Indexed OCR Text

Pages 61-80

=
٦١
٢٢٦- (الْمُكَانُ الذِّي تُرْمَى مِنْهُ جَمْرَةُ الْعُقْبَةِ) - حديث رقم ٣٠٧٣
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه:
١- (مالك بن الخليل) الأزدي اليحمديّ، أبي غَسَّان البصريّ، قيل: إن اسم جدّه
بشر بن نَهِيك، صدوق، من كبار[١١].
قال النسائيّ، ومسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). انفرد به
المصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وحديث يعلى بن أمية برقم - ٤٧٦٣-
((بعضّ أحدكم أخاه، كما يعضّ البكر ... )).
و((ابن أبي عديّ)): هو محمد بن إبراهيم البصريّ الحافظ.
وقوله: ((ومنصور)) بالجرّ عطفًا على ((الحكم))، فما وقع في النسخ المطبوعة من
ضبطه بالرفع ضبطَ قلم، غلطٌ، فليُتنبه. ومنصور: هو ابن المعتمر. و((إبراهيم)): هو
النخعيّ .
وقوله: ((قال أبو عبد الرحمن: ما أعلم الخ)) أراد به أن ذكر ((منصور)) في هذا السند
تفرّد به ابن أبي عديّ من بين من رواه عن شعبة، فإنهم رووه، عنه عن الحكم
فقط .
وقوله: ((منصورٍ)) هكذا نسخ ((المجتبى)) بدون ((عن))، والظاهر أنه مجرور على
الحكاية، وذكره الحافظ المزيّ في ((تحفة الأشراف))-٨٢/٧ نقلاً عن المصنف بلفظ
(عن منصور)). والله تعالى أعلم
وقوله: ((غير)) بالنصب صفة لـ((أحدًا)).
ثم إن غرض المصنف رحمه اللّه تعالى بهذا الكلام -والله أعلم - بيان الاختلاف في
ذكر ((منصور)) في السند، ولا يعني بذلك تضعيف الحديث، كما لا يخفى.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٣- (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى،ٍ عَنْ هُشَيْم، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: رَأَنْتُ ابْنَ مَسَّعُودٍ، وَمَى جُمْرَةَ الْعَقَبَةِ، مِنْ بَطْنٍ
الْوَادِي، ثُمَّ قَالَ: هَهُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَقَامُ الَّذِي أَنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا
غير مرّة. و((مجاهد بن موسى)): هو الخُتّليّ البغداديّ. و((هشيم)): هو ابن بشير
الواسطيّ. و((مغيرة)): هو ابن مقسم الضبّيّ الكوفيّ. وإبراهيم)): هو النخعيّ.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٦٢
...
...
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٣٠٧٤- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْأَعْمَشُ، سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ: لَا تَقُولُوا: سُورَةَ الْبَقَرَةِ، قُولُوا: السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ
فِيهَا الْبَقَرَةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِيْرَاهِيمَ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ
عَبْدِ اللَّهِ، حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، وَاسْتَعْرَضَهَا - يَعْنِي الْجَمْرَةَ- فَرَمَاهَا
بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَكَبَّرَ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُنَاسًا يَصْعَدُونَ الْجَبَلَ، فَقَالَ: هَهُنَا
وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَأَيْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ رَمَى) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((يعقوب بن إبراهيم)): هو الدَّورقيّ. و((ابن أبي زائدة)): هو يحيى بن زكريا.
وقوله: ((سمعت الحجاج)) هو ابن يوسف بن أبي عقيل الثقفيّ الأمير المشهور الظالم
المبير، ولي إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة (٩٥هـ) .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم يقصد الأعمش الرواية عنه، فلم يكن بأهل
لذلك، وإنما أراد أن يحكي القصّة، ويوضّح خطأ الحجاج فيها بما ثبت عمن يُرجع إليه
في ذلك، بخلاف الحجاج، وكان يرى إضافة السورة إلى الاسم، فرد عليه إبراهيم
النخعيّ بما رواه عن ابن مسعود من الجواز انتهى.
وقوله: ((فاستعرضها)): أي أتاها من جانبها عَرْضًا. قاله ابن الأثير(٢).
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٥- (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَذَكَرَ
آَخَرَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، رَهَّى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
محمد ابن آدم الجهنيّ المصّيصيّ، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وقد وثّقه هو، وغيره.
و ((عبد الرحيم)): هو ابنُ سليمان المروزيّ، ثم الكوفيّ الثقة. و((عبيدالله بن عمر)):
هو العمريّ الثبت المدنيّ.
وقوله: ((وذكر آخر)) الضمير الفاعل لعبد الرحيم: أي ذكر عبد الرحيم رجلً آخر قبل
عبيد الله، قلت: لم أعرفه.
والحديث أخرجه مسلم، وتقدم تخريجه في -٢٤٠/٥١- ووجه مناسبته للباب أن
الحديث مختصر من حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه الطويل الذي فيه بيان محلّ رمي
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) - ((النهاية)) ٢١٠/٣.

