Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ٦٧۔ (التّزویجُ علی نواةِ مِنْ ذَهَب) - حديث رقم ٣٣٥٢ وقال ابن المنير: لا يستلزم المواعدة بين الرجلين وقوع المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة؛ لأنها إذا مُنع، وهي في العدّة من خطبتها تصريحًا، ففي هذا يكون بطريق الأولى؛ لأنها إذا طلّقت دخلت العدّة قطعًا. قال: ولكنها وإن اطّلعت على ذلك، فهي بعد انقضاء عدّتها بالخيار، والنهي إنما وقع عن المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة، أو وليّها، لا مع أجنبيّ آخر انتهى. (ومنها): جواز نظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوّج بها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى ((الوليمة)) : قال ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: الوليمة اسم للطعام في العُرس خاصّةً، لا يقع هذا الاسم على غيره، كذلك حكاه ابن عبد البرّ عن ثعلب وغيره من أهل اللغة. وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الوليمة تقع على كلّ طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر، وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان، وهِم أعرف بموضوعات اللغة، وأعلم بلسان العرب. و(الْعَذِيرة)): اسم لدعوة الختان، وتُسمّى الإعذار. و((الْخُرْسُ، والْخُرْسَة)) عند الولادة. و((الوَكِيرَة)): دعوة البناء، يقال: وَكّر، وخرّس، مشدّدٌ. و((النَّقِعة)): عند قُدوم الغائب، يقال: نَقَعَ، مخفّفٌ. و((العقيقة)): الذبح لأجل الولد، قال الشاعر: كُلَّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَهْ الْخُرْسَ وَالإِعْذَارَ وَالثَّقِيعَةْ والحِذَاقُ: الطعام عند حِذَاق الصبيّ. و((الْمَأْدُبَةُ: اسمٌ لكلّ دعوة لسبب كانت، أو لغير سبب. والآدِبُ: صاحب المأدبة، قال الشاعر [من الرمل]: نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَذْهُو الْجَفَلَى لَا تَرَى الآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِزْ و ((الْجَفَلَى)) في الدعوة: أن يعمّ الناسَ بدعوته. و((النَّقَرَى)): هو أن يَخُصّ قومًا دون قوم انتهى كلام ابن قدامة رحمه اللّه تعالى(١). وقال في ((الفتح)): وقال صاحب ((المحكم)): الوليمة: طعام العرس، والإملاك. وقيل: كلّ طعام صُنع لعرس وغيره. وقال عياض في ((المشارق)) : الوليمة طعام النكاح. وقيل: الإملاك. وقيل: طعام العرس خاصّة. وقال الشافعيّ، وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تُتّخذ لسرور حادثة، من نكاح، أو ختان، وغيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح، وتقييده في غيره، فيقال: وليمة الختان، ونحو (١) («المغني)) ١٩١/١٠. ٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ ذلك. وقال الأزهريّ: الوليمة مأخوذةٌ من الْوَلْم، وهو الجمع وزنًا ومعنىّ، لأن الزوجين يجتمعان. وقال ابن الأعرابيّ: أصلها من تتميم الشيء، واجتماعه. وجزم الماورديّ، ثم القرطبيّ بأنها لا تُطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة. وأما الدعوة، فهي أعمّ من الوليمة، وهي بفتح الدال على المشهور، وضمها قطرب في مثلّثه، وغلّطوه في ذلك، على ما قاله النوويّ. قال: ودِعوة النسب بكسر الدال، وعكس ذلك بنو تيم الرباب، ففتحوا دَعوة النسب، وكسروا دال دعوة الطعام انتهى. قال الحافظ: وما نسبه لبني تيم الرباب نسبه صاحبا ((الصحاح)) و((المحكم)) لبني عديّ الرباب، فالله أعلم. وذكر النوويّ تبعًا لعياض أن الولائم ثمانية: ((الإعذار)) -بعين مهملة، وذال معجمة - : للختان. و((العقيقة)): للولادة. و((الْخُرْس)) -بضم المعجمة، وسكون الراء، ثم سين مهملة- لسلامة المرأة من الطلق. وقيل: طعام الولادة. و((العقيقة)): تختصّ باليوم السابع. و((النّقيعة)): لقدوم المسافر، مشتقّةٌ من النقع، وهو الغبار. و((الوكيرة)): للسكن المتجدّد، مأخوذ من الوَكَر، وهو المأوى، والمستقرّ. و((الوَضِيمة)) -بضاد معجمة -: لما يُتّخذ عند المصيبة. و((المأدبة)): لما يُتخذ بلا سبب، ودالها مضمومة، ويجوز فتحها انتهى. و((الإعذار)) يقال فيه أيضًا: ((الْعُذْرَة) -بضمّ، فسكون -. و((الْخُرس))، يقال فيه أيضًا: بالصاد المهملة بدل السين، وقد تزاد في آخره هاء، فيقال: خُرُسة، وخرصة. وقيل: إنها لسلامة المرأة من الطلق، وأما التي للولادة بمعنى الفرح، في العقيقة. واختلف في النقيعة، هل التي يصنعها القادم من السفر، أو تُصنع له؟، قولان. وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تُصنع له تُسمى التُّخفة. وقيل: إن الوليمة خاصّ بطعام الدخول، وأما طعام الإملاك، فيُسمّى الشُّنْدَخ - بضمّ المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وقد تضمّ، وآخره خاء معجمةٌ، مأخوذ من قولهم: فرسٌ شُنْدَخْ، أي يتقدّم غيره، سمّي طعام الإملاك بذلك؛ لأنه يتقدّم الدخول. قال الحافظ: وأغرب شيخنا في ((التدريب))، فقال: الولائم سبعٌّ، وهي: وليمة الإملاك، وهو التزوّج، ويقال لها: النقيعة -بنون، وقاف -. ووليمة الدخول، وهو العرس، وقَلَّ من يغاير بينهما انتهى. وموضع الإغراب إغرابه تسمية وليمة الإملاك نقيعة. ثم رأيته تبع في ذلك المنذريّ في ((حواشيه)) ، وقد شذّ بذلك. وقد فاتهم ذكر الحذاق -بكسر المهملة، وتخفيف الذال المعجمة، وآخره قاف -: الطعام الذي يتخذ عند حِذْق الصبيّ، ذكره ابن الصبّاع في ((الشامل)). وقال ابن الرفعة: هو الذي يُصنع ٦٣ ٦٧ - (التَّزْوِيجُ عَلَى نَوَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ) - حديث رقم ٣٣٥٢ عند الختم، أي ختم القرآن، كذا قيّده، ويحتمل ختم قدر مقصود منه. ويحتمل أن يطرد ذلك في حِذقه لكلّ صناعة. وذكر المحامليّ في ((الرونق)) في الولائم ((العَتِيرة)) - بفتح المهملة، ثم مثناة مكسورة- وهي شاة تذبح في أول رجب. وتُعُقّب بأنها في معنى الأضحية، فلا معنى لذكرها مع الولائم. وأما المأدبة، ففيها تفصيلٌ؛ لأنها إن كانت لقوم مخصوصين، فهي النَّقَرَى -بفتح النون والقاف، مقصورًا، وإن كانت عامّةٌ، فهي الْجَفَلَى -بجيم، وفاء، بوزن الأول-، قال الشاعر [من الرمل]: نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى لَا تَرَى الآدِبَ مِنَّا بَنْتَقِزْ وَصَفَ قومه بالجود، وأنهم إذا صنعوا مأدبة دعوا إليها عمومًا، لا خصوصًا. وخصّ الشتاء، لأنها مظنّة قلّة الشيء، وكثرة احتياج من يُدعَي. و((الآدب)): اسم الفاعل من المأدبة، وينتقر مشتقّ من النقَرَى. