Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١ =
١- (بَابُ وُجُوب الْجِهَادِ) - حديث رقم ٣٠٩٧
والشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر، والجمهور. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل
العلم، وقد تظاهرت الأحايث الصحيحة على معناه، فمنها حديث إغارة النبيّ بَّ على
بني المصطلق، وهم غارّون، وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، وسبى
سبيهم. متفق عليه. (ومنها): حديث قتل كعب بن الأشرف. (ومنها): حديث قتل ابن
أبي الحُقَيق، وكلاهما في ((الصحيحين)). أفاده النوويّ في ((شرح مسلم))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المذهب الثالث هو الصحيح، کما صححه النوويّ،
وغيره، لأن به تجتمع الأدلة.
وحاصله أن الكفار إن بلغتهم الدعوة، فيجوز الإغارة عليهم بلا إنذار، كما فعل
النبيّ وَّه على بني المصطلق،، وإلا فلا؛ لحديث بريدة بن الْحُصَيب ◌َّهِ الآتي
قريبًا: ((وإذا لقيت عدوّك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها
أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم: اعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا فاقبل منهم،
وكفّ عنهم ... )) الحديث. فقد أمر ◌ً له بالدعوة، فيحمل على من لم تبلغهم الدعوة،
حتى تجمتع الأدلة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ظاهر أحاديث الباب تدلّ على وجوب مقاتلة الكفّار، وإن دفعوا
الجزية، لكن أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من طريق علقمة بن
مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول اللَّهُ وَّر، إذا أَمَّرَ أميرا على
جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال:
((اغزوا باسم اللَّه، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا،
ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيتَ عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث
خصال، أو خلال، فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى
الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى
دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على
المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين،
يجري عليهم حكم اللّه الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة، والفيء
شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا، فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك،
فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا، فاستعن بالله، وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل
حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة اللَّه، ولا ذمة
نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك، وذمة أصحابك، فإنكم أن تُخْفِروا ذممكم، وذمم
(١) - ((شرح مسلم)٩ ١٢ / ٢٦٤.

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
أصحابكم أهون من أن تُحُفِرُوا ذمةَ اللَّه، وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن،
فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على
حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله، فيهم أم لا؟)).
فهذا الحديث صريح في كونهم لا يقاتلون إذا بذلوا الجزية، وقد اختلف أهل العلم
في جواز أخذ الجزية من الكفّار: فذهب مالك، والأوزاعيّ، وموافقوهما إلى جواز
أخذها من كلّ كافر، عربيًّا كان، أو عجميًّا، كتابياً كان، أو مجوسيًّا، أو غيرهما.
وذهب أبو حنيفة إلى أنها تؤخذ من جميع الكفّار إلا مشركي العرب، ومجوسهم. وذهب
الشافعيّ إلى أنها لا تقبل إلا من أهل الكتاب، والمجوس، عربًا كانوا، أو عجمًا،
واحتج الشافعيّ بمفهوم آية الجزية، وبحديث: ((سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب))، وتأول
حديث بُريدة على أن المراد بأخذ الجزية من أهل الكتاب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه مالك، من إطلاق جواز أخذ
الجزية من جميع الكفّار، هو الأرجح؛ لإطلاق حديث بريدة رضي اللّه تعالى عنه، وهو
منطوق، فيقدّم على مفهوم الآية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
٢- (التَّشْدِيدُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ)
٣٠٩٨- (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١)
ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) وُهَيْبٌ - يَغْنِي ابْنَ الْوَرْدِ- قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
الْمُنْكَدِرٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ نََّ، قَالَ: ((مَنْ مَاتَ،
وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ،َ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ).
رجال هذا الإسناد : ثمانية :
١- (عبدة بن عبد الرحيم) أبو سعيد المروزيّ، نزيل دمشق، صدوق، من
صغار[١٠]٥٩٧/٤٥ من أفراد المصنّف.
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) - وفي نسخة: ((ثنا)).

١٠٣ =
٢- (التَّشْدِيدُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ) - حديث رقم ٣٠٩٨
٢- (سلمة بن سليمان) المروزيّ، أبو سليمان، ويقال: أبو أيّوب المؤذّب، ثقة
حافظ، كان يورّق لابن المبارك، من كبار [١٠].
قال أبو حاتم: من جّة أصحاب ابن المبارك، وثقاتهم. وقال النسائيّ: ثقة. وقال
أحمد بن منصور المروزيّ: حدثنا بنحو من عشرة آلاف حديث من حفظه، وقال: هل
يمكن أحدًا منكم أن يقول: غلطت في شيء؟. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
مات سنة (١٩٦)، وقيل: (٢٠٣)، وقيل: (٢٠٤). أخرج ه البخاريّ، ومسلم،
والمصنّف، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٣- (ابن المبارك) عبد اللَّه الإمام الحجة المشهور [٨]٣٦/٣٢.
٤- (وهيب بن الْوَزْد) - بفتح الواو، وسكون الراء- بن أبي الورد القرشيّ مولاهم
المكيّ، أبو عثمان، أو أبو أميّة، يقال: اسمه عبد الوهاب، ووُهيب لَقَبه، ثقة عابد، من
کبار [٧].
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال النسائيّ أيضًا: ليس به بأس. وقال أبو حاتم:
كان من العبّاد، وله أحاديث، ومواعظ، وزهد. وقال إدريس بن محمد الرُّوذيّ: ما
رأيت رجلاً أعبد منه. وقال قُتيبة، عن محمد بن يزيد بن خُنيس: كان الثوريّ إذا فرغ
من الحديث قال: قوموا إلى الطبيب -يعني وُهيب بن الورد -. قال ابن المبارك: كان
وُهيب يتكلّم، والدموع تقطر من عينيه. وقيل له: يجد طعم العبادة من يَعصي اللَّه
تعالى؟ قال: لا، ولا من همّ بمعصية. وقال عبد الله بن خُبيق، عن بشر بن الحارث:
أربعة رفعهم اللَّه بطيب المطعم: وُهيب بن الورد، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن
أسباط، وسَلْم الْخَوَّاص. وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان: مكيّ ثقة. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات))، وقال: وكان من العبّاد المتجرّدين لترك الدنيا، مات سنة (١٥٣).
روى له مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث
الباب فقط .
٥- (عُمَر بن محمد بن المنكدر) التيميّ المدنيّ، ثقة [٧].
قال النسائيّ: ثقة(١). وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، قال: إنه كان من العبّاد، وأنه
مات من قرآن قُرىء عليه. وقال الأزديّ: في القلب منه شيء. روى له مسلم، وأبو
داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)) (عَمْرو بن محمد بن المنكدر)) بفتح
(١) - نقل محقق (تهذيب الكمال)) ٢١ في ترجمة عمر بن محمد بن المنكدر هذا القول عن النسائيّ،
وعزاه إلى ((السنن الكبرى)) برقم ٣٣٧. والله تعالى أعلم.

١٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
العين، بدل ((عُمر)) بضمها، وهو تصحيف، فتنبه. والله تعالى أعلم.
٦- (سُميّ) مولى أبي بكر بن الحارث المدنيّ الثقة [٦]٥٤٠/٢٢.
٧- (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت [٣] ٤٠/٣٦.
٨- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه
أبو هريرة ◌َّ أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ وَّ) أنه (قَالَ: ((مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ)
أي لم يخرج للجهاد في سبيل اللّه تعالى (وَلَّمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ) من التحديث، قيل:
بأن يقول في نفسه: يا ليتني كنت غازيًا، أو المراد: ولم ينو الجهاد، وعلامته إعداد
الآلات، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوِجَ لَأَعَذُواْ لَهُ عُدَّةً﴾ الآية [التوبة: ٤٦]
(مَاتَ عَلَى شُغْبَةِ نِفَاقٍ) -بضمّ الشين المعجمة، وسكون العين المهملة -: أي خلق من
أخلاق المنافقين. قيل: أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد.
وذكر مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) بعد إخرج الحديث: ما نصّه: قال ابن
سهم (١): قال عبد الله بن المبارك: فنُرَى أن ذلك كان على عهد رسول اللّه وَ ل
(٢)
.
انتھی
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى مفسّرًا كلام ابن المبارك هذا: ما نصّه: يعني حيث كان
الجهاد واجبًا، وحمله على النفاق الحقيقيّ. ويحتمل أن يحمل على جميع الأزمان،
ويكون معناه: أن كلّ من كان كذلك أشبه المنافقين، وإن لم يكن كافرًا. واللَّه تعالى
(٣)
أعلم(٣) .
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: ((نُرى)) -بضمّ النون- أي نظنّ. وهذا الذي
قاله ابن المبارك محتملٌ. وقد قال غيره: إنه عامٌ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حمل الحديث على العموم هو الأولى؛ إذ لا دليل
(١) - هو شيخ مسلم محمد بن عبدالرحمن بن سهم الأنطا ي راوي الحديث عن ابن المبارك.
(٢) - ((صحيح مسلم" رقم ٤٩٠٨ .
(٣) - ((المفهم)) ٤ / ٧٥٠ .

١٠٥ ==
٢- (التَّشْدِيدُ فِي تَرْكِ الْجَهَادِ) - حديث رقم ٣٠٩٨
على تخصيصه. والله تعالى أعلم.
قال: والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد في هذا
الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شُعَب النفاق. انتهى كلام النوويّ(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا٣٠٩٨/٢- وفي ((الكبرى))٤٣٠٥/٢. وأخرجه (م) في ((الإمارة))
١٩١٠ (د) في ((الجهاد)) ٢٥٠٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان تشديد الوعيد في ترك
الجهاد في سبيل اللّه تعالى. (ومنها): أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فعلها، لا
يتوجّه عليه الذّمّ الذي يتوجّه على من مات، ولم ينوها.
قال النويّ رحمه اللّه تعالى: وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكّن من الصلاة في أوّل
وقتها، فأخّرها بنية أن يفعلها في أثنائه، فمات قبل فعلها، أو أخر الحجّ بعد التمكّن إلى
سنة أخرى، فمات قبل فعله، هل يأثم أم لا؟. والأصحّ عندهم أنه يأثم في الحجّ، دون
الصلاة؛ لأن الصلاة قريبة، فلا تنسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحجّ. وقيل: يأثم
فيهما. وقيل: لا يأثم فيهما. وقيل: يأثم في الحجّ الشيخ دون الشاب. والله أعلم.
انتھی(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عدم الإثم فيهما هو الظاهر؛ لأنه موسع عليه في
ذلك شرعًا؛ إذ الراجح أن الحجّ على التراخي، وكذلك وقت الصلاة موسع. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
(١) - ((شرح مسلم٤ ٥٨/١٣ .
(٢) - ((شرح مسلم)) ٥٨/١٣.

١٠٦
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
٣- (الرُّخْصَةُ فِ الثَّخَلْفِ عَنِ
السَّرِيَّةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((السّرّيّة)): القطعة من الجيش، فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة؛ لأنها
تَسري في خُفية، والجمع سَرَايا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة وعَطّاياً، وعَطِيّات. قاله الفيوميّ.
وفي ((القاموس)): والسّريّة: من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، أو أربعمائة انتهى.
وفي ((الفتح)): ((السريّة)) من مائة إلى خمسمائة، فما زاد فمَنْسِرٌ، كمجلِسٍ، فإن زاد
على ثمانمائة، فجيش، فإن زاد على أربعة آلاف فجيش جَرّار.
وفي ((النهاية)): ((السريّة)): طائفة من الجيش، يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبعث إلى
العدوّ، وجمعها السرايا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارَهم، من
الشيء السَّرِيّ، وهو النفيس. وقيل: سُمّوا بذلك؛ لأنهم يَنفُذون سرًّا وخُفْية، وليس
بالوجه؛ لأن لام السريّ راء، وهذه ياء انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٣٠٩٩- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَخْتِى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ عُفَيْرِ، عَنِ اللَّيْثِ،
عِنِ ابْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ بَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدٍ بْنِ اَلَّمُسَيَّبِ،
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِ، يَقُولُ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلًا أَنَّ رِجَالاً
مِنَّ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ (٢)، أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنْي، وَلَّا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا
تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُخْيَا ثُمَّ أَقْتَلُ، ثُمَّ أُخْيَا ثُمَّ أَقْتَلُ، ثُمَّ أَخْيَا ثُمَّ أَقْتَلُ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١- (أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان) التجيبيّ، أبو عبد الله المصريّ،
ثقة [١١]٢٦٩٠/٤٢ .
٢- (ابن عفير) هو سعيد بن كثير بن عُفير -بالعين المهملة، والفاء، مصغّرًا- بن
مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاريّ مولاهم، أبو عثمان المصريّ، نُسب لجدّه،
صدوق عالم بالأنساب [١٠].
قال أبو حاتم: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس، وهو صدوق. وقال ابن
(١) - (النهاية في غريب الحديث)) ٣٦٣/٢.
(٢) - وفي نسخة: ((نفوسهم)).

