Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٤- (بَابُ النَّي عَنِ التَبَتُلُ) - حديث رقم ٣٢١٧
وَحَعَلْنَا لَمُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، فَلَا تَتَبَثَّلْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن عبد الله) بن بكر بن سليمان الْخُزاعيّ، أبو الحسن المقدسيّ،
صدوق [١٠]١٧٢٤/٤٣ من أفراد المصنّف.
[تنبيه]: قوله: ((الْخَلَنْجيّ)) -بفتح المعجمة، واللام، وسكون النون، بعدها جيمٌ-
قال في ((القاموس))، وشرحه ((التاج)): الْخَلَنْجُ كَسَمَنْد شجرٌ، فارسيّ معرّبٌ، يُتَّخَذ من
خشبه الأواني. وفي ((اللسان)): قيل: هو كلّ جَفْنَة، وصَحْفَة، وآنية صُنعت من خشب
ذي طرائق، وأساريع موشّاة انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم أجد من ذكر سبب نسبته إلى الخلنج، ولعله كان
يعمل الأواني، المتخذة من الْخَلَنج، أو يبيعها. والله تعالى أعلم.
٢- (أبو سعيد مولى بني هاشم) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عُبيد البصريّ،
نزيل مكة، لقبه جَرْدَقَة -بفتح الجيم، والدال، بينهما راء ساكنة، ثم قافٌ- صدوق ربما
أخطأ [ ٩]١٧٢٤/٤٣.
٣- (خّصين بن نافع) المازنيّ، ويقال: التميميّ، أبو نصر البصريّ الورّاق، لا بأس
به [٦]٤٧/ ١٧٣١ .
٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الثقة الحجة، لكنه يدلس [٣]٣٢/
٣٦ .
٥- (سعد بن هشام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣]١٣١٥/٦٧.
٦- (عائشة) رضي الله تعالى عنها٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى(٢). (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ) الأنصاريّ المدنيّ (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ) رضي اللَّه
(١) راجع (تاج العروس)) جـ ٢ ص ٣٥.
(٢) أي لأنه موقوف، فلا دخل لعائشة في السند. فتبصّر.

٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّكَاحِ
تعالى عنها (قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنِ النَّبْتُلِ؟) أي الانقطاع عن النكاح،
وملاذْ الدنيا إلى الاشتغال بالعبادة (فَمَا تَرَیْنَ فِیهِ؟) أي أيَّ حكم تعتقدين، وتذهبین إليه
في التبتّل؟، (قَالَتْ: فَلَا تَفْعَلْ) أي لا تتبتّل، بل انكِخْ، اقتداء بالمرسلين، الذين أمر
النبيّ ◌َلّر أن يقتدي بهم.
وفي رواية أحمد من طريق المبارك بن فَضَالة، عن الحسن عن سعد بن هشام، قال:
أتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، إني أريد أن أتبتل، فقالت: لا تفعل، ألم تقرأ:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، قد تزوج رسول اللّه وَّ،
وولد له)). (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، بمنزلة ((ألا)) (سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةٌ﴾ [الرعد: ٣٨]) قال الحافظ ابن كثير رحمه
الله تعالى: يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولاً بشرًا كذلك قد بعثنا المرسلين
قبلك بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم،
وجلعنا لهم أزواجا وذرّية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم وَله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا
بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي ((الصحيحين)) أن رسول اللّه وَ لَّ قال: ((أما
أنا فأصوم، وأفطر، وأقوم، وأنام، وآكل اللحم، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن
سنتي، فليس منّي(١))) انتهى(٢). وقولها (فَلَا تَتَبَثَّلْ) تأكيد لقولها: ((فلا تفعل)).
والمعنى: لا تتبّل؛ لأنه مخالف لهدي رسول اللّه وَ له الذي أمره الله تعالى بالاقتداء
بالأنبياء والرسل الذين قبله، حيث قال له: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنَهُمُ أَقْتَدِّةٌ﴾
الآية [الأنعام: ٩٠]، وكان من هديهم أن ينكحوا، ويولد لهم أولاد، كما بينته الآية
المذكورة، فإذا تبتلت خالفت هذا الهدي.
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) مطوّلاً، فقال:
حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال: حدثنا حصين بن نافع المازني -قال أبي(٣):
حصين هذا صالح الحديث- قال: حدثنا الحسن، عن سعد بن هشام، أنه دخل على أم
المؤمنين عائشة، فسألها عن صلاة رسول اللّه وَالهر، قالت: كان يصلي من الليل ثماني
ركعات، ويوتر بالتاسعة، ويصلي ركعتين، وهو جالس، وذكرت الوضوء، أنه كان
يقوم إلى صلاته، فيأمر بطَهُوره، وسواكه، فلما بَدَّن رسولُ اللَّه مَله صلى ست
ركعات، وأوتر بالسابعة، وصلى ركعتين، وهو جالس، قالت: فلم يزل على ذلك،
(١) هو الحديث الآتي للمصنّف بعد هذا.
(٢) - ((تفسير ابن كثير)) ٢/ ٥٣٧.
(٣) - القائل هو عبدالله بن الإمام أحمد راوي الحديث عنه.

٤٣
٤- (بَأَبُ النَّهْي عَن التَّبَثَلُ) - حديث رقم ٣٢١٨
حتى قُبِض، قلت: إني أريد أن أسألك عن التبتل؟ فما ترين فيه؟ قالت: فلا تفعل، أما
سمعت الله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ، فلا
تبتل، فخرج، وقد فَقِهَ، فقدم البصرة، فلم يَلْبَث إلا يسيرا، حتى خرج إلى أرض
مَكْرَان(١)، فقُتل هناك على أفضل عمله. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا موقوفٌ
صحيح، إن سلم من عنعنة الحسن، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه
هنا- ٣٢١٧/٤ - وفي ((الكبرى))٥٣٢٥/٤. وأخرجه أحمد بالرقم المذكور. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢١٨- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَفَّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ
النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آَكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشِ، وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: أَصُومُ، فَلَا أَفْطِرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ
قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ، يَقُولُونَ: كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أُصَلِي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأَفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ
النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت فقيه [١٠]٢/٢ .
٢- (عفّان) بن مسلم الصفّار الحافظ البصريّ، ثقة ثبت، من كبار[١٠]٤٢٧/٢١.
٣- (حماد بن سلمة) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد، تغير حفظه بآخره، من
كبار [٨]٢٨٨/١٨١.
٤ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤]٥٣/٤٥.
٥- (أنس) بن مالك رضي اللّه تعالى عنه٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
(١) - قال المرتضى الزبيديّ في ((التاج)): مَكْران كسَخْبَان، وضبطه ياقوت كعُثمان: بلد معروف.
قال: وقال أهل السير: سميت بمكران ابن فارك بن سام بن نوح أخي كرمان؛ لأنه نزلها،
واستوطنها، وهي ولاية واسعة مشتملةٌ على قُرى ومدائن، وهي معدن الفانيذ، ومنها يُنقل إلى
جميع البلدان. قال الإصطخريّ: والغالب عليها المفاوز، والضرّ، والقحط. انتهى ((تاج
العروس)» ٥٤٩/٣ .

٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النَّاحِ
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم
نيسابوريّ. (ومنها): أن فيه حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وثابت ألزم الناس
لأنس رضيه، لزمه أربعين سنة. (ومنها): أن فيه أنسًا رَمثله من المكثرين السبعة، روى
(٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (٩٢) أو (٩٣) وقد
جاوز مائة سنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَِّيِّ نَّ) وفي رواية
البخاريّ من طريق حميد الطويل، عن أنس: ((جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبيّ
وَالر، يسألون عن عبادة النبيّ وَل، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها(١)، فقالوا: وأين نحن من
النبيّ وََّ، قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر (٢) ... )) الحديث.
قال في ((الفتح)): ولا منافاة بين الروايتين، فالرهط من ثلاثة إلى عشرة، والنفر من
ثلاثة إلى تسعة، وكلّ منهما اسم جمع، لا واحد له من لفظه. ووقع في مرسل سعيد بن
المسيّب عند عبد الرزّاق أن الثلاثة المذكورين هو: عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن
عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون. وعند ابن مردويه من طريق الحسن العدنيّ(٣):
((كان عليّ في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات، فنزلت آية المائدة)). ووقع في
((أسباب الواحديّ)) بغير إسناد: ((أن رسول اللّه وَ لَّ ذَكَّرَ الناسَ، وخوّفهم، فاجتمع
عشرة من الصحابة -وهم: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبو ذرّ، وسالم
مولى أبي حُذيفة، والمقداد، وسلمان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومعقل بن
مُقَرِّن- في بيت عثمان بن مظعون، فاتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا
يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم، ولا يقربوا النساء، ويَجُبُّوا مذاكيرهم)). فإن كان
هذا محفوظًا احتمل أن يكون الرهط الثلاثة هو الذين باشروا السؤال، فنُسب ذلك إليهم
بخصوصهم تارة، ونسب للجميع لاشتراكهم في طلبه .
ويؤيّد أنهم كانوا أكثر من ثلاثة في الجملة ما روى مسلم من طريق زُرارة بن أوفى،
(١) أي استقلّوها، أي عدّوها قليلة.
(٢) - غرضهم بهذا: أن من لم يعلم حصول المغفرة له يحتاج إلى المبالغة في العبادة عسى أن يحصل
له، بخلاف من حصل له ذلك، لكن بين و # لهم أن ذلك ليس بلازم.
(٣) هكذا نسخة ((الفتح)) ((العدنيّ)) بالدال المهملة، والظاهر أنه تصحيف من ((العُرني))، بالراء بدال
الدال، فهو الحسن بن عبدالله العرني - بضم، ففتح - الكوفيّ ثقة أرسل عن ابن عباس، وهو من
الطبقة الرابعة، كما في ((التقريب)).

٤٥
٤- (بَابُ النَّهْي عَن التَّبتُلُ) - حديث رقم ٣٢١٨
عن سعد بن هشام، أنه قدم المدينة، فأراد أن يبيع عقاره، فيجعله في سبيل الله،
ويجاهد الروم حتى يموت، فلقي ناسًا بالمدينة، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا ستةً
أرادوا ذلك في حياة رسول اللّه وَّر، فنهاهم، فلما حدّثوه ذلك راجع امرأته، وكان قد
طلّقها)). يعني بسبب ذلك.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: لكن في عَدّ عبد الله بن عمرو معهم نظرٌ؛ لأن عثمان
ابن مظعون رَّه مات قبل أن يهاجر عبد اللَّه فيما أحسب انتهى(١).
(قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ
عَلَى فِرَاشٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصُومُ، فَلَا أَفْطِرُ) ولفظ البخاريّ: ((قال أحدهم: أما أنا فأنا
أصليّ الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء،
فلا أتزوّج أبدًا ... )) الحديث.
قال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى: فهؤلاء القوم حصل عندهم أن الانقطاع
عن ملاذً الدنيا، من النساء، والطيّب من الطعام، والنوم، والتفرّغ لاستغراق الأزمان
بالعبادات أولى، فلما سألوا عن عمل رسول اللّه وَ لّ، وعبادته لم يُدركوا من عبادته ما
وقع لهم أَبْدَوْا فارقًا بينهم وبين النبيّ ◌َِّ بأنه مغفورٌ له، ثم أخبَرَ كلُّ واحد منهم بما عزم
على فعله، فلما بلغ ذلك النبيّ و لير أجابهم بأن ألغى الفارق بقوله: ((إني أخشاكم لله)).
وتقرير ذلك: إني وإن كنت مغفورًا لي، فخشية الله، وخوفه يَحملني على
الاجتهاد، وملازمة العبادة، لكنّ طريقَ العبادة ما أنا عليه، فمن رغب عنه، وتركه،
فليس على طريقتي في العبادة.
ويوضّح هذا المعنى، ويُبيّنه أن عبادة اللَّه إنما هي امتثال أوامره الواجبة والمندوبة،
واجتناب نواهيه المحظورة والمكروهة، وما من زمان من الأزمان إلا وتتوجّه على
المكلّف فيه أوامر، أو نواهٍ، فمن قام بوظيفة كلِ وقتٍ فقد أدّى العبادة، وقام بها، فإذا
قام بالليل مصلّيًا، فقد قام بوظيفة ذلك الوقت، فإذا احتاج إلى النوم لدفع ألم السهر،
ولتقوية النفس على العبادة، ولإزالة تشويش مدافعة النوم المشوّشة للقراءة، أو لإعطاء
الزوجة حقّها من المضاجعة كان نومه ذلك عبادةً كصلاته، وقد بيّن هذا المعنى سلمانُ
الفارسيُّ لأبي الدرداء بقوله: «لكني أقوم، وأنام، وأحتسب في نومتى ما أحتسبه في
قومتي))، وكذلك القول في الصيام، وأما التزويج فيجري فيه مثل ذلك، وزيادة نيّة
تحصين الفرج، والعين، وسلامة الدين، وتكثير نسل المسلمين، وبهذه القصود
(١) - ((فتح ) ١٠ / ١٣١.

٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
الصحيحة تتحقّق فيه العبادات العظيمة، ولذلك اختلف العلماء في أيّ الأمرين أفضل،
التزويج، أم التفرّغ منه للعبادة؟، كما هو معروف في مسائل الخلاف.
وعلى الجملة فما من شيء من المباحات المستلذّات وغيرها إلا ويمكن لمن شرح
الله صدره أن يصرفه إلى باب العبادات والطاعات بإخطار معانيها بباله، وقصد نيّة
التقرّب بها، كما قد نصّ عليه المشايخ في كتبهم، كالحارث المحاسبيّ وغيره.
ومن فَهِمَ هذا المعنى، وحَصّله تحقّق أن النبيّ وَ ◌َّ قد حلّ من العبادات أعلاها؛
لانشراح صدره، وحضور قصده، ولعلمه بحدود اللَّه، وبما يُقَرّب منه.
ولما لم ينكشف هذا المعنى للنفر السائلين عن عبادته، استقلّوها بناءً منهم على أن
العبادة إنما هي استفراغ الوسع في الصلاة، والصوم، والانقطاع عن الملاذٌ، وهيهات
بينهما ما بين الثريّا والثَّرَى، وسُهيل والسُّها (١).
وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقّق أن فيه ردًّا على غلاة
المتزهّدين، وعلى أهل البطالة من المتصوّفين؛ إذ كلّ فريق منهم قد عَدَل عن طريقه،
وحاد عن تحقيقه انتهى كلام القرطبيّ (٢).
(فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَام) ((ما))
استفهاميّة، والاستفهام للإنكار، أي ما شأنهم، وحالهم؟ (يَقُولُونَ: كَذَا وَكَذَا) الجملة
في محلّ نصب على الحال.
وفي رواية البخاريّ: ((فجاء إليهم رسول اللَّه وَله، فقال: أنتم الذين قلتم كذا
وكذا؟)). ويُجمع بين الروايتين بأنه منع من ذلك عمومًا جهرًا، مع عدم تعيينهم،
وخُصوصًا فيما بينه وبينهم رفقًا بهم، وسترًا لهم.
(لَكِنِّي) استدراكٌ من شيء محذوف، دلّ عليه السياق، أي أنا وأنتم بالنسبة إلى
العبوديّة سواء، لكن أنا أعمل كذا (أُصَلِي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأَفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ
رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي) المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء
الإعراض عنه إلى غيره. والمراد مَنْ ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري، فليس منّ،
ولمح بذلك إلى طريقة الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله تعالى
به، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه، وطريقة النبيّ وَالر الحنيفية السمحة، فيُفطر
ليتقوّى على الصوم، وينام ليتقوّى على القيام، ويتزوّج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس،
(١) - كُوَيكِب صغير خفيّ في ((بنات نعش الكبرى))، والناس يمتحنون به أبصارهم. انتهى ((لسان
العرب».
(٢) - ((المفهم)) ٨٦/٤ - ٨٧. ((كتاب النكاح)).

=
٤٧
٤- (بَابُ النَّھي عَنِ التََّلُ) - حديث رقم ٣٢١٨
وتكثير النسل.
وقوله (فَلَيْسَ مِنِّي) إن كانت الرغبة بضرب من التأويل، يُعذر صاحبه فيه، فمعنى
((فليس مني)) أي على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملّة، وإن كان إعراضًا،
وتنطّعًا، يُفضي أرجحية عمله، فمعنى ((فليس مني)): على ملّتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوعٌ
من الكفر. قاله في ((الفتح))(١) . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢١٨/٤- وفي ((الكبرى))٥٣٢٤/٤. وأخرجه (خ) في ((النكاح))
٥٠٦٣ (م) في ((النكاح))١٤٠١ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٣١٢٢ و١٣٣١٦
و١٣٦٣١ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن التبّل. (ومنها):
أن فيه دلالةً على فضل النكاح، والترغيب فيه. (ومنها): ما كان عليه الصحابة * * من
الحرص على التأسي بالنبيّ وَّر، بحيث إنهم يبحثون عما يعمل به إذا خلا في بيته، حتى
لا يفوتهم الاتباع به في سنته التي يعمل بها في حال خلوته عنهم. (ومنها): أن فيه تتبّع
أحوال الأكابر للتأسّي بأفعالهم، وأنه إذا تعذّرت معرفته من الرجال جاز استكشافه من
النساء. (ومنها): أن من عزم على عمل برّ، واحتاج إلى إظهاره حيث يأمن الرياء لم
يكن ذلك ممنوعًا. (ومنها): تقديم الحمد، والثناء على الله تعالى عند إلقاء مسائل
العلم، وبيان الأحكام للمكلّفين، وإزالة الشبهة عن المجتهدين. (ومنها): أن المباحات
قد تنقلب بالقصد إلى الكراهة، والاستحباب. (ومنها): ما قاله الطبريّ: إن فيه الردّ
على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس، وآثر غليظ الثياب، وخشن
المأكل. قال عياض: هذا مما اختلف فيه السلف، فمنهم من نحا إلى ما قاله الطبريّ،
ومنهم من عكس، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَئِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية:
[الأحقاف: ٢٠]، قال: والحقّ أن هذه الآية في الكفّار، وقد أخذ النبيّ وَّ بالأمرين.
(١) - ((فتح٤ ١٠ / ١٣١ - ١٣٢ .

٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّکَاحِ
قال الحافظ: لا يدلّ ذلك لأحد الفريقين، إن كان المراد المداومة على إحدى
الصفتين، والحقّ أن ملازمة استعمال الطيّبات تُفضي إلى الترفّه، والبطر، ولا يأمن من
الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانًا، فلا يستطيع الانتقال عنه،
فيقع في المحظور، كما أن منع تناول ذلك أحيانًا يفضي إلى التنطّع المنهيّ عنه، ويردّ
عليه صريح قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية
[الأعراف: ٣٢]. كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها،
وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلاً، وترك التنفّل يفضي إلى إيثار البطالة، وعدم
النشاط إلى العبادة، وخير الأمور الوسط، وفي قوله: ((إني لأخشاكم لله)) مع ما انضمّ
إليه إشارة إلى ذلك انتهى.
(ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن العلم بالله، ومعرفة ما يجب من حقّه أعظم قدرًا من
مجرّد العبادة البدنية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٥- (بَابُ مَعُونَةِ اللَّهِ النَّاكِحَ الَّذِي
يُرِيدُ الْعَفَافَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الْمَعُونة)) -بفتح الميم، وضمّ العين- بوزن مَفْعُلَة -
بضم العين أيضًا، وبعضهم يجعل الميم أصليّةً، ويقول: هي مأخوذةٌ من الماعون،
ويقول: هي فَعُولَة، ويقال فيها: ((الْمَعَانة بالفتح أيضًا: اسم من العَوْن، وهو -بفتح،
فسكون -: الظّهير على الأمر، وجمعه أعوان، واستعان به، فأعانه، وقد يتعدّى بنفسه،
فيقال: استعانه. أفاده في ((المصباح المنير)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢١٩- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: (( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنُمُ: الْمُكَاتَبُ
الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث حسنٌ، وقد تقدم للمصنّف في ((كتاب
الجهاد)) برقم -٣١٢١/١٢-، رواه هناك عن محمد بن عبد الله بن يزيد، عن أبيه، عن

