يونس، عن عبد الحميد بن
جعفر، عن أبيه، عن جدّه أبي الحكم، رافع بن سنان به. وروى الدارقطنيّ حديثًا من
طريقه، وقال: عبد الحميد بن سلمة، وأبوه، وجدّه لا يُعرفون، قال: ويقال: عبد الحميد
بن يزيد بن سلمة. وكذا قال في ((كتاب السنّة)) له في أحاديث النزول، ذكر الرواية عن سلمة
جد عبد الحميد بن یزید بن سلمة. ورجّح ابن القطّان أن حديث عبد الحميد بن جعفر، عن
أبيه، عن جدّه، غير حديث عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جدّه؛ لاختلاف السياق
فيهما، وأنكر على من خلطهما، ومن أعلّ حديث أبي جعفر بابن سلمة. انتهى. روى له
المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط. وأبوه، وجدّه سيأتي الكلام عليهما. والله تعالى
أعلم.
(١) قال ابن الأثير: البَتْ: كساء غليظ مربّعٌ. وقيل: طيلسان من خزّ، ويُجمع على بتوت. ((النهاية))
٩٢/١ .

٢٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ) ويقال: ابن يزيد بن سلمة (عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدْهِ)
تقدّم عن الدار قطنيّ أن عبد الحميد، وأباه، وجدّه لا يعرفون (أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ
أَنْ تُسْلِمَ، فَجَاءَ ابْنْ لَهُمَا صَغِيرٌ، لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ) -بضم، فسكون- والاحتلام: الجماع
في النوم، والاسِم الْحُلُمُ - بضمتين - كثَّنُق. أفاده في ((القاموس)). والمعنى أنه لم يبلغ
مبلغ الرجال (فَأَجْلَسَ النَِّيُّ وَّرِ الْأَبَ هَا هُنَّا) أي في جهة (وَالْأُمَّ هَا هُنَا) أي في جهة
أخرى (ثُمَّ خَيَّرَهُ) أي خيّر الغلام بين أبويه، حتى يتبع من يريده (فَقَالَ) وَّرِ (اللَّهُمَّ اهْدِهِ)
أي وفق هذا الغلام ليختار الإسلام باتباع أبيه المسلم (فَذَهَبَ إِلَى أَبِيهِ) أي فأخذه. وفي
رواية للمصنّف في ((الفرائض)) من ((الكبرى)) من طريق ابن عليّة، عن عثمان البتّيّ، عن
عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جدّه: أن أبويه اختصما فيه إلى النبيّ وَّ، أحدهما
مسلمٌ، والآخر كافرٌ، فتوجّه إلى الكافر، فقال النبيّ وَلّ: «اللَّهم اهده، فتوجّه إلى
المسلم، فقضی له به)).
وفيه أن الولد الصغير إذا كان بين مسلم وكافر يخيّر، فأيهما تبع يكون له، وفيه
اختلاف بين أهل العلم، سيأتي بيانه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الحميد بن سلمة الأنصاريّ، عن أبيه، عن جدّه رَزات هذا ضعيفٌ
الجهالة عبد الحميد، وأبيه، وجدّه، وللاضطراب في إسناده، فقد أخرجه المصنّف في
((الفرائض)) من ((الكبرى)) -٦٣٨٨/٢٦-من طريق حمّاد بن سلمة، عن عثمان البتّيّ،
عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه: أن رجلًا أسلم، ولم تسلم امرأته. مرسلّ.
وقد أخرجہ فیه ٦٣٨٥/٢٦- من حدیث رافع بن سنان رێه ، بإسناد صحيح،
وأخرج هذا أيضًا أبو داود في ((سننه))، فقال:
حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا عيسى، حدثنا عبد الحميد بن جعفر،
أخبرني أبي، عن جدي، رافع بن سنان، أنه أسلم، وأبت امرأته، أن تسلم، فأتت النبي
وَله، فقالت: ابنتي، وهي فَطِيم، أو شبهه، وقال رافع: ابنتي، قال له النبي ◌َّ: ((اقعد
ناحية))، وقال لها: ((اقعدي ناحية))، قال: وأقعد الصبية بينهما، ثم قال: ((ادعواها))،
فمالت الصبية إلى أمها، فقال النبي ويالقر: ((اللَّهم اهدها))، فمالت الصبية إلى أبيها،

٢٠٣ =
٥٢- (بَأَبُ إِسْلَامٍ أَحَدِ الزَّوْجَيْن، ... - حديث رقم ٣٥٢٢
فأخذها. وهذا حديث صحيح، يعني عن حديث جدّ عبد الحميد.
قال الحافظ أبو الحسن ابن القطّان الفاسيّ رحمه اللّه تعالى في كتابه «بيان الوهم
والإيهام)) -بعد أن ذكر أن عبد الحقّ قال: اختلف في إسناد هذا الحديث -: ما نصّه:
وهذا الاختلاف أن هذا السياق، وما في معناه هو من رواية عيسى بن يونس، وأبي
عاصم، وعليّ بن غُراب، كلهم عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه رافع بن
سنان، فإنه عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان. وعبد الحميد
ثقة، وأبوه جعفر كذلك، قاله الكوفيّ. ذكر رواية عيسى بن يونس هذه أبو داود، وهو
راوي السياق المذكور. وذكر رواية أبي عاصم، وعليّ بن غُراب أبو الحسن الدار قطنيّ
في ((كتاب السنن))، وسُمّيت البنت المذكورة في رواية أبي عاصم عميرة.
ورُويت القصّة كما هي من طريق عثمان الْبتّيّ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه،
عن جدّه، أن أبويه اختصما فيه إلى النبيّ وَلّز، أحدهما مسلم، والآخر كافر، فخيّره،
فتوجّه إلى الكافر، فقال: ((اللّهم اهده))، فتوجّه إلى المسلم، فقضى به له. هكذا ذكره
أبو بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن إبراهيم -هو ابن عليّة- عن عثمان البتّيّ. وكذا
رواه يعقوب الدورقيّ، عن إسماعيل أيضًا. ورواه يزيد بن زُريع، عن عثمان البنّيّ،
فقال فيه: عن عبد الحميد بن يزيد بن سلمة، أن جدّه أسلم، وأبت امرأته أن تُسلم،
وبينهما ولدٌ صغيرٌ، فذكر مثله. ورواه عن يزيد بن زريع، يحيى بن عبد الحميد
الحِمّانيّ، من رواية ابن أبي خيثمة عنه. نقلت جميعها من ((كتاب قاسم بن أصبغ))، إلا
أن هذه القصّة هكذا بجعل المخيّر غلامًا، وجدا لعبد الحميد بن يزيد بن سلمة لا
يصحّ؛ لأن عبد الحميد، وأباه، وجدّه لا يُعرفون، ولو صحّت لم ينبغ أن تُجعل خلافًا
الرواية أصحاب عبد الحميد بن جعفر، عن عبد الحميد بن جعفر، فإنهم ثقات، وهو
وأبوه ثقتان، وجدّه رافع بن سنان معروف، بل كان يجب أن يقال: لعلهما قصتان، خُيّر
في إحداهما غلام، وفي الأخرى جارية والله أعلم انتهى كلام ابن القطّان رحمه الله
تعالی(١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أن الحديث برواية المصنّف هنا ضعيف،
وإنما الصحیح أنه من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جده، کما أخرجه أبو
داود في ((سننه)) كما سقته آنفًا، وأخرجه هو في ((الفرائض)) من ((الكبرى)). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام)) ٥١٣/٣-٥١٥.