==
١٠٧
٣- (الرَّخْصَةُ فِي التَّخَلِفِ عَنِ السَّرية) - حديث رقم ٣٠٩٩
عديّ: سعمت ابن حمّاد يقول: قال السعديّ: سعيد بن عُفير فيه غير لَوْن من البِدَع،
وكان مُخَلْطًا غير ثقة .
قال أبو أحمد بن عديّ: وهذا الذي قاله السعديّ لا معنى له، ولم أسمع أحدًا، ولا
بلغني عن أحد في سعيد بن كثير بن عُفير كلام، وهو عند الناس صدوق ثقة، ولا أعرف
سعيد بن عُفير غير المصريّ، ولم يُنسَب المصريّ إلى بدع، ولا إلى كذب. ورَوی له
حديثين من رواية ابنه عُبيداللّه عنه، ثم قال: ولعلّ البلاء من عبيدالله لأن سعيد بن عُفير
مستقیم الحديث.
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، لا بأس
به. وقال النسائيّ: سعيد بن عُفير صالح، وابن أبي مريم أحب إليّ منه. وقال الحاكم:
يقال: إن مصر لم تُخرِجْ أجمع للعلوم منه.
وقال ابن يونس: كان سعيد من أعلم الناس بالأنساب، والأخبار الماضية، وأيام
العرب، ومآثرها، ووقائعها، والمناقب والمثالب، كان في ذلك كلّه شيئًا عجيبًا، وكان
أديبًا فصيح اللسان، حسن البيان، لا تُملّ مجالسته، ولا يُنزَف علمه، وله أخبار
مشهورة تركتها لشهرتها، وكان غير ظنين في جميع ذلك، ولد سنة (١٤٦)، وتوفّي سنة
(٢٢٦) .
أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في ((القدر))، والمصنّف، وله عنده في هذا
الكتاب حديثُ الباب، وحديث رقم ٣٣٧٧٤ و٣٣٨٨ .
د
٣- (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الحجة المشهور [٧]٣٥/٣١.
٤ - (ابن مسافر) هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ويقال: اسم جدّه ثابت بن مسافر،
ويقال: غير ذلك، أبو خالد، ويقال: أبو الوليد الفَهْمِيّ، أمير مصر، صدوق [٧].
روى عن الزهريّ. وروى عنه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب. قال ابن معين:
كان على مصر، وكان عنده عن الزهريّ كتاب فيه مئتا حديث، أو ثلاثمائة، كان الليث
يُحدّث بها عنه، وكان جدّه شَهِد فتح بيت المقدس مع عمر. وقال أبو حاتم: صالح.
وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال العجليّ: مصريّ
ثقة. وقال الذهليّ: ثبتّ. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال الساجيّ: هو عندهم من أهل
الصدق، وله مناكير. وقرنه النسائيّ في طبقات أصحاب الزهريّ بابن أبي ذئب وغيره.
وقال ابن يونس: كانت ولايته على مصر سنة (١١٨) وعزل سنة (١٩) وكان ثبتًا في
الحديث، يقال: توفّي سنة (١٢٧).
روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في ((المراسيل))، والترمذيّ، والمصنّف، وله

= ١٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واستشهد به مسلم في حديث واحد: ((أرأيتكم
ليلتكم هذه ... )) الحديث. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى
ابن مسافر، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيين. (ومنها): أن
فيه أبا هريرة رضي اللَّه تعالى عنه رَأْسَ المكثرين من الرواية روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثبت (وَسَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيَّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ الفقيه الثبت الحجة (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ)
رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَقُولُ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ
رِجَالاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ) بفتح حرف المضارعة، من الطيب، و((أنفسهم))
بالرفع على الفاعلية، أي لا تنشرح، ولا تنبسط، يقال: طابت نفسه تَطيب: انبسطت،
وانشرحت (أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّي) أي يتأخّروا عن الخروج معي (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ)
من الجِمَال، والدواب، أي وفي مشيهم مشقّةٌ بالغة عليهم (مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ) أي ما
تأخرت، بل خرجت، ومشيت مع كلّ سرية (تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ) بفتح الواو، وكسر الدال الأولى، أي لأحببتُ.
والنكتة في إيراد هذه الجملة عقب الجملة السابقة إرادة تسلية الخارجين في الجهاد
على مرافقته لهم، وكأنه قال: الوجه الذي يسيرون له فيه من الفضل ما أتمنّى لأجله أني
أُقتل مرّات، فمهما فاتكم من مرافقتي، والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله، أو
فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع. وقد خرج النبيّ ◌َّر في بعض المغازي،
وتخلّف عنه المشار إليهم، وكان ذلك حيث رجحت مصلحة خروجه على مراعاة
حالهم. أفاده في ((الفتح))(١).
(أَنِّي أُقْتَلُ) بالبناء للمفعول في الأفعال السبعة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُخْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ
أُخْيَا، ثُمْ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أَقْتَلُ) قال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام: كيف ذلك مع
أن الصحيح أن الكفّار مخاطبون بالفروع، وقتل النبيّ كفر، فكيف يتمنّى وقوع الكفر في
(١) - ((فتح٤ ٦ / ٩٤.