٤٩
=
٦- (نِکَاحُ الأبَّارِ) - حديث رقم ٣٢٢٠
ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، به، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه
تستفد .
و((الليث)): هو ابن سعد الإمام المصريّ. و((سعيد)) هو: المقبري.
وقوله: ((ثلاثة حقّ الخ)) قال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى: وَرَد لهم رابعٌ في
حديث، وهو الحاجَ، وقد نظمتهم في بيتين:
حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُ جْعٍ وَهُوَ لَهُمْ فِي غَدٍ يُجَازِي
مُكَاتَبٌ نَاكِحْ عَفَافًا وَمَنْ أَتَّى بَيْتَهُ وَغَازِي
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قال السيوطيّ أنه ورد لهم رابع، وأورد
الحديث في ((الجامع الصغير)) بلفظ: ((أربع حقّ على اللّه تعالى عونهم: الغازي،
والمتزوّج، والمكاتب، والحاجّ)). ورمز له بـ (حم) عن أبي هريرة ◌َّه.
لكن هذا الحديث لم يوجد في ((مسند أحمد))، وإنما الذي فيه بلفظ ((ثلاث)) كما هو
عند النسائيّ، أورده في ((باقي مسند المكثرين)) في موضعين، برقم ٧٣٦٨ و٩٣٤٨ .
وضعّف الشيخ الألبانيّ الحديث في ((السلسلة الضعيفة))، وكتب في الهامش أنه لم
يجده بهذا اللفظ في ((المسند)) بعد المراجعة الكثيرة. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((حقّ على اللَّه)) أي واجب بمقتضى وعده سبحانه وتعالى. وقوله: ((العَفَاف))
-بفتح العين المهملة -: أي الكفّ عن المحارم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
٦ - (نِكَاحُ الأبْكَارِ)
٣٢٢٠- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ،
فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((أَتَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟))، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((بِكْرًا أَمْ ثَيًِّا؟»،
فَقُلْتُ: فَيِّبًا، قَالَ: ((فَهَلَّا بِكْرًا، تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١ .

٠
شرح سنن النسائي - ◌ِتَابُ النّكَاحِ
٢- (حماد) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة
ثبت [٨]٣/٣.
٣- (عمرو) بن دينار الأثرم الجمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤]١١٢/ ١٥٤.
٤- (جابر) بن عبد الله بن عمرو الأنصاريّ رضي اللَّه تعالى عنهما٣٥/٣١. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٦٠) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنهم ما بين بغلانيّ، وهو
شيخه، وبصريّ، وهو حماد، ومكيين، وهما عمرو، وجابر، فإن جابراً رَّه، وإن
كان مدنيًا إلا أنه سكن مكة أيضًا. (ومنها): أن فيه جابرًا رَظنّه من المكثرين السبعة،
روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
-
شرح الحديث
(عَنْ جَابِر) بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: تَزَوَّجْتُ) امرأة اسمها -
كما قال ابن سعد- سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصاريّة الأوسيّة. (١) (فَأَتَيْتُ
النَِّيِّ نَّهِ، فَقَالَ: ((أَتَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟))) وفي رواية عطاء، عن جابر الآتية بعدُ: ((يا جابر
هل أصبت امرأةً بعدي ... )).
وفي رواية البخاريّ من طريق الشعبيّ، عن جابر بن عبد الله، قال: قَفَلْنا مع النبي
وَلّ من غزوة، فتعجلت على بعير لي، قَطُوف، فلحقني راكب من خلفي، فَنَخْسَ
بعيري بعَنَزَة، كانت معه، فانطلق بعيري، كأجود ما أنت راء من الإبل، فإذا النبي وَلآ،
فقال: ((ما يعجلك؟))، قلت: كنت حديث عَهْدٍ بعُرْس، قال: ((أبكرا أم ثيبا؟))، قلت:
ثيبا، قال: ((فهلا جارية تلاعبها، وتلاعبك؟))، قال: فلما ذهبنا لندخل، قال: ((أَمْهِلوا
حتى تدخلوا ليلا)) -أي عشاء- ((لكي تمتشط الشَّعِئَة، وتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبة)).
[تنبيه]: رواية البخاريّ هذه توضّح أن سؤال النبيّ وَّ لجابر عن تزوّجه لم يقع عقب
الزواج، كما توهمه رواية المصنّف بلفظ: ((تزوجت، فأتيت النبيّ وَّ، فقال:
((أتزوّجت يا جابر؟)) بل كان بعد مدّة؛ لأن زواجه كان بالمدينة بعد أن استشهد أبوه
بأحد، والسؤال وقع في الرجوع من الغزوة، وقد رجّح في ((الفتح)) أن تلك الغزوة هي
ذات الرقاع، وكانت بعد أحُد بسنة على الصحيح، وقيل: هي تبوك(٢).
(١) - ((فتح ١ ١٠ / ١٥٣ .
(٢) - راجع ((الفتح))٦٦٥/٥ ((كتاب الشروط)).

=
٥١
٦- (نِكَاحُ الأبَكَارِ) - حديث رقم ٣٢٢٠
(قُلْتُ: نَعَمْ) أي تزوّجتُ (قَالَ) وَ (بِكْرًا أَمْ ثَيًِّا؟) منصوب بفعل محذوف،
بتقديره: أتزوّجت بكرًا؟، وكذا قوله (فَقُلْتُ: فَيَّا) أي تزوّجتُ ثيًّا .
و((البكر)): خلاف الثيّب، رجلاً كان أمرأةً، وهو الذي لم يتزوّج، وجمعه أبكار، مثلُ
حِمْلٍ وأحمال.
و(الثيّب)): المتزوّج، فَيعِلٌ، اسم فاعل من ثاب: إذا رجع، ومنه قيل للمكان الذي
يَرجع إليه الناس مَثَابةٌ. وقيل للإنسان إذا تزوّج ثَيّبٌ، وإطلاقه على المرأة أكثر؛ لأنها
ترجع إلى أهلها بوجه غير الأول، ويستوي في الثّب الذكر والأنثى، كما يقال: أَيّمٌ،
وبِكْرٌ، وجمع المذكر ثَّبون بالواو والنون، وجمع المؤنث ثَيّبات، والمولّدون يقولون:
ثُيَّبٌ، وهو غير مسموع، وأيضًا فَفَيعِلٌ لا يُجمع على فُعَّلِ. أفاده الفيّوميّ.
وقال وليّ الدين: البكر هي الجارية الباقية على حالتها الأولى، والثيب المرأة التي
دخل بها الزوج، وكأنها ثابت إلى حال كبار النساء غالبًا انتهى(١).
(قَالَ) بَرِ (فَهَلَّا) - بفتح الهاء، وتشديد للام- أداة تحضيض، ولا يليها إلا الفعل
غالبًا، نحو هَلّا أكرمتَ زيدًا، وقد يليها اسم معمول لفعل محذوف، كقول الشاعر:
هَلَا التَّقَدُّمُ وَالْقَلُوبُ صِحَاحُ
أي هلّا وُجِد التقدّم، وكقوله هنا (بِكْرًا) أي هلّا تزوّجتَ بكرًا. وفي رواية للبخاريّ:
((أفلا جارية)). وفي رواية له من طريق محارب بن دثار، عن جابر: ((ما لك وللعَذَاري
ولِعابها)). و(العذاري)) -بفتح الراء، وكسرها- جمع عذراء، وهي البكر. وقوله (تُلَاعِبُهَا،
وَتُلَاعِبُكَ) من الملاعبة، تعليلٌ للترغيب في البكر، سواء كانت الجملة مستأنفةً، كما هو
الظاهر، أو صفة ((بكر))، أي ليكون بينكما كمال التألّف والتأنّس؛ فإن الثيب قد تكون
متعلّقة القلب بالسابق.
وزاد في رواية عند البخاريّ في ((النفقات)): ((وتضاحكها، وتضاحكك)). قال في
((الفتح)): وهو مما يؤيّد أنه من اللعب. ووقع عند الطبرانيّ من حديث كعب بن عُجرة
رَ فيه: ((أن النبيّ وَلهل قال الرجل ... )) فذكر نحو حديث جابر وَّيه، وقال فيه:
((وتَعَضّها، وتعضّك)).
وفي رواية: ((تداعبها وتداعبك)) بالدال المهملة بدل اللام، من المداعبة، وهو
المزح .
ووقع في رواية لأبي عبيدة: ((تُذاعبها، وتُذاعبك)) - بالذال المعجمة بدل اللام.
(١) - ((طرج التثريب» ٧ / ١٠.

