Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ٣٣- (بابُ الظّھَارِ) - حديث رقم ٣٤٨٤ عبد الرزاق، عن معمر الآتية: ((فاعتزلها حتى تفعل ما أمرك الله عز وجل))، وفي رواية المعتمر: ((فاعتزل حتى تقضي ما عليك)). والمراد به أداء الكفّارة التي ذكرها الله تعالى في كتابه، حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَبِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مِّنْ قَبْلِ أَن يَتَمَآَسَا﴾ إلى آخر الآيتين [المجادلة: ٣-٤]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يكون صحيحًا، وسيأتي أن المصنّف رحمه اللّه تعالى سيُرجّح أن المرسل هو الصواب؟. [قلت]: الظاهر أن الإرسال في مثل هذا لا يضرّ؛ لأن الذي وصله ثقة، وقد صحّحه الترمذيّ، والحاكم، وقال ابن حزم: رجاله ثقات، ولا يضرّ إرسال من أرسله. وقال الحافظ: رجاله ثقات. وقال في ((البدر المنير)): هذا الحديث صحيح. وقال المنذريّ: صححه الترمذيّ، ورجال إسناده ثقات، وسماع بعضهم من بعض مشهور، وترجمة عكرمة عن ابن عبّاس احتجّ بها البخاريّ في غير موضع. قال ابن الملقّن: وهو كما قال. وأخرج له البزار شاهدًا من طريق خُصيف، عن عطاء، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً قال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي، رأيت ساقها في القمر، فواقعتها قبل أن أكفّر، قال: ((كفّر، ولا تعُد)). وقال في ((الفتح)) بعد أن ذكر أحاديث الظهار، ومنها هذا الحديث: ما نصّه: وأسانيد هذه الأحاديث حسان. (١) انتھی(١). وقال الشيخ الألباني: وبالجملة فالحديث بطرقه، وشاهده صحيح. وقال أيضًا: له طريق أخرى عن ابن عباس يرويه إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رجلًا ظاهر من امرأته، فرأى خلخالها في ضوء القمر، فأعجبه، فوقع عليها، فأتى النبيّ وََّ، فذكر ذلك له، فقال: ((قال اللَّه تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآَسَا﴾))، فقال: قد كان ذلك، فقال رسول اللّه وَلّ: ((أمسك حتى تكفّر)). أخرجه الحاكم ٢/ ٢٠٤ والبيهقيّ ٣٨٦/٧. وإسماعيل بن مسلم، وهو المكيّ ضعيف. ويشهد له حديث سلمة بن صخر الزرقيّ، قال: («تظاهرت من امرأتي، ثم - / (١) (فتح)) ١٠/ ٥٤٣. ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وقعت بها، قبل أن أكفّر، فسألت النبيّ وَالر، فأفتاني بالكفّارة)). هكذا أخرجه الترمذيّ مختصرًا ٢٢٥/٩ وأحمد ٤/ ٣٧ من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عنه. قال: وهذا إسناد ضعيف. يعني لعنعنة ابن إسحاق، فإنه مدلّس(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الحديث بطرقه، وشواهده صحيح. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد بالغ أبو بكر ابن العربيّ، فقال: ليس في الظهار حديث صحيح. وهذه مبالغة غير مرضيّة فإن حديث الباب صحيح كما عرفت. فتبصّر. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤٨٤/٣٣ و٣٤٨٥ و٣٤٨٦ - وفي ((الكبرى)) ٥٦٥١/٣٤ و٥٦٥٢ و٥٦٥٣ . وأخرجه (د) في ((الطلاق)) ٢٢٢١ و٢٢٢٢ (ت) في ((الطلاق)) ١١٩٩ (ق) في ((الطلاق)) ٢٠٦٥ و٢٠٦٦ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الظهار، وهو ما تضمّنه حديث الباب. (ومنها): تحريم مواقعة المرأة التي ظاهر منها قبل التكفير. (ومنها): وجوب التكفير في الظهار. (ومنها): أن من واقع قبل التكفير ليس عليه إلا التوبة، وعدم العودة قبل التكفير. (ومنها): أن من ارتكب ذنبًا، ثم تاب، لا ينبغي أن يوبّخ، ويُعّف، بل يترحّم عليه، ويستغفر له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تحريم ما دون الجماع على المظاهر: قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: فأما التلذّذ بما دون الجماع، من القبلة، واللمس، والمباشرة فيما دون الفرج، ففيه روايتان: إحداهما: يحرم، وهو اختيار أبي بكر. وهو قول الزهريّ، ومالك، والأوزاعيّ، وأبي عبيد، وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن النخعيّ، وهو أحد قولي الشافعيّ؛ لأن ما حَرَّم الوطءَ من القول حرّم دواعيه، كالطلاق، والإحرام. والثانية: لا يحرم، قال أحمد: أرجو أن لا یکون به بأس، وهو قول الثوريّ، وإسحاق،، وأبي حنيفة، وحكي عن مالك، وهو القول الثاني للشافعيّ؛ (١) راجع ((الإرواء)) ١٧٨/٧-١٧٩. تحت الحديث رقم ٢٠٩١. ٦٣ ٣٣- (بابُ الظُّهَارِ) - حديث رقم ٣٤٨٥ لأنه وطء يتعلّق بتحريمه مالٌ، فلم يتجاوزه التحريم، كوطء الحائض انتهى (١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول الأول هو الراجح؛ لظاهر قوله: ((لا تقربها))، فإن القربان يشمل الجماع، وغيره من أنواع التلذّذ بها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اتفق أهل العلم على أن المظاهر يحرم عليه وطء امرأته التي ظاهر منها قبل أن يكفّر، إذا كانت الكفّارة عتقًا، أو صومًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآَسَأَ﴾ [المجادلة: ٣-٤] وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَنَاِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَا﴾ [المجادلة: ٣-٤]. واختلفوا فيما إذا كان التكفير بالإطعام، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه مثل ذلك، وأنه يحرم وطؤها قبل التكفير، منهم: عطاء، والزهريّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي. وذهب أبو ثور إلى إباحة الجماع قبل التكفير بالإطعام. وعن أحمد ما يقتضي ذلك؛ لأن الله تعالى لم يمنع المسيس قبله، كما في العتق والصيام. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول الأولين هو الصواب؛ لحديث الباب؛ فإنه وله قال: ((لا تقربها حتى تكفّر))، ولم يخصّ نوعًا من الكفّارة، دون نوع، بل أطلق النهي عن القربان قبل التكفير. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٨٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: تَظَاهَرَ رَجُلٌ مِنِ امْرَأَتِهِ، فَأَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِّلنَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟، قَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا، أَوْ سَاقَيْهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: «فَاعْتَزِلْهَا، حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير الحكم، كما تقدّم في الحديث الماضي. وقوله: ((رحمك الله يا رسول اللَّه)) قال السنديّ رحمه اللَّه تعالى: الظاهر أنّ النبيّ وَلجر بدأ بالدعاء بالرحمة، فقال له: ((يرحمك الله))، كما تقدّم، فقابله الرجل بمثل ذلك، أو بأحسن منه، حيث استعمل صيغة المضيّ، ووقع الاختصار من الرواة، فنقل البعض الأول، والبعض الآخر. وفي تقرير النبيّ وَّ على ذلك دلالة على جواز الدعاء (١) ((المغني)) ٦٧/١١ ((كتاب الظهار)). ٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ له وَله بالرحمة انتهى(١). والحديث صحيح بمجموع طرقه، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٨٦- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيم،" قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ ح وَأَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ أَبَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ نَبِيَّ اللَّهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ غَشِيَهَا، قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ مَا عَلَيْهِ، قَالَ: ((مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟))، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، رَأَيْتُ بَيَاضَ سَاقَيْهَا فِي الْقَمَرِ، قَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَّهِ: ((فَاعْتَزِلْ حَتَّى تَقْضِيَ مَا عَلَيْكَ)). وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ: ((فَاعْتَزِلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ مَا عَلَيْكَ)). وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ. قَالَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الْمُرْسَلُ أَوْلَّى بِالصَّوَابِ مِنَ الْمُسْتَدِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسحاق)): هو ابن راهويه. و((محمد بن عبد الأعلى)): هو الصنعانيّ البصريّ. و((المعتمر)): هو ابن سليمان التيميّ. وقوله: ((وقال إسحاق الخ)) يعني أن إسحاق ابن راهويه ذكر في روايته الضمير المنصوب، وقال: ((فاعتزلها))، وأما محمد بن عبد الأعلى، فحذفه، وقال: ((فاعتزل))، وحذف الفضلة جائز، كما قال في ((الخلاصة)) : وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا اوْ خُصِرْ وقوله: ((واللفظ لمحمد)) يعني أن سياق المتن الذي ساقه هو لفظ محمد بن عبد الأعلى، وأما إسحاق فرواه بالمعنى. هذا هو الذي تقتضيه عبارته، وفيه نظر، إذ . يقتضي أن شيخيه مختلفان في سياق الحديث، وإن اتفقا في المعنى، وهذا يعارض قوله: ((وقال إسحاق في حديثه الخ))، إذ هو يقتضي أنهما متفقان، إلا في هذا الحرف، فليُتأمّل. وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن: المرسل أولى بالصواب من المسند»، أراد بالمسند المتّصل، يعني أن رواية من رواه عن عكرمة، عن النبيّ وَّل مرسلًا أولى ممن رواه عن عكرمة، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما متصلًا، وإنما رجّح المرسل على المتّصل؛ للاختلاف على معمر، فإن عبد الرزاق رواه عنه بالإرسال، فخالف الفضل بن موسى، ووافق رواية المعتمر. وهكذا رجّح أبو حاتم المرسل على المتّصل، كما ذكره الحافظ في ((التلخيص الحبير)). (١) ((شرح السنديّ)) ١٦٩/٦. ٦٥ ٣٣- (بابُ الظُّهَارِ) - حديث رقم ٣٤٨٧ لكن تقدّم أن الموصول له شواهد، ولهذا صححه كثيرٌ من العلماء وهو الحقّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٤٨٧- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ تَمِیم بْنِ سَلَمَّةَ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّا قَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ،َ لَقَذَ جَاءَتْ خَوْلَةُ، إِلَى رَسُولِ اللّهِ بَلِهِ، تَشْكُو زَوْجَهَا، فَكَانَ يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَقَشْتَكِىَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاً﴾ الْآَيَّةَ [المجادلة: ١]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظليّ المعروف بابن راهويه، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢. ٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره تِهِم من حفظه [٨] ٢/٢. ٣- (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٨/١٧ . ٤- (تميم بن سلمة) السلميّ الكوفيّ، ثقة [٣] ٣٨٨/٢١. ٥- (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠ / ٤٤ . ٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن تميم، عن عروة. (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَّا قَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ) بكسر السين المهملة، قال الفيّوميّ: وَسِعَ الإناء المتاعَ سَعَةً بفتح السين، وقرأ به السبعة في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾، وكسرها لغة، وقرأ به بعض التابعين. قيل: الأصل في المضارع الكسر، ولهذا حُذفت الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة، وكسرة، ثمّ ٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ فُتحت بعد الحذف لمكان حرف الحلق، ومثله يَهَّبُ، ويقَعُ، ويَدَعُ، ويَلَغُ، ويَطَأُ، ويَضَعُ، ويَلَعُ، ويَزَعُ الجيشَ: أي يَحبسه. والحذف في يسع، ويطأ مما ماضيه مكسورٌ شاذْ؛ لأنهم قالوا: فَعِلَ بالكسر مضارعه يَفْعَل بالفتح، واستثنوا أفعالًا، ليست هذه منها. ووِسِعَ المكانُ القومَ، ووسِعَ المكانُ: أي اتسع، يتعدّى، ولا يتعدّى، قال النابغة [من الكامل]: تَسَعُ الْبِلَادُ إِذَا أَتَيْتُكَ زَائِرًا وَإِذَا هَجَرْتُكَ ضَاقَ عَنِي مَقْعَدِي ووسُعَ المكان بالضمّ بمعنى اتّسع أيضًا، فهو واسع من الأولى، ووَسِيعٌ من الثانية انتھی . وما هنا من المتعدّي، ولذا نصب ((الأصوات)) (سَمْعُهُ الْأَضْوَاتَ) وفي رواية ابن ماجه: ((كلّ شيءٍ)) بدل ((الأصوات)). أي يسمع كلّ الأصوات، فلا يخفى عليه صوت في الأرض ولا في السماء، جهر به المتكلّم، أو أسرّ به، كما استشهدت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها على ذلك (لَقَدْ جَاءَتْ خَوْلَةُ) بنت ثعلبة بن أصرم بن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخرج الأنصاريّة الخزرجيّة. ويقال: خولة بنت ثعلبة بن مالك. ويقال: بنت مالك بن ثعلبة. ويقال: بنت دليج. ويقال: بنت الصامت. وهي المجادلة التي ظاهر منها زوجها. روى حديثها ابن إسحاق عن معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة، قالت: ((ظاهر منّي زوجي أوس بن الصامت ... )). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: خولة بغير تصغير. وكذا قال ابن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس. وكذا هو في تفسير النخعيّ، عن ابن جريج، عن عطاء عن ابن عبّاس. قال محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار: إن خُويلة بنت ثعلبة. وكذا سمّاها محمد بن كعب، وعروة، وعكرمة. وقال محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق: خولة بنت ثعلبة. أخرجه الطبرانيّ. وقال يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق: بنت مالك بن ثعلبة. أخرجه الحسن بن سفيان. وكذا قال جعفر بن الحارث، عن ابن إسحاق. أخرجه ابن منده. وأخرجه يحيى الحِمّانيّ في ((مسنده)) من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن زيد بن يزيد، عن خولة بنت الصامت. قاله في ((تهذيب التهذيب))(١) . وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) بعد أن ذكر أنه وقع اسمها خويلة بنت مالك بن ثعلبة، عند أبي داود، وابن حبّان: ما نصّه: وهذا يُحمل على أن اسمها كان (١) (تهذيب التهذيب)) ٤/ ٦٧١ . ٦٧ ٣٣- (بابُ الظھَارِ) - حديث رقم ٣٤٨٧ ربّما صُغّر، وإن كان محفوظًا، فتكون نُسبت في الرواية الأخرى لجدّها. وقد تظاهرت الروايات بالأول، ففي مرسل محمد بن كعب القرظيّ عند الطبرانيّ، كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي. وعند ابن مردويه من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس تنظيم أن أوس بن الصامت وَظَلّه تظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة. وعنده أيضًا من مرسل أبي العالية: ((كانت خولة بنت دُلَيح تحت رجل من الأنصار، سيء الخلق، فنازعته في شيء، فقال: أنت عليّ كظهر أمي)). ذُلَيح -بمهملتين، مصغّرًا- لعلّه من أجدادها. وأخرج أبو داود من رواية حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن جميلة كانت تحت أوس بن الصامت. ووصله من وجه آخر عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، والرواية المرسلة أقوى. وأخرجه ابن مردويه من رواية إسماعيل بن عيّاش، عن هشام، عن أبيه، عن أوس بن الصامت، وهو الذي ظاهر من امرأته. ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وهذا منها، فإن كان حفظه، فالمراد بقوله: ((عن أوس بن الصامت))، أي عن قصّة أوس، لا أن عروة حمله عن أوس، فيكون مرسلًا، كالرواية المحفوظة، وإن كان الراوي حفظها أنها جميلة، فلعلّه كان لقبها. وأما ما أخرجه النقّاش في ((تفسيره)) بسند ضعيف إلى الشعبيّ، قال: المرأة التي جادلت في زوجها هي خولة بنت الصامت، وأمها معاذة أمة عبد الله بن أبيّ التي نزل فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾. وقوله: ((بنت الصامت)) خطأ، فإن الصامت والد زوجها، كما تقدّم، فلعلّه سقط منه شيء، وتسمية أمها غريبٌ. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١). وقال أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: روينا من وجوه عن عمر بن الخطّاب رَظُفيه أنه خرج، ومعه الناس، فمرّ بعجوز، فاستوقفته، فوقف، فجعل يُحدّثها، وتحدّثه، فقال له رجلٌ: يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز، فقال: ويلك، أتدري من هي؟ هذه امرأة سمع اللّه شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت مالك بن ثعلبة التي أنزل اللَّه فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيَ إِلَى الَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاً﴾ الآية. قال: وقد روى خُليد بن دعلج، عن قتادة، قال: خرج عمر من المسجد، ومعه الجارود العبديّ، فإذا بامرأة بَرْزَةٍ، على ظهر الطريق، فسلّم عليها عمر، فردّت عليه السلام، فقالت: هيهات يا عمر، عهدتك، وأنت تسمّى عميرًا في سوق عكاظ، تَزِع (١) (فتح)) ٣٢٦/١٥-٣٢٧. ((كتاب التوحيد)». ٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ الصبيان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعيّة، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب إليه البعيد، ومن خاف الموت، خشي الفوت، فقال الجارود: قد أكثرتِ على أمير المؤمنين أيتها المرأة، فقال عمر: دعها، أما تعرفها؟ هذه خولة بنت حكيم امرأة عبادة بن الصامت التي سمع اللَّه قولها من فوق سبع سموات، فعمر أحقّ، واللَّهِ أن يسمع لها، قال أبو عمر: هكذا في الخبر خولة بنت حكيم، امرأة عبادة بن الصامت، وهو وَهَمّ. يعني في اسم أبيها، وزوجها، وخُلَيد ضعيفٌ، سيّء الحفظ. قاله في ((الإصابة))(١). (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ، تَشْكُو زَوْجَهَا) أخرج قصّتها الإمام أحمد في ((مسنده))، وأبو داود في «سننه)»، ونصّ أحمد: ٢٦٧٧٤- حدثنا سعد بن إبراهيم، ويعقوب، قالا: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد ابن إسحاق، قال: حدثني معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة، قالت: والله فيّ، وفي أوس بن صامت، أنزل اللَّه عز وجل، صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده، وكان شيخا كبيرا، قد ساء خلقه، وضَجِر، قالت: فدخل عليّ يوما، فراجعته بشيء، فغضب، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، قالت: ثم خرج، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: فقلت: كلّا، والذي نفس خويلة بيده، لا تخلص إليّ، وقد قلت: ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثيابها، ثم خرجت، حتى جئت رسول اللّه وَلتر، فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه وي لتر، ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول اللّه وَله، يقول: ((يا خويلة ابن عمك، شيخ كبير، فاتقي الله فيه))، قالت: فوالله، ما بَرِحت، حتى نزل فيّ القرآن، فتغشى