١٠٩ ==
٣- (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلِفُِّ عَنِ السَّريةِ) - حديث رقم ٣٠٩٩
الوجود؟. قال: والجواب أن قتله وَ ي له اعتباران كونه كفرًا، واعتبار كونه سببًا لثواب
الشهداء، وإنما تمنّاه من هذه انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): استشكل بعض الشّرّاح صدور هذا التمنّ من النبيّ بَّر مع علمه
بأنه لا يقتل. وأجاب ابن التين بأن ذلك لعلّه كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِِّ﴾ الآية. وهو متعقّبٌ، فإن نزولها كان في أوائل ما قَدِم المدينةَ، وهذا الحديث
صرّح أبو هريرة رَّه بأنه سمعه من النبيّ وََّ، وإنما قَدِمَ أبو هريرة في أوائل سنة سبع
من الهجرة. والذي يظهر في الجواب أن تمنّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد
قال ◌َ له: ((وددت لو أن موسى صبر ... ))، ونظائر ذلك، وكأنه سير أراد المبالغة في
بيان فضل الجهاد، وتحريض المسلمين عليه. قال ابن التين: وهذا أشبه. قال الحافظ :
وحكى شيخنا ابن الملقّن أن بعض الناس زعم أن قوله: ((لوددت)) مدرج من كلام أبي
هريرة. قال: وهو بعيد. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣٠٩٩/٣ و٣١٥٢/٣٠ و٣١٥٣ - وفي ((الكبرى)) ٤٣٠٦/٣ و٢٦/
٤٣٥٩ و٤٣٦٠ . وأخرجه (خ) في ((الإيمان))٣٦ و((الجهاد)»٢٧٩٧ و٢٨٠٣
((التمنّي)»٧٢٢٦ و٧٢٢٧ (م) ((الإمارة)) ١٨٧٦ (أحمد) في ((باقي مسند
المكثرين))٧٢٩٨ و٢٧٣٤٧ و٢٧٥٤٨ و٩١٩٢ و١٠١٦٥ (الموطأ) في ((الجهاد)) ٩٩٩
و١٠١٢ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان الرخصة في التخلّف عن
السريّة بسبب العذر. (ومنها): الحضّ على حسن النية. (ومنها): بيان شفقة النبيّ وَليل
على أمته، وشدّة رأفته بهم، كما وصفه اللَّه تعالى بذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
(١) - ((زهر الربى)) ٨/٦ - ٩.
(٢) - («فتح» ٦ / ٩٥.

١١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
[التوبة: ١٢٨]. (ومنها): استحباب طلب القتل في سبيل الله تعالى. (ومنها): جواز
قول: ودِدتُ حصول كذا من الخير، وإن علم أنه لا يحصل. (ومنها): ترك بعض
المصالح لمصلحة راجحة، أو أرجح، أو لدفع مفسدة. (ومنها): جواز تمنّي ما يمتنع
في العادة. (ومنها): السعي في إزالة المكروه عن المسلمين. (ومنها): ما قيل: فيه أن
الجهاد فرض كفاية، إذ لو كان على الأعيان ما تخلّف عنه أحد. قال الحافظ : وفيه نظر؛
لأن الخطاب إنما يتوجّه للقادر، وأما العاجز فمعذور، وقد قال الله تعالى: ﴿غَيْرُ أُؤْلِ
الضَّرَرِ﴾ الآية [النساء: ٩٥]، وأدلّة كون الجهاد فرض كفاية تؤخذ من غير هذا انتهى.
وقد سبق تمام البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٤- (فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى
الْقَاعِدِينَ)
٣١٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ - يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّل-
قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيْ، عَنْ سَفِلٍ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ
مَرْوَانَ ابْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا، فَجِثْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهَلهَ أَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]، ﴿وَالْمُجَهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فَجَاءَ ابْنُ أُمْ مَكْتُومٍ، وَهُوَ يُمِلُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ
الْجِهَادَ، لَجَاهَدْتُ، فَأَنْزَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَفَخِذُهُ عَلَّى فَخِذِي، فَتَقُلَتْ عَلَيَّ، حَتَّى ظَتَنْتُ
أَنَ سَتْرَضُّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
إِسْحَاقَ، يَرْوِي عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ
سَعْدٍ، لَيْسَ بِثِقَةٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (محمد بن عبد الله بن بَزِيع)-بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٤- (فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ) - حديث رقم ٣١٠٠
١
١١
==
[١٠]٥٨٨/٤٣ .
٢- (بشر بن المفضّل) الرقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨]٨٢/٦٦.
٣- (عبد الرحمن بن إسحاق) القرشيّ العامريّ المدنيّ، نزيل البصرة، ويقال له:
عَبّاد، صدوق رُمي بالقدر[٦]١٠٠/ ٢٦١.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم المذکور قريبًا.
٥- (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس،
له، ولأبيه صحبة مشهور رضي الله تعالى عنهما، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد
جاوز المائة، تقدّم في ٤٠ / ٧٣٤ .
٦- (مَزْوَانَ بْنُ الْحَكّم) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ أمير المدينة
الذي صار بعد ذلك خليفة في آخر سنة (٦٤) ومات سنة (٦٥) في رمضان، وله ثلاث،
أو إحدى وستون سنة، ولا يثبت له صحبة، تقدّم في ١١٨/ ١٦٣ .
٧- (زيد بن ثابت) بن الضحاك بن لَوذان الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد،
وأبو خارجة الصحابيّ المشهور، كاتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في
العلم، ◌َّ مات سنة خمس، أو ثمان وأربعين. وقيل: بعد الخمسين، تقدّم في
١٧٩/١٢٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجالہ کلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى عبد الرحمن، وبالمدنيين بعده.
(ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن تابعي، فإن سهلاً رضي اللّه تعالى عنه صحابي،
ومروان تابعيّ وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَغدٍ) کذا قال عبد الرحمن بن إسحاق، وتابعه صالح بن کیسان، كما
يأتي في الرواية التالية، وخالفهما معمر، فقال: ((عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب،
عن زيد بن ثابت))، أخرجه أحمد. ولا يضرّ مثل هذا الاختلاف؛ لإمكان حمله على أن
للزهريّ طريقين في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.
(قَالَ: رَأَيْتُ مَزْوَانَ بْنَ الْحَكَّم) بن أبي العاص (جَالِسًا، فَجِثْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ،
فَحَدَّثَنَا) قال الترمذيّ رحمه اللَّهَ تعالى: في هذا الحديث رواية رجل من الصحابة،
وهو سهل بن سعد، عن رجل من التابعين، وهو مروان بن الحكم، ولم يسمع من

