Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ٢١٤- (الرُّخْصَةُ لِلضَّعَفَةِ أَنْ يُصَلُوا يَوْمَ ... - حديث رقم ٣٠٥٢ رضي اللَّه تعالى عنهما (أَخْبَرَهُ، قَالَ: جِئْتُ مَعَ أَسْمَاءَ بِئْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، زوج الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهم، من كبار الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة ثلاث، أو أربع وسبعين، تقدّمت ترجمتها في ٢٩٣/١٨٥ (مِنِى بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلام آخر الليل. وفي رواية البخاريّ من طريق ابن جريج قال حدثني عبد الله، مولى أسماء، عن أسماء، أنها نزلت ليلة جمع، عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بُنيّ، هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟، قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هَنْتَاه، ما أُرانا إلا قد غَلَسنا، قالت: يا بُنيّ، إن رسول اللَّه وَلِّ أَذِنَ الظُّعُن. (فَقُلْتُ لَهَا: لَقَدْ جِثْنَا مِنّى بِغَلَس) أراد أن هذا الوقت ليس الوقت الذي يُشرع فيه الدفع من المزدلفة (فَقَالَتْ) أسماء رضي اللَّه تعالى عنها (قَدْ كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا، مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ) تريد النبيّ وَّرَ، وفي رواية أبي داود: ((إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله وَل جر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٠٥١/٢١٤ - وفي ((الكبرى)) ٤٠٤١/٢٠٩. وأخرجه (خ) في (الحجّ)»١٦٧٩ (م) في ((الحجّ))١٢٩١ (د) في ((المناسك))١٩٤٣ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار))٢٦٤٠١ و٢٦٤٢٦ (الموطأ) في ((الحجّ))٨٨٩. والله تعالى أعلم. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث يدلّ على الرخصة أن يدفعوا من المزدلفة إلى منى، قبل الفجر، فيصلّوا هناك الصبح، كما صلّت أسماء رضي اللّه تعالى عنها، وسيأتي اختلاف المذاهب في حكم الرمي قبل طلوع الشمس بعد سبعة أبواب، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٥٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَنَا جَاَلْسٌ مَعَهُ، كَيْفَ ٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، حِينَ دَفَعَ؟، قَالَ: كَانَ يُسَيِّرُ نَاقَتَهُ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن ترجمة هذا الحديث، والذي بعده سقطت من نسخ ((المجتبى))، إذ لا مناسبة بينهما وبين الباب هنا، وقد ثبتت الترجمة في ((الكبرى))، ولفظها: ((كيف السير من جمع؟)). وقوله: (يُسَيِّر ناقته)) بتشديد الياء الثانية، والمراد يسير بها سيرًا وسطًا معتادًا. وقوله: ((فإذا وجد فجوة نصّ)) بفتح الفاء، وسكون الجيم: أي إذا وجد موضعًا متّسعًا حرّك ناقته، ليستخرج أقصى سيرها. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -٣٠٢٤/٢٠٥ - باب ((كيف السير من عرفة؟»، وتقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٥٣- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ لِّ لِلنَّاسِ، حِينَ دَفَعُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَغَدَاةَ جْعٍ: ((عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ))، وَهُوَ كَافِّ نَاقَتَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنْى، فَهَبَطَ حِينَ هَبَطَ مُحَسِّرًا، قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ، الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ))، وَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ نَّه يُشِيرُ بِيَدِهِ، كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد ذكرت عدم مناسبته للباب في الحديث الذي قبله، فتنبه . و((عبيدالله بن سعيد)): هو أبو قُدامة السرخسيّ الثقة الحافظ. و(يحيى)): هو ابن سعيد القطّان. و((أبو معبد)): هو مولى ابن عباس، واسمه نافذ بالفاء، والذال المعجمة. وقوله: ((وهو كافّ)) بتشديد الفاء، من الكفّ، وهو المنع، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه مانع ناقته عن الإسراع. وقوله: ((قال النبيّ وَيهر))، أي أشار، ففيه إطلاق القول على الإشارة، فيكون قوله: ((يشير بيده)) حالاً مؤكّدة لـ((قال)). وقوله: ((كما يخذف الإنسان)) أراد به الإشارة إلى صغر الحصى. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم في - ٣٠٢١/٢٠٤ - باب ((الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة))، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢٣ ٢١٥- (الإِيضَاعُ فِي وَآَدِي مُحَسِّر) - حديث رقم ٣٠٥٤ ٢١٥- (الإِيضَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الإيضاع)) بكسر الهمزة مصدر ((أوضع رِكًابه)): إذا حمله على الإسراع. و((وادي مُحَسِّر)) -بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر السين المهملة المشدّدة، وبالراء -: موضع فاصل بين منى ومزدلفة، وليس من واحد منهما. قال الأزرقيّ: ((وادي محسّر)) خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعًا(١) وسمّي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي أعيى، وكَلَّ عن السير، ومنه قوله تعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤](٢). وفي ((المرعاة): اختلفوا في محسّر، فقيل: هو واد بين مزدلفة ومنى، قال ابن القيّم: ومُحَسِّر برزخٌ بين منى ومزدلفة، لا من هذه، ولا من هذه. وقيل: ما صبّ منه في المزدلفة فهو منها، وما صبّ منه في منى فهو منها، وصوّبه بعضهم. وقد جاء ((ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسّر))، فيكون على هذا قد أطلق بطن محسّر، والمراد منه ما خرج من مزدلفة، وإطلاق اسم الكل على البعض جائز، مجازًا شائعًا. وقال الطحاويّ: ليس وادي محسّر من منى، ولا من المزدلفة، فالاستثناء في قوله: ((إلا وادي محسّر» منقطع. قال الطبريّ: سمي بذلك لأنه حسر فيه فيل أصحاب الفيل، أي أعيّى. وقيل: لأنه يحسُر سالكيه، ويُتعبهم، يقال: حَسَرتُ(٣) الناقةَ: أتعبتها، وأهل مكة يسمّون هذا الوادي وادي النار، يقال: إن رجلاً اصطاد فيه، فنزلت نار، فأحرقته. انتهى (٤). والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٥٤- (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَِّيَّي ◌َِّ، أَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد (١) - يبلغ الذراع واحدًا وخمسين سنتيمترًا تقريبًا، أي نحو مائتين وسبعين مترًا، وسبعة أمتار. وقد ذكر أن الذراع يبلغ طوله ما بين الخمسين والسبعين سنتيمترا، وعلى هذا فيكون حوالي ستّين سنتيمترا في المتوسط، أي نحو ثلاثمائة وعشرين مترًا وسبعة أمتار، تقريبًا. راجع هامش ((المجموع )) ١٤٦/٥ . (٢) - راجع ((المجموع)) ١٤٦/٥. (٣) - من بابي قتل، وضرب. (٤) - راجع ((المرعاة٩ ٩/ ٣٧ . ٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ تفرّد به هو وأبو داود، وهو أبو إسحاق المعمريّ، قاضي البصرة، ثقة. و(يحيى)): هو القطّان. و((سفيان)): هو الثوريّ. والحديث فيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدڵّس، لكنه صحیح بما بعده، وقد تقدّم تمام البحث فيه في - ٣٠٢٢/٢٠٤ - باب (الأمر بالسكينة في الإفاضة من عرفة))، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٥٥- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ بَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ دَفَعَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةٍ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفِ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ، حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا، حَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى، الَّتِي تُخْرِجُكَ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ، الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَى بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، حَصَى الْخَذْفِ، وَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إبراهيم بن هارون) البلْخِيّ، صدوقٌ عابدٌ [١١]٥٤٣/٢٤. ٢- (حاتم بن إسماعيل) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ تِهِم، صحيح الكتاب [٨]٢٤/ ٥٤٣. ٣- (جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ، المعروف بالصادق، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ إمام [٦]١٢٣/ ١٨٢. ٤- (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقة فاضل [٤]١٨٢/١٢٣. ٥- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحاتبيّ رضي اللَّه تعالى عنهما٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه تفرّد به هو والترمذي في ((الشمائل)). (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فبلخيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي اللّه تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. ٢٥ ٢١٥- (الإِيضَاعُ فِي وَآَدِي مُحَسِّر) - حديث رقم ٣٠٥٥ شرح الحديث عن محمد بن عليّ الباقر رحمه الله تعالى، أنه (قال: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ النَِّيِّ نَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، دَفَعَ) أي