٥٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّكَاحِ
وأما ما وقع في رواية محارب المتقدّمة بلفظ: ((مالك وللعَذَارَى ولِعَابها))، فقد ضبطه
الأكثر بكسر اللام، وهو مصدر من الملاعبة أيضًا، يقال: لاعب لِعابًا وملاعبةً، مثل
قاتل قتالاً ومقاتلةً. ووقع في رواية المستملي بضمّ اللام، والمراد به الريق، وفيه إشارةٌ
إلى مصّ لسانها، ورَشف شفتيها، وذلك يقع عند الملاعبة والتقبيل، وليس هو ببعيد،
كما قال القرطبيّ(١). ويؤيّد أنه بمعنى آخر غير المعنى الأول قول شعبة: إنه عرَض ذلك
على عمرو بن دينار، فقال: اللفظ الموافق للجماعة (٢). وفي رواية لمسلم التلويح
بإنكار عمرو رواية مُحارب بهذا اللفظ، ولفظه: ((إنما قال جابرٌ: تلاعبها وتلاعبك))،
فلو كانت الروايتان متحدتين في المعنى لما أنكر عمرو ذلك؛ لأنه كان ممن يُجيز الرواية
بالمعنى .
وفي رواية عطاء الآتية- ٣٢٢٧/١٠ - من الزيادة: ((قال: قلت: يا رسول الله، كنّ
لي أخوات، فخشيتُ أن تدخل بيني وبينهنّ، قال: فذاك إذًا، إن المرأة تُنكح على
دينها، ومالها، وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك)).
وفي رواية للبخاريّ: «قلت: كُنّ لي أخوات، فأحببتُ أن أتزوّج امرأةٌ تجمعهنّ،
وتَمشُطُهنّ، وتقوم عليهنّ))، أي وتقوم في غير ذلك من مصالحهنّ، وهو من العام بعد
الخاصّ. وفي رواية له في ((النفقات)): ((هلك أبي، وترك سبع بنات - أو تسع بنات-
فتزوّجت ثيًّا، كرهتُ أن أَجيئهنّ بمثلهنّ، فقال: بارك الله لك))، أو قال: خيرًا. وفي
رواية له في ((المغازي)): ((وترك تسع بنات، كنّ لي تسع أخوات، فكرهتُ أن أجمع
إليهنّ جاريةً خرقاء مثلهنّ، ولكن امرأة تقوم عليهنّ، وتمشُطهنّ، قال: أصبت)). وفي
رواية: «فأردتُ أن أنكح امرأةً قد جرّبت خلا منها، قال: فذاك)).
قال الحافظ وليّ رحمه اللّه تعالى: هذه الرواية التي فيها الجزم بأن أخواته كنّ تسعًا
مقدّمة على رواية حماد بن زيد التي فيها التردّد بين التسع والسبع، فإن من حفظ حجة
على من لم يحفظ انتهى (٣).
(١) - أي كما ادعى القرطبيّ كونه بعيدًا، وعبارته في ((المفهم)) ٢١٥/٤ - : وقد رواه أبو ذرّ من طريق
المستملي: ((لُعابها)) بالضمّ - يعني به ريقها عند التقبيل، وفيه بعد، والصواب الأول انتهى.
(٢) - ورواية شعبة هذه ساقها البخاريّ في (صحيحه))، ولفظه:
- حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا محارب، قال: سمعت جابر بن عبدالله رضي الله عنهما
يقول: تزوجتُ، فقال لي رسول اللَّه وَله: ((ما تزوجتَ؟ فقلت: تزوجت ثيبا، فقال: ((ما لك
وللعذارى ولعابها))، فذكرت ذلك لعمرو بن دينار، فقال عمرو: سمعت جابر بن عبدالله يقول:
قال لي رسول اللّه وَلجر: ((هَلّا جاريةً تلاعبها وتلاعبك؟)).
(٣) - ((طرح التثريب١٢/٧٤. (كتاب النكاح)).

٥٣=
٦- (نِكَاحُ الأَبَّكَارِ) - حديث رقم ٣٢٢٠
[فائدة]: لم يُعرف أسماء أخوات جابر رضي اللَّه تعالى عنه. قاله في ((الفتح)) (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٢٢٠/٦ و٣٢٢١ و ٣٢٢٦/١٠ - وفي «الكبرى»٥٣٢٧/٦ و٥٣٢٨
و٥٣٣٦/١٠. وأخرجه (خ) في ((البيوع»٢٠٩٧ و((الوكالة))٢٣٠٩ و((المغازي)) ٤٠٥٢
و((النكاح))٥٠٧٩ و٥٠٨٠ و٤٢٤٥ و٥٢٤٧ و((النفقات)) ٥٣٦٧ و((الدعوات))٦٣٨٧ (م)
في ((الحجّ))١٣٩١ و(الرضاع))٧١٥ (د) في ((النكاح))٢٠٤٨ (ت) النكاح)١١٠٠٧ (ق)
(النكاح))١٨٦٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))١٣٧١٨ و١٣٨٢٢ و١٣٨٩٤
و١٣٩٦٧ و١٤٦٠٨ و١٤٧٧١ (الدارميّ) («النكاح»٢٢١٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان استحباب نكاح الأبكار؛
لكونه ◌َّيهر حضّ على ذلك، وقد ورد بأصرح من ذلك عند ابن ماجه من طريق
عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عُوَيم بن ساعدة، عن أبيه، عن جدّه بلفظ: ((عليكم
بالأبكار، فإنهنّ أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا)). أي أكثر حركةٌ، والنتق - بنون،
ومثناة -: الحركة، ويقال أيضًا للرمي، فلعلّه يريد أنها كثيرة الأولاد. وأخرج الطبراني
في ((المعجم الكبير)) من حديث ابن مسعود نحوه، وزاد: ((وأرضى باليسير)).
ولا يعارضه حديث: ((عليكم بالولود)» من جهة أن كونها بكرًا لا يُعرف به كونها كثيرة
الولادة، فإن الجواب عن ذلك أن البكر مظنّة، فيكون المراد بالولود من هي كثيرة
الولادة بالتجربة، أو بالمظنّة، وأمّامًا جُرّبت، فظهرت عقيمًا، وكذا الآيسة، فالخبران
متّفقان على مرجوحيتهما. (ومنها): أن فيه فضيلةً لجابر رَّه؛ لشفقته على أخواته،
وإيثاره مصلحتهنّ على حظّ نفسه. (ومنها): أنه إذا تزاحمت مصلحتان قُدّم أهمّهما؛
لأن النبيّ وَلّ صوّب فعل جابر رَّه، ودعا له لأجل ذلك. (ومنها): أنه يؤخذ منه
الدعاء لمن فعل خيرًا، وإن لم يتعلّق بالداعي. (ومنها): أن فيه سؤالَ الإمام أصحابَهُ
عن أمورهم، وتفقّده أحوالهم، وإرشاده إلى مصالحهم، وتنبيههم على وجه المصلحة،
(١) - ((فتح)) ١٠ / ١٥٣. ((كتاب النكاح)).