١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
رسول اللَّه ◌َالخير، فهو من التابعين انتهى.
قال الحافظ: لا يلزم من عدم السماع عدم الصحبة، والأولى ما قاله فيه البخاريّ:
لم ير النبيّ رَّ، وقد ذكره ابن عبد البر في ((الصحابة))؛ لأنه وُلد في عهد النبيّ وَّل قبل
عام أحد. وقيل: عام الخندق، وثبت عن مروان أنه قال لما طلب الخلافة، فذكروا له
ابن عمر، فقال: ليس ابن عمر بأفقه منّ، ولكنه أسنّ منّي، وكانت له صحبة. فهذا
اعتراف منه بعدم صحبته، وإنما لم يسمع من النبيّ ◌َّ﴾، وإن کان سماعه منه ممكنًا؛
لأن النبيّ وَلَّ نفى أباه إلى الطائف، فلم يردّه إلا عثمان رَّه لمّا استُخلف. وقد
تقدّمت روايته عن النبيّ بَّل في ((كتاب الحجّ)) في باب ((إشعار الهدي)) - ٢٧٧١/٦٢ -
وتقدّم هناك التنبيه على أن روايته تلك مرسلة، وباللَّه تعالى التوفيق.
(أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وِِّ، أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿لَا
يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾) وفي رواية قَبيصة بن
ذؤيب المذكورة: ((كنت أكتب لرسول اللَّه وَلير، وفي رواية خارجة بن زيد، عن أبيه:
((إني لقاعد إلى جنب النبيّ وَّ، إذ أوحي إليه، وغشِيَته السكينة، فوضع فخذه على
فخذي، قال زيد: فلا واللَّه ما وجدت شيئًا قط أثقل منها)). وفي حديث البراء بن عازب
رضي الله تعالى عنهما عند البخاريّ: ((لما نزلت قال النبيّ ◌َّ: ادع لي فلانًا، فجاءه،
ومعه الدواة، واللوح، والكتف»، وفي رواية أخرى عنه: ((دعا زيدًا، فكتبها)).
قال الحافظ: فيجمع بينهما بأن المراد بقوله: ((نزلت)) كادت تنزل؛ لتصريح رواية
خارجة بأن نزولها كان بحضرة زيد انتهى(١).
(فَجَاءَ ابْنُ أُمّ مَكْتُوم) وفي رواية قبيصة: ((فجاء عبد اللَّه ابن أمّ مكتوم))، وعند
الترمذيّ، من طريق الثّريّ، وسليمان التيميّ، كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء:
((جاء عمرو ابن أم مكتوم))، وقد نبّه الترمذيّ على أنه يقال له: عبد الله، وعمرو، وأن
اسم أبيه زائدة، وأم مكتوم أمه انتهى. واسم أمه عاتكة .
وفي ((التقريب)): عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة، ويقال: زياد القرشيّ
العامريّ الأعمى الصحابيّ المشهور، قديم الإسلام، ويقال: اسمه عبد اللَّه، ويقال:
الحصين، كان النبيّ وَّ استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر رضي الله
تعالى عنهما. وقد تقدّمت ترجمته في ((كتاب الأذان)) باب -٩/ ٦٣٧ - «المؤذنان للمسجد
الواحد)» (وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ) من أملّ عليه الكتاب، أي ألقى عليه ليكتب، ((يقال: أمللتُ
الكتابَ على الكاتب إملالاً: ألقيته عليه، وأمليته عليه - بالياء- إملاءً، والأولى لغة
(١) - ((فتح)) ٩/ ١٣٧ في ((تفسير سورة النساء)).

١١٣-
٤- (فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ) - حديث رقم ٣١٠٠
الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما،
﴿وَلْيُمْلِ اَلَّذِىِ عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، ﴿فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. قاله الفيّوميّ.
والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه وَلّ يقرءها علي؛ لأكتبها (فَقَالَ)
أي ابن أمّ مكتوم (يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ) أي لو استطعت، وعبّر بالمضارع
إشارةً إلى الاستمرار، واستحضارًا لصورة الحال. زاد في الرواية التالية: ((وكان رجلاً
أعمى))، وفي رواية خارجة: ((فقام حين سمعها ابن أم مكتوم، وكان أعمى، فقال: يا
رسول اللّه، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد، ممن هو أعمى، وأشباه ذلك))، وفي رواية
قبيصة: ((فقال: إني أحبّ الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزمانة ما ترى، ذهب
بصري» (لَجَاهَدْتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي) جملة في محلّ نصب على
الحال، أي والحال أن فخذه ◌َّهر موضوعة على فخذي (فَتَقُلَتْ عَلَيَّ) يعني أنه حدث في
أعضائه ثقلّ محسوسٌ، من ثقل الوحي النازل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ
قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ سَتْرَضُّ فَخِذِي)) أن)) هنا مخفّفة من
الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والفعل بعدها مرفوع، أي أنه سترضُّ فخذي، وهو
بتشديد الضاد المعجمة، أي ستُدقّ، وستكسر (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) -بضمّ المهملة، وتشديد
الراء، مبنيًّ للمفعول، أي كُشف، وأزيل عنه وََّ، ما حلّ به من غشيان الوحي (﴿لَّا غيّرُ
أُوْلِ الشَّرَرِ﴾) مفعول ((فأنزل اللَّه عز وجل))، فهو منصوب محلًّا، محكيّ لفظًا. وفي
رواية قبيصة: «ثمّ قال: اكتب: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾. وزاد في
رواية خارجة بن زيد: ((قال زيدٌ بن ثابت: فوالله لكأني أنظر إلى مُلْحَقها عند صَدْعٍ كان
في الكتف))(١).
وقوله: ﴿غير﴾ قرىء بالنصب، والرفع، وهما قراءتان مشهورتان في السبع، قرأ
نافع، وابن عامر، والكسائيّ بنصبها، والباقون برفعها. وقُرىء في الشواذْ بجرّها، فمن
نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع، فعلى أنه وصفٌ ل﴿لقاعدين﴾، أو بدلٌ منهم، ومن
جرّه، فعلى أنه وصف للمؤمنين﴾، أو بدل منهم. قاله النوويّ رحمه اللَّه تعالى(٢).
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللَّه تعالى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا) أي
الذي ذُكر في هذا السند، راويًا عن الزهريّ، فـ((عبد الرحمن)) مبتدأ، خبره قوله (لَيْسَ بِهِ
بَأْسٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) بن الحارث، أبو شيبة الواسطيّ الأنصاريّ، ويقال:
الكوفيّ، ابن أخت النعمان بن سَعْد، ضعيف من الطبقة السادسة (يَزْوِي عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ
(١) - ((فتح)) ١٣٨/٩ في ((التفسير)).
(٢) - ((شرح مسلم،١٣/ ٤٦