٢٠٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥٢٢/٥٢ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٨٩/٥٢ وفي ((الفرائض)» ٦٣٨٦/٢٦
و٦٣٨٧ . وأخرجه (ق) في ((الأحكام)) ٢٣٥٢ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٥٢
و٢٣٢٤٣ و٢٣٢٤٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم إسلام أحد
الزوجين، وإباء الآخر، وبينهما ولدٌ، وذلك أن يخيّر الولد، وفيه اختلاف بين العلماء
سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى. (ومنها): أن إسلام أحد الزوجين،
وإباء الآخر يبطل النكاح، وفيه اختلاف بين العلماء أيضًا، سيأتي تحقيقه في
المسألة الثالثة من الحديث الثاني، إن شاء الله تعالى. (ومنها): اهتمام النبيّ وَّل بهداية
أمته، حيث لم يترك هذا الولد يختار الكافر من أبويه، بل دعا اللّه تعالى أن يهديه للحقّ.
(ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، وهو استجابة دعاء النبيّ وَّ لهذا الولد بالهداية.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم النكاح إذا أسلم أحد الزوجين:
(اعلم): أنه إذا أسلم الزوجان معًا، فهما على نكاحهما، سواء كان قبل الدخول، أو
بعده، وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف، كما ذكر ابن عبد البرّ أنه إجماع أهل العلم
على ذلك، وذلك لأنه لم يوجد منهم اختلاف دين.
وأما إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين، أو المجوسيين، أو كتابيّ متزوّج بوثنيّة، أو
مجوسيّة قبل الدخول، فذهب الإمامان: أحمد، والشافعيّ رحمهما الله تعالى إلى وقوع
الفرقة بينهما من حين إسلامه، ويكون ذلك فسخًا، لا طلاقًا.
وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى إلى أن الفرقة لا تقع، بل إن كانا في دار
الإسلام، عُرض الإسلام على الآخر، فإن أبى وقعت الفرقة حينئذ، وإن كانا في دار
الحرب، وقّف ذلك على انقضاء عدّتها، فإن لم يسلم الآخر، وقعت الفرقة، فإن كان
الإباء من الزوج، كان طلاقًا؛ لأن الفرقة حصلت من قبله، فكان طلاقًا، كما لو لفظ
به، وإن كان من المرأة، كان فسخًا؛ لأن المرأة لا تملك الطلاق.
وذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إن كانت هي المسلمة، عُرض عليه
الإسلام، فإن أسلم، وإلا وقعت الفرقة، وإن كان هو المسلم تعجلت الفرقة؛ لقول
سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُقْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾ الآية.
وأما إذا أسلم أحدهما بعد الدخول، فذهبت طائفة إلى أنه يوقف على انقضاء العدّة،

٥٢- (بَأَبُ إِسْلَمٍ أَحَدِ الزَّوْجَيْن، ... - حديث رقم ٣٥٢٢
٢٠٥
فإن أسلم الآخر قبل انقضائها، فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت العدّة
وقعت الفرقة منذ اختلف الدينان، فلا يحتاج إلى استئناف العدة. وهذا قول الزهريّ،
والليث، والحسن بن صالح، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، ورواية عن أحمد،
ونحوه عن مجاهد، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن الحسن.
وذهبت طائفة إلى وقوع الفرقة، وبه قال الحسن، وطاوس، وعكرمة، وقتادة،
والحكم، وهي الرواية الثانية عن أحمد، واختارها الخلّال. وروي ذلك عن عمر بن
عبد العزيز، ونصره ابن المنذر. واحتجوا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُقْسِكُواْ بِعِصَمِ
اُلْكَوَافِ﴾. وبأن ما يوجب فسخ النكاح لا يختلف بما قبل الدخول وبعده، كالرضاع.
واحتجّ الأولون بما روى مالك في ((موطّئه)) عن ابن شهاب، قال: كان بين إسلام
صفوان بن أمية، وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحوّ من شهر، أسلمت يوم الفتح، وبقي
صفوان حتى شهد حُنينًا، والطائف، وهو كافرٌ، ثم أسلم، فلم يفرّق النبيّ ◌َّ بينهما،
واستقرّت عنده امرأته بذلك النكاح. قال ابن عبد البرّ: وشُهرة هذا الحديث أقوى من
إسناده. وقال ابن شهاب: أسلمت أم حكيم يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة حتى أتى
اليمن، فارتحلت حتى قدمت عليه اليمن، فدعته إلى الإسلام، فأسلم، وقدِم، فبايع
النبيّ وَّرَ، فثبتا على نكاحهما. وقال ابن شُبْرُمة: كان الناس على عهد رسول اللّه وَّلـ
يُسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدّة المرأة فهي
امرأته، وإن أسلم بعد العدّة، فلا نكاح بينهما. ولأن أبا سفيان خرج، فأسلم عام الفتح
قبل دخول النبيّ وَّ مكة، ولم تُسلم هند امرأته حتى فتح النبيّ وَل مكّة، فثبتا على
نكاحهما. وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته. وخرج أبو سفيان بن الحارث، وعبد الله
ابن أبي أُميّة، فلقيا النبيّ وَلير عام الفتح بالأبواء، فأسلما قبل نسائهما، ولم يُعلم أن النبيّ
وَ ل فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته، ويبعد أن يتّفق إسلامهما دفعةً واحدةً.
وأما إذا أسلم أحدهما بعد انقضاء عدّتها، انفسخ النكاح في قول عامّة العلماء، قال
ابن عبد البرّ: لم يختلف العلماء في هذا، إلا شيئًا روي عن النخعيّ، شذّ فيه عن جماعة
العلماء، فلم يتبعه أحد، زعم أنها تردّ إلى زوجها، وإن طالت المدّة. انتهى ملخّصًا من
((المغني)) لابن قدامة رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الأرجح القول ببقاء النكاح بعد
إسلام أحد الزوجين، مطلقًا، سواء كان قبل الدخول، أو بعده، وسواء انقضت العدّة،
(١) (المغني)) ٦/١٠-١٠.

