Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ ==
٧٩- (الْبِنَاءُ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ٣٣٨١
[الأول]: يجوز أن يكون أذن له في أخذ الجارية على سبيل التنفيل له، إما من أصل
الغنيمة، أو من خمس الخمس، سواء كان قبل التمييز، أو بعده.
[الثاني]: يجوز أن يكون أذن له على أنه يحسب من الخمس إذا ميز.
[الثالث]: يجوز أن يكون أذن له ليقوم عليه بعد ذلك، ويُحسب من سهمه انتهى(١).
(فَأَخَذَ صَفِيَّةً) -بفتح الصاد المهملة (بِثْتَ حُبِيٍّ) بضم الحاء المهملة، وكسرها،
وفتح الياء الأولى المخفّفة، وتشديد الثانية - ابن أخطب بن سَعْيَةً -بفتح السين، وسكون
العين المهملتين، وفتح الياء التحتانيّة- ابن سفلة بن ثعلبة، وهي من بنات هارون بن
عمرانعليَّلَهُ، وأمها برّة بنت سَمَوأل(٢) وكانت تحت سَلّام بن مشكم القرظيّ، ثم
فارقها، فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الْحُقيق -بضم المهملة، وفتح القاف الأولى-
النَّضِيريّ، فقتل عنها يوم خيبر(٣) .
قال الواقديّ: ماتت في خلافة معاوية رَمث سنة خمسين. وقال غيره: ماتت في
خلافة عليّ رَزافي سنة ست وثلاثين، ودُفنت بالبقيع.
(فَجَاءَ رَجُلٌ) لم يعرف اسمه (إِلَى النَِّّ ◌ِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِخْيَةَ صَفِيَّةً
بِنْتَ حُبِيٍّ، سَيْدَةَ قُرَيْظَةَ) -بضم القاف، وفتح الراء، مصغّرًا (وَالنَّضِيرِ) بفتح النون،
وكسر الضاد- قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى
هارون :غَلَِّ (مَا تَضْلُحُ) - بفتح اللام، وضمّها، يقال: صَلَحَ الشيءُ صُلُوحًا، من باب
قَعَدَ، وصلاحًا أيضًا، وصَلُحَ بالضمّ لغةٌ، وهوِ خلاف فسَدَ، وصَلَحَ يَصلَح، بالفتح
فيهما، من باب نفع لغة ثالثة. أفاده الفيّوميّ (إِلَّا لَكَ، قَالَ) بَرِ (ادْعُوهُ بِهَا) أي ادعو
دحية مع صفيّة، فالباء بمعنى ((مع))، أو المعنى ادعوه يأتي بها، ويؤيّده قوله (فَجَاءَ بِّهَا)
معطوف على محذوف، أي فدُعي، فجاء بصفيّة (فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((خَذْ
جَارِيَةٌ مِنَ السَّبِي غَيْرَهَا)) ) أي غير صفيّة رضي اللَّه تعالى عنها. قال الكرمانيّ رحمه الله
تعالى: [فإن قلَت]: لَمّا وهبها لدحية، فكيف رجع عنها؟ [قلت]: إما لأنه لم يتمّ عقد
الهبة بعدُ، وإما لأنه أبو المؤمنين، وللوالد أن يرجع عن هبته للولد، وإما لأنه اشتراها
منه انتهى .
قال العينيّ رحمه اللّه تعالى: أجاب الكرمانيّ بثلاثة أجوبة: الأول فيه نظر؛ لأنه لم
يجر عقد هبته حتى يقال: إنه رجع عنها، وإنما أعطاها إياه بوجه من الوجوه التي
(١) ((عمدة القاري)) ٣٢٦/٣.
(٢) وفي ((الفتح)) ((شموال)) بالمعجمة.
(٣) ((فتح)) ٢٤٥/٨. ((المغازي)).
١٤٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّاح
ذكرناها عن قريب. الثاني فيه نظرٌ أيضًا؛ لأنه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مذهبه هو الصحيح في مسألة جواز رجوع الوالد فيما
وهبه لولده؛ لصحة الأحاديث بذلك، كما سيأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.
قال: الثالث ذكر أنه اشتراها منه، أي من دحية، ولم يجر بينهما عقد بيع أوّلًا،
فکیف اشتراها منه بعد ذلك.
[فإن قلت]: وقع في رواية مسلم أن النبيّ وَّله اشترى صفيّة منه بسبعة أرؤس.
[قلت]: إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز؛ لأنه لما أخذها منه على الوجه
الذي نذكره الآن، وعوّضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرّم والفضل أطلق الراوي
الشراء عليه لوجود معنى المبادلة فيه.
وأما وجه الأخذ فهو أنه لما قيل له: إنها لا تصلح له من حيث إنها من بيت النبوة،
فإنها من ولد هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام، ومن بيت الرياسة، فإنها من
بيت سيّد قُريظة والنضير، مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدّية
إلى كثرة النسل، وإلى جمال الولد، لا للشهوة النفسانيّة، فإنه ◌َّ معصومٌ منها.
وعن المازريّ: يُحمل ما جرى مع دحية على وجهين: أحدهما: أن يكون رد
الجارية برضاه، وأذن له في غيرها. الثاني: أنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي،
لا في أخذ أفضلهنّ، ولَمّا رأى أنه أخذ أَنْفَسَهنّ، وأجودهنّ نسبًا وشرفًا وجمالًا
استرجعها؛ لئلا يتميّز دحية بها على باقي الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه، فقطع
هذه المفاسد، وعوّضه عنها. وفي سيرة الواقديّ: أنه وَلير أعطاه أخت كنانة بن الربيع
ابن أبي الْحُقَيق، وكان كنانة زوج صفيّة، فكأنه وَلّ طيّب خاطره لما استرجع منه صفيّة
بأن أعطاه أخت زوجها. وقال القاضي عياض: الأولى عندي أن صفيّة كانت فيئًا؛ لأنها
كانت زوجة كنانة بن الربيع، وهو وأهله من بني الحقيق، كانوا صالحوا رسول الله
څے، وشرط علیھم أن لا یکتموا کنزًا، فإن کتموه، فلا ذمّة لهم، وسألهم عن كنز حييّ
ابن أخطب، فكتموه، فقالوا: أذهبته النفقات، ثم عثر عليه عندهم، فانتقض عهدهم،
فسباهم، وصفيّة من سبيهم، فهي فيء، لا يُخمس، بل يفعل فيه الإمام ما رأى.
قال العينيّ: هذا يتفرّع على مذهبه أن الفيء لا يُخمس، ومذهب غيره أنه يخمس.
انتھی(١).
وقال أبو العباس القرطبيّ -بعد ذكر نحو ما تقدّم -: وحَذَارٍ من أن يَظُنّ جاهل
(١) راجع ((عمدة القاري)) ٣٢٦/٣-٣٢٧.
١٤٣
٧٩- (البناءُ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ٣٣٨١
برسول اللّه ◌َ ليل أن الذي حمله على ذلك غلبة الشهوة النفسانيّة، وإيثار اللذّة الجسمانية،
فإن ذلك اعتقاد يجرّه جهل بحال النبيّ وَلّر، وبأنه معصوم من مثل ذلك، إذ قد أعانه
الله تعالى على شيطانه، فأسلم، فلا يأمره إلا بخير، وقد نزع الله من قلبه حظّ
الشيطان، حيث شقّ قلبه، فأخرجه منه، وطهره، وملأه حكمة وإيمانًا، وإنما الباعث له
على اختيار ما اختاره من أزواجه ما ذكرتُ لك، وما في معناه. انتهى(١).