١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
مُشْهِرٍ) بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل،
ثقة، له غرائب بعد ما أضرّ [٨]٦٦/٥٢ (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ،
ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد تهم في حديث غيره، من كبار[٩]٢٦/ ٣٠
(وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقة في حديثه عن الأعمش وحده
مقال [٨]١٤٤٨/٣ (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ) بن حَبْتة - بفتح المهملة، وسكون الموحّدة،
ثمّ مثنّاة، ويقال: آخره راء- أنصاريّ كوفيّ مقبول[٣] تفرّد به الترمذيّ (لَيْسَ بِثِقَّةٍ)
فقوله: ((وعبد الرحمن الخ)) مبتدأ خبره جملة ((يروي الخ))، وجملة ((ليس بثقة)) خبر بعد
الخبر، أو هي الخبر، وجملة ((يروي)) حال من المبتدإ على رأي بعض النحاة. وقوله:
((عن النعمان ابن سعد)) متعلّق بمحذوف، حال من فاعل ((يروي))، وهو ضمير
(عبد الرحمن))، أي يروي هؤلاء عنه، حال كونه راويًا عن خاله النعمان بن سعد.
[تنبيه]: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا الكلام التمييز بين المتشابِهِينِ في
الاسم، واسم الأب، حتى لا يوقع اشتباههما في الخطإ، فَيُردّ حديث صحيح، أو يُقْبَل
حديث ضعيف، إذ أحدهما ثقة، والآخر ضعيف، كما بينه هنا، وهذا هو النوع المسمّى
في مصطلح الحديث بـ((المتّفق والمفترق))، كما أشار إليه الحافظ السيوطيّ في ((ألفية
الحدیث)، حیث قال:
وَاعْنَ بِمَا لَفْظًا وَخَطًّا يَتَّفِقْ لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ قَدْ تَفْتَرِقْ
لَا سِيَّمَا إِنْ يُوجَدَا فِي الْعَصْرِ وَاشْتَرَكَا شَيْخًا وَرَاوٍ فَاذْرٍ
ثمّ إن هذا الذي قاله المصنّف رحمه اللَّه تعالى هنا، من تقويته عبد الرحمن بن
إسحاق الأول، وتضعيفه الثاني، قاله غيره، من أئمة الجرح والتعديل أيضًا، فأما الأول
فقد وثقه أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقد تقدم نقل أقوالهم في - ٢٦١٨/١٠٠ -.
وأما الثاني، فإنه من رجال أبي داود، والترمذيّ، وليس له عند المصنّف شيء، وقد
ضعفه أحمد، وقال: ليس بشيء، منكر الحديث. وقال أيضًا: ليس بذاك، وهو الذي
يُحدّث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير، والمدنيّ(١) أعجب إليّ من الواسطيّ.
وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء. ، وقال ابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وأبو
داود، وابن حبّان: ضعيف. وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال أبو زرعة: ليس بقويّ.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال
ابن خزيمة: لا يُحتجّ بحديثه. وقال البزار: ليس حديثه حديث حافظ. وذكره يعقوب
(١) - يعني عبدالرحمن بن إسحاق الذي في سند المصنف في حديث الباب.

٤- (فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ) - حديث رقم ٣١٠٠
١١٥ ==
ابن سفيان في ((باب من يُرغب عن الرواية عنهم». وقال ابن عديّ: وفي بعض ما يرويه
لا يُتابعه الثقات عليه. وقال العقيليّ: ضعيف الحديث. وقال الساجيّ: كوفيّ أصله
واسطيّ، أحاديثه مناكير. وقال العجليّ: ضعيف، جائز الحديث، يُكتب حديثه(١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١٠٠/٤ و٣١٠١ و٣١٠٢ و٣١٠٣ - وفي («الكبرى» ٤٣٠٧/٤ و ٤٣٠٨
و٤٣٠٩ و٤٣١٠. وأخرجه (خ) في ((الجهاد)) ٢٨٣٢ و((التفسير)) ٤٥٩٢ (م) في
((الإمارة))١٨٩٨ (ت) في ((التفسير))٣٠٣٣ (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢١٠٩١. والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل المجاهدين في سبيل
الله تعالى على القاعدين منه. (ومنها): بيان سقوط فرض الجهاد عن المعذورين،
ولكن لا يكون ثوابهم ثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نيّاتهم، إن كانت لهم نيّة
صالحة، كما قال ◌َله: ((ولكن جهاد ونيّة)). (ومنها): بيان أن الجهاد فرض كفاية،
وليس فرض عين.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: وفيه ردّ على من يقول: إنه كان في زمن النبيّ
فرض عين، وبعده فرض كفاية. والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شُرع،
وهذه الآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى
اُلْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] انتهى (٢). (ومنها): بيان سبب نزول الآية. (ومنها):
جواز تأخير التخصيص بغير المستقلّ لمصلحة، ولازمه جواز الاستثناء المتأخّر،
والجمهور على خلافه. (ومنها): مشروعية اتخاذ الكاتب، وتقريبه. (ومنها): جواز
تقييد العلم بالكتابة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
(١) - راجع ((تهذيب التهذيب)) ٤٨٦/٢ - ٤٨٧.
(٢) - ((شرح مسلم)٩ ١٣/ ٤٥.