٢٢٧- (عَدَدُ الْحَصَى التِّ يُرْمَى بِهَا الْجِمَار) - حديث رقم ٣٠٧٧
٦٣
جمرة العقبة، وسيأتي ذلك في الباب التالي، ولفظه: ((رمى من بطن الوادي)). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٦- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ، يَرْمِي الْجِمَارَ، بِمِثْلِ حَصَىّ الْخَذْفِ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و(يحيى)):
هو القطّان. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٢٧- (عَدَدُ الْحَصَى الَّتِي يُرْمَى بِهَا
الْجِمَارُ)
قوله: ((يُرمى)) بالبناء للمجهول، و((الجمار)) بالرفع نائب فاعله.
٣٠٧٧- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ الشَِّيِّ نَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ
الشَّجَرَةِ، بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبْرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ
الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَتَحَرَ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غیر شیخه،
إبراهيم بن هارون البلخيّ العابد، فإنه من أفراده، ، وأخرج له الترمذيّ في ((الشمائل))،
وقد وثّقه المصنّف، وقال مرّة: لا بأس به.
وقوله: ((عند الشجرة)» هذا يدلّ على أنه كان هناك شجرة عند الجمرة. وقد روى ابن
أبي شيبة، عن الثقفيّ، عن أيوب، قال: ((رأيت القاسم، وسالمًا، ونافعًا، يرمون من
الشجرة)). ومن طريق عبد الرحمن بن الأسود: ((أنه كان إذا جاوز الشجرة رمى العقبة
من تحت غصن من أغصانها)).
وقوله: ((حصى الخذف)) على حذف مضاف، أي مثل حصى الخذف، أي الرمي.

٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
والحديث أخرجه مسلم، كما تقدم بيانه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٨- (أَخْبَرَنِي يَحْتِى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي
نَجِيح، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ، قَالَ سَعْدٌ: رَجَعْنَا فِي الْحَجَّةِ، مَعَ النَِّيِّ وَّهِ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ:
رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَبَعْضُنَا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتْ، فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و((يحيى بن
موسى)): هو الكوفيّ الثقة، الملقّب بـ((ختّ)). و((ابن أبي نجيح)): هو عبد الله بن أبي
نَجِيح يسار المكيّ الثقة. و((سعد)): هو ابن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنه.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-٢٢٧/
٣٠٧٨- وفي ((الكبرى)) ٤٠٨٣/٢٣٢. وأخرجه أحمد في ((مسند العشرة)) ١٤٤٢، قال:
حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا ابن أبي نجيح، قال: سألت طاوسا عن
رجل رمى الجمرة، بست حصيات؟ فقال: لِيُطعِم قبضة من طعام، قال: فلقيت
مجاهدا، فسألته؟ وذكرت له قول طاوس، فقال: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن، أما بلغه
قول سعد بن مالك، قال: رمينا الجمار، أو الجمرة، في حجتنا مع رسول اللّه ◌َّر، ثم
جلسنا نتذاكر، فمنا من قال: رميت بست، ومنا من قال: رميت بسبع، ومنا من قال:
رمیت بثمان، ومنا من قال: رمیت بتسع، فلم يروا بذلك بأسا.
وفيه تصريح ابن أبي نجيح، بسماعه من مجاهد، فانزاحت عنه تهمة التدليس.
والحديث يدلُّ على عدم وجوب سبع حصيات، لكن سيأتي الجواب عنه قريبًا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٧٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزِ، يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجِمَارِ،
فَقَالَ: مَا أَدْرِي رَمَاهَا رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ بِتٌ، أَوْ بِسَبْع).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، و((خالد)): هو
ابن الحارث الْهُجَيميّ. و((أبو مِجْلَز)) بكسر الميم، وسكون الميم -: هو لاحق بن حُميد
السَّدُوسيّ البصريّ الثقة.
والحديث صحيح الإسناد، لكنه غريب لمخالفته لما صحّ عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما من قوله: إنه ◌َليل رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، كما سيأتي في الباب
التالي، إن شاء اللّه تعالى.
أخرجه المصنف رحمه الله تعالى هنا-٣٠٧٩/٢٢٧ - وفي («الكبرى» ٤٠٨٤/٢٣٢.

٦٥
٢٢٧ - (عَدَدُ الْحَصَى التِّي يُرْمَى بِهَا الْجَمَار) - حديث رقم ٣٠٧٩
وأخرجه (د) في ((المناسك)) ١٩٧٧ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٥١٢ . والله تعالى
أعلم .
[مسألة]: في اختلاف أهل العلم في وجوب الرمي بسبع حصيات:
ذهب أكثر العلماء إلى أن رمي الجمرة لا بدّ أن يكون بسع حصيات، وذهب عطاء
إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه. وقال مجاهد: إن رمى بستّ فلا شيء عليه، وبه قال
أحمد، وإسحاق، واحتُجَّ لهم بحديثي سعد بن أبي وقّاص، وابن عباس
المذكورين في الباب.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أن الواجب السبع، كما صحّ عن النبيّ وَال، من
حديث ابن مسعود، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم
وأجيب عن حديث سعد رَّه بأنه ليس مرفوعًا إلى النبيّ وَّهار، وعن حديث ابن
عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أنه ورد على الشكّ من ابن عباس، وشكّ الشاك لا يقدح
في جزم الجازم، وقد ثبت لدينا أنه وَ لقول أنه رماها بسبع حصيات، وقال: ((لتأخذوا عني
مناسککم».
ثم إن الجمهور -فيما حكاه القاضي عياض- ذهبوا إلى أنه إن رماها بأقلّ من سبع
حصيات، لزمه دم، وهو قول مالك، والأوزاعيّ. وذهب الشافعيّ، وأبو ثور إلى أن
على تارك حصاة مدًّا من طعام، وفي اثنتين مدّين، وفي ثلاث فأكثر دمًا. وللشافعيّ قول
آخر أن في الحصاة ثلث دم، وله قول آخر أن في الحصاة درهمًا. وذهب أبو حنيفة،
وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث، فعليه دم، وإن ترك أقلّ من
نصفها، ففي كلّ حصاة نصف صاع. وعن طاوس: إن رمى سنًّا يُطعم تمرة، أو لقمة.
وذكر الطبريّ عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهنّ بعد أن يكبّر عند كلّ جمرة سبع
تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جعل الرمي في ذلك بالحصى سببًا لحفظ التكبيرات
السبع، كما جُعل عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد. وذكر يحيى بن سعيد أنه
سئل عن الخرز، والنوى يُسَبَّح به؟ قال: حسن. قد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها
تقول: إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات.
وقال الحكم، وحماد: من نسي جمرة، أو جمرتين، أو حصاتين يُهريق دمًا. وقال
عطاء: من نسي شيئًا من رمي الجمار، فذكر ليلاً، أو نهارًا، فيلزمه ما نسي، ولا شيء
عليه، وإن مضت أيام التشريق، فعليه دم، وهو قول الأوزاعيّ. وقال مالك: إن نسي
حصاة من الجمرة حتى ذهبت أيام الرمي، ذبح شاة، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة.
واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في كلِّ مرّةً واحدةً، فقال الشافعيّ: لا يجزيه، إلا

٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
عن حصاة واحدة، ويرمي بعدها ستًّا. وقال عطاء: تجزيه عن السبع. وهو قول أبي
حنيفة، كما في سياط الحدّ سوطًا سوطًا، ومجتمعة، إذا علم وصول الكلّ إلى بدنه.
قال العينيّ: هذا الذي ذُكر عن أبي حنيفة ذَكّره صاحب ((التوضيح))، وذكر في
((المحيط)»: ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات رَمْيةً واحدةً، فهي بمنزلة حصاة،
وكان عليه أن يرمي ستّ مرات. قال: العمدة في النقل عن صاحب مذهب من
المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الرمي بسبع حصيات واجب؛ لثبوته عنه
وَر قولاً وفعلاً، وأما ما ذكروه من إيجاب دم أو نحوه في ترك شيء منه، فيحتاج إلى
دليل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٢٨ - (التّكْبِيرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ)
٣٠٨٠- (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ
جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ بْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: ((كُنْتُ رِدْفَ النَِّيِّ نَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ يُلَّبِّي، حَتَّى رَمَى جْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ
حَصَيَاتٍ، يُكَبْرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه هارون
ابن إسحاق، فإنه من رجال الأربعة، وقد وثّقه هو وغيره.
و ((حفصٌ)): هو ابن غياث بن طلق النخعيّ الكوفيّ القاضي الثقة الفقيه.
و((عليّ بن الحسين)): هو المعروف بـ«زين العابدين)) الثقة الثبت العابد الفقيه الفاضل
المشهور، قال ابن عيينة، عن الزهريّ: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، وهو والد محمد
الباقر الراوي عنه في هذا السند، وتقدّم في ٧٨ /٩٥ .
والحديث صحيح، وقد تقدّم تخريجه في - ٣٠٢١/٢٠٤، ودلالته على الترجمة
واضحة، فإن قوله: ((يكبّر مع كلّ حصاة)) صريح في استحباب التكبير مع رمي كلّ
(١) - راجع ((عمدة القاري»٢٦٠/٨ - ٢٦١.

٦٧
E
٢٢٩ - (قَطْعُ الْمُخْرِمِ التّْبِيَّ إِذاً رَمَى ... - حديث رقم ٣٠٨١
حصاة. قال في ((الفتح)): وأجمعوا على أن من لم يكبّر، فلا شيء عليه انتهى (١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٢٢٩ - (قَطْعُ الْمُخْرِمِ التَّلْبِيَةَ إِذَا رَمَى
جْرَةَ الْعَقَّبَةِ)
٣٠٨١- (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيّ، عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ: ((كُنْتُ رِذْفَ رَسُولِ اللّهِ وََّ، فَمَا زِلْتُ أَسْمَعُهُ
يُلَبَّي، خَتَى رَمَّى تُرَةَ الْعَقَبَةِ، فَلَمَّا رَمَّى قَطَعَ التَّلْبِيَةَ))) .
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (هناد بن السريّ) المذكور قبل بابين.
٢- (أبو الأحوص) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ [٧] ٩٦/٧٩.
٣- (خُصيف(٢) بن عبد الرحمن) أبو عون الجزريّ، صدوق سيّىء الحفظ، وخلط
بآخره، ورمي بالإرجاء [٥]١٣٥٣/٩٥.
٤ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣]٣١/٢٧.
٥- (ابن عباس) رضي اللَّه تعالى عنهما ٣١/٢٧.
٦- (الفضل بن عبّاس) رضي اللّه تعالى عنهما ٦٥٣/٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير خصيف، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن
صحابيّ، والأخ عن أخيه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله
(١) - ((فتح)) ٤/ ٣١٢.
(٢) - بالصاد المهملة، مصغّرًا.

= ٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
تعالى عنهما (كُنْتُ رِذْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ظله) - بكسر الراء، وسكون الدال المهملة -: هو
الراكب خلف الراكب، كالمُرْتَدِف، والرَّدِيف، والرُّدَافَى. قاله في «القاموس)» (فَمَا زِلْتُ
أَسْمَعُهُ ثُلَبِي) حال من المفعول، أي حال كونه ملبيًا (حَتَّى رَمَى ◌ْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَلَمَّا رَمَى
قَطَعَ التَّلْبِيَّةَ) هذا ظاهر في أن وقت قطع التلبية هو تمام رمي جمرة العقبة. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده خُصيف بن عبد الرحمن، وهو مختلف فيه؟.
[قلت]: قد رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) بإسناد آخر صحيح، كما سيأتي قريبًا،
وأيضًا له شواهد من حديث ابن مسعود تَظّه ، وغيره، فهو صحيح، وقد سبق تخريجه
في - ٣٠٢١/٢٠٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في الوقت الذي تُقطع فيه التلبية:
ذهب الجمهور إلى ما دلّ عليه حديث الباب، فقالوا: يستمرّ على التلبية حتى يرمي
جمرة العقبة، وبعدها يشرع في التحلّل، روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما، أنه كان يقول: ((التلبية شعار الحجّ، فإذا كنت حاجًّا، فَلَبٌ
حتى بدء حلّك، وبدء حلّك أن ترمي جمرة العقبة)). وروى سعيد بن منصور، من طريق
ابن عباس، قال: ((حججت مع عمر إحدى عشرة حجة، وكان يُلبي حتى رمى جمرة
العقبة)). وباستمرارها قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق،
وأتباعهم.
وذهبت طائفة إلى أن المحرم يقطع التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر،
لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة.
وذهبت طائفة إلى أنه يقطعها إذا راح إلى الموقف. رواه ابن المنذر، وسعيد بن
منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقّاص، وعليّ ، وبه قال
مالك، وقيّده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعيّ، والليث، وعن الحسن
البصريّ مثله، لكن قال: ((إذا صلّى الغداة يوم عرفة))، وهو بمعنى الأول. وقد روى
الطحاويّ بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: ((حججت مع عبد الله، فلما
أفاض إلى جمع جعل يلبّي، فقال رجل: أعرابيّ هذا؟، فقال عبد الله: أنسي الناس، أم
ضلّوا؟))، وأشار الطحاويّ إلى أن كلّ من رُوي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها

=
٦٩
٢٢٩- (قَطْعُ الْمُخْرِمِ التَّلْيَّةَ إِذاَ رَمَى ... - حديث رقم ٣٠٨٢
للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لا تشرع، وجمع في ذلك بين ما اختلف من
الآثار.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي ذهب إليه الجمهور من استمرار التلبية إلى أن
يرمي جمرة العقبة هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم أيضًا، في أنه هل تقطع التلبية مع أول
حصاة، أو عند تمام الرمي؟ :
ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب أحمد، وبعض أصحاب الشافعيّ إلى الثاني،
ويدلّ لهم حديث الفضل بن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما المذكور في الباب، قال
الإمام ابن خزيمة رحمه اللّه تعالى بعد أن أخرج الحديث عن محمد بن حفص
الشيبانيّ، عن حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين،
عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضل، قال: ((أفضت مع النبيّ بَّر في عرفات، فلم يزل
يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كلّ حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاةً))(١): ما
نصّه: فهذا الخبر يصرّح أنه قطع التلبية مع آخر حصاة، لا مع أولها. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه أحمد، وبعض الشافعيّة من أن قطع
التلبية عند تمام الرمي هو الحقّ؛ لصحة حديث الفضل ◌َّه المذكور عند ابن خزيمة
رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٣٠٨٢- (أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَامِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَّبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((هلال بن العلاء بن هلال)): هو أبو عمرو الرّقّيّ،
صدوق [١١]١١٩٩/١٠ من أفراد المصنّف.
و((حسين)): هو ابن عيّاش بن حازم السلميّ مولاهم، أبو بكر الباجَدّائيّ،
ثقة [١٠]١٤٨٤/٥ من أفراد المصنّف أيضًا.
و((أبو خيثمة)): هو زُهير بن معاوية بن حُدَيج الحافظ الثبت الكوفيّ.
وقوله: ((عن مجاهد، وعامر، عن سعيد بن جبير الخ)) هكذا نسخ ((المجتبى))، وأما
(١) - إسناده صحيح.
(٢) - ((صحيح ابن خزيمة)) ٤ / ٢٨٢.

= ٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
في ((الكبرى))، فنصّه هكذا: ((حدثنا خُصيف، عن مجاهد، وسعيد بن جبير الخ))
بإسقاط ((وعامر))، وعطف ((سعيد)) على ((مجاهد)»، وهو الموافق للسند السابق، فإن
مجاهدًا هناك يرويه عن ابن عباس مباشرة.
وذكر في هامش ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ المزّيّ رحمه الله تعالى)) -
٢٦٧/٨-٢٦٩- في ترجمة ((عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس)):
ما نصّه: وقع في هذا الإسناد في ((المجتبى))، وكذلك في ((كتاب أبي القاسم بن عساكر))
هكذا: ((عن خصيف، عن مجاهد وعامر، عن سعيد بن جُبير. وقال أبو القاسم في
آخره: كذا في ((كتابي)) ((خُصيف، عن مجاهد وعامر))، قال: وفي رواية ابن حيّويه:
((خصيف، عن مجاهد، وعطاء، وسعيد))، وهو الصواب انتهى. قلت: وكذا في رواية
ابن الأحمر أيضًا على الصواب انتهى ما في هامش (تحفة الأشراف)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر هذا الكلام يدلّ على أن قوله: ((وعامر))
مصحّف من عطاء، وهو ابن أبي رباح، وأن ((عن)) في قوله: ((عن سعيد)) مصحّفة عن
الواو، فسعيد عطف على مجاهد، وعطاء، فالثلاثة كلهم يروون عن ابن عباس رضي
الله تعالى عنهما.
أما كون ((عامر)) مصحّفًا، فإن لم يثبت الحديث من رواية خصيف عن الشعبيّ، وهو
عامر، فصحيح، وأما تصحيف ((عن)) عن الواو فهو الظاهر. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٠٨٣- (خْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، عَنْ عَلِيٌّ بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
مُوسَى بْنُ أَغْيَنَ، عَنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،َ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ
الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِّ وَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى ◌َجْرَةَ الْعَقَبَةِ) .
قالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
من أفراده، وهو ثقة. وغير :
١- (عليّ بن معبد) بن شدّاد الرَّقيّ، نزيل مصر، ثقة فقيه، من كبار [١٠].
قال أبو حاتم: ثقة. وذكر ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مستقيم الحديث. وقال
ابن يونس : مروزيّ الأصل، قَدِمَ مصر مع أبيه، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة، وروى
عن محمد بن الحسن ((الجامع الكبير))، و((الصغير))، وحدّث بمصر، وتؤُفّي بها لعشر
بقين من رمضان سنة (٢١٨ هـ). تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنف حدیث
الباب فقط .