(قَالَ: وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ◌ِّهِ، أَعْتَقَهَا) أي فأعتق النبيّ نَّهِ صفيّة رضي اللَّه تعالى عنها
(وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِتْ) أي البنانيّ الراوي عن أنس ◌َّهِ (يَا أَبَا حَمْزَةَ) كنية أنس
رَِّ (مَا أَصْدَقَهَا) ((ما)» استفهاميّة، أي أيَّ شيء أعطاها مهرًا في زواجها (قَالَ:) أنس
رَِّ (نَفْسَهَا) بالنصب مفعولًا لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال: أي أصدقها نفسها (أَعْتَقَهَا)
جملة في محلّ نصب على الحال (وَتَزَوَّجَهَا، قَالَ) أنسٌ رَّهِ (حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ)
وفي رواية في ((الصحيح)): ((فخرج بها حتى إذا بلغ سدّ الرَّوْحاء)) و((السدّ)) بفتح السين
وضمّها، وهو جبل الرَّوحاء، وهي قرية جامعة من عمل الْفُرْع لمزينة، على نحو أربعين
ميلًا من المدينة، أو نحوها. و((الرَّوحاء)) بفتح الراء، والحاء المهملة ممدود. وفي
رواية: ((أقام عليها بطريق خيبر ثلاثة أيام حين أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها
الحجاب)). وفي رواية: ((أقام بين خيبر والمدينة ثلاثة أيام، فبنى بصفيّة)) (جَهَّزَتَهَا لَهُ أُمُّ
سُلَيْم) أي هيئتها، وأصلحتها لأجل النبيّ وَّر. وأم سليم بنت مِلْحان هي والدة أنس
رضيّ اللّه تعالى عنهما (فَأَهْدَثَهَا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ) أي زَفْت أم سليم صفيّة إلى النبيّ وَّر .
وفي رواية ((فهدتها له))، قيل: هو الصواب.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: بل الصواب جواز الوجهين، فقد قال الفيوميّ:
وهَدَيتُ الْعَرُوس إلى بَعْلها هِدَاءٌ بالكسر والمدّ، فهي هَدِيٍّ، وهَدِيّةٌ، ويُبْنَى للمفعول،
فيقال: هُدِيَتْ فهي مَهْدِيَةٌ، وأهديتها بالألف لغة قيس عَيْلَانَ فهي مُهْدَاةٌ انتهى (٢).
(فَأَصْبَحَ عَرُوسًا) - بفتح العين المهملة، على وزن فَعُول- يستوي فيه الرجل والمرأة
ما داما في إعراسهما، يقال: رجل عَرُوس، وامرأةٌ عَرُوس، وجمع الرجل عُرُسٌ،
والمرأة عَرَائس، وفي المَثَل: كاد العَرُوس أن يكون مَلِكًا. وقول العامّة: العَرُوس
للمرأة، والْعَرِيس للرجل ليس له أصل. قاله العينيّ(٣).
(قَالَ) بِِّ (مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَلْيَجِئ بِهِ) كذا في رواية البخاريّ، قال النوويّ:
(١) ((المفهم)) ١٤٠/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٦/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ٣٢٧/٣.
١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
وهو رواية، وفي بعضها: ((فليجئني به)) بنون الوقاية (قَالَ: وَبَسَطَ) بفتح السين المهملة،
من باب نصر (نِطَّعًا) قال الفيّوميّ: ((النَّطْعُ: المتّخذ من الأديم معروفٌ، وفيه أربع
لغات: فتح النون، وكسرها، ومع كلّ واحد فتح الطاء، وسكونها، والجمعُ أَنْطَاعٌ،
ونُطُوع انتھی.
وقال السيوطيّ في ((شرحه)): فيه أربع لغات مشهورات: فتح النون، وكسرها، مع
فتح الطاء، وإسكانها، أفصحهنّ كسر النون، وفتح الطاء.
(فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْأَقِطِ) قال الأزهريّ: ((الأقط)): ما يُتَّخذُ من اللبن الْمَخِيض
يُطْبَخ، ثمّ يُتْرَك حتّى يَمْصُل(١)، وهو -بفتح الهمزة، وكسر القاف، وقد يُسَكَّنُ القاف
للتخفيف، مع فتح الهمزة، وكسرها، مثلَ تخفيف كَبِدٍ. قاله الصغانيّ عن الفرّاء انتهى
(وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، فَحَاسُوا حَيْسَةٌ) أي خلطوا
بين كلّها، وجعلوه طعاما واحدًا.
و((الْحَيْسُ)) -بفتح الحاء المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره سين
مهملة -: هو تمرّ يُخلَط بسمن وأقط، يقال: حاس الحيس يَجِيسه: أي يخلطه. وقال
ابن سيده: الْحَيْسُ هو الأَقِطُ يُخلَط بالسمن والتمر، وحاسه حَيْسًا وحَيْسَةً: خَلَطَه، قال
الشاعر [من الكامل]:
وَإِذَا تَكُونُ كَرِيبَةٌ أُدْعَى لَهَا وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ
قال الجوهريّ: الْحَيْسُ: الخَلْطُ، ومنه سُمّي الحيس، وفي ((المخصّص)) قال الشاعر:
الثَّمْرُ والسَّمْنُ جَميعًا وَالأَقِطْ الْحَيْسُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِطْ
وفي الغريبين: هو ثريد من أخلاط. قال الفارسيّ في ((مجمع الغرائب)): اللَّه أعلم
بصحته(٢)
(فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَيَ) اسم ((كانت)) الضمير الذي فيه يرجع إلى الأشياء
الثلاثة التي اتخذ منها الحيس، و((وليمةً)) بالنصب خبرها. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(١) في ((المصباح)): ((الْمَصْلُ)) مثالُ فَلْس: عُصَارة الأَقِطِ، وهو ماؤه الذي يُعصَر منه حين يُطبخ. اهـ.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٢٧/٣.
١٤٥=
٧٩- (البناءُ فِي السّفر) - حدیث رقم ٣٣٨٢
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٨١/٧٩ و٣٣٨٢ و٣٣٨٣ وفي ((الطهارة)) ٦٩/٥٥ و((الصيد
والذبائح)) ٤٣٤١/٣١ - و((الكبرى)) ٥٥٧٦/٩٤ و٥٥٧٧ و٦٤/٤٥. وأخرجه (خ) في
(الجهاد)) ٢٩٩١ و((المغازي)) ٤١٩٨ و٤١٩٩ و((الذبائح والصيد)» ٢٥٥٢٨ (م) في
((الذبائح والصيد)) ١٩٤٠ (ق) في ((الذبائح)) ٣١٩٦ (أحمد) في ((مسند المكثرين))
١١٦٧٦ و١١٧٣٠ و١١٨٠٧ و١٢٢٦٠ (الدارمي) في ((الأضاحيّ)) ١٩٩١. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة البناء في السفر.
