Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ ٢٧- (بَأَبُ مَنْ كُلِمَ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل) - حديث رقم ٣١٤٨ ((الوضوء))٢٣٧ و(الجهاد والسير))٢٨٠٣ و((الذبائح والصيد))٥٥٣٣ (م) في ((الجهاد)»١٨٧٦ (ت) في ((فضائل الجهاد»١٦٥٦ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين»٧١١٧ و٧٢٦٠ و٢٧٤٢٣ و٢٧٥٤٨ و٢٧٥٠٩ و٨٩٤٠ و١٠٢٧٥ و١٠٣٦٢ و١٠٤٨٩ و١٠٥٥٣ (الموطأ) في ((الجهاد)» ١٠٠١ (الدارميّ) في ((الجهاد)) ٢٤٠٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل من كُلِم في سبيل عز وجل، وذلك يأتي يوم القيامة، یتفجّر جرحه دمًا، لونه لون الدم، وریحه ريح المسك. (ومنها): أنه استدلّ به على أن الشهيد لا يُزال عنه الدم بغسل، ولا غيره. قال الحافظ وليّ الدين: ولو لم يكن إلا هذا لكان الاستدلال به على ذلك ضعيفًا، فإنه لا يلزم من غسلنا الدم إقامةً لواجب التطهير والغسل ذهاب الفضل الحاصل بالشهادة، ألا ترى أنه لو كان حيًّا لأُلزم بغسله لبقاء التكليف عليه، ومع ذلك يجيىء دمه على هذه الصورة البديعة كما اقتضاه قوله :: ((كلُّ كَلْم)) على ما قدّمناه، لكن قد ورد الأمر بترك غسل دم الشهيد، فوجب اتباعه. انتهى(١). (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ: يحتمل أن كلّ ميت يبعث على حاله التي مات عليها، إلا أن فضل الشهيد أن ريح دمه كريح المسك، وليس ذلك لغيره، قال: ومن قال: إن الموتى جملة يُبعثون على هيآتهم، احتجّ بحديث يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريّ رَّه أنه لَمّا حضرته الوفاة دعا بثياب جُدُد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول اللّه وَله يقول: ((إن المیت یبعث في ثيابه التي يموت فيها)). قال: ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد، فتأوّله على العموم، ويكون الميت المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أُمر أن يُزمّل بثيابه، ويُدفن فيها، ولا يُغسل عنه دمه، ولا يغيّر شيء من حاله، بدليل حديث ابن عباس، وغيره، عن النبيّ وَلِ﴿ أنه قال: ((إنكم تُحشرون يوم القيامة، حُفَاةً، عُرَاةً، غُزْلاً، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠٤]، وأول من يُكسَى يوم القيامة إبراهيم عَلَّلام. قال: وتأوله بعضهم على أنه يُبعث على العمل الذي يختم له به، وظاهره على غير ذلك انتهى. (١) - ((طرح التثريب٤ ٢٠١/٧. ٢٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ قال الحافظ وليّ الدين: والحديث المذكور رواه أبو داود في ((سننه)). ويحتمل أن أبا سعيد تَّه إنما نزع الثياب التي كانت عليه لنجاسة فيها، إما محقّقة، وإما مشكوكة، فأراد أن يكون بثياب محقّقة الطهارة، وهذا من جملة الأعمال المأمور بالمحافظة عليها، ولا سيّما عند انختام الآجال، فإن الإنسان محثوث على أن يُختَم أعماله بالصالحات في جميع الأمور، فإن الأعمال بخواتيمها، والله تعالى أعلم(١). (ومنها): أن الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى أورد حديث الباب في ((كتاب الطهارة))، وقد استُشكل ذلك قديمًا وحديثًا، وقد طوّل الكلام فيه الحافظ في ((الفتح)) ١ / ٤٥٩ وكذا الحافظ وليّ الدين في ((طرح التثريب)» ٢٠١/٧- ٢٠٢ . فراجع ما كتباه تستفد. (ومنها): ما قال القاضي عياض: ويحتجّ به أيضًا أبو حنيفة في جواز استعمال الماء المضاف المتغيّرة أوصافه؛ لانطلاق اسم الماء عليه، كما انطلق على هذا اسم الدم، وإن تغيّرت أوصافه إلى الطيب، وحجته بذلك تُضَعَّف(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٤٩- (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: «زَمْلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنْهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ، إِلَّا أَتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُرْحُهُ يَدْمَى، لَوْتُهُ لَوْنُ دَمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح(٣)، وقد تقدّم سندًا، ومتنا في ((كتاب الجنائز)) رقم - ٢٠٠٢/٨٢ - باب ((مواراة الشهيد بدمه))، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك. و((ابن المبارك)): هو عبد الله الإمام المعروف. و((معمر)): هو ابن راشد. و((عبد الله ابن ثعلبة)): هو ابن صُعَير، ويقال: ابن أبي صُعَير، له رؤية، ولم يثبت له سماع، مات سنة (٧) أو (٩٨) وقد قارب التسعين، تقدت ترجمته في ٢٠٢/٨٢. وقوله: ((زمّلوهم)) أي غطّوهم، وادفنوهم. وقوله: ((في اللَّه)) أي في سبيل اللَّه وقوله: ((يَذْمَى)) -بفتح أوّله، والميم- أي يسيل منه الدم، يقال: دَمِيَ الْجُرْحُ دَمّى، من باب تَعِبَ، ودَمْيًا أيضًا على التصحيح: خرج منه الدم، فهو دَم على النقص، ويتعدّى بالألف والتشديد. قاله الفيّوميّ. وتمام شرح الحديث قد سبقَ بالرقم المذكور. والله (١) - المصدر السابق. (٢) - ((إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٢٩٥/٦ . (٣) - إنما صح الحديثن وإن كان عبد الله بن ثعلبة لا يصح له سماع؛ لشواهجد، كحديث أبي هريرة التذي قبله. فتنبه. ١ ٢٢٣ ٢٨- (ما يقولُ مَنْ يطْعُنُ العَدُو) - حديث رقم ٣١٥٠ تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)». ٢٨- (مَا يَقُولُ مَنْ يَطْعُنُهُ الْعَدُوُّ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((ما)) اسم موصول، بمعنى ((الذي))، وهو خبر المحذوف: أي هذا باب ذكر الحديث المشتمل على ما يقوله من يَطْعُنُهُ العدوّ، وحذف العائد؛ لطول الصلة. و((يَطعُنُه)) من باب قتل، وأجاز الفرّاء فتح العين؛ لمكان حرف الحلق، وروي عنه أنه قال: سمعت يَطْعَنُ بالرمح بالفتح(١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣١٥٠- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأْنَا (٢) ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ يَخْتِى بْنُ أَيُوبَ -وَذَكَرَ آخَرَ قَبْلَهُ- عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَوَلَّى النَّاسُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَهُ فِي نَاحِيَّةِ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَالْتَفَتَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ، وَقَالَ: ((مَنْ لِلْقَوْم؟))، فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((كَمَا أَنْتَ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا بَّا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((أَنْتَ))، فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ: ((مَنْ لِلْقَوْمِ؟))، فَقَالَ: طَلْحَةُ أَنَا، قَالَ: ((كَمَا أَنْتَ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَالَ: ((أَنْتَ))، فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَيُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ، حَتَّى يُقْتَلَ، حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ وَطَلْحَةُ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ لِلْقَوْمِ))، فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الْأَحَدَ عَشَرَ، حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ، فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ، فَقَالَ حَسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وِ: ((لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَرَفَعَّتْكَ الْمَلَائِكَةُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ))، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمرو بن سَؤاد) - بتشديد الواو-ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقة [١١]٥٩٤/٤٥ . (١) - راجع ((المصباح المنير)) وحاشيته في مادة طعن. (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٢- (ابن وهب) عبد الله الثقة الحافظ العابد، أبو محمد المصري [٩]٩/٩. ٣- (يحيى بن أيوب) الغافقيّ، أبو العباس المصريّ صدوقٌ، ربما أخطأ [٧]٦٠/ ١٧٧١ . [تنبيه]: قوله: ((وذكر آخر قبله)) أي ذكر ابن وهب قبل يحيى بن أيوب رجلاً آخر، شاركه في رواية هذا الحديث عن عمارة بن غزيّة، والظاهر أن الرجل هو عبد الله بن لهيعة، فإن المصنّف رحمه الله تعالى كثيرًا ما يُبهمه، وهو ممن روى عنه ابن وهب، وروى عن عمارة بن غزيّة (١). والله تعالى أعلم. ٤- (عمارة بن غَزيّة) -بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي، بعدها تحتانية ثقيلة- الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦]١٦٨/ ١١٣٧. ٥- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق يدلّس [٤]٣٥/٣١. ٦- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي رضي اللّه تعالى عنهما ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى عمارة، وهو مدني، وأبو الزبير مكي، وجابر مدني، ومكي أيضًا. (ومنها): أن جابرًا تَظنّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ) بالرفع على الفاعلية؛ لأن ((كان)) هنا تامة، بمعنى ((وقع))، أو نحوه (وَوَلَّى النَّاسُ) - بتشديد اللام -: أي ولّوا ظهورهم، كناية عن الفرار. وفي رواية البيهقيّ في ((دلائل النبوّة)) من طريق عبد الله بن صالح، عن يحيى بن أيوب: ((انهزم الناس عن رسول اللّه ◌َلل يوم أحد ... )) (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ فِي نَاحِيَّةٍ) أي في جهة من المكان. وفي رواية البيهقيّ: ((وهو يصعد في الجبل ... )) (فِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً) أي معهم، ف(في)" بمعنى ((مع)). وفي رواية البيهقيّ المذكورة: ((بقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار، فيهم طلحة بن عبيدالله ... )) (مِنَ الْأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، (١) راجع ((تهذيب الكمال)) في ترجمة ابن لهيعة ٤٨٩/١٥. ٢٢٥ ٢٨- (مَا يَقُولُ مَنْ يَطْعُنُهُ العَدُوم - حديث رقم ٣١٥٠ استُشهد يوم الجمل سنة (٣٦) وهو ابن (٦٣) سنة، تقدّمت ترجمته في ٤ /٤٥٨. ثم إن الظاهر أن طلحة واحد من الاثني عشر، وإنما عُدَّ الكلُّ أنصاريًّا تغليبًا، وإلا فطلحة من المهاجرين، وهذا هو الصواب، وأما احتمال أن يكون زائدًا عليهم، فيردّه قوله آخر الحديث: ((فقاتل طلحة قتال الأحد عشر)) (فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ) أي الاثني عشر رجلاً الذين هم مع رسول اللّه وَلَّل، مريدين إلحاق الضرر بهم (فَالْتَّفَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، وَقَالَ: مَنْ لِلْقَوْم؟) ((من)) استفهاميّة مبتدأ، خبره الجارّ والمجرور، أي من يقوم إليهم ليدفعهم عنّا. وفي رواية البيهقيّ: ((ألا أحد لهؤلاء؟ ... )) (فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا) أي أنا أقوم إليهم، فأدفعهم عنا (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: كَمَا أَنْتَ) أي كن على الحال التي أنت عليها، واثْبُتْ عليها، ولا تقاتلهم. وهذا على أن الكاف بمعنى ((على))، و((ما)) موصولة، والعائد محذوف. وقال الأندلسيّ في ((شرح الْمُفَصَّل)): قولهم: ((كما أنت))، فيه وجهان: أحدهما أن يكون بمعنى الذي، والكاف حرف، وبعض الصلة محذوف، أي كالذي هو أنت. ويحتمل أن يكون الخبر محذوفًا، أي كالذي أنت عليه. والثاني: أن تكون كافّة، خبرًا لمبتدإ محذوف(١)، أي كما أنت كائن. وقال الكرمانيّ: ((ما)» موصولة، و((أنت)) مبتدأ، وخبره محذوف، أي عليه، أو فيه، والكاف للتشبيه، أي كن مشابها لما أنت عليه، أي يكون حالك في المستقبل مشابهًا لحالك في الماضي، أو الكاف زائدة، أي الزم الذي أنت عليه (٢). (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي أنا أقوم إليهم (فَقَالَ: ((أَنْتَ) أي فقال رسول اللَّهِ وَله: أنت أعلم بذلك، أو أنت أحسن من يفعل ذلك (فَقَاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول، أي قتله المشركون (ثُمَّ الْتَفَتَ) وَ (فَإِذَا الْمُشْرِكُونَ) ((إذا)) فجائيّة، و ((المشركون)) مبتدأ، وخبره محذوف، أي حاضرون (فَقَالَ) بَرِ (مَنْ لِلْقَوْم؟