٢٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
أم لا، إلا إن صحّ الإجماع على أنها إن انقضت انفسخ النكاح، وإلا فليس هناك دليلٌ
يفرّق بين الدخول، وعدم الدخول، وبين انقضاء العدّة، وعدمه، فقد كان الرجال يأتون
إلى المدينة، فيسلمون، ثم يرجعون إلى أهليهم، فيدعونهم إلى الإسلام، فيسلمون،
ولم يثبت عنه ◌َّ ر أنه تكلّم في شأن أنكحتهم بشيء من التفصيل المذكور، بل كان
يأمرهم أن يرجعوا إلى أهليهم، ويدعوهم رجالاً ونساء إلى الإسلام فقط.
قال العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى: ما ملخّصه: إن اعتبار العدّة لم يُعرف في
شيء من الأحاديث، ولا كان النبيّ وَ﴿ يسأل المرأة، هل انقضت عدّتها، أم لا؟، ولو
كان الإسلام بمجرّده فرقة لكانت طلقة بائنة، ولا رجعة فيها، فلا يكون الزوج أحقّ بها
إذا أسلم، وقد دلّ حكمه و لتر أن النكاح موقوف، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدّة
فهي زوجته، وإن انقضت عذّتها، فلها أن تنكح من شاءت، وإن أحبّت انتظرته، وإذا
أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح. قال: ولا نعلم أحدًا جدّد بعد
الإسلام نكاحه البتّة، بل الواقع أحد الأمرين: إما افتراقهما، ونكاحها غيره، وإما
بقاؤهما على النكاح الأول، وإن تأخر إسلامها، أو إسلامه، وأما تنجيز الفرقة، أو
مراعاة العدّة، فلا نعلم أن رسول اللّه وَل﴿ قضى بواحدة منهما، مع كثرة من أسلم في
عهده من الرجال وأزواجهنّ، وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر، وبعده منه، ولولا
إقراره ير الزوجين على نكاحهما، وإن تأخّر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح
الحديبية، وزمن الفتح، لقلنا بتعجيل الفرقة بالإسلام من غير اعتبار عدّة؛ لقوله تعالى:
﴿لَ هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَا هُمْ يَحِلُونَ لَهُرٍّ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُنْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠]
وأن الإسلام سبب الفرقة، وكلّ ما كان سببًا للفرقة تعقبه الفرقة، كالرضاع، والخلع،
والطلاق. وهذا اختيار الخلال، وأبي بكر صاحبه، وابن المنذر، وابن حزم.
قال: وجواب من أجاب بتجديد نكاح من أسلم في غاية البطلان، ومن القول على
رسول اللّه وَلي بلا علم، واتفاق الزوجين في التلفّظ بكلمة الإسلام معًا في لحظة واحدة
معلوم الانتفاء. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي حققه العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى
تحقيق حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
٣٥٢٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَیْجِ،
(١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ١٣٧/٥ -١٣٩.

٥٢- (بأبُ إِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْن، ... - حديث رقم ٣٥٢٣
٢٠٧
قَالَ أَخْبَرَنِ زِيَادٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ،
فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةَ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَتْ: فِدَاكَ أَبِي وَأَمِّي، إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ
يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي، وَسَقَانِي مِنْ بِثْرٍ أَبِي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، وَقَالَ: مَنْ يُخَاصِمُنِي
فِي ابْنِي، فَقَالَ: ((يَا غُلَّمُ، هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيْهِمَا شِئْتَ؟))، فَأَخَذَ بِيَدِ
أَمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥ .
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٤٧/٤٢.
٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل، يرسل كثيرًا ويُدلّس [٦] ٣٢/٢٨.
٤- (زياد) بن سعد بن عبد الرحمن الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت،
قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهريّ [٦] ٦٤/٥١ .
٥- (هلال بن أسامة) هو هلال بن عليّ بن أسامة العامريّ المدنيّ، نُسب لجدّه، ثقة
[٥] ٥١ / ٦٥ .
٦ - (أبو ميمونة) الفارسيّ المدنيّ الأبّار، قيل: اسمه سُليم. وقيل: سلمان. وقيل:
سليمان. وقيل: سلمى. وقيل: أسامة. وقيل: إنه والد هلال بن أبي ميمونة. ثقة [٣].
قال ابن معين: أبو ميمونة الأبار صالح. وقال العجليّ: سُليم بن أبي ميمونة مدنيّ
تابعيّ، ثقة. وقال النسائيّ: أبو ميمونة ثقة. وقال ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن
هلال بن أبي ميمونة، أن أبا ميمونة سُليمًا، مولى من أهل المدينة، رجل صدق حديثه
عن أبي هريرة. وقال ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن هلال بن أبي ميمونة، عن أبي
ميمونة - وليس بأبيه- عن أبي هريرة. وقال أبو حكيم: أبو ميمونة الفارسيّ، اسمه
سليمان، ويقال: أسامة بن زيد، روى عنه ابنه هلال بن أبي ميمونة. وفرق البخاريّ،
وأبو حاتم، ومسلم، والحاكم أبو أحمد بين أبي ميمونة الأبار الذي روى عن أبي
هريرة، وعنه قتادة، وبين أبي ميمونة الفارسيّ الذي اسمه سُليم، روى عنه أبو النضر
وغيره. ووقع عند أبي داود أن اسمه سلمى. وقال الدارقطنيّ: أبو ميمونة عن أبي
هريرة، وعنه قتادة مجهول يُترك. وهذا مما يؤيّد أنه غير الفارسيّ؛ لأنه وثّق الفارسيّ
في كناه. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير أبي ميمونة، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن
تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َّه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ) وفي رواية أبي داود من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج: عِن
هلال بن أسامة، أن أبا ميمونة سَلْمى، مولّى من أهل المدينة، رجل صدق (قَالَ: بَيْنَا أَنَا
عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةً) رضي اللَّه تعالى عنه، وفي رواية أبي داود المذكورة: (( بينما أنا جالسٌ
مع أبي هريرة، جاءته امرأةٌ فارسيّة، معها ابن لها، فادعياه، وقد طلّقها زوجها، فقالت:
يا أبا هريرة -رطنت(١) له بالفارسيّة- زوجي يُريد أن يذهب بابني، فقال أبو هريرة:
استهما عليه، ورَطَنَ لها بذلك، فجاء زوجها، فقال: من يُحاقُّني في ولدي؟، فقال أبو
هريرة: اللَّهمَ إني لا أقول هذا، إلا أني سمعت امرأةً جاءت إلى رسول اللَّهُ وَّل، وأنا
قاعدٌ عنده، فقالت: يا رسول اللَّه، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني ... ))
الحديث (فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَتْ: فِدَاكَ أَبِي وَأَمِي) جملة اسميّة،
من مبتدأ وخبر. قال ابن منظور: ((الفداء)) بالكسر، والمدّ، والفتح مع القصر: فكاك
الأسير. يقال: فداه يَقدِيه فِداءٌ، وفَدّى، وفاداه يُفاديه مُفاداةً: إذا أعطى فِداءه، وأنقذه.
وفداه بنفسه، وفدّاه بالتشديد: إذا قال له: جُعِلتُ فَدَاك. قال: وروى الأزهريّ عن
نُصير: قال: تقول العرب: فَدَيته بأبي وأمي، وفَدَيته بمالي، كأنه اشتريته، وخلّصته به،
إذا لم يكن أسيرًا، وإذا كان أسيرًا مملوكًا قلت: فاديته، ويجوز أيضًا فَدَيت الأسير،
بمعنى خلّصته مما كان فيه، وفاديت أحسن في هذا، وقوله عز وجل: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْج
عَظِيمٍ﴾ أي جعلنا الذبح فداء له، وخلّصناه به من الذبح. وقال الجوهريّ: ((الفداء)) إذا
كُسر أوله يُمدّ، ويُقصر، وإذا فُتح فهو مقصور. انتهى باختصار وتصرّف(٢).
(إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي، وَسَقَّانِي مِنْ بِثْرِ أَبِي عِنَبَةَ) -بكسر العين
المهملة، وفتح النون، وفتح الموحدة -: بئر على بَرِيد من المدينة. أظهرت حاجتها إلى
الولد، ولعلّ محمل الحديث بعد الحضانة، مع ظهور حاجة الأم إلى الولد، واستغناء
الأب عنه، مع عدم إرادته إصلاح الولد. قاله السنديّ. زاد في رواية أبي داود
(١) أي كلّمته بالعجمية.
(٢) ((لسان العرب)) ١٥/ ١٥٠.