(ومنها): جواز إطلاق صلاة الغداة على صلاة الصبح؛ خلافًا لمن كره ذلك. (ومنها):
جواز الإرداف، إذا كانت الدّابَة مُطيقةً، وقد ورد فيه غير حديث. (ومنها): استحباب
التكبير والذكر عند الحرب، وهو موافقٌ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً
فَأَتْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الأنفال: ٤٥]. (ومنها): استحباب التثليث في
التكبير؛ لقوله: ((قالها ثلاثًا)). (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الفخذ ليس بعورة، وقد
تقدّمت مباحثه في ((كتاب الصلاة)). (ومنها): مشروعيّة إجراء الخيل، وأنه لا يُخلّ بمراتب
الكبار، لا سيّما عند الحاجة، أو لرياضة الذّابة، أو لتدريب النفس على القتال. (ومنها):
استحباب عتق الأمة، وتزوّجها، وقد تقدّمت مباحثه مستوفاةً في -٣٣٤٥/٦٥ - باب «عتق
الرجل جاريته، ثم يتزوّجها)). (ومنها): مشروعيّة زفاف العروس ليلًا. (ومنها): أن فيه
مطلوبيّة ولیمة العرس، وکونها بعد الدخول، وقدم البحث عنه قريبًا. (ومنها): أن فيه إدلال
الكبير على أصحابه، وطلب الطعام منهم في نحو هذا. (ومنها): أنه يستحبّ لأصحاب
الزوج، وجيرانه مساعدته في الوليمة بما يتيسّر لهم من الطعام وغيره. (ومنها): أن الوليمة
تكون بما تيسّر، ولا يُشترط كونها شاة، بل ذلك لمن تيسّر له. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٨٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
بَكْرِ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْتِى، عَنْ حُمَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسّا،
يَقُولُ: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّه أَقَامَ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيْ بْنِ أَخْطَبَ، بِطَرِيقٍ خَيْبَرَ، ثَلاثَةَ
أَيَّام، حِينَ عَرَّسَ بِهَا، ثُمَّ كَانَتْ فِيمَنْ ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ)) ).
"قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن نصر)) الفرّاء النيسابوريّ، ثقة [١١] ٨/
٣٢٢٤ من أفراد المصنّف، والباقون كلهم رجال الصحيح. و((أيوب بن سليمان)): هو
١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
ولد سليمان بن بلال شيخ أبي بكر في هذا السند، ثقة [٩] ٥٥٨/٣٠. و((أبو بكر بن
أبي أويس)): هو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحيّ المدنيّ، ثقة
[٩] ٥٥٨/٣٠. ((وسليمان بن بلال)): هو القرشيّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقة [٨] ٥٥٨/٣٠. و((يحيى)): هو ابن سعيد الأنصاريّ المدنيّ الثقة الفقيه.
و((حميد)) : هو ابن أبي حميد الطويل البصريّ الثقة العابد.
وقوله: ((أقام على صفية بنت حُيي الخ)) وفي رواية البخاريّ: ((أقام على صفية بنت
حيي بطریق خیبر ثلاثة أيام حتى أعرس بها)).
قال في ((الفتح)) : المراد أنه أقام في المنزلة التي أعرس فيها ثلاثة أيام، لا أنه سار
ثلاثة أيام، ثم أعرس؛ لأن في حديث سُويد بن النعمان المذكور في أول غزوة خيبر أن
الصهباء قريبة من خيبر، وبيّنَ ابن سعد في حديثٍ ذَكْرَهُ في ترجمتها أن الموضع الذي
بنى بها فيه بينه وبين خيبر ستة أميال. وقد ذكر في الطريق التي قبل هذه أنه ويناير أعرس
بصفية بسدّ الصهباء، وهو يبيّن المراد من قوله: ((بطريق خيبر))، وكذا قوله في الطريق
الثالثة: ((أقام بين خَيْبَرَ والمدينة ثلاث ليال))، ولا مغايرة بينه وبين قوله في التي قبلها
ثلاثة أيام لأنه يبيّن أنها ثلاثة أيام بليالها انتهى(١).
وقوله: ((حین عرّس بها)) هكذا نسخ ((المجتبى))، و((الكبرى)) ((عرّس)) من التعريس،
والمشهور في كتب اللغة: ((أعرس بالمرأة)) بالألف: إذا دخل بها، و((عرّس بالمكان)) -
بالتشديد -: إذا نزل به آخر الليل.
قال الفيّومي: وأعرس بامرأته بالألف: دخل بها، وأعرس: عَمِلَ عُرْسًا، وأما عَرَّسَ
بامرأته بالتثقيل على معنى الدخول، فقالوا: هو خطأ، وإنما يقال: عَرَّسَ: إذا نزل
المسافر؛ ليستريح نَزْلةً، ثم يرتحل، قال أبو زيد، وقالوا: عَرَّسَ القوم في المنزل
تعريسًا: إذا نزلوا أيَّ وقت كان من ليل، أو نهار، فالإعراس دخول الرجل بامرأته،
والتعريس نُزول المسافر ليستريح انتهى (٢).
وقوله: ((صفيّة بنت حُتَّيّ)) قال النوويّ: والصحيح أن هذا كان اسمها قبل السبي.
وكان اسمها زينب، فسمّيت بعد السبي، والاصطفاء صفيّة. وحُييّ بضم الحاء،
و کسرها.
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) ((فتح)) ٢٥٩- ٢٦٠ ((كتاب المغازي)).
(٢) ((المصباح المنير)).
١٤٧
٧٩- (الْبِنَاءُ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ٣٣٨٣
٣٣٨٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ
أَنَسِ، قَالَ: ((أَقَامَ النَِّيِّ نَّهِ، بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثًا، يَبْنِي(١) بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُنِيٍّ،
فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزِ، وَلَا لَحْمِ، أَمَرَ بِالْأَنْطَّاعِ، وَأَلْقَى
عَلَيْهَا مِنَ الثَّمْرِ، وَالْأَقِطِ، وَالسَّمْنِ، فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِحْدَىَ أُمَّهَاتِ
الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ
يَخْجُبْهَا فَهِيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ
النَّاسِ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسماعيل)): هو ابن أبي كثير المدنيّ. والإسناد من
رباعيات المصنّف، وهو (١٧٥) من رباعيات الكتاب.
وقوله: ((إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين الخ)) قال النووي رحمه الله تعالى:
استدلّت به المالكيّة، ومن وافقهم على أنه يصحّ النكاح بغير شهود، إذا أُعلن؛ لأنه لو
أشهدلم يخف عليهم. وهذا مذهب جماعة من الصحابة، والتابعين، وهو مذهب
الزهريّ، ومالك، وأهل المدينة، شرطوا الإعلان، دون الشهادة. وقال جماعة من
الصحابة، ومن بعدهم: تشرط الشهادة، دون الإعلان، وهو مذهب الأوزاعيّ،
والثوريّ، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وكلّ هؤلاء يشترطون شهادة
عدلين، إلا أبا حنيفة، فقال: ينعقد بشهادة فاسقين، وأجمعت الأمة على أنه لو عقد
سرًّا، بغير شهود لم ينعقد، وإما إذا عقد سرًّا بشهادة عدلين، فهو صحيح عند
الجماهير. وقال مالك: لا يصحّ. والله أعلم انتهى كلام النوويّ(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد سبق تحقيق القول في المسألة، وأن الصحيح قول
من قال بوجوب الإعلان؛ لصحّة الأدلة على ذلك. والله تعالى أعلم.