، فَقَالَ: طَلْحَةُ أَنَا، قَالَ: ((كَمَا أَنْتَ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَالَ: ((أَنْتَ))، فَقَّاتَلَ، حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ) وَ (يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَيَقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ، حَتَّى يُقْتَلَ) وفي نسخة: ((قُتل)) (حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ لِلْقَوْم))، فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الْأَحَدَ عَشَرَ، حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ، فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ، فَقَالَ حَسْ) بكسر السين المشدّدة كلمة يقولها الإنسان إذا (١) - هكذا عبارة ((زهر الربى))، والظاهر أن الصواب: والثاني أن تكون ((ما)) كافّة، و((أنت)) مبتدأ، خبره محذوف، أي كما أنت كائنٌ. فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. (٢) - ((زهر الربى)٢٩/٦٩ - ٣٠. ٢٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ أصابه ما مَضَّهُ(١)، وأحرقه غفلةً، كالجمرة، والضَّرْبَة، ونحوهما. قاله ابن الأثير(٢). وقال ابن منظور: و((حَسٌ)) بفتح الحاء، وكسر السين، وترك التنوين: كلمة تقال عند الألم، ويقال: إني لأجد حَسَّا من وَجَع؛ قال العجاج: فَمَا أَرَاهُمْ جَزَعَا بِحَسْ عَطْفَ الْبَلَايَا الْمَسَّ بَعْدَ الْمَسْ وَحَرَكَاتِ الْبَأْسِ بَعْدَ الْبَأْسِ أَنْ يَسْمَهِرُوا لِضِرَاسِ الضَّرْسِ (يَسْمَهِرُوا)): يشتدّوا. و((الضَّرَاس)): الْمُعَاضَّةُ. و((الضَّرْسُ)): الْعَضُّ. قال: والعرب تقول عند لَذْعَةِ النارِ، والوَجَع الحاد: حَسِّ بَسٌ، وضُرِبَ فما قال: حَسِّ، ولا بَسٌ، بالجرّ والتنوين. ومنهم من يَجِّرّ، ولا يُنون. ومنهم من يكسر الحاء والباء، فيقول: حِسِّ، ولا بِسٌّ. ومنهم من يقول: حَسًّا، ولا بَسًّا. يعني التوجّع انتهى كلام ابن منظور باختصار(٣). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: لَوْ قُلْتَ: بِسْم اللّهِ) وفي رواية البيهقيّ المذكورة: ((لو قلت: بسم الله، أو ذكرت اسم اللَّه ... )) (لَرَفْعَتْكَ الْمَلَائِكَةُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال. وفي رواية البيهقيّ المذكورة: ((لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون إليك حتى تَلِجَ بك في جوّ السماء، ثم صَعِدَ رسول اللَّه وَّ إلى أصحابه، وهم مجتمعون)) . قال السنديّ: أُخذ منه أن من يَطعُنُه العدوّ ينبغي له أن يقول ((بسم اللَّه))، أو نحو ذلك، ولا ينبغي أن يُظهر التوجّع. ولا يلزم من هذا أن كلّ من يقول: ((بسم اللَّه)) إذا طُعِن، أو قُطعت أصابعه ترفعه الملائكة، بل الظاهر أن المراد الإخبار بما قُدِّر لطلحة بخصوصه تقديرًا مطلقًا. والله تعالى أعلم (٤) (ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ) أي كفى اللّه تعالى نبيّه ◌َلّر، فردّ كيدهم عنه، فرجعوا خائبين، والحمد لله ربّ العالمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا فيه عنعنة أبي الزبير، وقد وُصف بالتدليس، لكن مع هذا حسّنه الشيخ الألبانيّ رحمه اللّه تعالى بشواهده، وقد خرّج تلك الشواهد في (( السلسلة الصحيحة)) ٢٠٣/٥-٢٠٤ رقم ٢١٧١ (١) - أي أحزنه جدًّا، يقال: مضّه الشيءُ مضًّا، ومَضِيضًا: بلغ من قلبه الحزن به، كأمضّه. اهـ «قاموس)). (٢) - ((النهاية)١ / ٣٨٥. (٣) - ((لسان العرب)) في مادة حسس. (٤) - (شرح السندي ٦/ ٣٠. ٢٩- (بابُ مَنْ قَتَلََ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ... - حديث رقم ٣١٥١ ٢٢٧ = و٦/ ٧٠١-٧٠٢ رقم ٢٧٩٦ . وعندي في ذلك نظر؛ إذ تلك الشواهد شديدة الضعف، لا ينبغي الاستشهاد بها؛ كما يتبيّن ذلك لمن طالع ما كتبه الشيخ هناك، ففي بعضها سليمان بن أيوب، وهو صاحب مناكير، وجدّه لا يُعرف، وفي بعضها أبان بن سفيان متروك، وفي بعضها الحسين بن الفرج متروك، والواقدي متهم بالكذب، كما بيّن ذلك كله الشيخ نفسه، فهي لا تصلح للاستشهاد بها. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من حديث أنس تنميته ، فقال : ١٧٨٩ - وحدثنا هَذّاب بن خالد الأزدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، وثابت البناني، عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه وَّرَ، أَفْرِد يوم أحد، في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوهُ(١) قال: ((من يرُدُّهم عنا، وله الجنة))، أو ((هو رفيقي في الجنة))، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل، حتى قُتل، ثم رَهِقُوه أيضا، فقال: ((مَن يردهم عنا، وله الجنة))، أو ((هو رفيقي في الجنة))، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول اللّه وَ الرّ لصاحبيه: ((ما أنصفنا أصحابنا)) انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢٩- (بَابُ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَارْتَدْ عَلَيْهِ سَيْفُهُ، فَقَتَلَهُ) وفي نسخة: ((ثواب من قاتل الخ)). ٣١٥١- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَؤَادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي(٢) يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، ابْتَّا كَعْبِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، قَاتَّلَ أَخِي قِتَالاً شَدِيدًا، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَارْتَدَّ (١) - من باب تَعِبَ: أي غَشُوه، ويقال: فيه أرهق رباعيًّا. (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ عَلَيْهِ سَيْفُهُ، فَقَتْلَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فِي ذَلِكَ -وَشَكُوا فِيهِ -: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مِنْ خَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْذَنُ لِي، أَنْ أَرْتَجِزَ بِكَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه: اعْلَمْ مَا تَقُولُ، فَقُلْتُ(١): وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْئًا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((صَدَقْتَ)). وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا وَثَّبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ قَالَ هَذَا؟))