رجع إلى منى (مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ) فيه أن السنة أن يدفع الحجّاج من المزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، مخالفة للجاهلية، حيث كانوا لا يفيضون إلا بعد طلوعها . قال النوويّ: قال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجماهير العلماء: لا يزال واقفًا فيه يدعو، ويذكر حتى يُسفر الصبح جدًّا، كما في الحديث. وقال مالك: يدفع منه قبل الإسفار. وقال الطبريّ: قال أهل العلم: وهذه سنة الإسلام أن يدفع من المزدلفة عند الإسفار قبل طلوع الشمس. قال طاوس: كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس، ويقولون: أَشرِقْ ثَبِير كيما نُغير، فأخّر الله هذه، وقدّم هذه. قال الشافعيّ: يعني قدّم المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، وأخر عرفة إلى أن تغيب الشمس(١) (وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ) بدل أسامة (حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا، حَرَّكَ قَلِيلاً) أي حرّك ناقته، وأسرع السير قليلاً. قال النوويّ: هي سنة من سنن السير في ذلك الموضع، قال أصحابنا: يسرع الماشي، ويُحرّك الراكب دابته في وادي محسّر، ويكون قدر رمية بحجر انتهى (٢). وقال الشافعيّ في ((الأمّ)): وتحريكه وَلير الراحلة فيه يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع. قال الطبريّ: وهكذا كل من خرج من مضيق في فضاء جرت العادة بتحريكه فيه. وقيل: يجوز أن يكون فعله لأنه مأوى الشياطين. وقيل: لأنه كان موقفًا للنصارى، فاستحب الإسراع فيه. وقال الإسنويّ: وظهر لي معنى آخر في حكمة الإسراع، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحبّ فيه الإسراع؛ لما ثبت في الصحيح أمره المارّ على ديار ثمود، ونحوهم بذلك. وقال ابن القيّم: وهذه كانت عادته ◌َّلها في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، وكذلك فعل في سلوكه الحجر، وديار ثمود، تقنّع بثوبه، وأسرع السير انتهى. وقال الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ: إنما أوضع بالمحسّر لأنه محلّ هلاك أصحاب الفيل، فمن شأن من خاف الله، وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن، ويهرب من (١) - راجع ((المرعاة)» ٩/ ٣٧. (٢) - ((شرح مسلم٨٧/ ٤١٨. ٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابٌ مَنَاسِكِ الْحَجْ الغضب، ولما كان استشعاره أمرًا خفيًّا، ضُبِطَ بفعلٍ ظاهرٍ، مذكّرٍ له منبّهِ للنفس عليه. انتھی . قال الزرقانيّ: وهذا الجواب، أي ما قاله الطبريّ، وابن القيّم، والإسنويّ في وجه التسمية بمحسّر، وفي حكمة الإسراع فيه مبنيّ على قولِ الأصحُ خلافه، وهو أن أصحاب الفيل لم يدخلوا الحرم، وإنما أهلكوا قرب أوله. وقال القاري: المرجّح عند غير هؤلاء أنهم لم يدخلوه، وإنما أصابهم العذاب قبيل الحرم، قرب عرفة، فلم ينج منهم إلا واحد أخبر من ورائهم انتهى (١) . (ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى) وهي غير طريق ذهابه إلى عرفات، وذلك كان بطريق ضبّ، وهذا طريق المأزمين، وهما جبلان. قال النوويّ: فيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضبّ، ويرجع في طريق المأزمين؛ ليخالف الطريق تفاؤلاً بغِيّر الحال، كما فعل وَّ في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا، وخرج من الثنية السفلى، وخرجٍ إلى العيد في طريق، ورجع في طريق آخر، وحوّل رداءه في الاستسقاء انتهى (الَّتِي تُخْرِجُك) بضم التاء من الإخراج، ولفظ مسلم:)) التي تَخْرُج)) بفتح التاء (عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) التي هي جمرة العقبة (حَتَّى أَتَى) عطف على ((سلك)) أي حتى وصل (الْجَمْرَةَ، الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ) هذا يدلّ على أنه كان إذ ذاك هناك شجرة (فَرَمَى) قال الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ: والسرّ في رمي الجمار ما ورد في نفس الحديث من أنه إنما جُعل لإقامة ذكر اللَّه عز وجل، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر، وأكملها، وأجمعها لوجوه التوقيت أن يوقّت بزمان، وبمكان، ويقام معه ما يكون حافظًا لعدده، محقّقًا لوجوده على رؤوس الأشهاد، حيث لا يخفى شيء، وذكر الله نوعان: نوع يقصد به الإعلان بانقياده لدين اللَّه، والأصل فيه اختيار مجامع الناس، دون الإكثار، ومنه الرمي، ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك. ونوع يُقصد به انصباغ النفس بالتطلّع للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضًا ورد في