والحديث متفقٌ عليه، وسبق الكلام عليه قريبًا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)).
(١) وفي نسخة: ((بنى)).
(٢) (شرح النووي على صحيح مسلم)) ٢٢٨/٩-٢٢٩.
١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ
٨٠- (اللَّهُوُ وَ الْغِنَاءُ عِنْدَ الْعُرْسِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((اللَّهو)): معروف، يقول أهل نَجْد: لَهَوتُ عنه أَلْهُو
لُهِيًّا، والأصل على فُعُولٍ، من باب قَعَدَ، وأهل العالية: لَهِيتُ عنه أَلْهَى، من باب تَعِبَ،
ومعناه السُّلْوَان والتّركُ، ولَهَوْتُ به لَهْوًا، من باب قَتَلَ: أُولِعْتُ به، وتلهّيتُ به أيضًا. قال
الطُّرْطُوشيُّ، وأصل اللَّهو: الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة. قاله الفيوميّ.
و((الغِنَاء)): بكسر المعجمة، وزان كتاب: الصوت، وقياسه الضمّ؛ لأنه صوت.
قاله الفيّوميّ أيضًا. وقال في ((اللسان)): ((الغِناء)) من الصوت: ما طُرِّب به، قال حُميد
ابن ثور [من الطويل]:
عَجِبْتُ لَهَا أَنَّى يَكُونُ غِنَاؤُهَا فَصِيحًا وَلَمْ تَفْغَرْ بِمَنْطِقِهَا فَمَا (١)
و(الْعُرْسُ)) -بضمَّ، فسكون، أو بضمّتين -: مِهْنَةُ الإملاك، والبناء. وقيل: طعامه
خاصّةٌ، أُنثى، تؤنّثها العرب، وقد تُذَكَّرُ، قال الراجز:
إِنَّا وَجَذْنَا عُرُسَ الْحَنَّاطِ لَئِيمَةً مَذْمُومَةٌ الْحُوَّاطِ
نُذْعَى مَعَ النَّسَّاجِ وَالْخَيَّاطِ
وتصغيرها بغير هاء، وهو نادرٌ؛ لأن حقّه الهاء، إذَهو مؤنّثٌ على ثلاثة أحرف. قاله
في ((اللسان))(٢). واللَّه تعال أعلم بالصواب.
٣٣٨٤- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ
سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي مَسْعُودِ الْأَنْصَارِيِّ، فِي عُرْسٍ، وَإِذَا جَوَارٍ
يُغَنِينَ، فَقُلْتُ: أَنْتُمَا صَاحِبَا رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، وَمِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ، فَقَالًا:
اجْلِسْ إِنْ شِئْتَ، فَاسْمَعْ مَعَنَا، وَإِنْ شِئْتَ اذْهَبْ، قَدْ رُخّصَ لَنَا فِي اللَّهْوِ عِنْدَ الْعُرْسِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عليّ بن حُجر) السّعْديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/١٣.
٢- (شريك) بن عبد الله النخعيّ القاضي بالواسطة، ثم الكوفة، أبو عبد الله
الكوفي، صدوق يخطىء كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا
فاضلاً عابدًا شديدًا على أهل البدع [٨] ٢٩/٢٥.
(١) ((لسان العرب)) ١٣٩/١٥.
(٢) ((لسان العرب)) ١٣٤/٦.
١٤٩
٨٠- (اللَّهْوُ وَ الغِنَاءُ عِنْدَ العُزْس) - حديث رقم ٣٣٨٤
٣- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله بن السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، اختلط بآخره
[٣] ٤٢/٣٨ .
٤- (عامر بن سعد) البجليّ، مقبول [٣] ١٩٣٣/٥٠ .
٥- (قَرَظَةَ بْنِ كَغْب) -بفتح القاف، والراء- ابن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الإطنابة
الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عمرو، حليف بني عبد الأشهل، وشهد أحدًا، وما بعدها،
وهو أحد العشرة الذين وَجَّهَهم عمر إلى الكوفة من الأنصار، وعلى يده كان فتحُ الرّيّ،
وولّاء عليّ الكوفة، وتُوفّي بها في ولايته. وقيل: في إمرة المغيرة بن شعبة. روى عن
النبيّ ◌َّر، وعن عمر بن الخطّاب. وعنه الشعبيّ، وعامر بن سعد البَجَلَيّ. انفرد به
المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وعند ابن
ماجه حديث عمر رَّ: ((إنكم تَقدَمُون على قوم القرآن في صدورهم ... )) الحديث.
٦- (أبو مسعود الأنصاريّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ
الشهير، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، تقدّم في ٦/ ٤٩٤ . والله تعالى أعلم
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير قرظة بن كعب، فقد تفرّد به المصنّف وابن ماجه. (ومنها): أنه
مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ) البَجَليْ، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى قَرَظَةَ) -بفتحات- (ابن كَعْب)
الأنصاريّ الخزرجيّ (وَأَبِي مَسْعُودِ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ رَّه
(فِي عُزسٍ) تقدّم أنه اسم للإملاك، والبناء، أو للطعام المصنوع له (وَإِذَا) هي ((إذا))
الفُجائية، أي ففاجأني وجود (جَوَار) جمع جارية، وهي الإماء، وفي نسخة: ((جواري))
بإثبات الياء، والأول هو الموافق للقاعدة، لأن الياء تحذف لالتقائها مع التنوين.
وأصل الجارية هي السفينة، سمّيت به لجريها في البحر، ثم سميت به الأمة؛ على
التشبيه بها ؛ لجريها مُستسخَرَةً في أَشْغال مواليها، والأصل فيها الشّابَّةُ؛ لخفّتها، ثم
توسّعوا حتى سَمُوا كلّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزًا لا تقدر على السعي؛ تسميةً بما
كانت عليه. أفاده الفيّوميّ (١) (يُغَنِينَ) جملة في محلّ رفع صفة لـ ((جوار))، وتقدّم قريبًا
معنى الغِنَاء (فَقُلْتُ: أَنْتُمَا صَاحِبَا رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، وَمِنْ أَهْلِ بَذْرٍ، يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ)
(١) ((المصبح المنير" ٩٨/١.
١٥٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النَّاحِ
بتقدير الاستفهام، أي أيُفعل هذا الفعل بحضوركم، إنما قال ذلك، على سبيل
الاستغراب، والتعجّب؛ لظنّه غِناء الجواري من المنكرات، وأن مقامَهُما يَجِلّ عن إقرار
مثل ذلك (فَقَالًا) وفي بعض النسخ: ((فقال)) بالإفراد، أي قال كلّ واحد منهما (اجْلِسُ
إِنْ شِئْتَ، فَاسْمَعْ مَعَنَا، وَإِنْ شِئْتَ اذْهَبْ، قَدْ رُخْصَ لَنَا فِي اللَّهُوِ عِنْدَ الْعُرْسِ) -
بضمّتين، أو بضمّ، فسكون- تقدّم معناه قريبًا. حاصل جوابهما أن هذا ليس من الغناء
المحرّم، بل هو رُخّص في مثل هذه المناسبة، حيث يُطلب إشهار النكاح، وإعلانه؛
تمييزًا بينه، وبين السّفاح، فلا ينبغي أن تنكر علينا، بل إن أعجبك، فاجلس معنا،
واستمع، وإلا فاذهب حيث شئت.
وهذا الحديث، وأمثاله يُبيّن المراد من الصوت الوارد عند النكاح. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث قَرَظة بن كعب، وأبي مسعود رضي اللَّه تعالى عنهما هذا حديث حسنٌ.
(المسألة الثانية): في حكم الغناء عند العُرس:
أخرج البخاريّ في ((صحيحه))، فقال:
٥١٦٣- حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إسرائيل، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها زَقَّت امرأةً إلى رجل من الأنصار، فقال نبي
اللَّه وَلير: (يا عائشة، ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللَّهو)).
قال في ((الفتح)): في رواية شريك: فقال: ((فهل بعثم معها جاريةً، تضرب بالدفّ،
وتُغنّي؟))، قلت: تقول: ما ذا؟ قال: تقول:
وَحَيَّاكُمْ
أَتَيْنَاكُمْ فَحَيَانًا
أَتَيْنَاكُمْ
الذَّهَبُ
پِوَادِيكُمْ
الأَخْمَ رُ مَا حَلَّتْ
وَلَوْلَا
الْحِنْطَةُ السَّمْرَاءُ مَا سَمِنَتْ عَذَارِيكُمْ
وَلَوْلَا
قال: وللطبراني من حديث السائب بن يزيد، عن النبيّ وَّر، وقيل له: أترخص في هذا؟
قال: ((نعم، إنه نكاح لا سفاح، أشيدوا النكاح)). وفي حديث عبد الله بن الزبير عند
أحمد، وصححه ابن حبان، والحاكم: ((أعلنوا النكاح))، زاد الترمذيّ، وابن ماجه من
حديث عائشة: ((واضربوا عليه بالدّفَ))، وسنده ضعيف. ولأحمد، والترمذيّ، والنسائيّ
من حديث محمد بن حاطب: ((فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدفّ)). واستدلّ
٨٠- (اللَّهْوُ وَ الغِنَاءُ عِنْدَ الْعُرْسِ) - حديث رقم ٣٣٨٤
١٥١ =
بقوله: ((واضربوا)) على أن ذلك لا يختصّ بالنساء، لكنه ضعيف، والأحاديث القوية فيها
الإذن في ذلك للنساء، فلا يلتحق بهنّ الرجال؛ لعموم النهي عن التشبّه بهنّ انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما دلّ عليه حديث الباب، وهو
جواز الغناء في العرس، وجواز استماع الرجال إليه هو الحقّ؛ وقد ثبت تخصيص بعض
الحالات بجواز الغناء فيها :
مـ
منها: العرس، وأدلتها الأحاديث المذكورة آنفًا .
(ومنها): قدوم الغائب؛ لما أخرجه أحمد، في ((مسنده))، والترمذيّ، واللفظ له،
من طريق عبد الله بن بريدة، قال: سمعت بريدة، يقول: خرج رسول اللَّه ◌َّ في بعض
مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن
ردك الله سالما، أن أضرب بين يديك بالدفّ، وأتغنّى، فقال لها رسول اللَّه وَلّ: ((إن
كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا»، فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر، وهي تضرب، ثم
دخل علي، وهي تضرب، ثم دخل عثمان، وهي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدفّ
تحت اسْتِهَا، ثم قعدت عليه، فقال رسول اللّه وَله: ((إن الشيطان، لیخاف منك يا عمر،
إني كنت جالسا، وهي تضرب، فدخل أبو بكر، وهي تضرب، ثم دخل علي، وهي
تضرب، ثم دخل عثمان، وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر، ألقت الدفّ)).
قال أبو عیسی: هذا حديث حسن صحيح غريب، من حديث بريدة، وفي الباب عن
عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة.
قال الشوكانيّ(٢): وقد استدلّ المصنّف - يعني صاحب ((المتنقى)) - بحديث الباب
على جواز ما دلّ عليه الحديث عند القدوم من الغيبة، والقائلون بالتحريم يخصّون مثل
ذلك من عموم الأدلّة الدّالة على المنع. وأما المجوّزون، فيستدلّون به على مطلق
الجواز لما سلف، وقد دلّت الأدلة على أنه لا نذر في معصية اللّه، فالإذن منه وَلخير لهذه
المرأة بالضرب يدلّ على أن ما فعلته ليس بمعصية في مثل ذلك الموطن، وفي بعض
ألفاظ الحديث أنه قال لها: ((أوف بنذرك)).
(ومنها): ما ورد في الأعياد؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل أبو بكر،
وعندي جاريتان، من جواري الأنصار، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث، قالت:
وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان، في بيت رسول اللّه وَّ؟، وذلك في
يوم عيد، فقال رسول اللّه ◌َ ير: ((يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا)). متفقٌ
(١) ((فتح)) ٢٨٢/١٠-٢٨٣.
(٢) راجع ((نيل الأوطار)) ١١٠/٨.
١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
عليه، وتقدّم للمصنّف في ((كتاب العيدين)) برقم - ١٥٩٣ .
والحاصل أن ما ورد في هذه النصوص مخصوص من تحريم الغناء. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
إنیب)) .
٨١- (جَهَازُ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الجهاز)) - بفتح الجيم، كما قرأ به السبعة في قوله
تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الآية [يوسف: ٧٠]، والكسر لغة قليلة: وهو أُهْبة
المرأة، وما تحتاج إليه عند زفافها إلى زوجها.
وقال في ((اللسان)): جهاز العروس والميت -بالفتح-، وجهازهما -بالكسر -: ما
يحتاجان إليه، وكذلك جهاز المسافر يُفتح، ويكسر. قال: وتجهيز الغازي تحميله،
وإعداد ما يَحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز العروس، وتجهيز الميت. وجهّزتُ القوم
تجهيزًا: إذا تكلّفت لهم بجهازهم للسفر. وقال الليث: وسمعت أهل البصرة يُخطّئون
الجهاز بالكسر. قال الأزهريّ: والقرّاء كلهم على فتح الجيم في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا
جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٥٩]. قال: والجهاز بالكسر لغة رديئةٌ، قال عمر بن
عبد العزيز [من البسيط]:
تَجَهَزِي بِجِهَازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَقَ (١)
وكان الأولى للمصنّف أن يعبّر بلفظ ((تجهيز الرجل ابنته))، فيكون من إضافة المصدر إلى
فاعله، ونصب مفعوله؛ لأن ((الجهاز)) - كما عرفت - الشيء الذي تُجهّز به المرأة، وليس
مصدرًا، حتى يرفع الفاعل، وينصب المفعول، فتأمّلٍ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٨٥- (أَخْبَرَنَا نُصَيرُ بْنُ الْفَرَجِ(٢)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنَ عَلِيَّ رَضِي اللَّه عَنْهِ، قَالَ: ((جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ وَهـ
فَاطِمَةَ، فِي خَمِيلٍ، وَقِرْبَةٍ، وَوِسَادَةٍ، حَشْوُهَا إِذْخِرٌ)) ).