=
٧١
٢٣٠- (الدُّعَاءُ بَعْدَ رَمْي الجمَارِ) - حديث رقم ٣٠٨٤
و((موسى بن أعين)): هو الجزريّ مولى قريش، أبو سعيد الثقة العابد [٨]٤١٥/١١.
و((عبد الكريم الجزريّ)): هو ابن مالك الخضْرَمي (١) الثقة [٦]٩٦/ ٢٨٥٢.
والحديث متفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢٣٠- (الدُّعَاءُ بَعْدَ رَمْي الْجِمَارِ)
٣٠٨٤- (أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ:
أَنْبَأَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ، (( كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، الَّتِي
تَلِي الْمَنْحَرَ -مَنَحَرَ مِنَّى - رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَّى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمٌ
أَمَامَهَا، فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، رَافِعَاَ يَدَنَّهِ يَدْعُو، يُطِيلُ الْوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَّةَ،
فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتِ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَضَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ
الْبَيْتِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَلَا
يَقِفُ عِنْدَهَا)).
قَالَ الزُّهْرِيّ: سَمِعْتُ سَالِمًا يُحَدِّثُ بِهَذَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
يَفْعَلُهُ) .
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (العبّاس بن عبد العظيم العنبريّ) أبو الفضل البصريّ، الثقة الحافظ، من
كبار [١١]٩٦ /١١٩.
٢- (عثمان بن عمر) العبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، الثقة [٩]١١١٨/١٥١.
٣- (يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧]٩/٩.
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدنيّ [٤]١/١.
٥- (سالم) بن عبد الله بن عمر العدويّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]٤٩٠/٢٣.
٦- (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله
(١) - بالخاء، والضاد المعجمتين: نسبة إلى قرية من اليمامة. ((ت)).

٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
تعالى عنهما ١٢/١٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال،
وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنه (قَالَ: بَلَغَنَا) أي بواسطة سالم، عن أبيه، كما
سيصله في آخر الحديث (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، ((كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، الَّتِي تَلِي الْمَنْحَرَ)
أي محلّ نحر البدن، وهي الجمرة الدنيا -بضم الدال، وتكسر - أي القريبة إلى جهة
مسجد الخيف، وهي أقرب الجمرات من منى، وأبعدها من مكة، وهي أول الجمرات
التي تُرمى من ثاني يوم النحر (مَنْحَرَ مِنْى) بالنصب على البدلية لـ((المنحر)) (رَمَاهَا بِسَبْعِ
خَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ) جملة في محلّ النصب على الحال من الفاعلِ (كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) متعلّقَ
بـ(يكبر))، يعني أنه يقرُن كلَّ حصاة يرميها بتكبيرةٍ (ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا) وفي رواية البخاريّ:
(ثم يتقدم حتى يُسهل)) و((يسهل)) -بضم أوله -: أي يقصد السهل من الأرض، وهو
المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه. وقال الكرماني: يُسهل: أي ينزل إلى السهل
من بطن الوادي، يقال: أسهل القوم: إذا نزلوا من الجبل إلى السهل(١) (فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ
الْقِبْلَةِ) كلام إضافيّ وقع حالاً (رَافِعًا يَدَئِهِ) منصوب على الحال، وكذا جملة قوله (يَدْعُو)
وقوله (يُطِيلُ الْوُقُوفَ) فهي أحوال متدخلة، أو مترادفة.
(ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ) وهي الجمرة الوُسْطَى (فَيَزْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ، كُلَّمَا
رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الشِّمَالِ) بكسر الشين المعجمة، أي جهة الشمال (فَيَقِفُ
مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ
حَصَيَاتٍ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) أي بعد الانتهاء من رميها، يعني أنه لا يشتغل بالدعاء بعد
رمي جمرة العقبة.
(قَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمًا) أي ابن عبد الله بن عمر (يُحَدِّثُ بَهَذَا) الحديث (عَنْ
أَبيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (عَنِ النَّبِيِّ بََّ) قال الحافظ
(١) - ((عمدة القاري))٢٦٣/٨.