الأخبار ما يقتضي أنه سنة إبراهيمّ ◌َلا حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل تنبيه للنفس أيّ تنبيه انتهى (٢). وقال النوويّ: فيه أن السنة للحاجّ إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئًا قبل رميها، ويكون ذلك قبل نزوله انتهى. (١) - راجع ((المرعاة)) ٩/ ٣٧ - ٣٨. (٢) - المصدر السابق. ٢٧ ٢١٥- (الإِيضَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّر) - حديث رقم ٣٠٥٥ (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) فيه أن الرمي يكون بسبع حصيات. قال النوويّ: ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهنّ واحدة لم يكفه الستّ انتهى. وعند الحنفية إذا ترك أكثر السبع لزمه دم، كما لو لم يرم أصلاً، وإن ترك أقلّ منه كثلاث، فما دونها فعليه لكلّ حصاة صدقة، ولا يشترط الموالاة بين الرميات، بل يسنّ، ويكره تركها. وقال النوويّ: ولا يجوز عند الشافعيّ، والجمهور الرمي بالكحل، والزرنيخ، والذهب، والفضّة، وغير ذلك مما يسمّى حجرًا، وجوّزه أبو حنيفة بكلّ ما كان من أجزاء الأرض (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا) قال النوويّ: فيه أنه يسنّ التكبير مع كلّ حصاة، وفيه أنه يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهنّ واحدة واحدة، فإن رمى السبعة رمية واحدة حُسب ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة قوله: ((يكبّر مع كلّ حصاة))، فهذا تصريح بأنه رمى كلّ حصاة وحدها، مع قوله وَلّى: (لتأخذوا عنّ مناسككم)) انتهى (حَصَى الْخَذْفِ) هكذا نسخ ((المجتبى))، و((السنن الكبرى)) بلفظ ((حصى الخذف)) بدون لفظة ((مثل))، وهكذا هو في ((صحيح مسلم)). قال النووي في ((شرح مسلم)): هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ. قال: وصوابه ((مثل حصى الخذف))، قال: وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم. قال النوويّ: والذي في النسخ من غير لفظة ((مثل)) هو الصواب، بل لا يتّجه غيره، ولا يتمّ الكلام إلا كذلك، ويكون قوله: ((حصى الخذف)) متعلّقًا بحصيات، أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف، يكبّر مع كلّ حصاة ، فحصى الخذف متصلٌ بحصيات، واعترض بينهما ((يكبّر مع كلّ حصاة))، وهذا هو الصواب. والله أعلم انتهى كلام النووي(١). قال القاري بعد نقل كلام النوويّ: وعندي أن اتصال حصى الخذف بقوله: ((مع كلّ حصاة)) أقرب لفظًا، وأنسب معنى، ومع هذا الاعتراض، ولا تخطئة على إحدى النسختين، فإن تعلّقه بحصاة، أو حصيات، لا ينافي وجود مثل لفظًا، أو تقديرًا، غايته أنه إذا كان موجودا فهو واضح معنى، وإلا فيكون من باب التشبيه البليغ، وهو حذف أداة التشبيه، أي كحصى الخذف، بل لا يظهر للتعلّق غير هذا المعنى، فالروايتان صحيحتان، وما سيأتي في الحديث عن جابر رواه الترمذيّ بلفظ: ((وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف))، وروى مسلم عنه بلفظ: ((رمى الجمرة بمثل حصى الحذف)) يرجّح وجود المثل، ويؤيّد تقديره(٢). (١) - شرح مسلم ٤١٩/٨ . (٢) - راجع ((المرعاة)) ٣٩/٩ - ٤٠. ٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال في ((النهاية)): الخذف - أي بفتح الخاء، وسكون الذال المعجمتین- هو رمیك حصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتين، وترمي بها. والمراد بيان مقدار الحصى التي يُرمى بها في الصغر والكبر، وفسّروا حصى الخذف بقدر حبّة الباقلاء. قال النوويّ: فيه أن قدر الحصيات بقدر حصى الخذف، وهو نحو حبة الباقلاء، وينبغي أن لا يكون أكبر، ولا أصغر، فإن كان أكبر، أو أصغر أجزأه بشرط كونه حجرًا. وقال المحبّ الطبريّ: قال عطاء بن أبي رباح حصى الخذف مثل طرف الإصبع. وقال الشافعيّ: هو أصغر من الأنملة طولاً وعرضًا، ومنهم من قال: كقدر النواة، ومنهم من قال بقدر الباقلّاء. وفيه تنبيه على استحباب الرمي بذلك انتهى (رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي) قال القاري: بدل من قوله: ((رماها))، أو استئناف مبيّن، وهو الأظهر. قال النوويّ: فيه أن السنّة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث تكون منى، وعرفات، والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة. وقيل: يقف مستقبل الكعبة، وكيفما رمى أجزأه بحيث يسمى رميًا بما يُسَمَّى حجرًا. وأما حكم الرمي، فالمشروع منه يوم النحر رمى جمرة العقبة، لا غير بإجماعهم، ومذهبنا أنه واجب ليس بركن، فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي، عصى، ولزمه دم، وصحّ حجه. وقال مالك: يفسد حجه، ويجب رميها بسبع حصيات، فلو بقيت منهنّ واحدة لم تكفه الستّ انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم تخريجه، وما يتعلّق به من المسائل في - ٢٧٤٠/٥١ - باب ((ترك التسمية عند الإهلال)»، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٢١٦- (التَّلْبِيَةُ فِي السَّيْرِ) ٣٠٥٦- (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ - عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسَ، أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ نَّهِ، فَلَمْ يَزَّلْ يُلٍَِّّ، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) . (١) - (شرح صحيح مسلم)) ٤١٨/٨. ٢٩ ٢١٧- (التقاطُ الْحَصَی) - حدیث رقم ٣٠٥٨ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير سفيان بن حبيب البصريّ البزّاز، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة [٩]٦٧ / ٨٢. و ((عبد المك بن أبي سليمان)): هو العرزميّ الكوفيّ، صدوق له أو هام [٥]٧/ ٤٠٦. و(«عطاء)): هو ابن أبي رباح. والحديث متّفق عليه، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في -٣٠٢١/٢٠٤ - ودلاته على الترجمة واضحة، حيث يدلّ على استحباب لزوم التلبية في الدفع من المزدلفة إلى منى حتى يأخذ في رمي جمرة العقبة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٥٧- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَبَّى، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ. و((حبيب)): هو ابن أبي ثابت. [تنبيه]: وقع في معظم نسخ ((المجتبى)) هنا: ما لفظه: ((حدّثنا سفيان بن حبيب))، وهو غلط فاحش، والصواب ما في بعض النسخ، و((الكبرى)): ((حدثنا سفيان، عن حبيب))، بلفظ ((عن))، وهو حبيب بن أبي ثابت، كما أسلفته آنفًا. فتنبه. [تنبيه آخر]: ظاهر هذا الرواية أن الحديث من مسند ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، والمحفوظ من الروايات في ((الصحيحين)) وغيرهما أن ابن عباس أخذه عن الفضل بن عباس رضي اللّه تعالى عنهم، فيكون هذا من مرسل ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، ولا يضرّ ذلك؛ لأن مرسل الصحابيّ في حكم المتّصل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢١٧- (الْتِقَاطُ الْحَضَى) ٣٠٥٨- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ لِي ٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ رَسُولُ اللَّهِ إِ لّهِ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: ((هَاتِ الْقُطْ لِي))، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: ((بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُّوُّ فِي الدِّينِ) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠]٢٢/٢١. ٢- (ابن عليّة) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ موهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨]١٩/١٨. ٣- (عوف) بن أبي جَميلة بَنْدَويه الأعرابيّ العبديّ البصريّ، ثقة رُمي بالقدر والتشيّع [٦]٥٧/٤٦. ٤- (زياد بن الحصين) بن قيس الحنظليّ اليربوعيّ، ويقال: الرياحيّ، أبو جَهْمَة البصريّ، ثقة يرسل [٤]. قال العجليّ: بصريّ ثقة. وقال أبو حاتم: أبو جَهْمة عن ابن عباس مرسل. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). روى له مسلم حديثًا واحدًا في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَفِىّ﴾ [النجم: ١١]. والمصنف هذا الحديث، والحديث الآتي بعد باب، وابن ماجه حدیثین . ٥ - (أبو العالية) رُفيع بن مِهْران الرِّيَاحيّ الكوفيّ، ثقة، كثير الإرسال [٢]٥٦٢/٣٢. ٦- (ابن عبّاس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ) أي صباح رمي جمرة العقبة، وهو صباح يوم النحر (وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (هَاتٍ) بكسر التاء، قال الرضيّ: هاتِ بمعنى أعطِ، وتتصرّف بحسب المأمور إفرادًا، وتثنيةً، وجمعًا، وتأنيثًا، تقول: هاتِ، هاتيا، هاتوا، إلى هاتين، وتصرّفه دليل فعليته. وقال صاحب ((المفتاح)): والأصح عندي أنه ليس باسم فعل، ٣١ == ٢١٧- (التِقَاطُ الْحَصَى) - حديث رقم ٣٠٥٨ وإنما هو فعل أمر، من أتى الشيء: إذا أعطاه، أُبدلت همزته هاء، وهو مذهب الخليل. وقيل: هي اسم فعل أمر (١) (الْقُطْ لِي))) بضم القاف، فعل أمر من لَقَطَ الشيءَ لَقْطًا، من باب قتل: إذا أخذه، وأصله الأخذ من حيث لا يُحَسّ. قاله الفيوميّ (فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ) أي مثل حصى الخذف في الصغر (فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: ((بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ) متعلّق بمحذوف، أي ارموا بأمثال هؤلاء الحصيات في