، قُلْتُ: أَخِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَرْحَمُهُ اللَّهُ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدً)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْتَا لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِهِ، مِثْلَ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ - حِينَ قُلْتُ: إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ -: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنٍ))، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ و٢ - تقدما في الباب الماضي. ٣- (يونس) بن يزيد بن أبي النّجاد، أبو يزيد الأيليّ، ثقة، من كبار [٧]٩/٩. ٤- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المذكور قبل باب. ٥- (عبد الرحمن) بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاريّ، أبو الخطّابيّ المدنيّ، ثقة عالم [٣]٧٣١/٣٨. [تنبيه]: قوله: ((وعبد الله ابنا كعب)) غلط، والصواب ((أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب))، فعبد الله والد عبد الرحمن مذكور في نسب ابنه، وليس له رواية لهذا الحديث، ولذا لم أترجم له، وسيأتي تحقيق ذلك قريبًا إن شاء اللّه تعالى. ٦- (سلمة بن الأكوع) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، نُسب لجدّه، أبو مسلم، أو أبو إياس، شهد بيعة الرضوان، ومات تظمثه سنة (٦٤) وتقدّمت ترجمته في ٧٦٥/١٥-٠ والله تعالى أعلم. (١) وفي نسخة: ((قلت)). ٢٩- (بَابُ مَنْ قَتلََ فِي سَبِيلِ اللهِ، ... - حديث رقم ٣١٥١ ٢٢٩ == لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، وبعده بالمدنيين . (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي : ابن شهاب، عن عبد الرحمن. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، ابْنَا كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ) هكذا رواية المصنّف، ونحوها رواية أبي داود، ولفظه: ((عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن، وعبد الله بن كعب بن مالك)). لكن قال الحفّاظ: هذا خطأ، والصواب: ((عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أنّ سلمة ابن الأكوع ... الخ)). ولفظ الإمام مسلم رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)): ((عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن - ونسبه غير ابن وهب، فقال: ابنُ عبد الله بن كعب بن مالك- أن سلمة بن الأكوع قال: لما كان يومُ خيبر ... الخ)». قال النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): هكذا هو في جميع نسخ ((صحيح مسلم))، وهو صحيح، وهذا من فضائل مسلم، ودقيق نظره، وحسن خِبْرته، وعظيم إتقانه. وسبب هذا أن أبا داود، والنسائيّ، وغيرهما، من الأئمة رووا هذا الحديث بهذا الإسناد عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الرحمن، وعبد الله بن(١) كعب بن مالك، عن سلمة. قال أبو داود: قال أحمد بن صالح: الصواب عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب. وأحمد بن صالح هذا هو شيخ أبي داود في هذا الحديث وغيره، وهو راويه عن ابن وهب. قال الحفّاظ: والوهم في هذا من ابن وهب، فجعل عبد الله بن كعب روايًا عن سلمة، وجعل عبد الرحمن راويًا عن عبد الله(٢)، وليس كذلك، بل عبد الرحمن يرويه عن سلمة، وإنما عبد اللَّه والده، فذُكر في نسبه، لا أن له روايةً في هذا الحديث، (١) - هكذا لفظ أبي داود، وأما لفظ المصنّف في ((المجتبى)): ((أخبرني عبدالرحمن، وعبدالله ابنا كعب بن مالك)) بتثنية ((ابن))، فجعلهما أخوين، كلاهما يرويان عن سلمة. وأما لفظه في ((الكبرى)): ((أخبرني عبدالرحمن، وعبدالله، أنا كعب بن مالك ... ))، وهذا تصحيف للفظة: ((ابنا)) إلى ((أنا)) المختصرة من ((أخبرنا))، وهو غلط أيضًا دون شكّ. والله تعالى أعلم. (٢) قوله: ((روايا عن عبد الله)) هكذا في شرح النووي، وفيه نظر لا يخفى، إذ عبد الرحمن في سند أبي داود لا يروي عن عبد اللّه، وإنما يروي معه عن سلمة، فتبصَّر. والله تعالى أعلم. ٢٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، فلم يذكر في روايته عبد الرحمن، وعبد الله، كما رواه ابن وهب، بل اقتصر على ((عبد الرحمن))، ولم ينسبه؛ لأن ابن وهب لم ينسبه، وأراد مسلم تعريفه، فقال: قال غير ابن وهب: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، فحصل تعريفه من غير إضافة للتعريف إلى ابن وهب، وحذف مسلم ذكر ((عبد الله)) من رواية ابن وهب، وهذا جائزٌ، فقد اتفق العلماء على أنه إذا كان الحديث عن رجلين، كان له حذف أحدهما، والاقتصار على الآخر، فأجازوا هذا الكلام إذا لم يكن عذر، فإذا كان عذرٌ، بأن ذُكر ذلك المحذوف غلطًا، كما في هذه الصورة، كان الجواز أولى انتهى كلام النوويّ(١) . وهذا الذي قاله النوويّ رحمه الله تعالى قاله غيره أيضًا، فقال قبله القاضي عياض، نقلاً عن المازريّ رحمهما الله تعالى: ما نصه: قال بعضهم: كان ابن وهب تِهِم في إسناد هذا الحديث، فيقول: ((عن الزهريّ، عن عبد الرحمن، وعبد اللَّه ابني كعب بن مالك))، فغيّره مسلم، وأصلحه؛ ولذلك قال: ونسبه غير ابن وهب. قال: هكذا قال أحمد بن صالح وغيره: عن ابن وهب. وقال الدار قطنيّ: خالف ابنَ وهب في هذا القاسم بن مبرور، ورواه عن يونس، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، قال: وهو الصواب. وقال بعضهم: وقد نبّه أبو داود في ((كتاب السنن)) على وَهَم ابن وهب في هذا الإسناد، وكذلك فعل أبو عبد الرحمن النسائيّ، وذكر الصواب في ذلك انتهى كلام (٢) القاضي(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول أن الصواب في هذا الإسناد: ((عن ابن شهاب، أخبرني عبدُ الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن سلمة بن الأكوع قال: لما كان يوم خيبر ... الخ. ثم إن هذا الذي نُسب إلى النسائيّ من الكلام على هذا السند لم أجده في ((المجتبى))، ولا في ((الكبرى))، فاللَّه تعالى أعلم. (أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ) تقدم أنه سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، نُسب لجدّه وَيِ (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَؤَمُ خَيْبَرَ) ((كان)) تامّة، و((يوم)) بالرفع فاعل، أي لما جاء يوم خيبر (قَاتَلَ أَخِي) هو عامر بن سنان بن عبد الله بن قُشَير الأسلميّ المعروف بابن الأكوع، واسم الأكوع سِنَان. (١) - ((شرح صحيح مسلم»١٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩. (٢) - ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)٦ / ١٨٥ - ١٨٦ . ٢٩- (بَابُ مَنْ قَتلََ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ... - حديث رقم ٣١٥١ ٢٣١ = صرّح في هذه الرواية بأنه أخوه، وصرّح في بعض الروايات أنه عمه. قال الحافظ في ((الإصابة)) فيمكن التوفيق بأن يكون أخاه من أمّه على ما كانت الجاهليّة تفعله، أو من الرضاعة. انتهى (١) (قِتَالاً شَدِيدًا، مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ لَهِ، فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَیْفُهُ) أي عاد إليه سيف نفسه حينما يحاول أن يضرب به مرحبًا اليهوديّ، حیث بارزه، يرتجز، ويقول: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السَّلَاحِ بَطَلٌ مَجَرَّبُ الْحُرُوبِ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ إِذَا فقال عامر : قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنْي عَامِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلْ مَغَامِرُ فاختلفا بضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، ورجع سيف عامر على ساقه. ثم إن رسول اللّه وَله أعطى الراية لعليّ ◌َظمي، وكان أرمد، فبصق وَّ في عينيه فبرأ، وخرج مرحب، فقال: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ إلى آخر ما تقدّم، فقال عليّ تَّه: أَنَا الَّذِي سَمَّثْنِي أُمّي خَيْدَرَة (٢) كَلَيْثٍ غَابَاتِ كَرِيهِ الْمَنْظَرَةْ أُوْفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَ:(٣) فضرب رأس مرحب، فقتله، ثم كان الفتح على يديه رضي اللّه تعالى عنه. (فَقَتَلَهُ) أي قتل أخاه سيف نفسه (فَقَالَ أَضْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ فِي ذَلِكَ) أي شأن قتل عامر نفسه بنفسه (وَشَكَّوا فِيهِ) بتشديد الكاف، والجملة معترضة بين القول ومقوله، ويحتمل أن تكون حالية، والحال أنهم شكّوا في صحّة شهادته (رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ) أي خبر لمحذوف، والجملة في محلّ نصب مقول القول، أي قالوا: هو رجل مات بسبب (١) - ((الإصابة في تمييز الصحابة ))٢٨٠/٥ - ٢٨١ . (٢) - حيدرة اسم للأسد، وكان عليّ رزوث قد سُمّي أسدًا في أول ولادته، وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسدًا يقتله، فذكره عليّ رَّ ذلك ليُخيفه، ويضعف نفسه، قالوا: وكانت أمّ عليّ سمّته أول ولادته أسدًا باسم جدّه لأمه أسد بن هشام بن عبدمناف، وكان أبو طالب غائبًا، فلما قدِمَ سمّاه عليًّا، وسمّي الأسد حيدرة لغلظه، والحادر الغليظ القويّ، ومراده أنا الأسد على جرأته، وإقدامه، وقوّته. انتهى شرح النوويّ ٣٩١/١٢. (٣) - معناه أقتل الأعداء قتلا واسعًا ذريعًا. والسندرة مكيال واسع. وقيل: هي العجلة، أي أقتلهم عاجلاً. وقيل: مأخوذ من السندرة، وهي شجرة الصنوبر يُعمل منها النبل والقَسِيّ. قاله في ((شرح النوويّ)» ٣٩١/١٢. ٢٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ضرب نفسه بسلاحه . (قَالَ سَلَمَةُ) رضي اللّه تعالى عنه (فَقَفَل) بقاف، فاء: أي رجع (رَسُولُ اللَّهِ وَ مِنْ خَيْبَرَ) قاصدًا المدينة (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْذَنُ لِي، أَنْ أَرْتَجِزَ بِكَ) أي أُنشد الرجز عندك؛ لتنشيط الجمال ونحوه، والرجز نوع من البحور الشعريّة الستة عشر المعروفة في فنّ ((العروض والقافية))، وأجزاؤه: ((مستفعلن)) ست مرّات (فَأْذِنَ لَهُ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: فأذن لي (رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿) أي سمح له في أن يرتجز عنده (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه: اعْلَمْ مَا تَقُولُ) أي تثبّتْ مما تقوله عند رسول اللّه وَلَ، فإنه مما ينبغي التثبّت له (فَقُلْتُ) وفي نسخة: ((قلت)): وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: (صَدَقْتَ) أي فيما أنشدته من البيت، فإنه تضمّن التبرّي من الحول والقوة، وتفويض الأمور إلى الله تعالى. فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ: ((مَنْ قَالَ هَذَا؟) أي من نظم هذا، أنت، أم غيرك؟ (قُلْتُ: أَخِي) أي نظمه أخي، وتقدّم الجمع بينه، وبين رواية: ((عمّي)) (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (يَرْحَمُهُ اللَّهُ) دعاله النبيّ وَال بأن يرحمه اللّه تعالى، مكافأة على إحسانه بهذا الرجز المتضمّن للمعاني السامية (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ) أي ليخافون أن يترخّموا عليه، ويدعوا له بالرحمة من الله تعالى، أو هابوا أن يصلّوا عليه صلاة الجنازة يوم مات، فالمضارع بمعنى الماضي، وعلى الثاني ففيه نوع تأنيس؛ لقول من يقول: يُصلّى على الشهيد. أفاده السنديّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح أن الصلاة على الشهيد جائزة؛ كما تقدّم تحقيقه في بابه من ((كتاب الجنائز)). والله تعالى أعلم. (يَقُولُونَ) أي في بيان سبب ذلك (رَجُلٌ مَاتَ بِسِلَاحِهِ) أي فلا يستحقّ الصلاة عليه؛ لكونه قاتل نفسه بزعمهم (فَقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ) مبيّنًا خطأهم في رأيهم هذا (مَاتَ جَاهِدًا) أي جادًّا مبالغًا في سبيل البرّ (مُجَاهِدًا) للكفّار. وولفظ مسلم: ((إنه لجاهد مجاهد)». قال النوويّ: هكذا رواه الجمهور من المتقدّمين، والمتأخرين ((لجاهد)) -بكسر الهاء، وتنوين الدال -. ((مجاهد)) -بضم الميم، وتنوين الدال أيضا- وفسّروا الجاهد بالجادّ في علمه وعمله، أي إنه لجاذ في طاعة الله. والمجاهد هو المجاهد في سبيل اللّه، وهو الغازي. وقال القاضي عياض: وقوله: ((لجاهد مجاهد)) بكسر الهاء فيهما، وضمّ الميم ٢٩- (بَأَبُ مَنْ قَتََ فِي سَبِيلِ اللهِ، ... - حديث رقم ٣١٥١ ٢٣٣ = والدال، وتنوينها في الحرفين، كذا لأكثر شيوخنا. وعند ابن أبي جعفر: ((لجاهَدَ مَجَاهِدَ -بفتح الهاء في الأول، وفتح الميم، وكسر الهاء من الثاني، وفتح الدال فيهما. وكذا أيضًا عند بعض رواة البخاريّ، والأول الصواب، ووجه الكلام، وكذا جاء في الحديث الآخر بعده: ((مات جاهدًا مجاهدًا». قال: كرّر بين اللفظين للمبالغة. وقال ابن الأنباريّ: العرب إذا بالغت في الكلام اشتقت من اللفظة الأولى لفظة على غير بنائها زيادة في التوكيد، ثمّ أتبعوها إعرابها، فقالوا: جادّ مُجِدٍّ، وليلٌ لائلٌ، وشعرٌ شاعرٌ، وقد يكون قوله: ((جاهد)) أي جادّ مبالغ في سبيل الخير والبرّ، وإعلاء كلمة الإسلام، مجاهد عِداه انتهى(١). وقال القرطبيّ بعد ما ذكر نحو ما تقدّم: وقد يكون ((جاهد)) أي مبالغ في سبيل الخير. و((مجاهد)) لأعدئه. قلت: ويظهر لي أن هذا القول أحسن بدليل قوله في الرواية الأخرى: ((مات جاهدًا مجاهدًا، فله أجره مرّتين)) فأشار بفاء التعليل إلى الجهتين اللتين يُؤجر منهما، وهما جاهدٌ، ومجاهدٌ، فمعنى أحدهما غير الآخر انتهى(٢). (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنَا لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) يحتمل أن يكون هو إياس بن سلمة. والله تعالى أعلم (فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ، مِثْلَ ذَلِكَ) أي مثل تحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، عن سلمة (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ -حِينَ قُلْتُ: إِنَّ نَاسًا لَيَهَابُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((كَذَبُوا، مَاتَ جَاهِدًا، مُجَاهِدًا، فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ))، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ) تأكيدًا لثبوت أجره مرّتين، بموته جاهدًا في سبل الخير والبرّ، ومجاهدًا لأعداء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سلمة بن الأكوع رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٥١/٢٩- وفي ((الكبرى)) ٤٣٥٧/٢٤. وأخرجه (خ) في ((المغازي)) ٤١٩٦ و((الأدب))٦١٤٨ (م) في ((الجهاد والسير))١٨٠٢ (د) في ((الجهاد)) ٢٥٣٨ (أحمد) في (مسند المدنيين)) ١٦٠٦٨ و١٦٠٧٦ و١٦١٠٣. والله تعالى أعلم. (١) - ((إكمال المعلم)) ٦ / ١٨٤. (٢) - («المفهم،٣/ ٦٦٧ . ٢٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم من قاتل في سبيل الله تعالى، فارتد عليه سيفه، فقتله، وذلك أنه لا ينقص من أجره شيئًا، بل له أجره كاملاً. (ومنها): بيان فضل عامر أخي سلمة رضي اللّه تعالى عنه، حيث شهد له النبيّ وَال وبأنه مات جاهدًا مجاهدًا. (ومنها): جواز إنشاد الشعر. (ومنها): تحريم قتل الإنسان نفسه متعمّدًا، وأنه من الكبائر التي تمنع الصلاة عليه؛ إهانة له، وتنكيلاً به، وزجرًا لغيره، وقد تقدّم تحقيق ذلك مستوفى في ((كتاب الجنائز)) ١٩٦٤/٦٨ - باب «ترك الصلاة على من قتل نفسه)). (ومنها): الإنكار على من أخطأ رأيه، والرد عليه بالتكذيب بمعنى التخطئة. (ومنها): استعمال الإشارة، توضيحًا للمقصود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٠- (بَابُ تَمَنِّي الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَی) ٣١٥٢- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ- عَنْ يَخْتِى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ - قَالَ: حَدَّثَنِي ذَكْوَانُ، أَبُو صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقْ عَلَى أُمَّتِي، لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ سَرِيَّةٍ، وَلَكِنْ لَّا يَجِدُونَ حَمَّوْلَةٌ، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلِّفُوا عَنِّي، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُخيِيتُ، ثُمَّ قُتِلْتُ، ثُمَّ أُخْبِيَتْ، ثُمَّ قُتِلْتُ ثَلَاثًا»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: ((حَمُولة)) -بفتح الحاء المهملة -: ما يُحمل عليه، من بعير، أو فرس، أو بغل، أو حمار، أو نحو ذلك. وقوله: «ثلاثًا» أي کرّره ثلاث مرّات. والحديث متفقٌ عليه، وتقدّم في -٣٠٩٨/٣- رواه عن أحمد بن یحیی بن الوزير بن سليمان، عن سعيد بن كثير بن عُفير، عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد بن ٣٠- (بابُ تَمَنَّ القَتَلِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣١٥٤ ٢٣٥ === مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيّب، كلاهما عن أبي هريرة تَّه ، وتقدّم هناك شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ بِأَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمَ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَةٍ، تَغْرُوفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُخْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُخْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فقد تفرد بهما المصنف، وأبو داود، وابن ماجه، وهما ثقات. و((شعيب)) هنا: هو ابن أبي حمزة. والحديث صحيح، والكلام فيه كالكلام على ما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٥٤- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ ابْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمِيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ، قَالَ: «مَا مِنَ النَّاسِ، مِنْ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، يَقْبِضُهَا