٥٢- (بَأَبُ إِسْلَامٍ أَحَدِ الزَّوْجَيْن، ... - حديث رقم ٣٥٢٣
٢٠٩
المذكورة: ((فقال رسول اللَّه ◌َله: استَهما عليه)). أي اقترعا على الابن. قال الشوكانيّ:
فيه دليلٌ على أن القرعة طريقٌ شرعيّة عند تساوي الأمرين، وأنه يجوز الرجوع إليها،
كما يجوز الرجوع إلى التخيير، وقد قيل: إنه يقدّم التخيير عليها، وليس في حديث أبي
هريرة ◌َّه هذا ما يدلّ على ذلك، بل ربّما دلّ على عكسه؛ لأن النبيّ وَلل أمرهما أوّلًا
بالاستهام، ثم لما لم يفعلا خيّر الولد، وقد قيل: إن التخيير أولى؛ لاتفاق ألفاظ
الأحاديث عليه، وعمل الخلفاء الراشدين به انتهى (١) (فَجَاءَ زَوْجُهَا، وَقَالَ: مَنْ
يُخَاصِمُنِي فِي ابْنِي) وفي رواية أبي داود: ((من يُحاقّني)). والْحِقَاق، والاحتقاق:
الخِصَام، والاختصام، كما في ((القاموس))، أي من يخاصمني في أخذ ولدي (فَقَالَ)
وََّ (يَا غُلَامُ، هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمْكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِمَا شِئْتَ؟))، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ
بِهِ) قال الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى: هذا في الغلام الذي قد عقل، واستغنى عن
الحضانة، وإذا كان كذلك خُيّر بين والديه انتهى(٢) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥٢٣/٥٢ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٩٠/٥٢. وأخرجه (د) في ((الطلاق))
٢٢٧٧ (ت) في ((الأحكام)) ١٣٥٧ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٩٤٧٩ (الدارمي) في
((الطلاق)) ٢٢٩٣ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالة): في اختلاف أهل العلم في الصبيّ، إذا أسلم أحد أبويه:
قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا تثبت الحضانة لكافر على مسلم، وبهذا
قال مالك، والشافعيّ، وسوّارٌ، والعنبريّ. وقال ابن القاسم، وأبو ثور، وأصحاب
الرأي: تثبت له؛ لما روي عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، رافع بن
سنان رَّ أنه أسلم، وأبت امرأته أن تُسلم، فأتت النبيّ وَّرَ، فقالت: ابنتي ...
الحدیث. رواه أبو داود.
قال: ولنا أنها ولايةٌ، فلا تثبت لكافر على مسلم، كولاية النكاح والمال، ولأنها إذا
(١) ((نيل الأوطار)) ٣٥١/٦.
(٢) (معالم السنن) ١٨٥/٣.

٢١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
لم تثبت للفاسق، فالكافر أولى، فإن ضرره أكثر، فإنه يفتنه عن دينه، ويُخرجه عن
الإسلام بتعليمه الكفر، وتزيينه له، وتربيته عليه، وهذا أعظم الضرر، والحضانة إنما
تثبت لحظّ الولد، فلا تُشرع على وجه يكون فيه هلاكه، وهلاك دينه. فأما الحديث،
فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يُثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال. قاله ابن المنذر.
ويحتمل أن النبيّ وَلِّ علم أنها تختار أباها بدعوته، فكان ذلك خاصًّا في حقّه انتهى (١).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى -عند تعداد شروط الحضانة -: فلا حضانة
لکافر علی مسلم؛ لوجهين:
[أحدهما]: أن الحاضن حريصٌ على تربية الطفل على دينه، وأن ينشأ عليه، ويتربّى
عليه، فيصعب بعد كبره، وعقله انتقاله عنه، وقد يغيّره عن فطرة الله التي فطر عليها
عباده، فلا يراجعها أبدًا، كما قال النبيّ وَّهِ: ((كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه
يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)). متفق عليه. فلا يؤمن تهويد الحاضن، وتنصيره
للطفل المسلم.
قال :
[الوجه الثاني]: أن الله سبحانه وتعالى قطع الموالاة بين المسلمين والكفار، وجعل
المسلمين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء من بعض، والحضانة من أقوى
أسباب الموالاة التي قطعها.
قال رحمه الله تعالى: ثم إن الحديث قد يُحتجّ به على صحّة مذهب من اشترط
الإسلام، فإن الصبيّة لما مالت إلى أمها دعا النبيّ وَّ ر لها بالهداية، فمالت إلى أبيها،
وهذا يدلّ على أن كونها مع الكافر خلاف هُدَى اللَّه الذي أراده من عباده، ولو استقرّ
جعلها مع أمها، لكان فيه حجةٌ، بل أبطله اللَّه تعالى بدعوة رسوله وَ له. ومن العجب
أنهم يقولون: لا حضانة للفاسق، فأي فسق أكبر من الكفر؟، وأين الضرر المتوقّع من
الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الحديث فقد تقدّم أن حديث رافع بن سنان رَظُ
المذكور حديث صحيح، وإنما الضعيف حديث عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن
جدّه؛ للجهالة، والاضطراب، فتنبّه.
وأما حكم المسألة، فالذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الأولون من عدم ثبوت الحضانة
للكافر هو الحقّ؛ لقوله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، وأما
(١) ((المغني)) ٤١٢/١١-٤١٣.
(٢) ((زاد المعاد)) ٤٦٠/٥-٤٦١.

٥٢- (بَأَبُ إِسْلَام أَحَدِ الزَّوْجَيْن، ... - حديث رقم ٣٥٢٣
٢١١=
الحديث، فإن الاحتجاج به على اشتراط الإسلام عندي أظهر من الاحتجاج به على
خلافه، كما حقّقه ابن القيّم رحمه اللّه تعالى في كلامه السابق. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تخيير الولد بين الأبوين المسلمين:
ذهب إسحاق بن راهويه إلى أن الصبيّ والصبيّة مع الأم إذا طُلّقت. وقال أحمد إن
كان ذكرًا، وكان دون سبع سنين، فأمه أحقّ به بلا تخيير، وإن كان له سبع، فالمشهور
المختار عنه أنه يخيّر، فما دونها، أنه يُخيّر، فإن لم يختر أقرع بينهما، وإن كانت أنثى،
دون سبع فأمها أحقّ بها، وإن بلغت سبعًا فالمشهور عنه أنها أحقّ بها إلى تسع، وبعدها
فالأب أحقّ.
وذهب الشافعيّ إلى أن الأم أحقّ بالطفل ذكرًا أو أنثى إلى سبع سنين، فإذا بلغا
سبعا، وهما يعقلان خيرا.
وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا تخيير بحال، ثم قال أبو حنيفة الأم أحقّ بالجارية
حتى تبلغ، وبالغلام حتى يأكل، ويشرب، ويلبس وحده، ثم يكونان عند الأب. وقال
مالك: الأم أحقّ بالولد ذكرا أو أنثى حتى يبلغ، ولا يخيّر بحال. وقال الليث: الأم
أحقّ بالابن إلى ثمان سنين، وبالبنت حتى تبلغ، ثم الأب بعد ذلك. وقال الحسن بن
حيّ: الأم أحقّ بالبنت حتى يَكعُب ثدياها، وبالغلام حتى بيفَعَ، فيخيّران. انتهى من
((زاد المعاد)) بالاختصار، فمن أراد التوسّع في أدلة هذه الأقوال، وترجيح بعضها على
بعض، فليرجع إليه (١)، فإن مؤلّفه قد أطال النفس في هذا الموضوع، وأتى بالعجب
العجاب .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن الأمّ أحقّ بالولد قبل سنّ
التمييز؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، واللفظ له، بإسناد صحيح، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده، عبد الله بن عمرو: أن امرأة، قالت: يا رسول اللّه، إن
ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حِوَاء، وإن أباه طلقني، وأراد
أن ينتزعه مني، فقال لها رسول اللّه وَله: أنت أحق به، ما لم تنكحي)).
فهذا حديث صحيح، صريح في وجوب حقّ الحضانة للأمّ، ما لم تتزوّج.
وأما إذا ميّز الولد، فإنه يُخيّر، فيكون مع من يختاره؛ لحديث أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه المذكور في الباب، وهذا هو الأحسن في الجمع بين أدلّة المسألة بدون رذ
(١) راجع ((زاد المعاد)) ٥/ ٤٣٢-٤٩٠.

٢١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
لبعض ما صحّ منها؛ فإن الذي يرجّح غير هذا، فإنه سيرة الحديث الصحيح، فتبصّر
بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٥٣- (عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لفظ ((الكبرى)): ((أبواب العدّة)) - ((عدّة المختلعة)).
و((العدّة)): اسم لمدّة تتربصها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها، أو فراقه لها، إما
بالولادة، أو بالأقراء، أو الأشهر. قاله في ((الفتح)). وقال ابن الأثير: وعدّة المرأة
المطلّقة، والمتوفَّى عنها زوجها: هي ما تعدّه من أيام أقرائها، أو أيام حملها، أو أربعة
أشهر وعشر ليال انتهى. وجمع العدّة عِدَدٌ، بكسر، ففتح، مثلُ عِبرةٍ وعِبَر. والله تعالى
أعلم بالصواب.
٣٥٢٤- (أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتِى الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شَاذَانُ بْنُ عُثْمَانَ،
أَخُو عَبْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ تِخْتِی بْنِ أَبِي كَثِيرٍ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ الرُّبَيَّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ
قَيْسِ ابْنِ شَمَّاسٍ، ضَرَبَ امْرَأَتَهُ، فَكَسَرَ يَدَهَا، وَهِيَ جِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِيٍّ، فَأَتَى
أَخُوَهَا، يَشْتَكِيهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه إِلَى ثَابِتٍ، فَقَالَ لَّهُ: ((خُذِ
الَّذِي لَهَا عَلَيْكَ، وَخَلُّ سَبِيلَهَا))، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، أَنْ تَتَرَبَّصَ حَيْضَةً
وَاحِدَةً، فَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (أبو عليّ محمد بن يحيى) بن عبد العزيز اليشكريّ -بفتح التحتانيّة، وسكون
المعجمة، وضمّ الكاف- الصائغ المروزيّ، ثقة [١١] .
قال النسائيّ: ثقة. وقال مسلمة بن قاسم: روى عنه بعض أصحابنا، ووثّقه. مات
سنة (٢٥٢هـ) روى عنه البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنه ستة مواضع هنا- ٥٣٪
٣٥٢٤ و٤٠٤٨/٦ ((قتل من فارق الجماعة))، و٤٨٩٩/١ ((باب تعظيم السرقة)) و٢٦/
٥١٣٤ ((المتفلجات)) و٥٦٨٢/٤٠ ((الإذن في شيء منها)).

٥٣- (عِدَّةُ المُختلِعةِ) - حديث رقم ٣٥٢٤
٢١٣ =
٢- (شاذان) هو عبد العزيز بن عثمان بن جَبَلَة -بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي
روّاد الأزديّ مولاهم، أبو الفضل المروزيّ، وشاذان لقبه، وهو أخو عَبْدان، مقبول
[١٠] .
ذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مولده سنة (١٤٥) ومات سنة (٢٢١) وقيل:
سنة (٢٥). وقال الكلاباذيّ: وُلد في المحرّم سنة (٤٨) ومات في المحرّم سنة
(٢٢٩). روى له البخاريّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٣- (أبوه) عثمان بن جَبَلَة بن أبي رواد -بفتح الراء، وتشديد الواو - الْعَتّكيّ - بفتح
المهملة، والمثنّاة- مولاهم المروزيّ، ثقة، من كبار [١٠].
قال أبو حاتم: كان شريكًا لشعبة، وهو ثقة صدوق. وقال ابن عديّ: قيل لعثمان بن
جبلة: من أين لك هذه الغرائب؟ قال: كنت شريكًا لشعبة، فكان يخصّني بها. وقال ابن
حبّان في ((الثقات)): كان عثمان مع أبي تُمَيلة بالكوفة في طلب الحديث، فهاج غمّ
وكرب، فوضع رأسه في حجر أبي تميلة، فمات. وقال أبو حاتم، عن النُّفيليّ: رأيت
عثمان، والد عبدان بالكوفة، فبينا هو يمشي معنا في بعض أزقّة الكوفة، إذ دخل دارًا
ليبول، فنظرنا، فإذا هو ميت. روى له البخاريّ، ومسلم، وله عنده حديث واحد،
والمصنف، وله عنده حديث الباب فقط.
٤- (عليّ بن المبارك) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقة، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان:
أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] ٢٨/
١٤١١ .
٥- (يحيى بن أبي كثير) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبتٌ، لكنه يدلّس،
ويرسل [٥] ٢٤/٢٣ .
٦ - (محمد بن عبد الرحمن) بن ثوبان: هو العامريّ عامر قريش، ثقة [٣]٢٢٥٨/٤٧.
٧- (الرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء) بن حزام بن جندب الأنصاريّة النجارية، من بني
عديّ بن النجار، من صغار الصحابيات رضي اللّه تعالى عنهن، تزوّجها إياس بن البكير
الليثيّ، فولدت له محمدًا، روت عن النبيّ وَّل، وعنها ابنتها عائشة بنت أنس بن مالك،
وخالد بن ذكوان، وسليمان بن يسار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، وأبو عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر، وعُبادة بن
الوليد بن عبادة، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل. قال ابن أبي خيثمة، عن أبيه: كانت من
المبايعات تحت الشجرة. روى لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديث الباب فقط،
كرّره مرّتين، برقم ٣٥٢٤ و٣٥٢٥ . والله تعالى أعلم.