٥٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ النّاح
ولو كان في باب النكاح، وفيما يُسحيا من ذكره. (ومنها): أن فيه مشروعيّة خدمة المرأة
زوجها، ومن كان منه بسبيل، من ولد، وأخ، وعائلة، وأنه لا حرج على الرجل في
قصده ذلك من امرأته، وإن كان ذلك لا يجب عليها، لكن يؤخذ منه أن العادة جارية
بذلك، فلذلك لم ينكره النبيّ بَ ير. هكذا قال في ((الفتح))(١) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في قوله: ((وإن كان ذلك لا يجب عليها)) نظرّ لا
يخفى، ومن أيّ دليل استنبط هذا؟، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ
بِالْعُرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآية، فأوجب الله عز وجل على النساء مثل ما أوجب لهن
على الرجال مما جرى العرف به، وقد جرى العرف بأن الزوجة تخدم زوجها، وتقوم
على بيته، وأولاده، فالحقّ أن خدمة الزوجة لزوجها، وقيامها بمهمات بيته مما أوجبه
الشرع الشريف. وقد عقد الإمام ابن القيّم رحمه اللّه تعالى في كتابه النافع ((زاد المعاد
في هدي خير العباد)) فصلاً مفيدًا جدًّا، أحببت إيراده لأهميته، ونفاسته، قال رحمه الله
تعالی :
[فصل]: في حكم النبيّ ◌َّر في خدمة المرأة لزوجها:
قال ابن حبيب في ((الواضحة)): حكم النبيّ وَّه بين عليّ بن أبي طالب تَظَنّه، وبين
زوجته فاطمة رضي اللّه تعالى عنها حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة
الباطنة، خدمةِ البيت، وحكم على عليّ بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة
الباطنة: العجن، والطبخ، والفرش، وكنس البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كلّه.
وفي ((الصحيحين)): أن فاطمة رضي اللّه تعالى عنها أتت النبيّ بَله، تشكو إليه ما
تلقى في يديها من الرحى، وتسأله خادمًا، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة رضي اللَّه
تعالى عنها، فلما جاء رسول اللَّه ◌َلتر أخبرته، قال عليّ: فجاءنا، وقد أخذنا مضاجعنا،
فذهبنا نقومُ، فقال: ((مكانكما))، فجاء، فقعد بيننا، حتى وجدت برد قدميه على بطني،
فقال: ((ألا أدلكما على ما هو خيرٌ لكما مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما، فسبّحا
الله ثلاثًا وثلاثين، واحمَدًا ثلاثًا وثلاثين، وكبّرا أربعًا وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من
خادم))، قال عليّ: فما تركتها بعدُ، قيل: ولا ليلة صفّين؟ قال: ولا ليلة صفّين.
وصحّ عن أسماء أنها قالت: كنت أخدُم الزبير خدمة البيت كلّه، وكان له
فرَسّ، وكنت أسوسه، وكنت أحتش له، وأقوم عليه(٢). وصحّ عنها أنها كانت
تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتعجِن، وتنقُل النوى على رأسها من
(١) - ((فتح)) ١٠ / ١٥٣ - ١٥٤.
(٢) - أخرجه أحمد في ((مسنده)) ٦/ ٣٥٢ بإسناد صحيح.

٥٥
٦- (نِكَاحُ الأبَكَارِ) - حديث رقم ٣٢٢٠
أرض له على ثُلثي فرسخ (١).
فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح
البيت. وقال أبو ثور: عليها أن تخدُم زوجها في كلّ شيء. ومنعت طائفة وجوب خدمته
عليها في شيء، وممن ذهب إلى ذلك مالكٌ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأهل الظاهر،
قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع، لا الاستخدام، وبذل المنافع، قالوا:
والأحاديث المذكورة إنما تدلّ على التطوّع، ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟.
واحتجّ من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه وتعالى
بكلامه، وأما ترفيهُ المرأة، وخدمة الزوج، وكنسه، وطحنه، وعَجْنه، وغسيله،
وفرشه، وقيامه بخدمة البيت، فمن المنكر، والله تعالى يقول: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ
بِالْعُرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤]،
وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوّامة عليه.
وأيضًا فإن المهر في مقابلة البضع، وكلٌّ من الزوجين يقضي وطره من صاحبه، فإنما
أوجب الله سبحانه وتعالى نفقتها، وكسوتها، ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها
وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج.
وأيضًا فإن العقود المطلقة إنما تُنزّل على العرف، والعرف خدمة المرأة، وقيامها
بمصالح البيت الداخلة .
وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرّعًا وإحسنًا يردّه أن فاطمة كانت تشتكي ما
تلقى من الخدمة، فلم يقل لعليّ: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو ◌َّ لا يُحابي في
الحكم أحدًا؛ ولَمّا رأى أسماء، والعلَف على رأسها، والزبير معه، لم يقل له: لا خدمة
عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقرّه على استخدامها، وأقرّ سائر أصحابه على استخدام
أزواجهم، مع علمه بأنّ منهنّ الكارهةَ والراضيةَ، هذا أمر لا ريب فيه. ولا يصحّ التفريق بين
شريفة، ودينئة، وفقيرة، وغنيّة، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها، وجاءته وَّل
تشكو إليه الخدمة، فلم يُشْكِها، وقد سمّى النبيّ وَّ في الحديث الصحيح المرأة عانيةً،
فقال: ((اتقوا الله في النساء، فإنهنّ عَوَانٍ عندكم)). والعاني الأسير، مرتبة الأسير خدمة من
هو تحت يده، ولا ريب أن النكاح نوعٌ من الرقّ، كما قال بعض السلف: النكاح رقّ، فلينظر
أحدكم عند من يُرقّ كريمته. ولا يخفى على المنصف الراجحُ من المذهبين، والأقوى من
الدليلين انتهى كلام ابن القيّم رحمه اللّه تعالى(٢).
(١) - أخرجه أحمد فى («مسنده» ٦/ ٣٤٧. بإسناد صحيح.
(٢) - ((زاد المعاد في هدي خير العباد١٨٦/٥٤ - ١٨٩.

٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى
تحقيق نفيسٌ جدًّا، فقد ظهر لنا به، وتبيّن، واتضح أن المذهب الأول، وهو وجوب
خدمة المرأة زوجها هو الراجح؛ لقوة دليله؛ لأنه المعروف في ذلك الوقت الذي نزل
فيه قوله تعالى: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، فأوجب الله عز
وجل عليها أن تلتزم بما هو معروف عند الناس، وقد طبّق نساء العصر الأول من
الصحابيات، وغيرهنّ على أنفسهنّ ما طُلب منهنّ في الآية الكريمة، كما تقدم آنفًا في
قصّة فاطمة، وأسماء رضي اللّه تعالى عنهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٢٢١ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنِ ابْنِ
◌ُرَئِجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، فَقَالَ: ((يَا جَابِرُ،َ هَلْ أَصَبْتَ
امْرَأَةٌ بَعْدِي؟))، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((أَبِكْرًا أَمْ أَيُّمًا؟))، قُلْتُ: أَيُّمَا، قَالَ:
((فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُكَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
((الحسن بن قَزَعَة)) وهو الهاشميّ مولاهم البصريّ، صدوق [١٠]١٧٣١/٤٧. فتفرد به
هو والترمذي، وابن ماجه.
وغير («سفيان بن حبيب)» وهو أبو محمد البزاز البصريّ، ثقة [٩]٨٢/٦٧ فإنه من
رجال الأربعة. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح.
وقوله: ((بعدي)) أي بعد غيبتك عنّي. وقوله: ((أبكرًا أم ثيًّا؟)) منصوب بفعل مقدّر،
أي أتزوّجت بكرًا، وكذا ما بعده.
و((الأيّم)) - بفتح الهمزة، وتشديد المثنّاة التحتيّة -: الْعَزَبُ(١) رجلاً كان، أو امرأةً،
قال الصغانيّ، وسواء تزوّج من قبلُ، أو لم يتزوّج، فيقال: رجلٌ أَيِّمٌ، وامرأةٌ أيّمُ، قال
الشاعر [من الطويل]:
فَأُبْنَا وَقَدْ آمَثْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ وَنِسْوَانُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيْمُ
وقال ابن السّكّيت أيضًا: فلانة أيّمّ: إذا لم يكن لها زوجٌ، بكرًا كانت، أو ثيبًا،
ويقال أيضًا: أَيِّمة للأنثى. قاله الفيوميّ.
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) - الْعَزَب بفتحتين من ليس له أهلٌ، رجلاً كان، أو امرأةً. ((مصباح)).

٥٧
٧- (تَزَوُجُ الْمَرْأَةِ مِثْلَهَا فِي السِّنْ) - حديث رقم ٣٢٢٢
٧- (تَزَوُجُ الْمَرْأَةِ مِثْلَهَا فِي السِّنِّ)
٣٢٢٢- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ
وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ رَِّا فَاطِمَةَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((إِنََّا صَغِيرَةٌ»، فَخَطَبَهَا عَلِيٍّ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (الحسين بن حريث) أبو عمّار الخزاعيّ مولاهم، المروزيّ، ثقة [١٠]٥٢/٤٤.
٢- (الفضل بن موسى) أبو عبد الله السِّينَانيّ المروزيّ، ثقة ثبتٌ، ربما أغرب، من
كبار [٩]١٠٠/٨٣ .
٣- (الحسين بن واقد) أبو عبد الله المروزيّ القاضي، ثقة له أوهام [٧]٥/ ٤٦٣.
٤- (عبد الله بن بريدة) بن الحصيب الأسلميّ المروزيّ القاضي، مات سنة (١٠٥)
وقيل: بل سنة (١١٥) وله مائة سنة، ثقة [٣]٣٩٣/٢٥.
٥- (أبوه) بريدة بن الحصيب -بمهمليتين، مصغّرًا- الأسلميّ الصحابيّ، أسلم
رضي اللّه تعالى عنه قبل بدر، ومات سنة (٦٣)، وتقدم في ١٣٣/١٠١. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه .
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) الأسلمي القاضي (عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الْحُصيب رضي اللَّه
تعالى عنه، أنه (قَالَ: خَطَبَ) من باب قتل (أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (وَعُمَرُ) بن الخطّاب
(رََِّا فَاطِمَةَ) بنت رسول اللَّه ◌َلَه أي طلبا أن يتزوَّجاها، يقال: خطب المرأةَ إلى
القوم، من باب قتل: إذا طلب أن يتزوّج منهم، واختطبها، والاسم الْخِطْبة - بالكسر-،
فهو خاطبٌ، وخَطَابٌ مبالغةٌ. قاله في ((المصباح)) (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَ: ((إِنَّا صَغِيرَةٌ)
أي وكلّ منكما لا يوافقها في السنّ، والمقصود من النكاح دوام الألفة، وبقاء العشرة،
فإذا كان أحد الزوجين في غير سنّ الآخر لم يحصل الغرض كاملاً، فربّما أدى إلى

٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّكَاحِ
الفُرقة المنافية لمقصود النكاح (فَخَطَبَهَا عَلِيٍّ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ) قال السنديّ رحمه اللَّه
تعالى: ما معناه: أي خطبها عقب ذلك بلا مهلة، كما تدلّ عليه الفاء، فعلم أنه وَلِّ لا
حَظَ الصغر بالنظر إليهما، وما بقي ذاك بالنظر إلى عليّ وَّ، فزوّجها منه، ففيه أن
الموافقة في السنّ، أو المقاربة مَرْعيّةٌ؛ لكونها أقرب إلى المؤالفة. نعم قد يُتَرَكُ ذاك لما
هو أعلى منه، كما في تزويج عائشة رضي اللّه تعالى عنها. والله تعالى أعلم انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أشار السنديّ رحمه الله تعالى في كلامه المذكور
إلى جواب استشكال وارد على حديث الباب، وهو أنه وَل تزوّج عائشة، وهي صغيرة،
فكيف قال لأبي بكر وعمر رضي اللَّه تعالى عنهما: ((إنها صغيرة))؟ .
وحاصل الجواب أن الموافقة في السن، أو المقاربة فيه إنما يُعتبر فيما إذا لم يكن
للزوج فضل يجبُرُ ذلك، وإلا فلا بأس بالتفاوت فيه؛ ولذلك تزوّج النبيّ وَّل عائشة
رضي اللَّه تعالى عنها، وهي بنت ست سنين، وهو فوق خمسين سنة؛ لما ذكرنا.
[فإن قيل]: قد كان لأبي بكر وعمر فضل يؤدّي الغرض؛ فلما ذا لم يُعتبر؟.
[قلنا]: نعم لا يُنكر فضلهما، وشرفهما رضي اللَّه تعالى عنهما، إلا أنّ لعليّ رضي
اللَّه تعالى عنه زيادةً فضل عليهما بالنسبة لفاطمة رضي اللّه تعالى عنها، وهو كونه مقاربًا
لها في السنّ، وهو الذي يحصل به الغرض من النكاح، وهو دوام الألفة والمحبّة بين
الزوجين، كما ذكرنا، فلذا قدمه النبيّ وَ لير عليهما؛ لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث بريدة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح ، وهو من
أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٣٢٢٢/٧ - وفي («الكبرى»٧/ ٥٣٢٩. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٨- (تَزَوُجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا الباب الإشارة
إلى أن المعتبر في النكاح الكفاءة في الدين.
١
(١) - ((شرح السنديّ)) ٦٢/٦.