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوليمة: قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما ملخّصه: لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنّةٌ في الْعُرس مشروعة. قال: وليست واجبةً في قول أكثر أهل العلم. وقال بعض أصحاب الشافعيّ: هي واجبة. انتهى(٢). وقال البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): [باب الوليمةُ حقّ]. قال ابن بطّال: قوله: ((الوليمة حقّ)) أي ليست بباطل، بل يُندب إليها، وهي سنّة فضيلة، وليس المراد بالحقّ الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها. قال الحافظ: كذا قال، وغفل عن رواية في مذهبه بوجوبها، نقلها القرطبيّ، وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة. وابن التين عن مذهب أحمد، لكن الذي في ((المغني)) أنها سنّة. بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك، قال: وقال بعض الشافعيّة: هي واجبة؛ لأن النبيّ ◌َّله أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأن الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبة. وأجاب بأنه طعام لسرور حادثٍ، فأشبه سائر الأطعمة، والأمر محمول على الاستحباب، بدليل ما ذكرناه، ولكونه أمره بشاة، وهي غير واجبة اتفاقًا. وأما البناء فلا أصل له. (١) (فتح)) ١٠/ ٣٠١-٣٠٢ (٢) ((المغني)) ١٠/ ١٩٢- ١٩٣. ٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ قال الحافظ: والبعض الذي أشار إليه من الشافعيّة هو وجه معروفٌ عندهم، وكذلك حكى الوجوب في ((البحر)) عن أحد قولي الشافعيّ، وقد جزم به سُليم الرازيّ، وقال: إنه ظاهر نصّ ((الأمّ))، ونقله عن النصّ أيضًا أبو إسحاق الشيرازيّ في ((المهذّب))، وهو قول أهل الظاهر، كما صرّح به ابن حزم. انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن من النظر في الأدلة أن الأرجح هو مذهب من قال بوجوب الوليمة على القادر عليها؛ لأنها ثبتت عنه رَّه قولاً وفعلاً، والقول أمرٌ، وهو للوجوب إلا عند وجود صارف عنه، والقائلون بالاستحباب لم يأتوا بصارف، غير دعوى الإجماع، وقد عرفت أنها دعوى باطلة، فقد قال بالوجوب بعض أهل العلم، وهو نصّ الشافعيّ في ((الأمّ)»، وقول أهل الظاهر، فلا إجماع، فبقي دليل الوجوب بلا معارض، فوجب القول به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة: ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الإجابة إليها، وهو المشهور عند الشافعيّة، والحنابلة، وقالوا: إنها فرض عين، ونصّ عليه مالك، وقال به أهل الظاهر، ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه، وابن عبد البرّ الإجماع عليه. وذهب بعضهم إلى استحبابها، قاله بعض الشافعيّة، والحنابلة، وقال أبو الحسن من المالكيّة: إنه المذهب، وصرّح صاحب ((الهداية)) من الحنفيّة بأن الإجابة سنّةٌ، لكنه استدلّ بقوله وَّر: ((من لم يُجب الدعوة، فقد عطى أبا القاسم))، وشبّهها فيما إذا كان هناك غناء ونحوه بصلاة الجنازة واجبة الإقامة، وإن حضرتها نياحة، وذلك يُفْهِمُ الوجوب. وقال بعض الشافعيّة، والحنابلة: إجابتها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين. وحكى الشيخ تقيّ الدين في ((شرح الإلمام)) عن بعضهم أنه خصّ الوجهين في إجابتها فرض عين، أو كفاية بما إذا دُعي الجميع، وقال: لو خصّ كلّ واحد بالدعوة، تعيّنت الإجابة على الكلّ(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن الحقّ هو الذي عليه الجمهور، وهو كون الإجابة فرض عين؛ لوضوح أدلّته؛ كحديث أبي هريرة ◌َ في: ((ومن ترك الدعوة، فقد عصى الله ورسوله)). متفقٌ عليه. وحديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: ((من دُعي إلى وليمة، فلم يأتها، فقد عصى الله ورسوله)). رواه أبو عوانة في ((صحيحه)). فهذا نصّ صريح في عصيان من لم يجب الدعوة، ولا يُطلق العصيان إلا على ترك الواجب، (١) ((فتح)) ٢٨٨/١٠. (٢) ((طرح التثريب)) ٧١/٧٠/٧. ٦٥ ٦٧۔ (التّزویجُ عَلی نواة مِنْ ذَهَب) - حدیث رقم ٣٣٥٢ كما أفاده في ((الفتح)) (١). والحاصل أن إجابة الدعوة فرض عين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة غير العُرْس: ذهبت طائفة إلى وجوب الإجابة مطلقًا، وذهب الأكثرون إلى أنّ الوجوب يخصّ العرس فقط، وأما غيرها فتستحبّ إجابتها، وإلى المذهب الأول مال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، حيث قال في ((صحيحه)): [باب إجابة الداعي في العُرس وغيره]: ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: قال رسول اللَّه وَلّ: ((أجيبوا هذه الدَّعوة إذا دُعيتم إليها)) ، قال: كان عبد اللَّه يأتي الدعوة في العُرس وغير العرس، وهو صائم انتھی . قال في ((الفتح)): قوله: ((كان عبد اللَّه)) القائل هو نافع. وقد أخرج مسلمٌ من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيدالله بن عمر العمريّ، عن نافع بلفظ: ((إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عرس، فليجب)). وأخرجه مسلم، وأبو داود من طريق أيوب، عن نافع بلفظ: ((إذا دعا أحدكم أخاه، فليجب عُرسًا كان، أو نحوه)، ولمسلم من طريق الزُّبيديّ، عن نافع، بلفظ: ((من دُعي إلى عرس، أو نحوه فليُجب)). وهذا يؤيّده ما فهمه ابن عمر أن الأمر بالإجابة لا يختصّ بطعام العرس. وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعيّة، فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا عُرسًا كان، أو غيره بشرطه، ونقله ابن عبد البرّ عن عبيدالله بن الحسن العنبريّ قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قولُ جمهور الصحابة والتابعين، ويكعُرُ عليه(٢) ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص، وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: لم يكن يُدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأنّ ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا. وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه دعا بالطعام، فقال رجلٌ من القوم: أعفني، فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا، فقم. وأخرج الشافعيّ، وعبد الرزاق