===
٢١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَخْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميّ، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ
الرُّبَيِّعَ) -بضمّ الراء، وفتح الموحّدة، وتشديد الياء التحتانيّة، آخره عين مهملة، بصيغة
التصغير. (بِنْتَ مُعَوَّذٍ) بضم الميم، وكسر الواو المشدّدة، بصيغة اسم الفاعل المضغَّف
(ابْنِ عَفْرَاءَ) بفتح، فسكون رضي اللَّه تعالى عنها (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ)
-بفتح المعجمة، وتشديد الميم- الأنصاريّ الخزرجيّ، خطيب الأنصار ◌َظله (ضَرَبَ
امْرَأْتَهُ، فَكَسَرَ يَدَهَا، وَهِيَ جِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أُبِيِّ) تقدّم تحقيق الخلاف في اسمها في
شرح حديث -٣٤٨٨/٣٤ - فراجعه تستفد(فَأَتَى أَخُوهَا، يَشْتَكِيهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه
فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ إِلَى ثَابِتٍ، فَقَالَ لَهُ: ((خُذِ الَّذِي لَهَا عَلَيْكَ) أي خذ ما دفعته لها من
المهر، وتقدّم الخلاف في جواز الزيادة على ما دفعه في الباب المذكور (وَخَلُ سَبِيلَهَا) أي
فارقها، واتركها تذهب حيث شاءت (قَالَ: نَعَمْ) هو وعدٌ منه بأن يفعل ما أمره به وَلآ؛
لأن (نعم)) للوعد إذا وقعت بعد المستقل، كهذا المثال، وللتصديق إذا وقعت بعد
الماضي، نحو هل قام زيد، فتقول: نعم. قاله الفيّوميّ (فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، أَنْ
تَتَرَبَّصَ) أي تنتظر (حَيْضَةً وَاحِدَةً) قال السنديّ رحمه الله تعالى: من لا يقول بهذا
الحديث يقول: إن الواجب في العدّة ثلاثة قروء بالنصّ، فلا يُترك النصّ بخبر الآحاد،
وقد يقال: هذا مبنيّ على أن الخلع طلاقٌ، وهو ممنوع، والحديث دليلٌ لمن يقول: إنه
ليس بطلاق، على أنه لو سُلّم أنه طلاق، فالنصّ مخصوص، فيجوز تخصيصه ثانیًا
بالاتفاق، أما عند من يقول بالتخصيص بخبر الآحاد مطلقًا، فظاهر، وأما عند غيره،
فلمكان التخصيص أوّلًا، والمخصوص أوّلًا، يجوز تخصيصه بخبر الآحاد. والله تعالى
أعلم انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بجواز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد هو
الحقّ، وهو الراجح عند الأصوليّين، كما قال في ((الكوكب الساطع)) :
وَجَازَ أَنْ يُخَصَّ فِي الصَّوَابِ سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ
(١) (شرح السنديّ)) ١٨٦/٦.

٥٣- (عِدُّ المُختلعةِ) - حديث رقم ٣٥٢٥
٢١٥
وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ
وَهُوَ بِهِ وَخَبَرِ الثَّوَاتُرِ
وَعَكْسُهَ وَقِيلَ بِالْمُتْفَصِلِّ(١)
وَقِيلَ إِنْ خُصَّ بِقَاطِعٍ جَلِي
(فَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا) -بفتح أوله، وثالثه، مضارع لَحِقَ، يقال: لحقته، ولحقت به
ألحَق، من باب تَعِبَ لَحَاقًا بالفتح: أدركته. قاله الفيّوميّ. والمراد به هنا أنها بعد
تربّصها بحيضة تذهب إلى أهلها؛ لانقضاء عدّتها التي وجبت عليها.
وهذا الحديث نصٌّ في أن المختلعة تعتدّ بحيضة واحدة فقط، وبهذا قال عثمان بن
عفّان، وابن عبّاس، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه،
اختارها شيخ الإسلام ابن تيميّة، قال ابن القيم - بعد أن ذكر أحاديث الباب -: وهذا كما
أنه مُوجَب السنّة، وقضاء رسول اللَّه وَ له، وموافقٌ لأقوال الصحابة *** ، فهو مقتضى
القياس، فإنه استبراء لمجرّد العلم ببراءة الرحم، فكفت فيه حيضةٌ، كالمسبيّة، والأمة
المستبرأة، والحرّة، والمهاجرة، والزانية إذا أرادت أن تنكح. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا المذهب، وهو أن عدّة المختلعة حيضة واحدة،
هو الحقّ؛ لصحة أحاديث الباب.
وهذا الحديث صحيح، تفرّد به المصنف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا- ٥٣/
٣٥٢٤- وفي ((الكبرى)) ٥٦٩١/٥٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٥٢٥- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ
رُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَ: قُلْتُ لَهَا: حَدِّثِيْنِ حَدِيثَكِ، قَالَتِ: اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي، ثُمّ
جِثْتُ عُثْمَانَ، فَسَأَلْتُهُ مَاذَا عَلَيَّ مِنَ الْعِدَّةِ؟، فَقَالَ: لَا عِدَّةَ عَلَيْكِ، إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَدِيثَةٌ
عَهْدٍ بِهِ، فَتَمْكُثِي، حَتَّى تَحِضِي حَيْضَةٌ، قَالَ: وَأَنَا مُتَّبِعٌ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ،
فِي مَزْيَمَ الْمَغَالِيَّةِ، كَانَتْ تَحَتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١- (عبيدالله بن سعد بن إبراهيم بن سعد) أبو الفضل البغداديّ، قاضي أصبهان،
ثقة [١١] ١٧ /٤٨٠ .
٢- (عمه) يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد،
(١) راجع ((الكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع)) بسنخة شرحي عليه ص١٩٤ - ١٩٥.
(٢) ((زاد المعاد» ٦٧٩/٥.