رَبَّا، ثُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ، وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا غَيْرُ الشَّهِيدِ)). قَالَ ابْنُ أَبِي عَمِيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((وَلَأَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي أَهْلُ الْوَبَرِ وَالْمَدَرِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمرو بن عثمان) أبو حفص الحمصي، صدوق [١٠]٥٣٥/٢١، وهو المتقدّم في السند الماضي. ٢- (بقية) الوليد الحمصيّ، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، ويُسَوّي [٨] ٤٥/ ٥٥ . ٣- (بحير بن سعد) أبو خالد السَّحُوليّ الحمصيّ، ثقة ثبت [٦]٦٨٨/١. [تنبيه]: (بَحِير ))- بفتح الموحدة، وكسر الحاء المهملة، و((سعد)) بفتح، فسكون هو الصواب، ويقع فيه التصحيف في الكتب كثيرًا إلى ((سعيد))، فليُتنبّه،. والله تعالى أعلم. ٤- (خالد بن معدان) أبو عبد الله الحمصيّ، ثقة عابد [٣]٦٨٨/١. ٥- (جُبير بن نُفير) الحمصيّ المخضرم الثقة الجليل [٢]٦٢/٥٠. ٢٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ٦- (ابن أبي عَمِيَرةً) هو محمد بن أبي عَمِيرة- بفتح أوله- المزنيّ، صحابيّ سكن الشام، روى عن النبيّ وَّهر حديث الباب، وعنه جبير بن نُفير به. ورواه النسائيّ عن ابن أبي عَميرة، ولم يسمه، وقد روى عنه جبير بن نفير حديثًا آخر، وسمّاه محمدًا، وأخوه عبد الرحمن بن أبي عَميرة يروي عنه ربيعة بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن. وقال الأزديّ: تفرّد جُبير بن نُفير بالرواية عنه. قاله في (تهذيب التهذيب)) ٦٦٦/٣ و ((التقریب)). وقال في ((الإصابة))-٦/ ٢٩: محمد بن أبي عميرة المزني، ذكره البخاري، وقال: له صحبة يُعَدُّ في الشاميين، ثم أخرج من طريق ابن المبارك، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير ، عن محمد بن أبي عَمِيرة من أصحاب النبي وَلِّ ، قال: ((لو أن عبدا خَرّ على وجهه من يوم وُلد إلى أن يموت هَرَمًا في طاعة الله عز وجل، لحقره ذلك اليوم، ولود أنه ازداد كما يزداد من الأجر والثواب»، وسنده قوي، وأخرجه ابن شاهين من طريقه، لكن وقع عنده محمد بن عميرة، وأخرجه ابن أبي عاصم ، والبغوي من طريق الوليد بن مسلم ، عن ثور موقوفا ، لكن ذكر ابن منده أن رواية ابن أبي عاصم أراه ذكره عن النبي وَ لتر، وأخرجه ابن منده من رواية محمد بن شعيب ، عن ثور موقوفا ، ومن رواية معاوية بن صالح عن بعض شيوخه ، عن خالد بن معدان كذلك، ورواه عيسى بن يونس، عن ثور كالأول، وأخرجه أحمد من طريق بقية، عن بَحِير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن عقبة بن عبد السلمي مرفوعا، وأخرج ابن السكن ، وابن شاهين بسند صحيح إلى بقية ، عن بچِیر بن سعد ،عن خالد ابن معدان، عن جبير بن نفير، عن ابن أبي عَميرة، عن النبي ◌َّر، أنه قال: ((يا أيها الناس ما من نفس منفوسة، تحب أن تعود إلى الدنيا .. )) ثم قال ابن السكن: يقال: ابن أبي عميرة اسمه محمد. وأخرج النسائي حديثا، فقال ابن أبي عميرة، ولم يسمه أيضا، وأورده البغوي في ترجمة محمد عقب الحديث الأول، وقال: لا أعلمه روی غیر هذين الحديثين. انتهت عبارة ((الإصابة)). تفرّد به المصنف بحديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: لمحمد بن أبي عَمِيرة هذا أخ يقال له: عبد الرحمن، أخرج له الترمذيّ حديثًا واحدًا في ذكر معاوية رَّ، قال عنه في ((التقريب)): عبد الرحمن بن أبي عَمِيرة المزني، ويقال: الأزديّ، مختلف في صحبته، سكن حمص. انتهى. وإنما نبّهت عليه لئلا يقع الغلط في سند المصنف هنا، حيث قال: ابن أبي عَميرة، ولم يذكر اسمه، فليُتنبه. والله تعالى أعلم. ٢٣٧ = ٣٠- (بابُ تَمَنَّ القَتَلِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى) - حديث رقم ٣١٥٤ لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين من الرواية، ليس في الكتب الستة إلا هذا الحديث عند المصنف فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنٍ) محمد (بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ) -بفتح المهملة، وكسر الميم- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((مَا مِنَ النَّاسِ) متعلّق بحال محذوف؛ لأنه في الأصل صفة ((نفس))، فقدم، فصار حالاً؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم يعرب حالاً (مِنْ نَفْسٍ) ((من)) زائدة، و((نفس)) اسم ((ما)) الحجازيّة، وخبرها جملة ((تُحبّ الخ))، أو مبتدأ، إن كانت ((ما)) تميميّة. وفي نسخة: ((في الناس)) بدل ((من الناس)) (مُسْلِمَةٍ) صفة ((نفس)) (يَقْبِضُهَا رَبُّهَا) أي يتوفّاها، وهو نحو قولها تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، والجملة صفة بعد صفة، أو حال (شُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ) أي إلى أهل الدنيا (وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا) قال الطيبي: يجوز أن یکون هو معطوفًا علی ((أن يرجع))، وأن یکون حالاً، إن روي بكسر (١) ((إن)) انتهى . (غَيْرُ الشَّهِيدِ) يحتمل أن يكون مرفوعًا بدلاً من فاعل ((تُحبّ))، ويحتمل أن يكون منصوبًا على الاستثناء. (قَالَ) محمد (بْنُ أَبِي عَمِيرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((وَلَأَنْ أُقْتَل) يفتحِ اللام، وهي للابتداء، والفعل مبنيّ للمفعول، أي لَقَتْلي (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي) أي مملوكي (أَهْلُ الْوَبَرِ) -بفتحتين - أي أهل البوادي، فإنهم يتّخذون بيوتهم من وَبَر الإبل (وَالْمَدَرِ) -بفتحتين أيضًا- جمع مَدَرّة: وهي اللبنة، أي أهل المدن والقرى، والمراد أن يكون لي هؤلاء عبيدًا، فأُعتقهم. أفاده السنديّ(٢) . وقال الطيبيّ: المراد بـ((أهل الوبر)) سكّان البوادي؛ لأن خباءهم من الوبر غالبًا، وبـ((أهل المدر)) سُكّان القرى والأمصار، وأراد به الدنيا وما فيها، كما سبق، فغلّب العقلاء على غيرهم، كما قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ في أحد