=
٥٩
٨- (تَزَوُجُ الْمَوْلَى العَرَبِيّة) - حديث رقم ٣٢٢٣
وأصرح منه قول الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى، حيث قال: [باب الأَكْفَاء في
الدين] وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرَاً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:
٥٤] انتھی.
قال في ((الفتح)): قال الفرّاء: النسب من لا يحلّ نكاحه، والصهر من يحلّ نكاحه.
فكأن المصنّف لَمّا رأى الحصر وقع بالقسمين صلح التمسّك بالعموم؛ لوجود
الصلاحية، إلا ما دلّ الدليل على اعتباره، وهو استثناء الكافر. انتهى(١).
وهذا الذي ذهب إليه المصنف تبعًا للبخاري مذهب مالك، وجماعة من السلف، وهو
المذهب الراجح، خلافًا لمن اعتبره في النسب، وهم الجمهور، كما سيأتي تحقيقه في
المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٢٢٣ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍوَ بْنِ عُثَمَانَ، طَلَّقَ وَهُوَ
غُلَامٌ شَابٍّ، فِي إِمَارَةِ مَزْوَانَ ابْنَةَ سَعِيَدِ بْنِ زَيْدٍ - وَأُمُّهَا بِنْتُ قَيْسٍ - الْبَتَّةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا
خَالَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، تَأْمُرُهَا بِالاِنْتِقَالِ مِنْ بَيْتِ عَبْدِ اللَّهِ بَنِ عَمْرٍو، وَسَمِعَ بِذَلِكَ
مَزْوَانُ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنَةِ سَعِيدٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى مَسْكَنِهَا، وَسَأَلَهَا مَا حَمَلَّهَا عَلَى
الاِنْتِقَالِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَعْتَدَّ فِي مَسْكَنِهَا، حَتَّى تَنْقَضِيَ عِذَّتُهَا؟، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُخْبِرُهُ أَنَّ خَالَتَهَا
أَمَرَنَا بِذَلِكَ، فَزَعَمَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، أَنَّا كَانَتْ تَحَتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَقْصٍ، فَلَمَّا أَمَّرَ
رَسُولُ اللَّهِ بَِّ، عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْيَمَنِ، خَرَجَ مَعَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ، هِيَ
بَقِيَّةُ طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ لَّهَا الْحَارِثَ بْنَّ هِشَامٍ، وَغَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَتِهَا، فَأَرْسَلَتْ -
زَعَمَتْ- إِلَى الْحَارِثِ وَعََّاشٍ، تَسْأَلُهُمَا الَّذِي أَمَرَ لَهَا بِهِ زَوْجُهَا، فَقَالَا: وَاللَّهِ مَا لَهَا عِنْدَنَا
نَفَقَةٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، وَمَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي مَسْكَنِنَا، إِلَّا بِإِذْنِنَا، فَزَعَمَتْ أَنَّا أَتَتْ
رَسُولَ اللَّهِ بَةِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَصَدَّقَهُمَا، قَالَتْ فَاطِمَةُ: فَأَيْنَ أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قَالَ: (انْتَقِي عِنْدَ ابْنٍ أُمْ مَكْتُوم الْأَعْمَى، الَّذِي سَمَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ))، قَالَتْ
فَاطِمَةُ: فَاعْتَدَدْتُ عِنْدَهُ، وَكَانَ رَجُلَا قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَكُنْتُ أَضَعُ ثِيَابِي عِنْدَهُ، حَتَّى
أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا مَرْوَانُ، وَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا
الْحَدِيثَ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَكِ، وَسَآَخُذُ بِالْقَضِيَّةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، مُخْتَصَرٌ . .. ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (كثير بن عُبيد) بن نُمير الْمَذْحِجيّ، أبي الحسن الحمصيّ الحذّاء المقرىء، ثقة
(١) - ((فتح"١٠ / ١٦٤ - ١٦٥.

٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ النّکَاحِ
[١٠]٤٨٦/٥ .
٢- (محمد بن حرب) الخولانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩]١٢٢/ ١٧٢.
٣- (الزُبيدي) -بضم الزاي، مصغّرًا -: هو محمد بن الوليد، أبو الْهُذيل الحمصيّ
القاضي الثقة الثبت، من كبار أصحاب الزهريّ [٧]٥٦/٤٥.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤]١/١.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة فقيه
ثبتٌ [٣]٥٦/٤٥.
٦- (فاطمة بنت قيس) بن خالد الفهريّة، أخت الضحاك الأمير، وكانت أسن منه،
روت عن النبي ◌َّ، وروى عنها القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وأبو بكر بن أبي الجهم،
وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعبد اللَّه بن عبد الله
ابن عبيد بن مسعود ، والأسود بن يزيد ، وسليمان بن يسار ، وعبد اللَّه البهي ، ومحمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان ، وعامر الشعبي ، وعبد الرحمن بن عاصم بن ثابت ، وتميم مولى
فاطمة بنت قيس ، قال ابن عبد البر : كانت من المهاجرات الأُوَل ، وكانت ذات جمال
وعقل ، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر ، وكانت عند أبي عَمْرو بن
حفص بن المغيرة، فطلقها فتزوجها بعده أسامة بن زيد. أخرج لها الجماعة، ولها في
هذا الكتاب حديث الباب، وكرّره خمس عشرة مرّة. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه. (ومنها): أن نصفه
الأول مسلسل بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ ...
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ) الهذليّ الفقيه (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو) بفتح
المهملة، وسكون الميم (ابْنِ عُثْمَانَ) بن عفّان الأمويّ، كان شريفًا جوادًا ممدَّحًا.
ووثقه النسائيّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وله يقول الفرزدق [من الوافر]:
نَمَى الْقَارُوقُ أُمَّكَ وَابْنُ أَزْوَى أَبَاكَ فَأَنْتَ مُنْصَدِعُ الشَّهَارِ
هُمَا قَمَرَا السَّمَاءِ وَأَنْتَ نَجْمٌ بِهِ بِاللَّيْلِ يُذْلِجُ كُلُّ سَارٍ
مات بمصر سنة (٩٦). وذكر الزبير في ((النسب))، فقال: كان يقال له: الْمُطْرَف؛