(١) راجع ((لسان العرب)) ٣٢٥/٥.
(٢) ((نُصَير) بضم النون مصغرًا، و((الفَرَج)) بفتحتين.
٨١- (جَهَازُ الرَّجُل ابنته) - حديث رقم ٣٣٨٥
١٥٣
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (نُصير بن الفرج) الأسلميّ، أبو حمزة الثَّغْريّ(١) خادم أبي معاوية [١١] ١٢٠/
١٦٩ من أفراد المصنّف، وأبي داود.
٢- (أبو أسامة) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت، ربّما
دلْس، من كبار [٩] ٤٤/ ٥٢.
٣- (زائدة) بن قُدامة، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ [٧] ٧٤ / ٩١.
٤- (عطاء بن السائب) أبو محمد، أو أبو السائب الثقفيّ الكوفيّ، صدوق اختلط
[٥] ٢٤٣/١٥٢ .
٥- (أبوه) السائب بن مالك، أو ابن يزيد الكوفيّ، ثقة [٢] ١٣٠٥/٦٢ .
٦- (عليّ) بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه٧٤/ ٩١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
ثقات، وعطاء، وإن كان ممن اختلط لكن زائدة ممن روى عنه قبل اختلاطه. (ومنها):
أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي عن تابعيّ. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه) أنه (قَالَ: ((جَهَّزَ) بتشديد الهاء: أي هيّأ لها ما تحتاج إليه
عند دخولها على زوجها (رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فَاطِمَةَ) الزَّهْراء، بنته بَّر، أم الحسنين، سيّدة
نساء الجنة إلا مريم عليها السلام،، تزوّجها عليّ رَّثه في السنة الثانية من الهجرة،
وماتت رضي اللّه تعالى عنها بعد النبيّ وَّر بستة أشهر، وقد جاوزت العشرين بقليل (فِي
خَمِيلٍ) -بفتح الخاء المعجمة، بوزن كريم -: هي القطيفة، وهي كلّ ثوب، له
خَمْلٌ(٢)، من أيّ شيءٍ كان (وَقِرْبَةٍ) -بكسر القاف، وسكون الراء- قال الفيّوميّ: الْقِرْبة
بالكسر معروفة، والجمع قِرَب، مثلُ سِذْرةٍ وسِدَر انتهى. وقال في ((اللسان)): والقِرْبة
من الأساقي، قال ابن سيده: القِرْبة: الْوَطْبُ من اللَّبَن، وقد تكون للماء. وقيل: هي
(١) ((الأسلميّ)) بفتح الهمزة، والمهملة، وتخفيف اللام. و((الثّغْريّ)) -بفتح المثلثة، وسكون المعجمة-
: نسبة إلى الثغر، وهو الموضع القريب من الكفّار، يرابط به المسلمون. أفاده في ((الأنساب)) ١/
٥٠٧ و((اللباب)) ٢٤٠/١.
(٢) ((الخمل)) وزان فلس: الْهُذْبُ. اهـ ((مصباح)).
C
١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
الْمَخْروزة من جانب واحد، والجمع في أدنى العدد قِرْبات - بسكون الراء-، وقِرِبات -
بكسرها- وقِرَبات -بفتحها-، وفي الكثرة قِرَبٌ انتهى (وَوِسَادَةٍ) -بكسر الواو -:
الْمِخَدَّةُ، جمعها وِسَادات، ووَسَائد. والْوِسَاد بغير هاءكلُّ ما يُتوسّد به من قُمَاش،
وتُراب، وغير ذلك، والجمع وُسُدّ، مثلُ كتاب وكُتُبٍ. ويقال: الوساد لغةٌ في
الوسادة. قاله الفيّوميّ (حَشْوُهَا) بفتح الحاء المهملة، وسكون الشين المعجمة: اسم
للشيء الذي تُملأ به الوسادة، قال في ((اللسان)): حَشَا الوسادة، والفراش، وغيرهما
يَخْشُوها حَشْوًا: ملأها، واسم ذلك الشيء الْحَشْوُ على لفظ المصدر انتهى. (إِذْخِرٌ) -
بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة، وكسر الخاء المعجمة، آخره راء -: نباتٌ
معروفٌ، ذكيّ الريح، وإذا جفّ ابيضَّ. قاله الفيّوميّ. وفي ((اللسان)): حَشيشةٌ طيّبة
الرائحة، يُسقّف بها البيوت فوق الخشب، وهمزتها زائدة انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عليّ رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيحٌ، قال الحاكم في ((مستدركه)) (١):
صحيح الإسناد، وقال الذهبيّ في ((تلخيصه)): صحيح، وهو كما قالا.
[فإن قلت]: في سنده عطاء بن السائب، وهو مختلطً، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: عطاء ليس ممن ضُعّف على الإطلاق، بل في رواية من روى عنه بعد
الاختلاط، وأما من طريق من روى عنه قبله، فهو صحيح الحديث، وزائدة بن قُدامة
ممن روى عنه قبل الاختلاط، فقد قال الطبراني-كما في (تهذيب التهذيب)) ١٠٥/٣ -
ثقة اختلط في آخر عمره، فما روى عنه المتقدّمون فهو صحيح، مثل سفيان، وشعبة،
وزُهیر، وزائدة انتهى.
والحاصل أن حديث عليّ تَّه هذا صحيح. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٨٥/٨١ - وفي (الكبرى)) ٥٥٧٣/٩١. وأخرجه (ق) في ((الزهد))
٤١٥٢ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ٦٤٤ و٧١٧ و٨٥٥ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة تجهيز الرجل بنته بما
(١) راجع ((المستدرك)) ١٨٥/٢ وهامشه ((تلخيص الذهبيّ)).
١٥٥ =
٨٢- (الفُرُشُ) - حديث رقم ٣٣٨٦
تحتاج إليه، مما تيسّر له. (ومنها): ماكان عليه وَالتّ أيضًا، من العناية ببناته، والقيام
بتربيتهنّ، وتزويجهنّ، وتجهيزهنّ لأزواجهنّ بما جرت به العادة، حتى تكون الألفة
والمحبّة بين الزوجين دائمة؛ لأن الرجل إذا لم يكن للزوجة جهاز ربما يتبرّم، ويتثاقل
منها، ولا يحسن عشرتها، ولا يريد أن تطول صحبتها له. (ومنها): ما كان عليه النبيّ
وَله من الزهد في الدنيا، والاكتفاء بالقليل منها، ولو شاء لكانت الجبال له فضة وذهبًا.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
٨٢- (الْفُرُشُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الفُرُش)) - بضمّتين- جمع فِرَاش -بكسر الفاء،
وتخفيف الراء -: البساط، قال الفيّوميّ: فَرَشتثُ البِسَاطَ وغيره فَرْشًا، من باب قتل،
وفي لغة من باب ضرب: بستطه، وافترشه هو، وهو الفِرَاش بالكسر، فِعَالٌ بمعنى
مفعول، مثل كتاب، بمعنى مكتوب، وجمعه فُرُشٌ، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، وهو فَرْشٌ
أيضًا، تسميةً بالمصدر. انتهى والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٣٨٦ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِيْ
الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يَقُولُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلولى
قَالَ: ((فِرَاشْ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشْ لِأَهْلِهِ، وَالثَّالِثُ لِلصَّيْفِ، وَالرَّابعُ لِلشَّيْطَانِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠]
٤٤٩/١ .