بسند صحيح، عن ابن عبّاس أن ابن صفوان دعاه، فقال: إني مشغول، وإن لم تُعفني جثته. (١) ((فتح)) ٣٠٦/١٠. (٢) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أثر عثمان بن أبي العاص تمثّ هذا لا يصحّ، لأن في سنده عنعنة ابن إسحاق، والحسن البصريّ، وهما مشهوران بالتدليس، فلا يعكر على ما قاله ابن حزم، فتنبه . ٦٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّکَاحِ وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية، والحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسيّ منهم، فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعيّ: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكلّ دعوة دُعي إليها رجلٌ وليمةٌ، فلا أُرخّص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبيّن لي أنه عاص في تركها كما تبيّن لي في وليمة العرس. انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلّة أن أرجح الأقوال هو القول بوجوب إجابة الدعوة مطلقًا، لقوّة أدلّته، ولم يأت القائلون بالفرق بين العرس وغيرها بدليل صحيح، صريح، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوليمة، هل هو عند العقد، أو عقبه، أو عند الدخول، أو عقبه، أو موسّعٌ من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول؟ على أقوال: قال النووي: اختلفوا، فحكى عياض أن الأصح عند المالكية استحبابه بعد الدخول، وعن جماعة منهم أنه عند العقد، وعند ابن حبيب عند العقد، وبعد الدخول. وقال في موضع آخر: يجوز قبل الدخول وبعده. وذكر ابن السبكيّ أن أباه قال: لم أر في كلام الأصحاب تعيين وقتها، وأنه استنبط من قول البغويّ: ضرب الدفّ في النكاح جائزٌ في العقد، والزفاف، قبلُ وبعدُ قريبًا منه، أن وقتها موسّعٌ من حين العقد، قال: والمنقول من فعل النبيّ وَل﴿ أنها بعد الدخول، كأنه يشير إلى قصّة زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، وقد ترجم البيهقيّ في وقت الوليمة انتهى. قال الحافظ: وما نفاه من تصريح الأصحاب متعقّبٌ بأن الماورديّ صرّح بأنها عند الدخول، وحديث أنس تَظّ في هذا الباب صريح في أنها بعد الدخول لقوله فيه: (أصبح عروسًا بزينب، فدعا القوم)). واستحبّ بعض المالكيّة أن تكون عند البناء، ويقع الدخول عقبها، وعليه عمل الناس اليوم، ويؤيّد كونها للدخول، لا للإملاك أن الصحابة بعد الوليمة تردّدوا، هل هي زوجةٌ، أو سُرّيّةٌ، فلو كانت الوليمة عند الإملاك لعرفوا أنها زوجة؛ لأن السّرّيّة لا وليمة لها، فدلّ على أنها عند الدخول، أو بعده انتهى(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن كونها بعد الدخول هو الأرجح؛ لحديث أنسّ ◌َّه المتقدّم في قصّة زينب رضي اللّه تعالى عنها، فإنه صريحٌ في ذلك. والله (١) ((فتح)) ٣٠٨/١٠. (٢) ((فتح)) ٢٨٨/١٠-٢٨٩. ٦٧ ٦٧ - (التَّزْوِيجُ عَلَى نَوَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ) - حديث رقم ٣٣٥٢ تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في تحديد أيام الوليمة: قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): [باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام، ونحوه، ولم يوقّت النبيّ وَّل يومًا، ولا يومين)). قال في ((الفتح)): أي لم يجعل للوليمة وقتًا معيّنا يختصّ به الإيجاب، أو الاستحباب، وأخذ ذلك من الإطلاق، وقد أفصح بمراده في ((تاريخه))، فإنه أورد في ترجمة زُهير بن عثمان الحديث الذي أخرجه أبو داود، والنسائيّ(١) من طريق قتادة، عن عبد الله بن عثمان الثقفيّ، عن رجل من ثقيف، كان يُثني عليه، إن لم يكن اسمه زهير ابن عثمان، فلا أدري ما اسمه؟ يقوله قتادة، قال: قال رسول اللّه وَله: (الوليمة أول يوم حقّ، والثاني معروفٌ، والثالث رياء وسمعة)). قال البخاريّ: لا يصحّ إسناده، ولا يصح له صحبةٌ -يعني لزهير - قال: وقال ابن عمر وغيره، عن النبيّ ◌َّ: ((إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليُجب))، ولم يخصّ ثلاثة أيام، ولا غيرها، وهذا أصحّ، قال: وقال ابن سيرين، عن أبيه: ((أنه لما بنى بأهله أولم سبعة أيام، فدعا في ذلك أُبيّ بن كعب، فأجابه)) انتهى. وقد خالف يونس بن عُبيد قتادة في إسناده، فرواه عن الحسن، عن النبيّ وَ ◌ّر، مرسلًا، أو معضلًا، لم يذكر عبد الله بن عثمان، ولا زهيرًا، أخرجه النسائيّ(٢)، ورجّحه على الموصول، وأشار أبو حاتم إلى ترجيحه، ثم أخرج النسائيّ عقبه حديث أنس: ((أن رسول اللَّه وَلهل أقام على صفيّة ثلاثة أيام حتى أعرس بها))(٣)، فأشار إلى تضعيفه، أو إلى تخصيصه، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو یعلی بسند حسن عن أنس رَّ، قال: ((تزوّج النبيّ ◌َّهِ صفيّة، وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام ... )) الحديث. قال الحافظ: وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد، منها: عن أبي هريرة رَّ مثله، أخرجه ابن ماجه، وفيه عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف جدًّا، وله طريق أخرى عن أبي هريرة، وعن أنس مثله، أخرجه ابن عديّ، والبيهقيّ، وفيه بكر بن خنيس، وهو ضعيفٌ، وله طريق أخرى ذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث رواه مروان بن معاوية، عن عوف، عن الحسن، عن أنس نحوه؟ فقال: إنما هو عن الحسن، عن النبيّ وَّر مرسل. وعن ابن مسعود ظنّه أخرجه الترمذيّ بلفظ: ((طعام (١) أي في ((الكبرى)) ٤/ ١٣٧ رقم ٦٥٩٦. (٢) ((الكبرى)) ١٣٧/٤ رقم ٦٥٩٦. (٣) ((الكبرى)) ١٣٨/٤ رقم ٦٥٩٨. =٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النِّكَاحِ أول يوم حقّ، وطعام يوم الثاني سنةٌ، وطعام يوم الثالث سمعة، ومن سمّع سمّع الله به)»، وقال: لا نعرفه إلا من حديث زياد بن عبد الله البكائيّ، وهو كثير الغرائب، والمناكير. قال الحافظ: وشيخه فيه عطاء بن السائب، وسماع زياد منه بعد اختلاطه، فهذه علّته. وعن ابن عباس رفعه: ((طعام في العرس يوم سنّة، وطعام يومين فضلٌ، وطعام ثلاثة أيام رياء وسمعة)). أخرجه الطبرانيّ بسند ضعيف. وهذه الأحاديث، وإن كان كلّ منها لا يخلو عن مقال، فمجموعها يدلّ على أن للحديث أصلًا. وقد وقع في رواية أبي داود، والدارميّ في آخر حديث زهير بن عثمان: ((قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيّب أنه دُعي أول يوم وأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودُعي ثالث يوم فلم يُجب، وقال: أهل رياء وسمعة))، فكأنه بلغه الحديث، فعمل بظاهره، إن ثبت ذلك عنه. وقد عمل به الشافعيّة، والحنابلة، قال النوويّ: إذا أولم ثلاثًا، فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة، وفي الثاني لا تجب قطعًا، ولا یکون استحبابها فيه کاستحبابها في اليوم الأول. وقد حكى صاحب ((التعجيز)) في وجوبها في اليوم الثاني وجهين، وقال في ((شرحه)): أصحّهما الوجوب، وبه قطع الجرجانيّ؛ لوصفه بأنه معروفٌ، أو سنةٌ، واعتبر الحنابلة الوجوب في اليوم الأول، وأما الثاني فقالوا: سنةٌ؛ تمسّكًا بظاهر لفظ حديث ابن مسعود. وفيه بحث. وأما الكراهة في اليوم الثالث، فأطلقه بعضهم؛ لظاهر الخبر. وقال العمرانيّ: إنما تكره إذا كان المدعوّ في الثالث هو المدعوّ في الأول، وكذا صوّره الرويانيّ، واستبعده بعض المتأخرين، وليس ببعيد؛ لأن إطلاق كونه رياء وسمعة يُشعر بأن ذلك صنع للمباهاة، وإذا كثر الناس، فدعا في كلّ يوم فرقةً لم يكن في ذلك مباهاةٌ غالبًا. وإلى ما جنح إليه البخاريّ ذهب المالكيّة، قال عياضٌ: استحبّ أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، قال: وقال بعضهم: محلّه إذا دعا في كلّ يوم من لم يدع قبله، ولم يُكرّر عليهم. وهذا شبيه بما تقدّم عن الرويانيّ، وإذا حملنا الأمر في كراهة الثالث على ما إذا كان هناك رياء وسمعةٌ، ومباهاةً كان الرابع، وما بعده كذلك، فیمکن حمل ما وقع من السلف من الزيادة على اليومين عند الأمن من ذلك، وإنما أطلق ذلك على الثالث لكونه الغالب. والله أعلم (١). (١) ((صحيح البخاريّ مع الفتح)) ٣٠٠/١٠ -٣٠٤ . = ٦٧ - (التَّزْوِيجُ عَلَى نَوَاةِ مِنْ ذَهَب) - حديث رقم ٣٣٥٣ ٦٩ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن مذهب المالكية، وهو الذي مال إليه البخاريّ، من جواز كون الوليمة أسبوعًا لمن تيسّر له هو الأرجح؛ إن خلا عن الرياء والسمعة؛ لإطلاق النصوص؛ وأما الأحاديث التي احتج القائلون بالكراهة فيما بعد اليوم الثاني، فقد علمت كونها كلها ضعافًا، لا ينبغي أن تُذكر المعارضة إطلاق الأحاديث الصحاح بها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: لوجوب إجابة الدعوة شروطٌ: منها: أن يكون الداعي مكلّفًا حرًّا رشيدًا، وأن لا يخصّ الأغنياء، دون الفقراء، وأن لا يُظهر قصد التودّد لشخص بعينه لرغبة فيه، أو رهبة منه، وأن يكون الداعي مسلمًا على الأصحّ، وأن يختصّ باليوم الأول على المشهور، وأن لا يُسبق، فمن سبق تعيّنت الإجابة له دون الثاني، وإن جاءامعًا قدّم الأقرب رحمًا على الأقرب جوارًا على الأصحّ، فإن استوى أقرع، وأن لا يكون هناك منكر، أو ما يتأذى بحضوره، وأن لا يكون له عذرٌ، وضبطه الماورديّ بما يُرخّص به في ترك الجماعة. هكذا أفاده في ((الفتح)) وغيره(١). وبعض ما ذكر محلّ تأمّل، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسّا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ عَوْفٍ: رَآنِي رَسُولُ اللّهِ وَهِ، وَعَلَّيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: ((كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟» قَالَ: زِئَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة . وقوله: ((بشاشة الْعُرْس)). قال في ((القاموس)): الْبَشُ، والبَشَاشةُ: طلاقة الوجه، بَشِشْتُ بالكسر أَبَشُ، واللطف في المسألة، والإقبال على أخيك، والضحك إليه، وفَرَحُ الصّدیق بالصدیق انتهى. و(الْعُرْسُ)) بالضمّ: الزِّفَافُ، ويذكّرُ ويؤنّث، فيقال: هو العُزْس، والجمع أعراس، مثلُ قُفْل وأقفال، وهي العرس، والجمعُ عُرْسات، والعرس أيضًا: طعام الزفاف، وهو مذكّرٌ؛ لأنه اسم للطعام. قاله الفيوميّ. والمعنى هنا: أنه رَّ رأى عبد الرحمن، وهو مسرور، طليق الوجه، تظهر عليه البَشَاشَة الحاصلة للمتزوّج أيام عُرْسه. (١) (فتح)) ٣٠٢/١٠. و(طرح التثريب)) ٧٣/٧. ٧٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ وقوله: ((فقلت: تزوّجتُ الخ)) أي بعد أن سأله النبيّ وَّر، كما سبق أنه قال له: ((مَهْیَم؟)). وقوله: «کم أصدقتها؟)) أي أيَّ مقدار دفعت لها مهرًا. وقوله: ((زنة نواة)) بكسر الزاي، وتخفيف النون. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في شرح الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٤ - (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ح وأَخْبَرَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ تَمِيمِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَجَّاجًا، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَِّيَّ وَِّ، قَالَ: ((أَيُّمَا امْرََّةٍ نُكِحَتْ عَلَى صَدَاقٍ، أَوْ حِبَاءِ، أَوْ عِدَةٍ، قَبْلَ عِضْمَةِ الْنّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النَّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أَعْطَاهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ابْتَتُهُ، أَوْ أُخْتُهُ)). اللَّفْظُ لِعَبْدِ اللَّهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (هلال بن العلاء) الباهليّ مولاهم، أبو عمرو الرَّقّيّ، صدوق [١١] ١١٩٩/١٠ من أفراد المصنّف. ٢- (عبد الله بن محمد بن تميم) أبو حُميد الْمِصْيصيّ، ثقة [١١] ٣١٩/٢٠٠ من أفراد المصنّف أيضًا. ٣- (حجّاجٌ) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ثقة ثبت اختلط في آخره [٩] ٣٢/٢٨. ٤- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٦] ٣٢/٢٨. ٥- (عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو المدنيّ، أو الطائفيّ، صدوق [٥] ١٤٠/١٠٥. ٦- (أبوه) شعيب بن محمد بن عبد الله الطائفي، صدوق [٣] ١٤٠/١٠٥. ٧- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما ١١١/٨٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جده، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. ٦٧- (التَّزْوِيجُ عَلَى نَوَاةٍ مِنْ ذَهَب) - حديث رقم ٣٣٥٤ ٧١ شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ) بالبناء للمفعول (عَلَى صَدَاقٍ) بفتح الصاد المهملة، وكسرها: أي مهر معيّن (أَوْ حِبَاءٍ) بكسر المهملة، والمدّ: أي عطية، وهو ما يعطيه الزوج، سوى الصداق