١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
٣١٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتِى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ،
قَالَ: رَأَيْتُ مَزْوَانَ، جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ، حَتَّىٍ جَلَسْتُ إِلَى جَنِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ
زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَه ◌َمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَّعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ ،
﴿لَّا وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ يُمِلْهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ(١) الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلا أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَِّ،
وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، حَتَّى هَمَّتْ تَرُضُ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾﴾.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح.
و((محمد بن يحيى بن عبدالله)): هو الحافظ الثقة الثبت الذُّهْليّ
النيسابوريّ [١١]٣١٤/١٩٦.
و((يعقوب بن إبراهيم بن سعد)): الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد الثقة
الفاضل، من صغار[٩]٣١٤/١٩٦.
و («أبوه)): هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهريّ، أبو إسحاق
المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ٣١٤/١٩٦.
و((صالح)): هو ابن كيسان، أبو محمد، أو أبو الحارث، مؤذّب أولاد عمر بن
عبد العزيز، الثقة الثبت الفقيه [٤]٣١٤/١٩٦.
وقوله: ((فأنزل الله)) مفعوله محذوف، أي الوحي.
وقوله: ((حتّى همّت))، أي قصدت، والفاعل ضمير ((فخذه))، و((أن تُرضّ)) -بضم
الراء، والبناء للفاعل، وفاعله أيضًا ضمير ((فخذه))، و((فخذي)) مفعوله، والمراد كادت
تکسرها من ثقلها.
وقوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الشَّرَرِ﴾ مفعول به ((أنزل)) محكيّ لقصد لفظه.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم البحث فيه مستوفّى في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٠٢ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ
الْبَرَاءِ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: قَالَ: ((اتْتُونِي بِالْكَتِفِ، وَاللَّوْحِ، فَكَتَبَ:
إلَّا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنَ﴾، وَعَمْرُو بْنُ أُمّ مَكْتُومٍ خَلْقَهُ، فَقَالَ: هَلْ لَي رُخْصَةٌ،
(١) - وفي نسخة: ((لو استطعت))، بصيغة الماضي.

٤- (فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ) - حديث رقم ٣١٠٢
١١٧-
فَتَزَّلَتْ ﴿غَيْرُ أُوْلِ الشَّرَرِ﴾).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (نصر بن عليّ) الجهضميّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠]٣٨٦/٢٠.
٢- (معتمر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطّفيل، ثقة، من
كبار [٩]١٠/١٠ .
٣- (أبوه) سليمان بن طرخان التيميّ البصريّ، ثقة عابد [٤]١٠٧/٨٧.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السبيعيّ الثقة العابد الكوفيّ [٣]٤٢/٣٨.
٥- (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ رضي اللّه تعالى عنهما، المتوفّى سنة (٧٢هـ) تقدّمت ترجمته في ١٠٥/٨٦.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي المعتمر، والباقيان كوفيان.
(ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة دون واسطة، كما تقدّم غير
مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب رضي اللَّه تعالى عنهما.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: قوله: ((عن البراء)) وفي رواية محمد بن جعفر، عن
شعبة، عن أبي إسحاق: أنه سمع البراء. أخرجه أحمد عنه. ووقع في رواية الطبرانيّ
من طريق أبي سنان الشيبانيّ، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، وأبو سنان اسمه
ضِرَار بن مُرّة، وهو ثقة، إلا أن المحفوظ ((عن أبي إسحاق، عن البراء))، كذا اتفق
الشيخان عليه من طريق شعبة، ومن طريق إسرائيل. وأخرجه الترمذيّ، وأحمد من
رواية سفيان الثوريّ، والترمذيُّ أيضًا، والنسائيُّ، وابن حبّان من رواية سليمان التيميّ،
وأحمدُ أيضًا من رواية زُهير، والنسائيُّ من رواية أبي بكر بن عيّاش، وأبو عوانة من
طريق زكريّا بن أبي زائدة، ومسعرٍ، ثمانيتهم عن أبي إسحاق، عن البراء. انتهى (١) (أَنَّ
النَِّيَّ ◌َِّ، ثُمَّ ذَكَرَ) الظاهر أن الذاكر هو البراء رَّهِ (كَلِمَةً مَعْنَاهَا) مبتدأ، وخبره قوله
(١) - ((فتح)) ١٣٨/٩. ((التفسير)).

١١٨
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
(قَالَ: ((اثْتُونِي) فيه أنه لم يحفظ لفظ الكلمة، وإنما حفظ معناها، ومثل هذا لا يضرّ في
صحّة الرواية.
وفيه أيضًا إطلاق الكلمة على الكلام، وهو جائز في الاستعمال، كقوله تعالى:
﴿كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ الآية، إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، ومثل: ((لا إله إلا الله كلمة
الإخلاص))، قال ابن مالك رحمه اللّه تعالى في ((الخلاصة)):
وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَذْ يُؤَمُ
(بِالْكَتِفِ) متعلّق بـ((ائتوني))، وهي بفتح الكاف، وكسر المثناة الفوقية، ويجوز
تسكينها، مع فتح الكاف، وكسرها تخفيفًا: عظم عَرِيضٌ، خلف المنكب، وهي مؤنّئةٌ،
وتكون للناس، وغيرهم، كانوا يكتبون فيها لقلّة القراطيس عندهم. أفاده في ((اللسان))
(وَاللَّوح) بفتح اللام، وسكون الواو: كلُّ صفيحة من خشب، وكتف، إذا کتب عليه،
سمّي لَوحًا، والجمع ألواح. أفاده في ((المصباح)). وقوله: ((إذا كُتب عليها)) أي إذا
استعملت للكتابة، وهُيّئت له، فليس المراد أنها كتب عليها بالفعل؛ لأنه لا تقبل الكتابة
مرّة أخرى، إلا إذا محيت، فتنبّه (فَكَتَبَ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) أي أمر وَّـ
بالكتابة، وفي رواية البخاريّ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق: ((لما نزلت: ﴿لَّا
يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبيّ وَّر: («ادعوا لي فلانًا))، فجاءه، ومعه الدواة،
واللوح، أو الكتف، فقال: ((اكتب: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ
وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ... وقد بيّن فلانٌ في رواية شعبة، عن أبي إسحاق، ولفظها:
((لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول اللّه وَ له زيدًا، فكتبها ... )).
فقوله: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفعوله به (((اكتب» محكيّ.
(وَعَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُوم) ◌َّثم تقدمت ترجمته في حديث زيد بن ثابت رَّه الماضي
(خَلْفَهُ) أي خلف النبيّ وَلّ، وفي الرواية التالية: ((جاء ابن أم مكتوم))، فيجمع بأن معنى
قوله: ((جاء))، أنه قام من مقامه خلف النبيّ وَلّ حتى جاء مواجهه، فخاطبه. قاله في
((الفتح)) (فَقَالَ: هَلْ لِي رُخْصَةٌ) وفي الرواية التالية: ((فكيف فيّ، وأنا أعمى))، وفي
رواية شعبة المذكورة: ((فشكا ضرارته))، وفي رواية إسرائيل: ((فقال: يا رسول اللَّه أنا
ضرير» (فَنَزَّلَتْ ﴿غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾) وفي الرواية التالية: ((فما برح، حتى نزلت ﴿غيّرُ أُوْلِ
الشَّرَرِ﴾، وفي رواية إسرائيل المذكورة: ((فنزلت مكانها ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال ابن التين: يقال: إن جبريل هبط، ورجع قبل
أن يجفّ القلم.
وقال ابن المنير: لم يقتصر الراوي في الحال الثاني على ذكر الكلمة الزائدة، وهي:

٤ - (فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ) - حديث رقم ٣١٠٢
١١٩
﴿غيّرُ أُوْلِ الشَّرَرِ﴾، فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله: ﴿غَيْرُ أَوْلِ الضَّرَرِ﴾ فقط، فكأنه رأى
إعادة الآية من أولها حتى يتّصل المستثنى بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة
الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فقد حكى الراوي صورة الحال.
قال الحافظ: الأول أظهر، فإن في رواية سهل بن سعد (١): ((فأنزل اللَّه ﴿غَيْرُ أُوْلِى
الشَّرَرِ﴾)). وأوضح من ذلك رواية خارجة بن زيد عن أبيه، ففيها: ((ثمّ سُرِّيَ عنه،
فقال: اقرأ، فقرأت عليه ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال النبيّ ◌َّهِ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ
الشَّرَرٍ﴾)). وفي حديث الْفَلَتَان - بفتح الفاء، واللام، وبمثناة فوقانيّة - ابن عاصم في هذه
القصّة: ((قال: فقال الأعمى: ما ذنبنا؟ فأنزل الله، فقلنا له: إنه يوحى إليه، فخاف أن
ينزل في أمره شيء، فجعل يقول: أتوب إلى الله، فقال النبيّ وَله: اكتب ﴿غيّرُ أُوْلِ
الشَّرَرِ﴾)). أخرجه البزار، والطبرانيّ، وصححه ابن حبان.
ووقع في غير هذا الحديث ما يؤيّد الثاني، وهو في حديث البراء بن عازب رضي الله
تعالى عنهما: ((فأَنزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر، فقرأناها ما
شاء اللّه، ثم نزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾. انتهى.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ رحمه اللّه تعالى في (صحيحه))، والمصنّف في ((التفسير))
من (الكبرى)) من طريق ابن جريج، عن عبد الكريم الجزريّ، عن مقسم مولى عبد الله
ابن الحارث، أن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أخبره: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَمِدُونَ مِنَ
المُؤمِنِينَ﴾ عن بدر إلی بدر انتھی.
قال في ((الفتح)): كذا أورده مختصرًا، وظنّ ابن التين أنه مغاير لحديثي
سهل والبراء، فقال: القرآن ينزل في الشيء على ما في معناه. وقد أخرجه
الترمذيّ من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج بهذا مثله، وزاد: ((لما
نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم الأعميان: يا رسول الله،
هل لنا رخصة؟، فنزلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الشَّرَرِ
وَالْمُجَّهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَنْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾ ،
فهولاء القاعدون غير أولي الضرر، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ
مِنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر. هكذا أورده سياقًا واحدًا، ومن
قوله: ((درجة الخ)) مدرج في الخبر من كلام ابن جريج، بيّنه الطبريّ، فأخرج من طريق
حجاج نحو ما أخرجه الترمذيّ إلى قوله: ((درجة))، ووقع عنده: ((فقال عبد الله ابن أم
مكتوم، وأبو أحمد بن جحش))، وهو الصواب في ابن جحش، فإن عبد الله أخوه،
(١) قلت: مثلها رواية البراء رنّ الآتية بعد هذا.

١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
وأما هو فاسمه عبد بغیر إضافة، وهو مشهور بکنیته. ثم أخرج بالسند المذکور عن ابن
جريج، قال: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قال: على القاعدين
من المؤمنين، غير أولي الضرر.
وحاصل تفسير ابن جريج أن المفضّل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر،
فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم، كما ثبت في حديث أنس تنزيه
مرفوعًا: ((إن بالمدينة لأقوامًا ما سرتم من مسيرٍ، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم،
حبسهم العذر)).
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةُ﴾،
أي من أولي الضرر، وغيرهم، وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ
مِنْهُ﴾ أي على القاعدين من غير أولي الضرر، ولا ينافي ذلك الحديث المذكور عن أنس،
ولا ما دلّت عليه الآية من استواء أولي الضرر مع المجاهدين؛ لأنها استثنت أولي الضرر من
عدم الاستواء، فأفهمت إدخالهم في الاستواء، إذ لا واسطة بين الاستواء وعدمه؛ لأن
المراد منه استواؤهم في أصل الثواب، لا في المضاعفة؛ لأنها تتعلّق بالفعل.
ويحتمل أن يلتحق بالجهاد في ذلك سائر الأعمال الصالحة. انتهى(١). واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٣١٠٢/٤ و٣١٠٣ - وفي ((الكبرى))٤٣٠٩/٤ و٤٣١٠
و((التفسير))١١١١٨. وأخرجه (خ) في ((الجهاد))٢٨٣١ وفي ((التفسير))٤٥٩٣ و٤٥٩٤
و ((فضائل القرآن)) ٤٩٩١ (م) في ((الإمارة)) ١٨٩٨ (ت) في ((الجهاد)» ١٦٧٠ (أحمد) في
(مسند الكوفيين)) ١٨٠١٦ و١٨٠٣٧ و١٨٠٣٤ (الدارميّ) في ((الجهاد)»٢٤٢٠. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣١٠٣- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَیَاشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَِّدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جَاءَ ابْنُ أُمَّ مَكْتُومٍ، وَكَانَ
أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ فِيَّ(٢)، وَأَنَا أَعْمَى، قَالَ: فَمَا بَرِحَ حَتَّىَّ نَزَّلَتْ:
(١) - ((فتح)) ١٣٦/٩ - ١٤٠ في ((كتاب التفسير)).
(٢) - وفي نسخة: ((فكيف بي)).