٢- (ابن وهب) عبد اللَّه المصري، ثقة ثبت عابد [٩] ٩/ ٩.
٣- (أبو هانىء الْخَولانيّ)(١) هو حُميد بن هانیء المصريّ، لا بأس به [٥]١٢٨٤/٤٨.
٤- (أبو عبد الرحمن الحبُليّ))(٢) - بضمّ المهملة، والموحّدة -: هو عبد الله بن يزيد
(١) ((الخولانيّ)) بفتح المعجمة، وسكون الواو: نسبة إلى خولان قبيلة نزلت الشام. اهـ ((لب اللباب))
٣٠٢/١ .
(٢) ((الْحُبُليّ)) - بضم الحاء المهملة، والباء الموحّدة -: نسبة إلى بني الْحُبُلَى حيّ من اليمن. اهـ ((لُبُّ
اللباب)» ٢٣٥/١ .
١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
الْمَعَافريّ المصريّ، ثقة [٣] ١٣٠٣/٦٠.
٥- (جابر بن عبد اللّه) رضي اللّه تعالى عنهما ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابي، فمدني. (ومنها):
أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه جابر بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما أحد
المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) من الأحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريّ السَّلَميّ رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِلـ
قَالَ: ((فِرَاشْ لِلرَّجُلِ) مبتدأ وخبر، وسوغ الابتداء بالنكرة التقسيم، أو ((فراش فاعل
لفعل محذوف، أي يجوز فراش. يعني أنه يجوز أن يتخذ الرجل لنفسه فراشًا ينام عليه
وحده، إذا احتاج إليه (وَفِرَاشْ لِأَهْلِهِ) إعرابه كسابقه أنه يجوز أن يتخذ الإنسان فراشًا
لأهله تنام عليه وحدها، إن احتاجت إليه (وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ) مبتدأ وخبر، و((الضيف»
بفتح، فسكون: معروف، يطلق بلفظ واحد على الواحد وغيره؛ لأنه مصدرٌ في
الأصل، من ضافه ضَيْفًا، من باب باع: إذا نزل عنده، وتجوز المطابقة، فيقال: ضَيْفَةٌ،
وأضيافٌ، وضِيفَانٌ، وأضفته، وضَيَّفته: إذا أنزلته، وقَرَيْتُهُ، والاسم الضِّيَافة. قال
ثعلب: ضِفْتُهُ: إذا نزلتَ به، وأنت ضَيْفٌ عنده، وأضفته بالألف: إذا أنزلته عندك
ضيفًا، وأضفته إضافةً: إذا لجأ إليك من خوف، فأجرتَهُ، واستضافني، فأضفته:
استجارني، فأجرته، وتضيّفني، فضيّقتُهُ: إذا طلب الْقِرَى، فقرَيْتَهُ، أو استجارَك،
فمنعته ممن يطلبه، وأضافه إلى الشيء إضافةً: ضمّهُ إليه، وأماله. قاله الفيّوميّ.
(وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ)) ) مبتدأ وخبرٌ أيضًا، يعني أن الفراش الرابع للشيطان، يبيت عليه
حيث لا ينتفع به أحدٌ، ولأنه لا يُتّخذ للحاجة، وإنما هو للافتخار الذي هو مما يحمل
عليه الشيطان، ویرضى به.
والظاهر أن المراد منه اتخاذ ما لا حاجة إليه، لا بخصوص كونه رابعًا، وإنما خصّه
بالذكر نظرًا للغالب، حيث إنه أقلّ ما يكون زائدًا على الحاجة. والله تعالى أعلم.
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جواز اتخاذ الإنسان من
الفرش، والآلة ما يحتاج إليه، ويترفّه به.
وهذا الحديث إنما جاء مبيّنًا ما يجوز للإنسان أن يتوسّع فيه، ويترفّه من الفراش؛
١
١٥٧
٨٢- (القُرُشُ) - حديث رقم ٣٣٨٦
لأن الأفضل أن يكون له فراش يختصّ به، ولامرأته فراشٌ، فقد كان ◌َ له لم يكن له إلا
فراش واحد في بيت عائشة، وكان فراشها ينامان عليه في الليل، ويجلسان عليه بالنهار.
وأما فراش الضيف، فيتعيّن للمضيف إعداده له، لأنه من باب إكرامه، والقيام بحقّه؛
ولأنه لا يتأتّى له شرعًا الاضطجاع، ولا النوم مع المضيف، وأهله على فراش واحدٍ.
ومقصود هذا الحديث أن الرجل إذا أراد أن يتوسّع في الفرش، فغايته ثلاثٌ، والرابع
لا يحتاج إليه، فهو من باب السَّرَف. انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللّه تعالى ببعض
تَصَرُّف(١).
وقال النوويّ: قال العلماء: معناه أن ما زاد على الحاجة، فاتخاذه إنما للمباهاة،
والاختيال، والالتهاء بزينة الدنيا، وما كان بهذه الصفة فهو مذمومٌ، وكلّ مذموم يُضاف
إلى الشيطان؛ لأنه يرتضيه، ويوسوس به، ويُحسّنه، ويُساعد عليه. وقيل: إنه على
ظاهره، وأنه إذا كان لغير حاجة كان للشيطان عليه مَبِيتْ، ومَقِيلٌ، كما أنه يحصل له
المبيت بالبيت الذي لا يَذكُر اللَّه تعالى صاحبه عند دخوله عِشَاءً.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا القول الثاني هو الأرجح عندي؛ لأنه إذا أمكن
حمل النصّ على ظاهره، فهو الأولى، ولا حاجة إلى العدول عنه، على أنه لا تنافي بين
المعنيين؛ لأن الشيطان كما أنه يبيت عليه، فهو الذي حمله على اتخاذه. والله تعالى
أعلم.
قال: وأما تعديد الفراش للزوج والزوجة، فلا بأس به؛ لأنه قد يحتاج كلّ واحد
منهما إلى فراش عند المرض، ونحوه، وغير ذلك.
واستدلّ بعضهم بهذا على أنه لا يلزمه النوم مع امرأته، وأن له الانفراد عنها بفراش.
والاستدلال به في هذا ضعيف؛ لأن المراد بهذا وقت الحاجة كالمرض، وغيره كما
ذكرنا، وإن كان النوم مع الزوجة ليس واجبًا، لكنه بدليل آخر، والصواب في النوم مع
الزوجة أنه لم يكن لواحد منهما عذرٌ في الانفراد، فاجتماعهما في فراش واحد أفضل،
وهو ظاهر فعل رسول الله له الذي واظب عليه مع مواظبته ويسير على قيام الليل، فينام
معها، فإذا أراد القيام لوظيفته قام، وتركها، فيجمع بين وظيفته، وقضاء حقّها
المندوب، وعِشْرتها بالمعروف، لا سيّما إن عُرف من حالها حرصها على هذا، ثم إنه
لا يلزم من التوم معها الجماع. والله أعلم انتهى كلام النوويّ رحمه اللَّه تعالى(٢). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((المفهم)) ٤٠٤/٥-٤٠٥.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٤/ ٢٨٥-٢٨٦.