بطريق الهبة (أَوْ عِدَةٍ) بكسر العين المهملة: ما يعده الزوج أن يعطيه في المستقبل (قَبْلَ عِضْمَةِ النّكَاحِ) أي قبل عقد النكاح، والعصمة ما يُعتصم به، من عقد، وسبب (فَهُوَ لَهَا) أي للزوجة (َوَمَا كَانَ بَعْدَ عِضْمَةِ النّكَاحِ) أي بعد عقد النكاح (فَهُوَ لِمَنْ أَعْطَاهُ) أي لمن أعطاه الزوج، من أولياء الزوجة. وفي نسخة: ((لمن أعطيه)). والمعنى: أن ما يقبضه الوليّ من الزوج قبل العقد، فهو للمرأة، وما يقبضه بعده، فهو للوليّ. قال الخطّابيّ: هذا يُتَأَوَّلُ على ما يشترطه الوليّ لنفسه، سوى المهر. وقد اختلف الناس في وجوبه، فقال سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس في الرجل يَنكح المرأة على أن لأبيها كذا وكذا شيئًا، اتفقا عليه سوى المهر: إن ذلك كله للمرأة، دون الأب، وكذلك روي عن عطاء، وطاوس. وقال أحمد: هو للأب، ولا يكون ذلك لغيره من الأولياء؛ لأن يد الأب مبسوطةٌ في مال الولد. وروي عن عليّ بن الحسين أنه زوج ابنته رجلًا، واشترط لنفسه مالاً. وعن مسروق أنه زوّج ابنته رجلًا، واشترط لنفسه عشرة آلاف درهم، يجعلها في الحجّ والمساكين. وقال الشافعيّ: إذا فعل ذلك فلها مهر المثل، ولا شيء للوليّ. انتهى(١). (وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ابْتَتُهُ، أَوْ أُخْتُهُ) فيه دليلٌ على مشروعية صلة أقارب الزوجة، وإكرامهم، والإحسان إليهم، وأن ذلك حلالٌ لهم، وليس من قبيل الرسوم المحرّمة، إلا أن يمتنعوا من التزويج إلا به، فيكون من العَضْل المحرّم. والحاصل أن إكرام الشخص بسبب بنته، أو أخته بدفع مال إليه جائزٌ، وكذلك اشتراطه هو لنفسه، بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى أن يمتنع من تزويجها إلا به، فلا يجوز؛ للنهي عن العضل. والله تعالى أعلم. وقوله (اللَّفْظُ لِعَبْدِ اللَّهِ) يعني أن لفظ المتن الذي ساقه، فإنه لشيخه عبد الله بن محمد ابن تميم، وأما شيخه هلال بن العلاء، فرواه بمعناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) (معالم السنن)) ٥٩/٣. ٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. وأما تضعيف بعضهم له بسبب عنعنة ابن جريج؛ حيث إنه مدلّسٌ، فيجاب عنه بأنه صرّح بالتحديث في رواية المصنّف هنا، فتنبه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٥٤/٦٧ - وفي ((الكبرى)) ٥٥٠٩/٦٤. وأخرجه (د) في ((النكاح)) ٢١٢٩ (ق) في ((النكاح)) ١٩٥٥ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٦٧٠. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه إنیب)) . ٦٨- (إِيَاحَةِ التَّزْوِيجِ (١) بِغَيْرِ صَدَاقٍ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إذا تزوّجت المرأة بغير مهرٍ تُسمّى مفوّضةً -بكسر الواو وفتحها- كما سيأتي بيان ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. ٣٣٥٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَذَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، قَالَا: أَتِيَ عَبْدُ اللَّهِ، فِي رَجُلٍ تَزَوِّجَ امْرَأَةً، وَلَّمْ يَفْرِضْ لَهَا، فَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَلُوا هَلْ تَجِدُوَنَ فِيهَا أَثَرًا، قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا نَجِدُ فِيهَا - يَغْنِي أَثَرًا- قَالَ: أَقُولُ بِرَأْيِي، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا، فَمِنَ اللَّهِ، لَهَا كَمَهْرِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَّا شَطَطَ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَقَامَ رَجُلٌ مَنْ أَشْجَعَ، فَقَّالَ: فِي مِثْلٍ هَذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ فِينَا، فِي امْرَأَةٍ، يُقَالُ لَهَا: بَرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ، تَزَوَّجَتْ رَجُلًا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَقَضَى لَهَا رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ بِمِثْلِ صَدَاقِ نِسَائِهَا، وَلَهَا (١) وفي نسخة: ((التَّزَّوْجِ)). ٦٨- (إباحة التّزویج بغیر صداق) - حدیث رقم ٣٣٥٥ ٧٣ الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ يَدَنِهِ، وَكَبَّرَ. قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا، قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ((الْأَسْوَدُ)) غَيْرَ زَائِدَةَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسور بن مخرمة الزهريّ البصريّ، صدوق، من صغار [١٠]. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ: ((عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن))، وهو غلط فاحش، فتنبه. والله تعالى أعلم. ٢- (عبد الرحمن بن عبد الله أبو سعيد) مولى بني هاشم البصريّ، نزيل مكة، لقبه جَرْدَقَةُ، صدوقٌ ربما أخطأ [٩] ١٨٢٤/٤٣. ٣- (زائدة بن قدامة) الثقفي، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٧٤/ ٩١. ٤- (منصور) بن المعتمر أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/٢. ٥- (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ الفقيه، ثقة [٥] ٣٣/٢٩ . ٦- (علقمة) بن قيس النخعيّ الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] ٦١/ ٧٧. ٧- (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة مكثر فقيه [٢] ٣٣/٢٩. ٨- (عبد الله) بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه وشيخ شيخه فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس (وَالْأَسْوَدِ) بن يزيد، أنهما (قَالَا: أُتِيَ) بالبناء للمجهول (عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن مسعود؛ لأنه المقصود إذا أُطلق في الكوفة، كما أنه إذا أطلق في المدينة فإنه ابن عمر، وفي مكة، فابن الزبير، وفي البصرة عبد الله بن عباس، وفي مصر والشام فعبد الله بن عمرو بن العاص ، وإلى ذلك أشار الحافظ السيوطيّ في ((ألفية المصطلح)» بقوله: طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ (عَبْدُاللَّهِ)) فِي بِمَكّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَخْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالشَّامِ مَهْمًا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو ٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ (فِي رَجُلٍ) أي في قضيّة رجل (تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا) - بفتح الياء، وكسر الراء- من فرض الشيء، من باب ضرب: إذا أوجبه، أي لم يُلزِم نفسه مهرًا معيّن المقدار (فَتُوُنِّيَ) بالبناء للمفعول: أي مات (قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَهَا) أي يجامعها (فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ) بن مسعود رَّه (سَلُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا أَثَرًا) أي نقلًا من النبيّ وَِّ، أو من الخلفاء الراشدين، أو غيرهم. وفي الرواية الآتية آخر الباب من طريق سفيان، عن منصور: ((فقال عبد الله: ما سُئلتُ منذ فارقت رسول اللَّه ◌َل ل أشدّ عليّ من هذه، فأتوا غيري ... )) (قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية ابن مسعود رَّهِ (مَا نَجِدُ فِيهَا -يَغْنِي أَثَرًا-) وفي الرواية المذكورة: ((فاختلفوا إليه فيها شهرًا، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إن لم نسألك؟، وأنت من جِلَّة أصحاب محمد وَ لتر بهذا البلد، ولا نجد غيرك)) (قَالَ) عبد الله (أَقُولُ بِرَأْبِي) قال الفيّميّ: الرأي: العقلُ والتدبير، ورجلٌ ذو رأي، أي بصيرةٍ، وحِذْقٍ بالأمور، وجمعه آراء انتهى. أي أحكم في هذه المسألة باجتهادي. وفي رواية سفيان: ((سأقول فيها بِجَهْدِ رأيي)) (فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ) أي فإن كان ذلك الرأي صوابًا، فهو من توفيق الله تعالى إياي لإصابته، فله الحمد والمنّة. وفي رواية سفيان: ((فإن كان صوابًا، فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ، فمنّي، ومن الشيطان، والله ورسوله بُرآءُ» (لَھَا کمَھْرِ نِسَائھا) أي یجب لها مھر مثلُ مھر قراباتها من نساء قومها (لَا وَكْسَ) - بفتح، فسكون- أي لا نقص منه. قال في ((اللسان)): الوَكْسُ: النقص، وقد وَكَسَ الشيءُ: نَقَصَ، ووكَستُ فلانًا: نقصته. والوكسُ اتّضاع الثمن في البيع، قال الشاعر [من الرجز]: بِثَمَنٍ مِنْ ذَاكَ غَيْرٍ وَكْسِ دُونَ الْغَلَاءِ وَفُوَيْقَ الرُّخْصِ أي بثمن غير ذي وَكْسٍ. انتهى(وَلَا شَطَطَ) -بفتحتين- أي ولا زيادة عليه. قال في ((اللسان)): الشّطَطُ: مجاوزة القدر في بيع، أو طلب، أو احتكام، أو غير ذلك، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اَللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤]، وقال عَنْتَرَةُ [من الکامل]: شَطَّتْ مَزَارَ الْعَاشِقِينَ فَأَصْبَحَتْ عَسِرًا عَلَيَّ طِلَابْهَا ابْنَةُ مَخْرَمٍ أي جاوزت مَزَار العاشقين. انتهى بتصرّف. (وَلَهَا الْمِيرَاثُ) أي ترث من ذلك الزوج؛ لكونها زوجة له، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ الآية [النساء: ١٢] (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) لوفاة زوجها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًاً﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤] (فَقَامَ ٦٨- (إِباحة التزویج بغیر صداقٍ) - حدیث رقم ٣٣٥٥ = ٧٥ رَجُلٌ) وفي الرواية الآتية -٣٥٢٥/٥٧- من طريق زيد بن الحباب، عن سفيان، عن منصور: ((فقام معقل بن سنان الأشجعيّ، فقال: قضى فينا رسول اللّه وَ لّر في بروع بنت واشق ... )) الحديث. وعند أحمد: ((فقام رجلٌ من أشجع، أَراه سَلَمَة بن يزيد ... ))، ولا تعارض بين الروايتين، لاحتمال أن يكون كلٌّ منهما قام، فتكلّم، ويؤيّد هذا الجمع، ما يأتي في رواية سفيان: ((وذلك بسمع أناس من أشجع، فقاموا، فقالوا: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول اللّه وَ له ... الحديث (مَنْ أَشْجَعَ) أي من قبيلة أشجع بن ريث بن غَطّفان بن سعد بن قيس عيلان، وهي قبيلة مشهورة، قاله في ((اللباب))(١). وفي رواية سفيان: ((وذلك بسمع أناس من أشجع، فقاموا، فقالوا ... )) (فَقَالَ) ذلك الرجل (فِي مِثْلِ هَذَا) متعلّقٌ بـ ((قضِى))، و((في)) بمعنى الباء: أي بمثل قضائك هذا (قَضَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فِيتَا، فِي امْرَأَةٍ) بدلٌ من «فينا)) بدل بعض من كلّ (يُقَالُ لَهَا: بَرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ) قال الفيّومِيّ: بَرْوَعُ على وزن فَوْعَلِ - بفتح الفاء، وسكون العين- بنت واشق الأشجعيّة، من الصحابيّات، قالوا: وكسر الّاء خطأ؛ لأنه لا يُوجَد فِعْوَلٌ بالكسر إلا خِرْوَعْ، نَبتْ معروف، وعِثْوَدٌ، اسم واد، وعِتْوَرٌ، اسم واد أيضًا، وذِرْوَدٌ، اسم جَبَل، وقال بعضهم: رواه المحدّثون بالكسر، ولا سبيل إلى دَفْع الرواية، والأسماءُ الأعلامُ لا مَجَالَ للقياس فيها، فالصواب جواز الفتح والكسر، واتفقوا على فتح الواو انتهى كلام الفيّوميّ ببعض زيادة(٢). وقال في ((الإصابة)): بَرْوع بنت واشق الرُّؤاسيّة الكلابيّة، أو الأشجعيّة، زوج هلال ابن مرّة، لها ذكرٌ في حديث مَعْقِل الأشجعيّ وغيره، وأخرج حديثها ابن عاصم من روايتها، فساق من طريق المثنّى بن الصّاح، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب، عن بروع بنت واشق أنها نكحت رجلًا، وفوّضَت إليه، فتُوفّي قبل أن يُجامعها، فقضى لها رسول اللّه وَ له بصداق نسائها. وحديث معقِل مُخرّجُ في ((السنن))، وأكثر النسائيّ من تخريج طرقه، وبيان الاختلاف من رُواته في قصّة عبد الله بن مسعود رَّ. وعند أحمد من طريق زائدة، عن منصور، عن إبراهيم، والأسود ... الحديث، وفيه: فقام رجلٌ من أشجع، أَراه سلمة بن يزيد، فقال: تزوّج رجلٌ منّا امرأةً من بني رُؤاس، يقال لها: بَزوعٍ ... الحديث. انتهى(٣). (تَزَّوَّجَتْ رَجُلًا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا) أي يجامعها (فَقَضَى لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، بِمِثْلٍ صَدَاقٍ نِسَائِهَا، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ) أي فرحًا بموافقة اجتهاده حكم رسول اللّه والتلـ (١) ((الأنساب)) ١٦٥/١ و((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٦٤/١. و((اللب)) ٦٢/١. (٢) ((المصباح المنير) ٤٤/١-٤٥. (٣) ((الإصابة)) ١٢/ ١٥٦. ٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّکَاحِ (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (لَا