٧٣
٢٣٠- (الدُّعَاءُ بَعْدَ رَمْي الْجِمَارِ) - حديث رقم ٣٠٨٤
رحمه الله تعالى: هو بالإسناد المصدّر به الباب، ولا اختلاف بين أهل الحديث أن
الإسناد بمثل هذا السياق موصولٌ، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند، وإنما
اختلفوا في جواز ذلك. وأغرب الكرمانيّ، فقال: هذا الحديث من مراسيل الزهريّ،
ولا يصير بما ذكره آخرًا مسندًا؛ لأنه قال: يحدّث بمثله، لا بنفسه. كذا قال، وليس
مراد المحدّث بقوله في هذا ((بمثله))، إلا نفسه، وهو كما لو ساق المتن بإسناد، ثم عقّبه
بإسناد آخر، ولم يُعد المتن، بل قال: ((بمثله)). ولا نزاع بين أهل الحديث في الحكم
بوصل مثل هذا، وكذا عند أكثرهم لو قال: ((بمعناه))، خلافًا لمن يمنع الرواية بالمعنى.
وقد أخرج الحديث المذكور الإسماعيليّ عن ابن ناجية، عن محمد بن المثنّى،
وغيره، عن عثمان بن عمر، وقال في آخره: «قال الزهريّ: سمعت سالمًا يُحدّث بهذا
الحديث، عن أبيه، عن النبيّ وَّه))، فعرف أن المراد بقوله: ((مثله)» نفسه، وإذا تكلّم
المرء في غير فته أتى بهذه العجائب انتهى كلام الحافظ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد اعترضه العينيّ بما لا طائل تحته، بل هو على
عادته المستمرّة مجرّد تعصّب، قاتل الله التعصّب.
والحاصل أن ما قاله الحافظ رحمه الله تعالى من كون حديث الباب متّصلاً بنفس هذا
السند، هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (يَفْعَلُهُ) أي يفعل ما ذُكر من الرمي بسبع
حصيات، والتكبير مع كل حصاة، والوقوف طويلاً، مستقبل القبلة، والدعاء، ورفع
اليدين فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ٣٨٤/٢٣٠ - وفي ((الكبرى)) ٤٠٨٩/٢٣٥. وأخرجه (خ) في
((الحج)»١٧٥١ و١٧٥٣ (ق) في ((المناسك))٣٠٣٢ (أحمد) في ((مسند
المكثرين »٦٣٦٨ (الدارميّ) في ((المناسك))١٩٠٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان استحباب الدعاء عند
الجمرتين: الأولى، والثانية. (ومنها): استحباب التكبير عند رمي كلّ حصاة، وقد

٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء، إلا الثوريّ، فقال: يُطعم، وإن جبره بدم أحبّ
إليّ. قاله في ((الفتح)) (١). (ومنها): أن الرمي يكون بسبع حصيات، لا بأقلّ من ذلك،
كما تقدّم البحث عنه قبل بابين. (ومنها): استحباب استقبال القبلة بعد الرمي، والقيام
طويلاً، وقد وقع تفسيره، فيما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء: ((كان ابن
عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة))(٢).
وكان ابن مسعود ◌َّه يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرّتين. وعن ابن عمر
رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه كان يقف قدر قراءة سورة البقرة عند الجمرتين. وعن أبي
مِجلز، قال: كان ابن عمر يشبُر ظله ثلاثة أشبار، ثم يرمي، وقام عند الجمرتين قدر
قراءة سورة يوسف. وكان ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما يقف بقدر قراءة سورة من
(٣)
المئين. (٣).
(ومنها): استحباب التباعد عن موضع الرمي عند القيام للدعاء، حتى لا يُصيبه رمي
غيره. (ومنها): استحباب رفع اليدين في حال الدعاء. (ومنها): ترك الدعاء، والقيام
عند جمرة العقبة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا نعلم لما تضمّنه حديث ابن عمر هذا
مخالفًا، إلا ما روي عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، فقال
ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرتين، إلا ما حكاه ابن
القاسم، عن مالك انتهى.
ورذه ابن الْمُنَيّر بأن الرفع لو كان هنا سنّة ثابتةً ما خفي عن أهل المدينة. قال
الحافظ: رحمه اللّه تعالى: وغفل رحمه اللّه تعالى عن أن الذي رواه من أعلم أهل
المدينة، من الصحابة في زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة، من أهل المدينة،
والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة، ثم الشام في زمانه، فمَنْ علماء المدينة إن لم
يكونوا هؤلاء؟ والله المستعان. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وهو تعقبٌ جميل،
وردّ نبيل(٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) - ((فتح)٩ ٤ / ٤١٥.
(٢) - راجع ((الفتح٩ ٤/ ٤١٥ .
(٣) - راجع ((عمدة القاري)٩ ٨/ ٢٦٣.
(٤) - ((فتح)٩ ٤ / ٤١٥.

٧٥
٢٣١- (بأبُ مَا يَحِلُّ لِلْمُخْرِمِ بَعْدَ ... - حديث رقم ٣٠٨٥
٢٣١- (بَابُ مَا يَحِلُّ لِلْمُخْرِمِ بَعْدَ
رَمْي الْجِمَارِ)
٣٠٨٥- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْبَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ
بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ
شَيْءٍ، إِلَّا النِّسَاءَ، قِيلَ: وَالطِّيبُ؟، قَالَ: أَمَّا أَنَا، فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، يَتَضَمَّخُ
بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ هُوَ؟) .
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (عمرو بن عليّ) بن بَخر بن كَنِيز الفلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة
حافظ [١٠]٤ /٤.
٢- (يحيى بن سعيد) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة إمام [٩]٤/ ٤.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة ثبت حجة فقيه
إمام [٧]٣٣ / ٣٧ .
٤- (سلمة بن كُهيل) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة [٤]١٩٥/ ٣١٢.
٥- (الحسن الْعُرَنيّ) ابن عبد الله الكوفيّ، ثقة [٤]٣٠٦٤/٢٢٢.
٦- (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، إلا أن فيه انقطاعًا، فإن الحسن العرنيّ لم يسمع عن ابن عبّاس رضي
الله تعالى عنهما. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، ويحيى، والصحابيّ،
فبصريون. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم
المجموعون في قولي :
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ ذَوُو الأُصُولِ السُّنَّةِ الْوُعَاةُ
الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَة
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَة
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرُ السَّرِي
أُوْلِئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ
ابْنُ الْمُثَنَى وَزِيَادٌ يُخْتَذَى
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا

٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى
عنهما من العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((ألفية
الحدیث)» :
وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
وَالْبَخْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرٍو
وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهُ
وهو من المكثرين السبعة المجموعين في قولي :
الْمُكْثِرُون فِي رِوَايَةِ الأَثَزْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَزْ
الْبَحْرُ جَابِرٌ يَلِي الْخُذْرِي يُتِمُ
فَأَنَسّ، فَزَوْجَةُ النَّبِيِّ ثُمُ
وكلّ هذا تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ) أي جمرة العقبة
يوم النحر (فَقَدْ خَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) أي كلُّ شيء حرُم عليه بالإحرام، ومنه الحلق (إِلَّا
النِّسَاءَ) بالنصب على الاستثناء، أي وطئًا، ومباشرةً، ولمسًا بشهوة، وعقدَ نكاح حتى
يطوف طواف الإفاضة. والحديث يدلّ على أنه يحلّ للمحرم برمي جمرة العقبة كلّ
محظورات الإحرام، إلا الوطىء، ودواعيه، وإن لم يحلق، وفيه خلاف بين أهل
العلم، سيأتي بيانه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى (قِيلَ) وفي رواية أحمد: ((فقال
رجل: والطيب يا أبا العباس))؟. وفي رواية له: ((سئل ابن عباس عن الرجل، إذا رمى
الجمرة أيتطيّب؟ فقال: أما أنا ... ))(١) (وَالطِّيبُ؟) مبتدأ خبره محذوف، أي ما
حكمه؟، أيحلّ بعد الرمي، أم لا؟ (قَالَ) ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما (أَمَّا أَنَا، فَقَدْ
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، يَتَضَمَّخُ) أي يتلطّخ (بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ هُوَ؟) أراد ابن عباس
رضي اللّه تعالى عنهما بهذا بيان كون الطيب مباحًا بعد الرمي، بذكر دليله، يعني أن
المسك طيب بلا شكّ، وقد تضَمّخ به رسول اللّه وَ ل ◌ّر، فيكون الطيب حلالاً. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
(١) - راجع ((المسند))١/ ٢٣٤ و٣٤٤/١ و٣٦٩/١.

=
٧٧
٢٣١ - (بَأَبُ مَا يَحِلُّ لِلْمُخْرِمِ بَعْدَ ... - حديث رقم ٣٠٨٥
[فإن قلت]: في سنده انقطاعٌ؛ لأن الحسن العرنيّ لم يسمع من ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما، كما قاله أحمد، وغيره، فكيف يصحّ؟.
[قلت]: إنما صحّ بشواهده، فقد تقدّم للمصنّف في - ٢٦٨٧/٤١ - حديث عائشة
رضي اللّه تعالى عنها، قالت: ((طيّبت رسول اللَّه وَ له لحرمه، حين أحرم، ولحله بعد ما
رمى جمرة العقبة، قبل أن يطوف بالبيت)). وأخرجه أحمد في ((مسنده)) ٦/ ٢٤٤- بإسناد
صحيح عن عائشة عنها، ولفظه: قالت: ((طيّبتُ رسول اللّه وَالّ بيدي بذَريرة لحجة
الوداع، للحلّ والإحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر، قبل أن يطوف
بالبیت)» .
وأخرج البيهقيّ في ((سننه)) -١٣٥/٥ - بإسناد صحيح من طريق معمر، عن الزهريّ،
عن سالم، عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: سمعت عمر رَّه يقول: ((إذا
رميتم الجمرة بسبع حصيات، وذبحتم، وحلقتم، فقد حلّ لكم كلّ شيء إلا النساء
والطيب)). قال سالم: وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ((حلّ له كلّ شيء إلا
النساء))، قال: وقالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((أنا طيّبتُ رسول اللَّه ◌َلّ يعني
لحلّه)).
ثم روى البيهقيّ من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، قال: قالت عائشة رضي اللّه
تعالى عنها: ((أنا طيّيتُ رسول اللّه ◌َ له لحلّه، وإحرامه، قال سالم: وسنة رسول الله
﴿﴿ أحقّ أن يُتّبع)).
والحاصل أن حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح بما ذُكر. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بیان مواضع ذکر المصنف له، وفیمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٣٠٨٥/٢٣١- وفي («الكبرى» ٤٠٩٠/٢٣٦. وأخرجه (ق) في
((المناسك))٣٠٤١ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٠٩١ . والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما يحلّ للمحرم بعد رمي الجمار:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فيما أبيح للحاج
بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فقال عبد الله بن الزبير، وعائشة، وعلقمة،
وسالم بن عبد اللَّه، وطاوس، والنخعيّ، وعبد الله بن حسن، وخارجة بن زيد،
والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: يحلّ له كلّ شيء، إلا
النساء، وروینا ذلك عن ابن عباس.

٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وقال عمر بن الخطّاب، وابن عمر: يحلّ كلّ شيء إلا النساء، والطيب. وقال
مالك: له كلّ شيء إلا النساء، والطيب، والصيد. وقد اختلف فيه عن إسحاق، فذكر
إسحاق بن منصور عنه ما ذكرناه، وذكر أبو داود الخفّاف عنه أنه قال: يحلّ له كلّ شيء
(١) .
إلا النساء والصيد. انتهى
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن المحرم يحلّ له برمي
جمرة العقبة كل شيء إلا النساء هو الحقّ؛ لصحة الأحاديث بذلك، إلا أن هذا مشروط
بالطواف بالبيت قبل مساء يوم النحر، وإلا عاد محرمًا، كما كان حتى يطوف؛ لما
أخرجه أبو داود في ((سننه)) بإسناد صحيح، عن أم سلمة، قالت: كانت ليلتي التي يصير
إليّ فيها رسول اللَّه ◌َلّر، مساء يوم النحر، فصار إليّ، ودخل عليّ وهب بن زمعة،
ومعه رجل من آل أبي أمية، مُتَقَمْصَين، فقال رسول اللّه وَ لّ لوهب: «هل أفضت أبا
عبد الله؟))، قال: لا، والله يا رسول اللَّه، قال ◌َ له: ((انزع عنك القميص))، قال: فنزعه
من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولِمَ يا رسول الله؟، قال: ((إن هذا
يوم رُخْصَ لكم، إذا أنتم رميتم الجمرة أن تَحِلُّوا -يعني من كل ما حُرِمتُم منه، إلا
النساء، فإذا أمسيتم، قبل أن تطوفوا هذا البيت، صرتم حُرُمًا، كهيئتكم قبل أن ترموا
الجمرة، حتى تطوفوا به)).
فهذا الحديث صحيح صريح، في أن المحرم إنما يحلّ له كلّ شيء برمي جمرة
العقبة، بشرط أن يطوف بالبيت يوم النحر، قبل أن يمسي، وإلا فقد عاد كما هو حتى
يطوف، وقد تقدم دعوى بعض العلماء الذين لا يرون العمل بهذا الحديث كونه منسوخًا
بالإجماع، والردّ عليهم بأنها دعوى باطلة، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم من السلف،
وهو الحقّ، كما تقدّم البحث عن ذلك، مطوّلاً في شرح حديث عائشة رضي الله تعالى
عنها في باب ((إباحة الطيب عند الإحرام))-٢٦٨٤/٤١-، فراجعه تستفد. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
(١) - راجع ((طرح التثريب)) ٨٢/٥.

١- (بابُ و ◌ُجُوب الجهادِ) - حديث رقم ٣٠٨٦
=
٧٩
٢٦ - (كِتَابُ الْجِهَادِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الجهاد)) - بكسر الجيم -: أصله لغةً المشقّة، يقال:
جَهَدتُ جهادًا: بلغت المشقّة. وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفّار، ويُطلق أيضًا على
مجاهدة النفس، والشيطان، والفسّاق، فأما مجاهدة النفس، فعلى تعلّم أمور الدين، ثم
على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من
الشبهات، وما يُزيّنه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفّار فتقع باليد والمال واللسان
والقلب. وأما مجاهدة الفسّاق فباليد، ثم اللسان، ثم القلب. وسيأتي للمصنّف رحمه
اللَّه تعالى - ٣١٣٥/١٩ - من حديث سَبْرَة بن الفاكه وَنَّه الطويل، وفيه: ((ثم قعد - أي
الشيطان- له في طريق الجهاد، فقال: تجاهد، فهو جَهْدُ النفسِ والمال)).
واختلف في جهاد الكفّار، هل كان أوّلاً فرض عين، أو كفاية؟، وسيأتي تمام
البحث فيه في المسألة الرابعة في شرح الحديث الأول من الباب التالي، إن شاء الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١- (بَابُ وُجُوبِ الْجِهَادِ)
٣٠٨٦- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا
أُخْرِجَ النَّبِيِّوَِّ مِنَ مَكَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخِرَجُوا فَبِيَّهُمْ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ،
فَتَزَّلَّتْ: ﴿أَذِّنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ عَظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [سورة الحج: ٣٩]،
فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) البغداديّ، ثم الطرسوسي، لا بأس به
[١١]١١٤١/١٧٢ .
٢- (إسحاق الأزرق) ابن يوسف الواسطيّ، ثقة [٩]٤٨٩/٢٢.
٣- (سفيان) بن سعيد الإمام الحجة الثبت [٧]٣٧/٣٣.

٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجِهَادِ
٤ - (الأعمش) سليمان بن مهران الثقة الثبت الحجة [٥]١٨/١٧.
٥- (مسلم) بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران البطين، أبو عبد الله الكوفي، ثقة
[٦]٩١٥/٢٦ .
٦- (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]٤٣٦/٢٨.
٧- (ابن عباس) البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، إلا شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من
سفيان إلى سعيد. (ومنها): أن فيه ابن عباس من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ ◌َلِ مِنْ مَكَّةَ) ببناء
الفعل للمفعول، و((النبيّ)) نائب فاعله، أي لما أخرجه المشركون، من أهل مكة، فهاجر
إلى المدينة (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق رضي اللَّه تعالى عنه؛ تأسُّفًا على ما فَعَلوا. والظاهر
أن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما سمع هذا من أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه بعد
ذلك؛ وإلا فإنه لم يحضر هجرة النبيّ وَلَ (أُخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ) وَ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ) بفتح حرف المضارعة مبنيًّا للفاعل، من الهلاك، ثلاثيًا، أو للمفعول
من الإهلاك، أي ليُهلكنّهم اللَّه تعالى (فَتَزَلَتْ) ونائب فاعله قوله: ﴿أذن﴾ الآية، لقصد
لفظه، فهو في محلّ رفع محكيّ (﴿أُذِنَ) بالبناء للمفعول، أي رُخّص، وقرىء على البناء
للفاعل، أي أذن اللَّه تعالى (لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) بفتح التاء، أي يقاتلهم المشركون،
والمأذون فيه محذوف لدلالة المذكور، فإن مقاتلة المشركين إياهم دالّة على مقاتلهم
إياهم دلالة بيّنة. وقرىء على صيغة المبنيّ للفاعل، أي يريدون أن يقاتلوا المشركين
فيما سيأتي، ويَحرصون عليه، فدلالته على المحذوف أظهر (١) (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي بسبب
أنهم ظلمهم المشركون بإخراجهم من بلدهم (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾﴾ أي هو قادرٌ
على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلو جهدهم في
طاعته .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وإنما شرع الله تعالى الجهاد في الوقت الأليق
(١) - ((تحفة الأحوذيّ))١٥/٩.