وجهيه، وأسند المحبّة إلى نفسه الزكيّة صلوات الله وسلامه عليه، والمراد به غيره وَّه. انتهى. قال القاري: (١) - ((المرقاة)» ٤١٦/٧. (٢) - (شرح السنديّ» ٦/ ٣٣. ٢٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ ولا بُعد أن يكون الإسناد على حقيقته، وله زيادة ثواب على نيّته في تمنّه ومودّته انتھی(١). قلت: ما قاله القاري هو الظاهر. والله تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث محمد بن أبي عَمِيرة رضي اللّه تعالى عنه هذا صحیح. [فإن قلت]: كيف يصح، وفيه بقيّة، وهو معروف بالتدليس؟. [قلت]: حديثه له شواهد، فجزؤه الأول يشهد له حديث أنس رَزّه، مرفوعا: ((ما من أحد يدخل الجثّة، يُحبّ أن يرجع إلى الدنيا، وله ما في الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنّى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتل عشر مرّات؛ لما يَرَى من الكرامة)). متّفقٌ عليه، وسيأتي للمصنّف برقم - ٣١٦٠/٣٤- بنحوه. وسيأتي للمصنّف أيضًا حديث عبادة بن الصامت ظاثم ، برقم-٣١٦٠/٣٣- وهو حديث صحيح. وجزؤه الثاني يشهد حديث أبي هريرة تَّه المذكور في الباب، وغيرُه من الأحاديث التي تمنّى فيها النبيّ وَّهِ أن يُقتل في سبيل اللّه تعالى، وكحديث: ((غَدوة، أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا، وما فيها)) متفقٌ عليه، وتقدّم للمصنّف رحمه الله تعالى بنحوه رقم ٣١١٨ . وأيضًا فقد صرّح بقيّة بالتحديث عند الإمام أحمد في («مسنده)) ٢١٦/٤- فقال: حدّثني بَحِير بن سَعْد، وهذا وإن كان لا يكفي في تدليس التسوية، إلا أن الشواهد تقوّيه. والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٣١٥٤/٣٠- وفي ((الكبرى))٤٣٦١/٢٦. وأخرجه أحمد في ((مسند الشاميين)) ١٧٤٣٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». (١) - ((المرقاة)) ٤١٦/٧ - ٤١٧ . ٢٣٩ ٣١- (ثَوَابُ مَنْ قُتِلَ فِي سَبیلِ اللهِ عز وجل) - حديث رقم ٣١٥٥ ٣١- (ثَوَابُ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل) وفي نسخة: ((باب)) بدل ((ثواب)). ٣١٥٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا، يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَيْنَ أَنَا، قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ»، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (محمد بن منصور) الْجَوَّاز المكيّ الثقة [١٠]٢١/٢٠ . تقدم قبل ثلاثة أبواب. ٢- (((سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨]١/١، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣- (عمرو) بن دينار، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ المكيّ، ثقة ثبت [٤]١١٢/ ١٥٤. ٤- (جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما المذكور قبل بابين. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٥٧) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخهِ، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) من الأحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَمْرِو) بن دينار، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا) ابن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما (يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: لم أقف على اسمه، وزعم ابن بشكوال أنه عُمير بن الْحُمَام -وهو بضمّ المهملة، وتخفيف الميم - وسبقه إلى ذلك الخطيب، واحتجّ بما أخرجه مسلم من حديث أنس وظائيه: ((إن عُمير بن الْحُمّام أخرج تمرات، فجعل يأكل منهنّ، ثم قال: لئن حبيتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم قاتل حتى قُتِل)). قال الحافظ: لكن وقع التصريح في حديث أنس ◌َّه أن ذلك كان يوم بدر، والقصّة التي في الباب وقع التصريح في حديث جابر أنها كانت يوم أحد، فالذي يظهر أنهما ٢٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ قصّتان وقعتا لرجلين. والله أعلم انتهى (١) (يَوْمَ أُحُدٍ) أي يوم وقعة أحد (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ قُتِلْت) بالبناء للمفعول، أي إن قتلني العدوّ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في إعلاء كلمة اللَّه تعالى (فَأَيْنَ أَنَا) أي في أيّ مكان أكون، في الجنّة، أم في غيرها؟ (قَالَ ((فِي الْجَنَّةِ) أي أنت في الجنّة حالاً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَاً بَلْ أَحْيَةُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُّونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله، عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَفُونَ﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: ((أرواحهم في جوف طير خُضْر، لها قناديل معلقة بالعرش، تَسْرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلَع إليهم ربهم اطْلَاعَة فقال: ((هل تشتهون شيئا؟))، قالوا: أيَّ شيء نشتهي، ونحن نَسرَح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن تُردَّ أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتَل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا)). (فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي بَدِهِ) استبطاء للموت (ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ) بالبناء للمفعول. وإنما سأل الرجل هذا السؤال، وإن كان معلومًا عندهم أن مآل من قاتل في سبيل الله في الجنّة؛ لأنه لا يضمن الإنسان من نفسه ذلك؛ إذ ربما يكون عنده ما يمنعه من ذلك، فأراد أن يتثبت لنفسه، فأخبره والتي بأنه من أهل الجنّة، فلذا ألقى ما في يده من التمرات شوقًا إلى الجنّة، فقاتل حتى استُشهد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١٥٥/٣١- وفي ((الكبرى))٤٣٦٢/٢٧. وأخرجه (خ) في ((المغازي)) ٤٠٤٦ (م) في ((الإمارة)) ١٨٩٩ (أحمد) في باقي ((مسند المكثرين)) ١٣٩٠٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثواب من قُتل في سبيل (١) - (فتح٤ ٩٩/٨.