أَعْلَمُ أَحَدًا، قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ((الْأَسْوَدُ)) غَيْرَ زَّائِدَةَ) يعني أن زائدة بن قُدَامة تفرّد بزيادة الأسود مع علقمة في روايته عن ابن مسعود ◌َيّ ، ولم يذكره غيره ممن روى الحديث عن منصور، كسفيان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣٥٥/٦٨ و٣٣٥٦ و٣٣٥٧ و٣٣٥٨ و٣٥٤٥/٥٧ - وفي ((الكبرى)) ٥٥١٥/٧٠ و٥٥١٦/٧١ و٥٥١٧/٧٢ و ٥٥١٨ و٥٥١٩ و٥٥٢٠ و٥٥٢١ و ٥٥٢٢ و٥٥٢٣. وأخرجه (د) في ((النكاح)) ٢١١٤ (ت) في ((النكاح)) ١١٤٥ (ق) في ((النكاح)) ١٨٩١ (الدارمي) في ((النكاح)) ٢٢٤٦ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز النكاح بغير تسمية المهر. (ومنها): ما كان عليه ابن مسعود تَظّه من الورع، حيث امتنع عن الفتوى بلا نصّ، حتى تردّدوا إليه نحو شهر، وهكذا ينبغي للعالم أن يتريّث، ولا يبادر إلى الفتوى، حتى يضطرّ إليه، ويبحث طويلًا في النصوص الشرعيّة، وأقوال أهل العلم ممن سبقه، ويبذل جهده في ذلك. (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا لم يفهم الحكم في القضيّة أن يُحيلها إلى غيره من أهل العلم، قبل أن يجتهد فيها، فإذا لم يجد أحدًا يحلّ القضيّة قام بحلّها، وبذل جهده في ذلك. (ومنها): أن إصابة الحقّ توفيقٌ من الله تعالى، فينبغي الشكر عليه، وأن خطأه من تلبيس الشيطان، ولا يُنسب إلى الشارع. (ومنها): أن المجتهد إذا أخطأ لا لوم عليه، بل يُعذر في ذلك، حيث إن له أجرًا باجتهاده، لحديث عمرو بن العاص، أنه سمع رسول اللَّه وَله، يقول: ((إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر)). متفقٌ عليه. (ومنها): أن المرأة التي لم يُسمّ لها صداقٌ إذا مات عنها زوجها لها مهر مثل نساء قومها، من غير زيادة، ولا نقص. (ومنها): أنها تجب عليها العدّة. (ومنها): أنها ترث من زوجها ذلك، بهذا كلّه قضى ابن مسعود رَّه، موافقًا لقضاء رسول اللَّه وَله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. = ٦٨- (إِيَاحَةِ التَّزويج بِغَيْر صَداقٍ) - حديث رقم ٣٣٥٥ ٧٧ (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم النكاح بلا تسمية صداق: قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: إن النكاح يصحّ من غير تسمية صداق، في قول عامّة أهل العلم، وقد دلّ على هذا قول الله تعالى: ﴿لَّا ◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن ◌َلَّقْتُمُ اُلِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتْعُوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٦] ثم أورد حديث ابن مسعود ◌َّه المذكور في الباب، قال: ولأنّ القصد من النكاح الوُصلة، والاستمتاع، دون الصداق، فصحّ من غير ذكره كالنفقة، وسواء تركا ذكر المهر، أو شرطا نفيه، مثل أن يقول: زوّجتك بغير مهر، فيقبله كذلك. ولو قال: زوجتك بغير مهر في الحال، ولا في الثاني صحّ أيضًا. وقال بعض الشافعيّة: لا يصحّ في هذه الصورة؛ لأنها تكون كالموهوبة، وليس بصحيح؛ لأنه قد صحّ فيما إذا قال: زوّجتك بغير مهر، فيصحّ ههنا؛ لأن معناهما واحدٌ، وما صحّ في إحدى الصورتين المتساويتين صحّ في الأخرى، وليست كالموهوبة؛ لأن الشرط يَفْسُدُ، ويجب المهر. إذا ثبت هذا، فإن المزوّجة بغير مهر تُسمّى مفوّضةً -بكسر الواو وفتحها- فمن كسر أضاف الفعل إليها على أنها فاعلة، مثلُ مُقوِّمة، ومن فتح أضافه إلى وليّها، ومعنى التفويض الإهمال، كأنها أهملت أمر المهر، حيث لم تسمّه، ومنه قول الشاعر [من البسيط]: لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ وَلَا سَرَاةَ إِذَا جُهَالَهُمْ سَادُوا يعني مهملين. والتفويض على ضربين: تفويض بُضْع، وتفويض مَهْرٍ، فأما تفويض البضع، فهو الذي ذكره الخِرَقيّ، وفسّرناه، وهو الذيّ ينصرف إليه إطلاق التفويض. وأما تفويض المهر فهو أن يجعلا الصداق إلى رأي أحدهما، أو رأي أجنبيّ، فيقول زوجتك على ما شئتَ، أو على حكمك، أو على حكمي، أو حكمها، أو حكم أجنبيّ، ونحوه. فهذه لها مهر المثل في ظاهر كلام الخِرَقيّ؛ لأنها لم تُزوّج نفسها إلا بصداق، لكنه مجهولٌ، فسقط لجهالته، ووجب مهر المثل. والتفويض الصحيح أن تأذن المرأة الجائزة الأمر لوليّها في تزويجها بغير مهر، أو بتفويض قدره، أو يزوّجها أبوها كذلك، فأما إن زوّجها غير أبيها، ولم يذكر مهرًا بغير إذنها في ذلك، فإنه يجب مهر المثل. وقال الشافعيّ: لا يكون التفويض إلا في الصورة الأولى. قال: فإذا طلّقت المفوّضة البُضْع قبل الدخول، فليس لها إلا المتعة، نصّ عليه = ٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ التَّكَاحِ أحمد في رواية جماعة، وهو قول ابن عمر، وابن عبّاس، والحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والشعبيّ، والزهريّ، والنخعيّ، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبي عُبيد، وأصحاب الرأي. وعن أحمد روايةٌ أخرى، أن الواجب لها نصف مهر مثلها؛ لأنه نكاح صحيح يوجب مهر المثل بعد، فيوجب نصفه بالطلاق قبل الدخول، كما لو سمّى مُحرَّمًا. وقال مالكٌ، والليث، وابن أبي ليلى: المتعة مستحبّةٌ غير واجبة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فخصّهم بها، فيدلّ على أنها على سبيل الإحسان والتفضّل، والإحسان ليس بواجب؛ ولأنها لو كانت واجبةً لم يختصّ المحسنين دون غيرهم. ولنا قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب، وقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بَلْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةِ تَعْنَذُّونَهَا فَمَنِّعُوهُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩]؛ ولأنه طلاقْ في نكاح يقتضي عوضًا، فلم يَعرُ عن العوض، كما لو سمّى مهرًا، وأداء الواجب من الإحسان، فلا تعارض بينهما انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٦ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَتِيَ فِي امْرَأَةٍ، تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، فَمَاتَ عَنْهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، لَا يُفْتِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: أَرَى لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَشَهِدَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانِ الْأَشْجَعِيُّ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ، قَضَى فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ)) ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، فإنه من أفراده، وهو ثقة حافظ، و((يزيد)): هو ابن هارون. و((سفيان)): هو الثوريّ. وقوله: ((فاختلفوا إليه)) أي تردّدوا إلى ابن مسعود تعظمه، يقال: هو يَختَلِف إلى فلان: إذا كان يتردّد. أفاده في ((تاج العروس)) ١٠٣/٦ مادة خلف. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله، أورده المصنف رحمه الله تعالى لبيان مخالفة سفيان لزائدة في زيادة الأسود، ولبيان اسم الرجل الأشجعيّ بأنه معقل بن سنان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) ((المغني)) ١٣٧/١٠-١٣٩. ٦٨- (إباحة التزویج بغیر صداقِ) - حديث رقم ٣٣٥٩ ٧٩ ٣٣٥٧- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّغْيِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي رَجُلِ تَزَّوَّجَ امْرَأَةً، فَمَاتَ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِّا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، قَالَ: لَهَا الصَّدَاقُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَالَ مَعْقِلُ ابْنُ سِنَانٍ: فَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ: ((قَضَى بِهِ فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ))). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((إسحاق بن منصور)): هو الكوسج. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و(«سفيان)»: هو الثوريّ. و((فِرَاس)) -بكسر الفاء، وتخفيف الراء: هو ابن يحيى الهمدنيّ الخارفيّ الكوفىّ، صدوق [٦] ٢٥٤١/٥٩. و((الشعبيّ)): هو عامر بن شَرَاحيل. و((مسروق)): هو ابن الأجدع. و((عبد اللَّه)): هو ابن مسعود تَظُه . وقوله: ((ولم يَفْرِض لها)) بفتح الياء، وكسر الراء، من باب ضرب: أي لم يقدّر لها المهر، أو لم يلتزم منه مِقْدارًا معينًا، بل تزوّجها من دون ذكره. والحديث صحيح، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٨- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي، وإنما أتى به لبيان أن سفيان في هذا الحديث له طريقان: طريق فراس، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عبد الله. وطريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. وكلاهما محفوظان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٣٥٩- (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَتَاهُ قَوْمٌ، فَقَالُوا: إِنَّ رَجُلًا مِنَّا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَجْمَعْهَا إِلَيْهِ، حَتَّى مَاتَ؟، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا سُئِلْتُ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّهِ أَشَدْ عَلَيَّ مِنْ هَذِهِ، فَأَتُوا غَيْرِي، فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ فِيهَا شَهْرًا، ثُمّ قَالُوا لَهُ فِي آخِرٍ ذَلِكَ: مَنْ نَسْأَلُ إِنْ لَمْ نَسْأَلْكَ؟، وَأَنْتَّ مِنْ جِلَّةٍ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ وَلِِّ، بَهَذَا الْبَلَدِ، وَلَا نَجِدُ غَيْرَكَ، قَالَ: سَأَقُولُ فِيهَا بِجَهْدِ رَأْيِي، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأْ فَمِنِّي، وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بُرَآءُ، أَرَى أَنْ أَجْعَلَ لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، أَرْبَعَةَ == ٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ أَشْهُرِ وَعَشْرًا، قَالَ: وَذَلِكَ بِسَمْعِ أُنَاسِ، مَنْ أَشْجَعَ، فَقَامُوا، فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَضَيْتَ، بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَّهِ، فِيَ امْرَأَةٍ مِنَّا، يُقَالُ لَهَا: بَرْوَعُ بِنْتُ وَاشِقٍ، قَالَ: فَمَا رُئِيَ عَبْدُ اللَّهِ، فَرِحَ فَرْحَةً يَوْمَئِذٍ، إِلَّا بِإِسْلَامِهِ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. والسند مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ ثقة حافظ، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض: داود، والشعبيّ، وعلقمة. وقوله: ((ولم يجمعها إليه)) بفتح حرف المضارعة، أي لم يضمّ تلك المرأة إلى نفسه، بمعنى أنه لم يجامعها. وقوله: ((ما سُئلت)) بالبناء للمفعول. وقوله: ((من جلّة)) بكسر الجيم، وتشديد اللام، جمع جليل، قال في ((القاموس)): وقومٌ جِلَّةٌ بالكسر: عُظَماءُ، سادَةٌ، ذَوُو أخطارِ انتهى. وقوله: ((بجهد رأيي)). قال الفيّوميّ: الجُهْد بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الوسع، والطاقة. وقيل: المضموم: الطاقة، والمفتوح المشقّة. والْجَهْدُ بالفتح لا غيرُ: النهاية، والغاية، وهو مصدرٌ، من جَهَد، من باب نَفَعَ: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب، وجهده الأمر، والمرضُ أيضًا: إذا بلغ منه المشقّةَ. انتهى. ومقصود ابن مسعود رَّه أنه سيبذل جهده في التفكير، والتنقيب في المسألة حتى يتوصّل إلى معرفتها حسب طاقته. والله تعالى أعلم. وقوله: ((فمن اللَّه)) أي من توفيقه عز وجل. وقوله: ((فمنّي، ومن الشيطان)) أي من قصوري، وتقصيري، ومن تسويل الشيطان، وتلبيسه عليّ وجهَ الحقّ. وقوله: ((بُرَآء)) بضمّ الباء الموحّدة، وتخفيف الراء، بوزن ◌ُرماء، جمع بريء، وإنما جمعه للتعظيم، أو لأن أقلّ الجمع اثنان. ووقع في النسخة ((الهندية)): ((بَرَاءٌ - بفتح الموحّدة، على وزن قَفَاء، يقال: بَرِىء زيدٌ من دَينِه يَبْرَأُ مهموزًا، من باب تعِبَ بَرَاءةً: سقط عنه طلبه، فهو بريء، وبارىء، وبَرَاءٌ بالفتح والمدّ. قاله الفيّوميّ. فعلى هذا فهو مفرد، فيكون خبرًا لـ ((اللَّهُ))، وخبر ((ورسوله)) محذوفٌ. والله تعالى أعلم. وقوله: ((أَرَى)) بفتح الهمزة مبنيًّا للفاعل. وقوله: ((بسمع أناس)) من إضافة المصدر إلى فاعله. يعني أن قضاء ابن مسعود تَّه بذلك كان بمكان يسمعه أناس من أشجع. وقوله: ((فقالوا: نشهد الخ)) تقدّم لنا أنه لا تنافي بينه وبين ما تقدّم من أن رجلًا، أو معقل بن سنان قال ذلك؛ لأنه يُحمل على أنه تكلم، وأنهم وافقوه على ذلك، فنسب إليهم کما نُسب إليه.