رسول اللّه وَ ل ◌َّ، ما كان يتغشاه، ثم سُرِّيَ عنه، فقال لي: ((يا خويلة، قد أنزل الله فيك، وفي صاحبك))، ثم قرأ علي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فقال لي رسول اللَّهُ بَّهَ: (مُرِيه، فليُعتِق رقبة))، قالت: فقلت: والله يا رسول الله، ما عنده ما يُعتق، قال: ((فليصم شهرين متتابعين))، قالت: فقلت: والله يا رسول الله، إنه شيخ كبير، ما به من صيام، قال: ((فليطعم ستين (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٣٢/١٢-٢٣٣. ٦٩ ٣٣- (بَابُ الظُّهَارِ) - حديث رقم ٣٤٨٧ مسكينا وسقا من تمر))، قالت: قلت: والله، يا رسول اللَّه، ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول اللَّه وَ له: ((فإنا سنعينه بعرق من تمر))، قالت: فقلت: وأنا يا رسول اللَّه سأعينه بعرق آخر، قال: ((قد أصبت، وأحسنت، فاذهبي، فتصدقي عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرا)»، قالت: ففعلت. وقال أبو داود بعد إخراجه: ما نصّه: في هذا، أنها كفّرت عنه، من غير أن تستأمره، قال أبو داود: وهذا أخو عبادة بن الصامت(١). وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)) بعد أن ذكر أن الحديث أخرجه أحمد، وغيره: ما نصّه: وهذا أصحّ ما ورد في قصّة المجادلة، وتسميتها. وقد أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبّان. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث فيه ابن إسحاق، مدلّسٌ، لكنه صرّح هنا بالسماع، لكن معمر بن عبد الله بن حنظلة، لم يرو عنه غير ابن إسحاق، ووثقه ابن حبّان، وصحح حديثه هذا، وقال فيه ابن القطّان: مجهول الحال. وقد علّق البخاريّ الحديث في ((صحيحه)) بصيغة الجزم. ويشهد له حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها المذكور في الباب. وخلاصة الأمر أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم. (فَكَانَ يَخْفَى) بفتح أوّله، من باب تَعِبَ (عَلَيَّ كَلَامُهَا) أي لعدم رفعها له، بل كانت تسرّ به إلى النبيّ ◌َّه، ولا تريد أن يسمعه غيره (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ سَيِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَقَشْتَكِنَّ إِلَى اَللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَاً﴾ الْآيَةَ). ولفظ ابن ماجه، من طريق محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش: قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويَخفَى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول اللَّه وَ له، وهي تقول: يا رسول اللَّه أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كَبِرَت سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني، اللَّهم إني أشكو إليك، فما برحت، حتى نزل جبرائيل بهؤلاء الآيات: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِى تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِّ إِلَى اللّهِ﴾. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: (١) راجع ((سنن أبي داود)) ٣٠٢/٦-٣٠٣. بنسخة ((عون المعبود)). (٢) ((فتح)) ٣٢٦/١٥. ٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٤٨٧/٣٣- وفي ((الكبرى)) ٥٦٥٤/٣٤ وفي ((التفسير)) ١١٥٧٠. وأخرجه (ق) في ((المقدّمة)) ١٨٨ وفي ((الطلاق)) ٢٠٦٣ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الظهار، وذلك لأن الآيات التي نزلت بسبب المجادلة بيّنت حكمه. (ومنها): بيان سبب نزول هذه الآيات، وهو أصحّ ما ذكر في سبب نزولها. (ومنها): أن فيه إثباتَ صفة السمع لله تعالى. قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((كتاب التوحيد)) من ((صحيحه)): ((باب وكان الله سميعًا بصيرًا)). قال ابن بطّال رحمه اللّه تعالى: غرض البخاريّ في هذا الباب الردّ على من قال: إن معنى ((سميع بصير)) عليم، قال: ويلزم من قال ذلك أن يسوّيه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء، ولا يراها، والأصمّ الذي يعلم أن في الناس أصواتًا، ولا يسمعها، ولا شك أن من سمع وأبصر أدخل في صفة الكمال ممن انفرد بأحدهما دون الآخر، فصحّ أن كونه سميعًا بصيرًا، يفيد قدرًا زائدًا على كونه علیمًا، وكونه سميعًا بصيرًا يتضمّن أنه يسمع بسمع، ويبصر ببصر، كما تضمّن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم، ولا فرق بين إثبات كونه سميعًا بصيرًا، وبين كونه ذا سمع وبصر. قال: وهذا قول أهل السنّة قاطبة انتهى. قال الحافظ: واحتجّ المعتزلة بأن السمع ينشأ عن وصول الهواء إلى العصب المفروش في أصل الصماخ، والله منزه عن الجوارح. وأجيب بأنها عادة أجراها الله تعالى فيمن يكون حيًّا، فيخلقه الله عند وصول الهواء إلى المحلّ المذكور، والله سبحانه وتعالى يسمع المسموعات بدون الوسائط، وكذا يرى المرئيّات بدون المقابلة، وخروج الشعاع، فذات الباري مع كونه حيًّا موجودًا، لا تشبه الذوات، فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصفات. وقال البيهقيّ في ((الأسماء والصفات)»: السميع من له سمع، يدرك به المسموعات، والبصير من له بصرّ يدرك به المرئيّات، وكلّ منهما في حقّ الباري سبحانه وتعالى صفة قائمة بذاته، وقد أفادت الآية، وأحاديث الباب الردّ على من زعم أنه سميعٌ بصيرٌ بمعنى عليم، ثم ساق حديث أبي هريرة تظفيه الذي أخرجه أبو داود بسند قويّ، على شرط مسلم، من رواية أبي يونس، عن أبي هريرة ◌ٍَّ رأيت رسول اللّه وَله يقرؤها -يعني قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها - إلى قوله تعالى -: إن الله ٧١= ٣٣- (بابُ الظِّهَارِ) - حديث رقم ٣٤٨٧ كان سميعًا بصيرًا﴾ ويضع إصبعه، قال أبو يونس: وضع أبو هريرة رَّه إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. قال البيهقيّ: وأراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع والبصر للَّه ببيان محلّهما من الإنسان، يريد أن له سمعًا وبصرًا، لا أن المراد به العلم، فلو كان كذلك لأشار إلى القلب؛ لأنه محلّ العلم، ولم يرد بذلك الجارحة، فإن اللَّه تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين. ثم ذكر لحديث أبي هريرة ◌َّ شاهدًا من حديث عقبة بن عامر رَظنّه: سمعت رسول اللّه