== ١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٨٦/٨٢ - وفي ((الكبرى)) ٥٥٧٣/٩٢. وأخرجه (م) في ((اللباس))
٢٠٨٤ (د) في ((اللباس)) ٤١٤٢ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣٧١٠ و١٤٠٦٦.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعيّة اتخاذ الإنسان
الفُرُشَ بقدر حاجته. (ومنها): أن ما زاد على الحاجة فإنه للشيطان، فلا ينبغي اتخاذه.
(ومنها): ما قال القرطبيّ: فقه الحديث: ترك الإكثار من الآلات والأمور المباحة،
والترفّه بها، وأن يقتصر على حاجته، ونسبة الرابع إلى الشيطان، لكن لا يدلّ على تحريم
اتخاذه، وإنما هذا من باب قوله وَلير: ((إن الشيطان يستحلّ الطعام الذي لا يُذكر اسم الله
عليه، والبيت الذي لا يُذكر اللَّه فيه))(١)، ولا يدلّ ذلك على التحريم لذلك الطعام.
انتهى(٢). (ومنها): بيان تسلّط الشيطان على بني آدم، بحيث إنه لا يترك عملًا من
أعماله إلا ويشاركه فيه، حتى يوقعه في المخالفة، فينبغي التنبه لذلك، والحذر منه،
والبعد عما يؤدّي إلى إرضائه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُنْ عَدُوٌ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّاً ﴾
الآية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنيب)).
٨٣- (الأَنْمَاطُ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بقوله: ((باب
الأنماط، ونحوها للنساء)). قال في ((الفتح)))) أي من الكلل، والأستار، والفرش، وما
في معناه. قال: ولعلّ المصنّف أشار به إلى ما أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي
اللَّه تعالى عنها، قالت: ((خرج رسول اللّه وَ له في غزواته، فأخذتُ نمطًا، فنشرته على
(١) راوه أحمد ٣٨٣/٥. ومسلم في ((صحيحه)) رقم ٢٠١٧.
(٢) ((المفهم)) ٤٠٤/٥-٤٠٥.
٨٣- (الأنَّمَاطُ) - حديث رقم ٣٣٨٧
١٥٩
الباب، فلما قدم، فرأى النمط عرفتُ الكراهة في وجهه، فجذبه، حتى هتكه، فقال:
إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، قال: فقطعت منه وسادتين، فلم يَعِب ذلك
عليّ)). فيؤخذ منه أن الأنماط لا يكره اتخاذها لذاتها، بل لما يُصنع بها انتهى(١). والله
تعالى أعلم بالصواب
٣٣٨٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ
لِي رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((هَلْ تَزَوَّجْتَ؟))، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((هَلِ النَّخَذْتُمْ أَنْمَاطًا؟))، قُلْتُ:
وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطٌ؟، قَالَ: ((إِنَّا سَتَكُونُ)) ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (سفيان) بن عيينة المكي الإمام الحجة الثبت [٨] ١/١.
٣- (ابن المنكدر) هو محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدير التيمي المدنيّ، ثقة
فاضل [٣] ١٣٨/١٠٣.
٤- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى
عنهما٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٧٦) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه بغلاني، وسفيان
مكيّ، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه جابرًا من المكثرين السبعة روى (١٥٤٠)
حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
(هَلْ تَزَوَّجْتَّ؟))، قُلْتُ: نَعَمْ، قَّالَ) وَِّ (هَلِ اتَّخَذْتُمْ أَنْمَاطًا؟) بفتح الهمزة: جمع نّمَط -
بفتح النون والميم: وهو ظهارة الفراش. وقيل: ظهر الفراش، ويُطلق أيضًا على بساط
لطيف، له خَمِلٌ، يُجعل على الْهَوْدج، وقد يُجعل سترًا، ومنه حديث عائشة رضي اللّه
تعالى عنها عند مسلم: ((فأخذت نّمَطًا، فسترته على الباب ... )) الحديث، والمراد في
حديث جابر ◌َّ هو النوع الأول. قاله النوويّ(٢).
(١) ((فتح)) ٢٨١/١٠ (كتاب النكاح)).
(٢) (شرح مسلم)) ١٤/ ٢٨٤-٢٨٥.
١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: ((الأنماط)) جمع نَمَطٍ، قال الخليل: هو ◌ِهَارة الفرش.
وقال ابن دُريد: هو ما يُستر به الْهَوْدج، وهو في حديث عائشة ثوبٌ سترت به سَهْوتها،
وهو القِرَام أيضًا، كما جاء في حديث عائشة، وقد يكون من حرير وغيره، وقد يُسمّى
نُمرةً في بعض طرق حديث عائشة، وقد عبّر عنه بالستر في حديثها، وهذا كلّه على أنها
أسماء لمسمّى واحد انتهى(١).
(قُلْتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنْمَاطْ؟) ((أَنّى)) بفتح الهمزة، وتشديد النون: استفهام عن الجهة،
تقول: أَنّى يكون هذا: أي من أيّ وجه وطريق(٢) يوجد لنا أنماط؟. وقال القرطبيّ:
قوله: ((أنى لنا أنماطً؟)) استبعادٌ لذلك، ومعناه: من أين يكون لنا أنماطً؟! انتهى.
(قَالَ) وَِّ (إِنَّا سَتَكُونُ))) وفي رواية مسلم: ((أما إنها ستكون))، و((تكون)) هنا تامّة،
أي ستحصل، وتوجد الأنماط فيما يأتي من الزمان. زاد في رواية مسلم من طريق
سفيان، عن محمد بن المنكدر: ((قال جابرٌ: وعند امرأتي نَمَطْ، فأنا أقول: نَحِّيه عنّي،
وتقول: قد قال رسول اللّه وَ له: ((إنها ستكون، فأدعها)). ومعنى ((نخيه)): أي أخرجيه
من بيتي .
قال القرطبيّ: وقول جابر لامرأته: ((نخّيه عنّي)) فإنما كان ذلك كراهةً له، مخافة التّرفّه
في الدنيا، والميل إليها، لا لأنه حريرٌ؛ إذ ليس في الحديث ما يدلّ عليه، واستدلالها
عليه بقوله {وَ ليه: ((أما إنها ستكون)) هو استدلالٌ بتقرير النبيّ وَّله على اتخاذ الأنماط؛ لأنه
لَمّا أخبر بأنها ستكون، ولم ينه عن اتخاذها، دلّ ذلك على جواز الاتخاذ انتهى (٣). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٣٨٧/٨٣ - وفي ((الكبرى)) ٥٥٧٥/٩٣. وأخرجه (خ) في ((المناقب))
٣٦٣١ و((النكاح)) ٥١٦١ (م) في ((اللباس)) ٢٠٨٣ (د) في ((اللباس)) ٤١٤٥ (ت) في
(الأدب)) ٢٧٧٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣٧١٨. والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٤/ ٤٠٣.
(٢) انظر ((المصباح المنير)) ٢٨/١.
(٣) ((المفهم)) ٤٠٣/٥-٤٠٤. (كتاب اللباس)).