٢١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
ثقة فاضل، من صغار [٩] ٣١٤/١٩٦.
٣- (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو إسحاق
المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ٣١٤/١٩٦.
٤- (ابن إسحاق) محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطّلبيّ مولاهم المدنيّ،
نزيل العراق، صدوق، يدلّس، ورُمي بالقدر والتشيّع، إمام في المغازي [٥] ٤٨٠/٥.
٥- (عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت) الأنصاريّ، ويقال له: عبد الله، ثقة [٤]
٣٤٩٨/٥٣ .
٦- (ربيع بنت مُعَوِّذ) رضي اللّه تعالى عنها المذكورة في السند السابق.
٧- (عثمان) بن عفان الخليفة الراشد رضي ٦٨/ ٨٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه،
وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رُبَيِّعَ بِنْتِ مُعَوَّذٍ) رضي اللَّه تعالى عنها (قَالَ) عبادة بن الصامت (قُلْتُ لَهَا:
حَدِّثِيْنِي حَدِيثَكِ) أي حديث اختلاعك من زوجك، وما ذا قيل لك؟ في ذلك (قَالَتِ:
اخْتَلَغْتُ مِنْ زَوْجِي، ثُمَّ جِئْتُ عُثْمَانَ) بن عفّان رضي اللَّه تعالى عنه (فَسَأَلْتُهُ مَاذَا عَلَيَّ مِنَ
الْعِدَّةِ؟) أي هو ثلاثة قروء، أم حيضة واحدة؟ (فَقَالَ) عثمان رَّهِ (لَا عِدَّةَ عَلَيْكِ إِلَّا أَنْ
تَكُونِي حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِهِ) أي بالزوج، أي بدخوله عليك، أو الجماع. وهذا يقتضي أن
الحيضة الواحدة أيضًا غير لازمة، وإنما اللازم الاستبراء، إن علمت بالجماع. قاله
السنديّ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا يحتمل أن عثمان رَّثه يرى هذا التفصيل، لكن
ظاهر ما صحّ عن النبيّ وَّ أنه أمرها أن تتربّص حيضةً واحدةً، من غير استفصال،
فيقدّم على الاحتمال الذي ذكره عثمان رَظُ (فَتَمْكُثِي، حَتَّى تَحِيضِي حَيْضَةٌ، قَالَ)
عثمان رَّهِ (وَأَنَا مُتَّبَعْ فِي ذَلِكَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ فِي مَرْيَمَ الْمَغَالِيَّةِ) -بفتح الميم،
وتخفيف الغين المعجمة- نسبة إلى مغالة، وهي امرأة من الخزرج، وَلَدت لعمرو بن
مالك بن النّجّار ولده عَدِيًّا، فبنو عديّ بن النجّار يُعرفون ببني مغالة، ومنهم عبد الله بن
أبيّ، وحسّان بن ثابت، وجماعة من الخزرج. ثم إن تسميتها بمريم وَهَمّ من بعض

٢١٧
٥٤- (مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَقَّاتِ) - حديث رقم ٣٥٢٦
الرواة، والصواب أن اسمها جميلة بنت عبد الله بن أبيّ، كما في رواية الربيع التي قبل
هذه الرواية. ويحتمل أن يكون لها اسمان، أو هو اسمها، وجميلة لقبها. وقد تقدّم
تحقيق ذلك كله في شرح حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في ((باب ما جاء في
الخلع)) - ٣٤٩٠/٣٤ - فراجعه تزدد علمًا (كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ،
فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ)، أي فأمرها رسول اللَّه وَِّ بأن تتربّص حيضةً واحدةً. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث الربيع بنت مُعوِّذ رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٥٢٥/٥٣- وفي ((الكبرى)) ٥٦٩٢/٥٣. وأخرجه (ق) في ((الطلاق))
٢٠٥٨ . وبقية المسائل المتعلّقة به قد تقدّمت مستوفاة - بحمد الله تعالى- في ((باب ما
جاء في الخلع))، فراجعها تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٥٤- (مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أراد رحمه اللّه تعالى بالاستثناء هنا المعنى اللغويّ،
وهو الإخراج مطلقًا، فمعنى الترجمة: هذا الباب معقود لبيان ما أخرج من عدّة
المطلّقات، وهي ثلاثة قروء، فكان غير ذلك.
وحاصل ما أشار إليه رحمه الله تعالى أن ما دلّت عليه آية ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، من تناول جميع النساء المطلّقات، أخرج منه
بعض المطلقات بدليل آخر.
وبيان ذلك أن هذه الآية عامّة في جميع المطلّقات، سواء كنّ يحضن، أو يئسن من
المحيض، وسواء كنّ مدخولًا بهن، أم لا، فخرج من هذا العموم الآيسات، فعدّتهن
ثلاثة أشهر،؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ الآية [الطلاق: ٤]، وخرجت المطلّقات
قبل الدخول، فليس عليهنّ عدّة؛ لقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ

٢١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُربَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩]. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٣٥٢٦- (أَخْبَرَنَا زَكْرِيًّا بْنُ يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ
ابْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَنْبَنَا يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفِهَا نَأْتِ بِخَيَرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِذَا
بَدَّلْنَا ءَايَةٌ فَكَانَ ءَايَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُكَزِّدُ﴾ الْآَيَةَ، وَقَالَ: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ
وَيُثْبِثٌ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾، فَأَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ، وَقَالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ
يَرَبَِّنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُوَةٍ﴾، وَقَالَ: ﴿وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِسَائِكُمْ إِنِ أَرْتَبْتُ
فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَثَةُ أَشْهُرٍ﴾، فَتُسِخَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ
فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾ .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (زكريّا بن يحيى) السُّجزيّ، أبو عبد الرحمن، نزيل دمشق، المعروف بـ ((خيّاط
السنّة))، ثقة حافظ [١٢]، من أفراد المصنّف.
٢- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المروزيّ المعروف بابن رهويه، ثقة ثبت إمام
[١٠] ٢/٢ .
٣- (عليّ بن الحسین) بن واقد المروزيّ، کان جدّه واقد مولی عبد الله بن کریز،
صدوقٌ بِهِمْ [١٠].
قال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وأسند العقيليّ من
طريق البخاريّ: قال: رأينا عليّ بن الحسين سنة (١٠) وكان أبو يعقوب - يعني إسحاق
ابن راهويه- سيىء الرأي فيه لعلّة الإرجاء، فتركناه، ثم كتبنا عن إسحاق. ونقل ابن
حبّان عن البخاريّ، قال: كنت أمرّ عليه طرفي النهار، ولم أكتب عنه. وقال البخاريّ:
مات سنة (٢١١). وذكره ابن حبّان في (الثقات))، وقال: كان مولده سنة (١٣٥) ومات
سنة (١١) وقيل: سنة (٢١٢). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، ومسلم في
((المقدّمة))، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب خمسة مواضع، وكلها بهذا السند -
٣٥٢٦/٥٤، وفي ٦٩/ ٣٥٧٠ -)) باب نسخ متاع المتوفّى عنها ... )) و٣٥٨١/٧٥ ((باب
نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث))، و٤٠٧٣/٩ ((ذكر اختلاف طلحة بن مصرّف
الخ))، و٤٠٩٦/١٥- («توبة المرتد)».
٤- (أبوه) الحسين بن واقد المروزيّ، أبو عبد اللّه القاضي، ثقة، له أوهام [٧] ٥٪
٤٦٣ .