وَله يقول على المنبر: ((إن ربّنا سميعٌ بصيرٌ، وأشار إلى عينيه)). وسنده حسن. ذكره في ((الفتح))(١). [تنبيه]: قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في ((تفسيره)) بعد أن أورد قضّة خولة المذكورة: ما نصّه: هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر، فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أمر بما أنزل اللَّه في هذه السورة، من العتق، أوالصيام، أو الإطعام، كما قال الإمام أحمد : ١٥٩٨٦ - حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر الأنصاري، قال: كنت امرأ، قد أوتيت من جماع النساء، ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان، تظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فَرَقًا من أن أصيب في ليلتي شيئا، فأتتابع في ذلك، إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر على أن أنزع، فبينا هي تخدمني، إذ تكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي، فأخبرتهم خبري، وقلت لهم: انطلقوا معي إلى النبي ◌َّر، فأخبره بأمري، فقالوا: لا والله لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول اللّه وَله مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت، فاصنع ما بدا لك، قال: فخرجت، فأتيت النبي وَلّره فأخبرته خبري، فقال لي: ((أنت بذاك؟))، فقلت: أنا بذاك، فقال: ((أنت بذاك؟))، فقلت: أنا بذاك، قال: ((أنت بذاك؟))، قلت: نعم، ها أنا ذا، فأمض فيّ حكم اللّه عز وجل، فإني صابر له، قال: ((عتق رقبة))، قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي، وقلت: لا، والذي بعثك بالحق ما، أصبحت أملك غيرها، قال: ((فصم شهرين))، قال: قلت: يا رسول الله، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: ((فتصدق))، قال: فقلت: والذي بعثك بالحق، لقد بتنا ليلتنا هذه، وَخْشَاء، ما لنا عشاء، قال: ((اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له، فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقا من تمر، ستين مسكينا، ثم استعن بسائره عليك (١) ((فتح) ٣٢٥/١٥. ((كتاب التوحيد)) . شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ وعلى عيالك))، قال: فرجعت إلى قومي، فقلت: وجدت عندكم الضيق، وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللَّه وَله السعة والبركة، قد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها لي، قال: فدفعوها إليّ(١). وهكذا رواه أبو داود، وابن ماجه، واختصره الترمذيّ، وحسّنه، وظاهر السياق أن هذه القصّة كانت بعد قصّة أوس بن الصامت، وزوجته خويلة بنت ثعلبة، كما دلّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمّل. انتهى كلام ابن كثير رحمه اللّه تعالى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٣٤- (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعِ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الخلع)) -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام- قال في ((المصباح)): خَلَعتُ النعل وغيره خَلْعًا، أي من باب نفع: نزعتُهُ، وخالعت المرأة زوجها مُخالعةً: إذا افتدت منه، وطلّقها على الفدية، فَخَلَها هو خَلْعًا، والاسم الْخُلْعُ بالضمّ، وهو استعارة من خَلَع اللباس؛ لأن كلّ واحد منهما لباس للآخر، فإذا فعلا ذلك فکان کلّ واحد نزع لباسه عنه. انتهى. وقال العينيّ رحمه الله تعالى: ما حاصله: ((الخلع)) -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام - مأخوذٌ من خَلَعَ الثوبَ والنعلَ، ونحوَهما، من باب نفع، وذلك لأن المرأة لباس الرجل، كما قال اللّه تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ﴾ الآية. وإنما جاء مصدره بضمّ الخاء تفرقةً بين الأجرام والمعاني، يقال: خلع ثوبه ونعله خَلْعًا - بفتح الخاء- وخلع امرأته خُلْعًا وخُلْعَةً - بالضمّ -. وأما حقيقته الشرعيّة، فهو فراق الرجل امرأته على عوض يحصل له. هكذا قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ))، وقال: هو الصواب. وقال كثير من الفقهاء: هو مفارقة الرجل امرأته على مال. وليس بجيّد، فإنه لا يشترط كون العوض في الخلع مالًا، فإنه لو خالعها بما لها عليه من دين، أو خالعها (١) حديث حسنٌ، كما قال الترمذيّ رحمه الله تعالى. (٢) ((تفسير ابن كثير)) ٣٤٢/٤. ((تفسير سورة المجادلة)). ٧٣ ٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِي الْخُلْعْ) - حديث رقم ٣٤٨٨ على قصاص لها عليه، فإنه صحيح، وإن لم يأخذ الزوج منها شيئًا، فلذلك عبّرت بالحصول، لا بالأخذ. انتهى ((عمدة القاري))(١). وقال في ((الفتح)): وذكر أبو بكر بن دُريد في ((أماليه)) أن أوّل خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظرب -بفتح المعجمة، وكسر الراء، ثم موحّدة- زوج ابنته من ابن أخيه عامر ابن الحارث بن الظرب، فلما دخلت عليه نفرت منه، فشكا إلى أبيها، فقال: لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها. قال: فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب انتهى. وأما أول خلع وقع في الإسلام فهو الآتي في الحديث الثاني، في قصّة حبيبة بنت سهل رضي اللّه تعالى عنها، فإنها أوّل مختلعة في الإسلام، كما أخرجه البزار من حديث عمر رزقي . كما سيأتي. ويُسمّى أيضًا فديةً، وافتداءً. وأجمع العلماء على مشروعيّته إلا بكر بن عبد الله المزنيّ التابعيّ المشهور، فإنه قال: لا يحلّ للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، فأوردوا عليه قوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِهُ﴾، فادعى نسخها بآية النساء(٢). أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه. وتُعُقّب مع شذوذه بقوله تعالى في النساء أيضًا: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوُ هَنِّيْئًا تَرًِّا﴾ الآية، وبقوله فيها: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ الآية، وبالحديث، وكأنه لم يثبت عنده، أو لم يبلغه، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة، وبآيتي النساء الآخرتين . وضابطه شرعًا فراق الرجل زوجته ببذل قابل للعوض، يحصل لجهة الزوج. وهو مكروه إلا في حال مخافة أن لا يقيما، أو أحدهما ما أمر به. وقد ينشأ ذلك عن كراهة العشرة، إما لسوء خَلْقٍ، أو خُلُق. وكذا ترفع الكراهة إذا احتاجا إليه خشية حنث يؤول إلى البينونة الكبرى. انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٤٨٨- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأْنَا الْمَخْزُومِيُّ -وَهُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، أَنَّهُ قَالَ: ((الْمُنْتَزِعَاتُ، وَالْمُخْتَلِعَاتُ، هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ)). قَالَ الْحَسِّنُ: لَمْ أَسْمَغَهُ مِنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (١) ((عمدة القاري)) ٤٢/١٧. ((باب الخلع)). (٢) يعني قوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهنّ قنطارًا، فلا تأخذوا منه شيئًا﴾)) الآية. (٣) (فتح)) ٤٩٦/١٠-٤٩٧ ((باب الخلع)). رقم ٥٢٧٣ . ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المترجم في الباب الماضي. ٢- (المغيرة بن سلمة المخزوميّ) أبو هشام البصريّ، ثقة ثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥ . ٣- (ُهيب) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبن، لكنه تغيّر قليلًا بآخره [٧] ٤٢٧/٢١. ٤- (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّن أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٥] ٤٨/٤٢ . ٥- (الحسن) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة فقيه فاضل مشهور، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] ٣٦/٣٢ . ٦- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غيرأنه منقطع على ما قاله المصنّف، وسيأتي تحقيق القول في ذلك عند شرح كلامه، إن شاء الله تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبي هريرة، فمدنيّ (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، أيوب، عن الحسن. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، أَنَّهُ قَالَ: ((الْمُنْتَزِعَاتُ) أي التي تنزع نفسها من يد زوجها بما تدفعه له من العوض، وهو بمعنى قوله (وَالْمُخْتَلِعَاتُ) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: يعني اللاتي يطلبن الخلع، والطلاق من أزواجهنّ بغير عذر، يقال: خَلَعَ امرأتَهُ خُلْعًا، وخالعها مخالعةٌ، واختلعت هي منه، فهي خالعٌ. وأصله من خلع الثوب. والخلع أن يطلّق زوجته على عوض، تبذُله له. وفائدته إبطال الرجعة إلا بعد عقد جديد. وفيه عند الشافعيّ خلافٌ، هل هو فسخٌ، أو طلاقٌ؟. وقد يُسمّى الخلع طلاقًا انتهى كلام ابن الأثير (١) (هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ) أي إنهنّ كالمنافقات في كونهنّ لا (١) ((النهاية)) ٦٥/٢. ٧۵ ٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِي الخُلع) - حديث رقم ٣٤٨٨ يحقّ لهنّ دخول الجثّة، مع من يدخلها أوّلًا، ففيه تحريم الخلع على المرأة من غير ضرورة. وقد أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذيّ بإسناد صحيح، عن ثوبان، تَ ◌ّه ، قال: قال رسول اللّه وَلير: ((أيما امرأة، سألت زوجها طلاقا، في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة)). والله تعالى أعلم. (قَالَ الْحَسَنُ) البصريّ رحمه اللّه تعالى (لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ) ولفظ ((الكبرى)): قال الحسن: لم أسمعه من أحد غير أبي هريرة)). يعني أنه لم يسمع هذا الحديث عن أبي هريرة رَّه بواسطة، بل إنما سمعته من نفسه. وهذا صريحٌ على أن الحسن سمع من أبي هريرة رضي ، خلافًا لكلام المصنف الآتي. وهذا الذي وقع في ((المجتبى))، و((الكبرى)) من نصّ كلام الحسن هو الصواب، وقد وقع عند الحافظ ابن حجر في ((الفتح))، و(التهذيب)) بلفظ: ((قال الحسن: لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث)). ووقع لابن حزم في ((المحلّى)) بلفظ: ((قال الحسن: لم أسمعه من أبي هريرة)). وكلاهما تصحيف، والصواب ما هنا، وسيأتي تمام البحث فيه في كلام العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى. (قَالَ أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللّه تعالى (الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه (شَيْئًا) وهذا الذي قاله المصنف رحمه الله تعالى، قاله غيره أيضًا، ومنهم أحمد، وأبو حاتم، وبهز بن أسد. وقال شعبة: قلت ليونس بن عبيد: سمع الحسن من أبي هريرة؟ قال: ما رآه قط. لكن السند الذي عند المصنّف رجاله كلهم ثقات أثبات، وهو صريح لا يقبل التأويل في أن الحسن سمع من أبي هريرة ◌َظاليه . ولقد أجاد البحث في هذه المسألة العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى فيما كتبه على ((مسند الإمام أحمد)) رحمه الله تعالى، وهاك نصّه: وقد تكلّم العلماء كثيرًا في سماع الحسن من بعض الصحابة، وأشرنا إلى بعض ذلك مرارًا، وممن تحدّثوا في سماعه منه، فأكثروا أبو هريرة، ونشير إلى أقاويلهم، ومن رواها: فروى ابن سعد في ((الطبقات)) ١١٥/١/٧ عن عليّ بن زيد بن جُذْعان، وعن يونس: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وروى ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) ص١٣ - ١٤ عن شعبة، قلت ليونس بن عُبيد: الحسن سمع من أبي هريرة؟ قال: لا، ولا رآه قط. وروى عن أيوب، وعليّ بن زيد، قالا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وروى عن بهز، أنه سئل عن الحسن: من لقي من أصحاب النبيّ وَّرَ؟ قال: سمع من ابن عمر ٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ حديثًا، ولم يسمع من أبي هريرة، ولم يره. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وسمعت أبا زرعة يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ولم يره. قلت له: فمن قال: حدثنا أبو هريرة؟ قال يُخطىء. ثم أشار ابن أبي حاتم إلى رواية ربيعة بن كلثوم لهذا الحديث الذي يأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى، والتي يقول فيها: سمعت الحسن يقول: حدّثنا أبو هريرة الخ، وأن أباه أبا حاتم قال: لم يعمل ربيعة بن كلثوم شيئًا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا. ثم قال: قلت لأبي إن سالمًا الخيّاط روى عن الحسن، قال: سمعت أبا هريرة؟ قال: هذا ما يبيّن ضعف سالم. وروى ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٤١/٢/١ عن أبيه أيضًا، قال أبي: قال بعضهم: عن الحسن: حدثنا أبو هريرة، قال ابن أبي حاتم إنكارًا عليه أنه لم يسمع من أبي هريرة. وقال ابن حبّان في ((كتاب الضعفاء)) ص٢٢٩ في ترجمة سالم بن عبد الله الخيّاط: يقلب الأخبار، ويزيد فيها ما ليس منها، يجعل روايات الحسن عن أبي هريرة سماعًا، ولم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا. قال: الشيخ أحمد شاكر: وأكثر هذه الروايات منقول في ((التهذيب)) في ترجمة الحسن، وهي -عندي- أقوال مرسلة على عواهنها، يقلّد بعضهم بعضًا، دون نظر إلى سائر الروايات التي تُثبت سماعه من أبي هريرة، ودون نظر إلى القواعد الصحيحة في الرواية : فإن الراجح عند أهل العلم بالحديث أن المعاصرة كافيةٌ في الحكم بالاتّصال، إلا أن یثبت في حدیث بعينه أن الراوي لم يسمعه ممن روى عنه، أو يثبت أنه كثير التدليس، والمتشدّدون - كالبخاريّ- يشترطون اللَّقِيّ، أي يثبت أن الراوي لقي من حدّث عنه، ولو أن يثبت ذلك في حديث واحد، فإذا ثبت اللَّقيّ حمل سائر الروايات على الاتصال، إلا أن يثبت أيضًا في حديث بعينه عدم سماعه. وأن الراوي الثقة إذا قال في روايته: حدّثنا، أو سمعت، أو نحو ذلك كان ذلك قاطعًا في لقائه من روى عنه، وفي سماعه منه، وكان ذلك كافيًا في حمل كلّ رواياته عنه على السماع، دون حاجة إلى دليل آخر، إلا فيما ثبت أنه لم يسمعه، وهذا شيء بديهيّ؛ لأن الراوي إذا روى أنه سمع من شيخه، مصرّحًا بذلك، ولم يكن قد سمع منه، لم يكن راويًا ثقة، بل كان كذّابًا لا يؤتمن على الرواية. أما معاصرة الحسن لأبي هريرة، فما أظنّ أن أحدًا يشكّ فيها، أو يتردّد، فأبو هريرة ٧٧ ٣٤- (بابُ مَا جَاءَ فِى الْخُلعْ) - حديث رقم ٣٤٨٨ مات سنة (٥٧هـ) وكانت سنّ الحسن إذ ذاك (٣٦) سنة. وأما من ادعى أن الحسن لم يلق أبا هريرة، فأنّى له أن يُثبت ذلك؟ وهو إنما يجزم بنفي مطلق، تنقضه الروايات الأخرى الثابتة التي إذا جُمعت، ونُظر فيها بعين الإنصاف، دون التكلّف والتمخل لم تدع شًا في ذلك. فروى ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) ص١٣ بإسناد صحيح عن شعبة، عن قتادة، قال: قال الحسن: إن والله ما أدركنا حتى مضى صدر أصحاب محمد الأول. قال قتادة: إنما أخذ الحسن، عن أبي هريرة، قلت له -القائل شعبة -: زعم زياد الأعلم أن الحسن لم يلق أبا هريرة؟ قال: لا أدري. وقتادة تابعيّ أيضًا، أصغر من الحسن، مات بعده بسبع سنين، وهو من أعلم أصحاب الحسن، كما قال أبو زرعة. وقال أبو حاتم في ((الجرح والتعديل)) ١٣٥/٢/٣: أكثر أصحاب الحسن قتادة، وأثبت أصحاب أنس الزهريّ، ثم قتادة. فهذا قتادة يجزم بأن الحسن إنما أخذ عن أبي هريرة، بكلمة عامّة مطلقة، يفهم سامعها أن الحسن أخذ عن أبي هريرة العلم، لا أنه أخذ منه حديثًا واحدًا، أو أحاديث معدودةً، وقتادة من أعلم الناس بالحسن، فأنّى تؤثّر كلمة زياد بن حسّان الأعلم التي اعترض بها شعبة بصيغة تُشعر بالتمريض؟ ولذلك لم يجد قتادة جوابًا إلا أن يقول: لا أدري، لا يريد بذلك أنه يشكّ فيما عرف عن شيخه، إنما يشكّ فيما زعم زياد الأعلم، ويوحي باستنكاره، ومن فهم غير هذا، فإنما يُخطىء مواقع الكلام. ثم قد جاءت روايات صحيحة فيها تصريح الحسن بالسماع من أبي هريرة، مجموعها لا يدع ارتيابًا في صحّة ذلك، وإن فرّقها العلماء في مواضع، وحاول بعضهم أن يتأول ما وقع إليه منها بما وقر في نفوسهم من النفي المطلق، حتى جعلوه جرحًا لبعض الرواة، كما صنع ابن حبّان - فيما حكينا عنه من قبل- في شأن سالم الخيّاط. ولكن الحافظ ابن حجر لم يستطع أمام بعض الروايات الثابتة، إلا أن ينقض هذا النفي المطلق بحديث واحد، لم يجد منه مناصًا، فقال في ((التهذيب)) ٢٦٩:٢ -٢٧٠ بعد ذكره ذلك الحديث: وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيّد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة. وقال في ((الفتح)) ٩/ ٣٥٤ في الحديث نفسه: وما المانع أن يكون سمع هذا منه فقط، وسنذكر كلامه مفصّلًا، واستدراكنا عليه فيما يأتي في هذا البحث، إن شاء الله. وقد جمعت ما استطعت مما صرّح فيه الحسن بالسماع من أبي هريرة، ولم أستقص، فما ذلك في مقدوري، ولكن فيما سأذكر مقنعٌ لمن شاء أن يقنع، والله وليّ التوفيق. ٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ ١- حديث هذا الباب الذي نشرحه (٧١٣٨) - يعني في ((مسند أحمد)» - رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١١٥/١/٧: أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا ربيعة بن كلثوم، قال: سمعت رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، يوم الجمعة يوم لثق وطين ومطر؟ فأبى عليه الحسن إلا الغسل، فلما أبى عليه قال الحسن: حدثنا أبو هريرة، قال: عهد إليّ رسول اللّه وَ له ثلاثًا: الغسل يوم الجمعة، والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر. وهذا هو الحديث أشار إليه ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) فيما نقلناه عنه آنفًا، أنه سأل عنه أباه؟ فقال أبوه أبو حاتم: لم يعمل ربيعة بن كلثوم شيئًا، لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا. وكيف كان هذا؟ لا أدري إنما هو نفي مطلقٌ، وتحكم ما بعده تحكّم. فربيعة بن كلثوم بن جبر ثقة، وثقه ابن معین، والعجليّ وغيرهما، وقال أحمد بن حنبل: صالحٌ، وللنسائيّ فيه قولان متقاربان: ليس به بأس، وليس بالقويّ. وترجمه البخاريّ في ((الكبير)) ٢٢٦/١/٢ فلم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم ٤٧٧/٢/١-٤٧٨ وروى توثيقه عن ابن معين، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وأخرج له مسلم في ((صحيحه)). فهذا إسنادٌ صحيح حجة في تصريح الحسن بسماعه من أبي هريرة، بل إن فيه قصّة تدلّ على تثبّت راويه، إذ شهد سؤال الرجل للحسن، وجواب الحسن إياه. وقد ذكر البخاريّ في ((الكبير)) ١٧/٢/٢ رواية ربيعة هذه بإشارته الدقيقة كعادته، حين أشار إلى روايات هذا الحديث، والخلاف بين رواته في غسل الجمعة، أو صلاة الضحى، وذلك في ترجمة سليمان بن أبي سليمان، فقال: وقال موسى: حدثنا ربيعة، عن الحسن، نا أبو هريرة ... نحوه، وقال الغسل يوم الجمعة. فموسى: هو ابن إسماعيل التبوذكيّ، شيخ البخاريّ، وربيعة هو ابن كلثوم، وهذه الرواية عند البخاريّ تؤيّد ما ذهبنا إليه من صحّة سماع الحسن من أبي هريرة، إذ من عادة البخاريّ أن يشير إلى العلة في الإسناد، أو في الراوي، إذا كان يرى علّة، أما وقد ساق هذا الإسناد، وفيه تصريح الحسن بالسماع من أبي هريرة، ولم يعقب عليه: فإنه يدلّ على صحّة سماعه منه عنده. ٢-وروى ابن سعد أيضًا: حدّثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا أبو هلال محمد بن سُليم، قال: سمعت الحسن يقول: كان موسى نبيّ اللَّه لا يغتسل إلا مستترًا، قال: فقال له عبد الله ابن بريدة: يا أبا سعيد، ممن سمعت هذا؟ قال: سمعته من أبي هريرة. وهذا إسناد صحيح، أبو هلال الراسبيّ محمد بن سُليم وثّقه أبو داود. وقال ابن معين: ليس به بأس، وليس بصاحب كتاب. وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٢٧٣/٢/٣ - ٢٧٤: قال أبي: أدخله البخاريّ في ((كتاب الضعفاء))، فسمعت ٣٤- (بابُ ما جاء في الخُلع) - حديث رقم ٣٤٨٨ ٧٩ أبي يقول: يُحوّل من ((كتاب الضعفاء))، وكلمة البخاري في ((الضعفاء)) ص٣١ هي كلمته في ((الكبير)) ١٠٥/١/١ قال: کان یحیی بن سعید لا يروي عنه، وابن مهديّ يروي عنه. قال أحمد شاكر: وعندي أن من تكلّم فيه إنما تكلّم في حفظه في روايته عن قتادة خاصّة، فقد روى ابن أبي حاتم، عن أبي بكر الأثرم، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن أبي هلال -يعني الراسبيّ؟- قال: قد احتُمل حديثه، إلا أنه يخالف في حديث قتادة، وهو مضطرب الحديث في قتادة. فهذا إسناد يصلح للاحتجاج به في سماع الحسن من أبي هريرة؛ لأن راويه أبا هلال الراسبيّ لم يروه عن قتادة الذي يضطرب روايته عنه، بل رواه عن الحسن، وسياق الرواية يدلّ على أنه حفظ القصّة، فذكرها مفصّلةً، وشهد عبد الله بن بُريدة، وهو يسأل الحسن: ممن سمعت هذا؟، وسمع جوابه: سمعته من أبي هريرة، ومثل هذا التفصيل يدلّ على توثّق الراوي مما سمع، وحفظه إياه. ٣- وروى ابن سعد أيضًا: أخبرنا معن بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: سمعت الحسن يقول: سمعت أبا هريرة يقول: ((الوضوء مما غيّرت النار)). قال: فقال الحسن: لا أدعه أبدًا. فهذا إسناد جيد، يصلح للمتابعات والشواهد على الأقلّ؛ لأن راویه محمد بن عمرو هو الأنصاريّ الواقفيّ، أبو سهل، ضعّفه يحيى القطّان، وغيره، ولكن ترجمه البخاريّ في ((الكبير)) ١٩٤/١/١، فلم يذكر فيه جرحًا، ولم يذكره هو ولا النسائيّ في ((الضعفاء))، واضطرب فيه ابن حبّان، فذكره في ((الثقات))، ثم أعاده في ((الضعفاء))، كما في ((التهذيب))، بل جزم ابن حزم في ((المحلّى)) بتوثيقه، فروى ٢٥٦/٤ حديثًا آخر من طريقه، ثم قال: وأبو سهل محمد بن عمرو الأنصاريّ، ثقة، روى عنه ابن مهديّ، ووكيع، ومعمرٌ، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم. وروى الإمام أحمد في ((المسند» - ٨٧٢٧ -: حدّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدّثنا عبّاد بن راشد، حدّثنا الحسن، حدّثنا أبو هريرة، إذ ذاك، ونحن بالمدينة ... فذكر حديثًا. ثم قال عبد الله بن أحمد عقب روايته: ((عباد بن راشد ثقة))، ولكن لم يسمع الحسن من أبي هريرة. ونقله ابن كثير في («تفسيره)) ٢/ ١٨٠-١٨١ عن ((المسند)) مع استدراك عبد الله بن أحمد. وروى الطيالسيّ قطعة منه في ((مسنده)) - ٢٤٧٢ - قال: حدّثنا عبّاد بن راشد، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا أبو هريرة، ونحن بالمدينة. ولم يستدرك الطيالسيّ عقبه بشيء. ٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الطَّلَاقِ فهذا الاستدراك من عبد الله بن أحمد، ومثله فيما سيأتي استدراك النسائيّ من أعجب ما رأيت من دون دليل، إلا التقليد الصرف. عبّاد بن راشد التميميّ البصريّ، ثقة، قال أحمد بن حنبل: شيخ ثقة صدوق صالح. ووثقه العجليّ، والبزّار، وغيرهما، وضعفه أبو داود وغيره، وذكره البخاريّ في (الضعفاء)) ص٢٣ وقال: روى عنه ابن مهديّ، يهم شيئًا، وتركه يحيى القطّان. فقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ٧٩/١/٣: سألت أبي عن عباد بن راشد؟ فقال: صالح، وأنكر على البخاريّ إدخال اسمه في ((كتاب الضعفاء»، وقال: يُحوّل من هناك، ومع ذلك فقد روى له البخاريّ في ((صحيحه))، وزعم الحافظ في ((التهذيب)) ٥/ ٩٢ أنه روى له مقرونًا بغيره، وحديثه عند البخاريّ ١٤٣/٨ غير مقرون بأحد، وقد غيّر الحافظ العبارة في ((مقدّمة الفتح)) ص٤١٠، فقال: له في (الصحيح)) حديث واحد في تفسير سورة البقرة بمتابعة يونس له، والمتابعة التي أشار إليها جاء بها البخاريّ معلّقة عقب رواية عبّاد، وليس التعليق عند البخاريّ كالموصول، فرواية عباد عنده في ذلك أصل. فالراوي الثقة عند أحمد، وابنه عبد الله، يروي عن الحسن سماعًا منه أنه قال: حدّثنا أبو هريرة إذ ذاك، ونحن بالمدينة، ثم لا ينفرد بتصريح الحسن بالسماع من أبي هريرة، بل يتابعه فيه ثقات آخرون، ممن ذكرنا قبل، وممن نذكر بعد، ثم يقال: ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، لا أدري ماذا أقول؟ إلا أن أستغفر لمن صنع هذا، فأخطأ، رحمنا الله وإياهم. ٥- وروى النسائيّ ٢/ ١٠٤: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الى آخر حديث الباب. ثم عقّب النسائيّ على هذا الحديث بقوله: قال أبو عبد الرحمن: لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا. قال ابن شاكر: وهذا هو الاستدراك الآخر بالعسف والتحكم الذي أشرنا إليه آنفًا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، لا مطعن في أحد من رواته يصرّح فيه الحسن بأنه لم يسمعه من غير أبي هريرة، ثم يقال من غير دليل، ولا حجة: لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئًا. قال: وكلمة الحسن التي في رواية النسائيّ قاطعة في إثبات سماعه من أبي هريرة، دون حاجة إلى دليل آخر، ومع ذلك فقد تأيّدت صحّتها بما سُقنا من الروايات قبل. وهي ثابتة بهذا النصّ حرفيًّا في طبعة مصر -كما ذكرنا- وفي طبعة الهند ص ٥٤٧ وفي المخطوطتين اللتين عندي، وإحداهما نسخة الشيخ عابد السنديّ، وهي موثقة التصحيح، كما قلنا مرارًا.