٢١٩
٥٤- (مَا اسْثْنِيَ مِنْ عِدَّةِ الْمُطَلَقّاتِ) - حديث رقم ٣٥٢٦
٥- (يزيد) بن أبي سعيد النحويّ، أبو الحسن القرشيّ مولاهم المروزيّ، ثقة عابد
[٦ ] .
قال أبو زرعة، وأبو داود، وابن معين، والنسائيّ: يزيد النحويّ ثقة. وقال أبو حاتم:
صالح الحديث. وقال حسين بن واقد: ما رأيت مثله، ما أدري ما أيوب؟. وقال
الدار قطنيّ: حسبك به ثقةً ونُبْلًا. وقال أبو داود، وأحمد بن سيّار: قتله أبو مسلم، زاد
أحمد سنة إحدى وثلاثين. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان متقنًا، من العبّاد،
تقيًّ، من الرفعاء، تاليًا لكتاب الله تعالى، عالمًا بما فيه جهده، قتله أبو مسلم لأمره إياه
بالمعروف سنة (١٣١). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والأربعة، وله عند
المصنّف في هذا الكتاب المواضع الخمسة المذكورة في ترجمة عليّ بن الحسين قبل ترجمة .
٦- (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدنيّ بربريّ الأصل، ثقة ثبت عالم
بالتفسير [٣] ٣٢٥/٢ .
٧- (ابن عباس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى عكرمة، وشيخه دمشقيّ. (ومنها): أن فيه
ابن عباس من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا) شرطيّة، ولذا جُزم فعل
شرطها، وهو ((ننسخ))، وجوابها، وهو ((نأت)) (تَنْسَخْ) النسخ: لغة يطلق على الإزالة
والنقل. وشرعًا: رفع حكم شرعيّ، بخطاب شرعيّ، متراخ عنه، كرفع الحكم
بالاعتداد بحول بالاعتداد بأربعة أشهر وعشر. قال في ((الكوكب الساطع)) :
النَّسْخُ رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ وَالصَّوَابْ فِي الْحَدْ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعٍ بِخِطَابٍ
فخرج بقوله: ((رفع حكم شرعيّ))، رفع البراءة الأصليّة، وبقوله: ((بخطاب شرعيّ))
رفع الحكم بارتفاع محلّه، أو بانتهاء أمده، إذا كان مغيًّا، ونحو ذلك، وخرج بقوله:
(متراخ عنه)) ما يرفعه المخصّص المتصل، كالاستثناء.
(مِنْ آيَةٍ) بيان لـ ((ما)) (أَوْ تُنْسِهَا) بضم النون، من النسيان، وهو أن يذهب بحفظها من
القلب. وقرأ مكيّ، أوبو عمرو: ﴿أو ننسأها﴾ بفتح النون، من نسأت، بمعنى أخّرت
(تَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) أي بآية خير منها للعباد، حيث يكون العمل بها أكثر ثوابًا (أَوْ مِثْلِهَا﴾)

٢٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ
أي مثل تلك الآية (وَقَالَ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ) قال النسفي: تبديل الآية مكان الآية
هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع؛ لحكمة رآها، وهو معنى قوله (وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا يُتَزِّلُ﴾) قرىء في السبع بالتشديد والتخفيف(١).
الْآيَةَ، وَقَالَ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ) أي بنسخ ما يشاء نسخه (وَيُثِْتُ) من الإثبات،
وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة يثبت، بالتشديد، من التثبيت. أي يثبت بدله ما يشاء،
أو يتركه غير منسوخ، أو يمحو من ديوان الحفظة ما يشاء، ويُثبت غيرِه. أو يمحو كفر
التائبين، ويُثبت إيمانهم. أو يميت من حان أجله، وعكسه (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾) أي
أصل كلّ كتاب، وهو اللوح المحفوظ؛ لأن كلّ كائن مكتوب فيه(٢).
والغرض من سوق ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما من سوق هذه الآيات الثلاث
إثبات النسخ في كتاب الله تعالى، وهو مجمع عليه عند المسلمين، وإنما خالف فيه
اليهود، بعضهم في الجواز، وبعضهم في الوقوع، وسماه أبو مسلم الأصفهانيّ من
المعتزلة تخصيصًا، وهذا خلاف في التسمية، لا في المعنى، وإلى هذا أشار في
((الكوكب الساطع)) بقوله:
النَّسْخُ عِنْدَ الْمُسْلِينَ وَاقِعُ وَقَائِلُ الشَّخْصِيصِ لَا يُنَازِعُ
(فَأَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ) أي التوجّه في الصلاة إلى بيت المقدس بافتراض
التوجّه إلى الكعبة، على الصحيح، أو بالعكس، إن قلنا: إن النسخ في القبلة كان
مرّتين، كما قيل. وعلى الوجهين كون هذا منسوخًا من القرآن، يقتضي أن له ذكرًا في
القرآن، وهو غير ظاهر، إلا أن يقال: كان في القرآن إلا أنه نُسخ حكمًا، وتلاوةً، أو
نقول: المراد بالقرآن الوحي والحكم مطلقًا.
ويحتمل أن يقرأ قوله: فأول ما نسخ على بناء الفاعل، ويُراد بالقبلة افتراض التوجّه
إلى الكعبة، فيصحّ بلا تأويل. والله تعالى أعلم. قاله السنديّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنه لا داعي إلى هذه التأويلات الباردة، ولا
سيما الأخير، فإنه تعسّف بعيد، بل المعنى واضِحٌ، وذلك أن الله تعالى قال في كتابه:
﴿َمَآ ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ الآية، وغيرها من الآيات التي توجب
اتباعه ◌َ لي فيما أتى به، ومن جملة ما دخل فيها استقبال القبلة، ثم لما نُسخ، نسخ الأمر
بالاتباع المذكور في الآية. فتأمّل، والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) التربّص: الانتظار، أي لينتظرن. قال
(١) ((تفسير النفيّ)) ٢٩٩/٢.
(٢) (تفسير النسفي)) ٢/ ٢٥٢.