الحجم، وفي ((الكبرى)): ((بأمثال هؤلاء، بأمثال هؤلاء)) مكرّرًا (وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ) أي احذروا مجاوزة الحدّ في أمور الدين. و((إياكم)) منصوب على التحذير، وعامله محذوف وجوبًا، أي إياكم احذَرُوا، و((الغلو(( بالنصب عطف عليه، كما قال ابن مالك في «خلاصته)) : إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَخْوَهُ نَصَبْ مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ قال ابن الأثير رحمه اللّه تعالى: ((إياكم والغلو في الدين)): أي التشدّد فيه، ومجاوزة الحدّ، كحديثه الآخر: ((إن هذا الدين مَتينٌ، فأوغِلوا فيه برفق))(٢). وقيل: معناه: البحث عن بواطن الأشياء، والكشف عن عِلَلها، وغوامض مُتَعَبّداتها. ومنه الحديث: ((وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه))(٣)، إنما قال ذلك؛ لأن من أخلاقه، وآدابه التي أُمر بها القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها، و: كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ (٤) (فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) يعني أن الغلوّ في أمور الدين هو الذي أهلك الأمم السابقة، فلا ينبغي لهذه الأمة أن تتأسّى بهم؛ لئلا يصبيها ما أصابهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: (١) - راجع حاشية يس الحمصي على ((مجيب الندا شرح قطر النداء١ / ٧٠ - ٧١ . (٢) - حديث حسنٌ أخرجه أحمد في ((مسنده)) من حديث أنس وَشْه. (٣) - حديث حسنٌ أخرجه أبو داود في ((سننه))، من حديث أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ((إن من إجلال اللَّه إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن، غير الغالي فيه، والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط». (٤) - ((النهاية في غريب الحديث»٣/ ٣٨٢. ٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ أخرجه هنا-٣٠٥٨/٢١٧ و٣٠٦٠/٢١٩ - وفي («الكبرى»٤٠٦٣/٢٢١ و٢٢٣/ ٤٠٦٥ . وأخرجه (ق) في ((المناسك))٣٠٢٩ (أحمد) ج٢١٥/١ و٣٤٧ (ابن خزيمة) ٢٨٢/١ (ابن حبان) رقم ١٠١١ (الحاكم) ٣٦٦/١ (البيهقي) ١٢٧/٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان مشروعية التقاط الحصى من طريق منى. (ومنها): النهي عن الغلوّ في أمور الدين، فيحرم التنطع فيه، ومجاوزة الحدّ، فإن النبيّ وَ ل قال: ((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة)) رواه البخاريّ. (ومنها): أن الغلوّ سبب الهلاك؛ لأن فيه مضادّة لحكم الله تعالى، حيث إنه شرع لعباده ما لا يشقّ عليهم، فإذا سلك الشخص مسلك التشديد فكأنه يعتقد أن التشريع الإلهي غير كاف، فكان معترضًا على الله تعالى، مستوجبًا لعقابه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٢١٨- (مِنْ أَيْنَ يُلْتَقَطُ الْحَصَى؟) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((يَلتَقِط)) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الملتقط المفهوم من الفعل، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، و((الحصى)) نائب فاعله. وهو صغار الحجارة، الواحدة حصاة، والجمع حصيات، وحُصِيّ -بضمّ الحاء، وكسرها، مع كسر الصاد، وتشديد الياء. وقال أبو زيد: حَصَاة وحَصًا مثلُ قَنَاة وقَنا، ونَوَاة ونَوَى. انتهى ((القاموس)) بزيادة من هامشه. وقال في ((اللسان)): الحصى: ما حذفت به حَذْفًا، وهو ما كان مثل بعر الغنم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٥٩- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ لِلنَّاسِ، حِينَ دَفَعُوا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَغَدَاةَ جْعٍ: ((عَلَيْكُمْ بِالْسَّكِينَةِ))، وَهُوَ كَانِّ نَاقَتَهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنْى، فَهَبَطَ حِينَ هَبَطَ مُحَسِّرًا،َ قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِحَصَى ٢١٩- (قَدْرُ حَصَى الرَّمْي) - حديث رقم ٣٠٦٠ = ٣٣ الْخَذْفِ، الَّذِي تُزْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ))، قَالَ: وَالنَِّيُّ ◌َه يُشِيرُ بِيَدِهِ، كَمَا يَخْذِفُ الْإِنْسَانُ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم قبل ثلاثة أبواب سندًا ومتنا. ودلالته على ما ترجم له واضحة، حيث بيّن أن موضع التقاط الحصى هو منى، عقب مجاوزة وادي محسّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢١٩- (قَدْرُ حَصَى الرَّمْي) ٣٠٦٠- (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ: ((هَاتِ، الْقُطّ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَوَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، وَجَعَالَ : يَقُولُ بِهِنَّ فِي بَدِهِ -وَوَصَفَ يَحْتَى، تحرِیکَهُنَّ فِي يَدِهِ - ((بِأَمْثَالِ هَؤُلَاء))) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحدیث صحیح، وقد تقدّم تمام البحث فيه قبل باب. و((عبيد الله بن سعيد)) هو: أبو قدامة السرخسي. و((يحيى)) هو: ابن سعيد القطان. والباقون تقدموا قبل باب. وقوله: ((وجعل يقول بهنّ في يده)) أي شرع النبيّ وَّ يحرّكهنّ، ويقلّبهنّ في يده. وقوله: ((ووصف يحيى)) هو يحيى بن سعيد القطّان الراوي عن عوف بن أبي جميلة. وقوله: ((بأمثال هؤلاء)) متعلّق بمحذوف، أي ارموا بأمثال هؤلاء، ويعني بذلك صغر حجم الحصيات. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٢٢٠ - (الرُّكُوبُ إِلَى الْجِمَارِ، وَاسْتِظْلَالُ الْمُخرِم) ٣٠٦١- (أَخْبَرَنِ(١) عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ يَخْتَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمْ حُصَيْنٍ، قَالَتْ: حَجَجْتُ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَأَيْتُ بِلَالاَ، يَقُودُ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَافِعٌ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ، يُظِلُّهُ مِنَ الْخَرِّ، وَهُوَ مُخْرِمٌ، حَتَّى رَمَى ◌َّرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَرَ قَوْلاً كَثِيرًا) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمرو بن هشام) أبو أميّة الحرّانيّ، ثقة [١٠]٢٢٢/١٤١. ٢- (محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهليّ مولاهم الحرّانيّ، ثقة [٩]٣٠٦/١٩١. ٣- (أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد سماك بن رستم الأمويّ مولاهم الحزانيّ، خال محمد بن سلمة (٢)، ثقة [٦]٣٠٦/١٩١. ٤- (زيد بن أبي أنيسة) أبو أسامة الجزريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرها، ثقة له أفراد [٦]٣٠٦/١٩١. 2 ٥- (يحيى بن الحصين) الأحمسيّ البجليّ، ثقة [٤]. روى عن جدته أم الحصين، ولها صحبة، وعن طارق بن شهاب. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ، وزيد بن أبي أنيسة. وشعبة. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وزاد أبو حاتم: صدوق. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له الجماعة، سوى البخاريّ، والترمذيّ. وله ولجدّته عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا٢٢٠/ ٣٠٦١، وحديث باب ((الحضّ على طاعة الإمام)) ٤١٩٣/٢٦. ٦ - (جدّته أم الحصين) بنت إسحاق الأحمسيّة، شَهِدت خطبة حجة الوداع، وروتها عن النبيّ وَّر، وغير ذلك. وروى عنها ابن ابنها يحيى بن الحصين، والْعَيْزار بن (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - هكذا نصّ الإمام مسلم رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) بعد إخراج حديث الباب، ونصّه: ((واسم أبي عبدالرحيم، خالد بن أبي يزيد، وهو خال محمد بن سلمة، روى عنه وكيع، والحجّاج الأعور)) انتهى. ج٥١/٩ بنسخة ((شرح النوويّ)). = ٣٥ ٢٢٠- (الرُّكُوبُ إِلَى الْجَمَارِ، ... - حديث رقم ٣٠٦١ حُريث. أخرج لها الجماعة، سوى البخاريّ. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّته. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَخْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ) الأحمسي البجليّ (عَنْ جَدَّتِهِ أَمّ حُصَيْنٍ) الأحمسيّة رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: حَجَجْتُ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ وَِّ) أي في عام حجته ◌َّ، ولفظ مسلم: ((حججت مع رسول اللّه وَ لهل حجة الوداع)) (فَرَأَيْتُ بِلَالاً) رضي اللّه تعالى عنه (يَقُودُ بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ) أي يقود ناقته ◌َليل وهو آخذ بخطامها - بكسر الخاء المعجمة- وهو الزمام، سمي بذلك لأنه يقع على خَطُم الدابة، وهو مقدَّم الأنف والفم (وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) ابن حارثة رضي اللّه تعالى عنهما (رَافِعٌ عَلَيْهِ) بَ (ثَوْبَهُ، يُظِلُّهُ مِنَ الْحَرُ) أي يقيه بظلّ ثوبه من حرّ الشمس (وَهُوَ مُخْرِمٌ) أي والحال أنه وَِّ محرم بالحجّ (حَتَّى رَمَى جْرَةَ الْعَقَبَةِ) أي حتى انتهى رمي جمرة العقبة. وفي رواية مسلم: ((فرأيته حين رمى جمرة العقبة، وانصرف، وهو على راحلته ... )) وفيه أن الإظلال كان بعد رمي الجمار، ويمكن الجمع بينه وبين رواية المصنّف أنه أظلّه في الحالين، حال الرمي، وحال الانصراف. والله تعالى أعلم (ثُمَّ خَطَبَ) وَ (النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَّيْهِ، وَذَكَرَ قَوْلاً كَثِيرًا) أي ذكر النبيّ وَّر في تلك الخطبة أحكامًا كثيرة، ومن جملة ذلك ما سيأتي للمصنّف في ((الجهاد)) - ٤١٩٣/٢٦ - باب («الحضّ على طاعة الإمام)) من طريق شعبة، عن يحيى بن حصين، قال: سمعت جدّتي تقول: سمعت رسول اللّه وَ ل يقول في حجة الوداع: ((ولو استُعمل عليكم عبدٌ حبشيّ، يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له، وأطيعوا)). ومنها: ما أخرجه أحمد من طريق روح، عن شعبة: ((سمعت نبيّ اللّه وَلتر بعرفات يخطب، يقول: ((غفر اللَّه للمحلّق)) ثلاث مرّار، قالوا: والمقصّر، فقال: ((والمقصّرين))، في الرابعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حديث أم الحصين رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: = ٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ أخرجه هنا- ٢٢٠/ ٣٠٦٢ - وفي ((الكبرى))٤٠٦٦/٢٢٤. وأخرجه (م) في ((الحجّ)) ١٢٩٨ و١٣٠٣ و((الإمارة ١٨٣٨ (د) في ((المناسك)) ١٨٣٤ (ت) في ((الجهاد)) ١٧٠٦ (ق) في ((الجهاد))٢٨٦١ (أحمد) في ((مسند القبائل)) ٢٦٧١٥. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز الركوب عند المشي إلى الجمرات. (ومنها): جواز الرمي راكبًا. (ومنها): جواز استظلال المحرم على رأسه بثوب، أو غيره، قال النوويّ: وهو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، سواء كان راكبا، أو نازلاً. وقال مالك، وأحمد: لا يجوز، وإن فعله لزمته الفدية. وعن أحمد رواية أنه لا فدية، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة، أو سقف جاز، ووافقونا على أنه إن كان الزمان يسيرًا في المحمل لا فدية، وكذا لو استظلّ بيده، وقد يحتجّون بحديث عبد الله بن عباس بن ربيعة، قال: صحبت عمر بن الخطاب تَّه ، فما رأيته مضربًا فسطاطًا حتى رجع. رواه الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد حسن. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه أبصر رجلاً على بعيره، وهو محرم، قد استظلّ بينه وبين الشمس، فقال: ((اضْحَ لمن أحرمت له)). رواه البيهقيّ بإسناد صحيح. وعن جابر تَّه، عن النبيّ وَّ، قال: ((ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب، إلا غربت بذنوبه حتى يعود کما ولدته أمه». رواه البيهقي، وضعفه. واحتجّ الجمهور بحديث أم الحصين رضي اللّه تعالى عنهما هذا المذكور في الباب؛ ولأنه لا يسمّى لبسًا، وأما حديث جابر فضعيف، كما ذكرنا، مع أنه ليس فيه نهي، وكذا فعل عمر، وقول ابن عمر تؤيتا ليس فيه نهي، ولو كان، فحديث أم الحصين مقدّم عليه. والله أعلم انتهى كلام النوويّ رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ؛ لما ذكره النوويّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٦٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِهَ، يَرْمِي ◌َجْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، عَلَّى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ، لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ). (١) - ((شرح مسلم٩٩/ ٥١. (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٣٧ ٢٢٠- (الرّكُوبُ إِلَى الْجِمَارِ، ... - حديث رقم ٣٠٦٢ رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت [١٠]٢/٢. ٢- (وكيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ [٩]٢٥/٢٣. ٣- (أيمن بن نابل)- بنون، وموحّدة- أبو عمران، أو أبو عمرو الحبشيّ المكيّ، نزيل عسقلان، صدوق يهم [٥]١١٧٥/١٩٤. ٤- (قُدامة بن عبد الله) بن عمّار بن معاوية الكلابيّ، أبو عبد الله العامريّ، عداده في أهل الحجاز. قال ابن عبد البرّ: أسلم قديمًا، ولم يهاجر، وأقام برُكبةَ في البدو، من بلاد نجد. روى عن النبيّ وَّر. وعنه ابن أخيه حُميد بن كلاب، وأيمن نابل. واعترض الحافظ على الحافظ المزيّ بأنه تبع ابن عبد البرّ في أن حميد بن كلاب روى عن قُدامة. وذكر مسلم في ((الوُخدان))، والحاكم، والأزديّ، وأبو صالح المؤذّن، والدار قطنيّ أن أيمن تفرد بالرواية عنه، فينظر أيَّ شيء روى عنه ابن أخيه حميد بن كلاب، وهل يصحّ، أم لا يصحّ؟، ثم وجدتها في ((معجم البغويّ))، وفي السند يعقوب ابن محمد الزهريّ، وقال: إنه تفرّد به، وفيه لين. انتهى كلام الحافظ. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٥٦) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير الصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -بضم القاف، وتخفيف الدال المهملة - رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَرْمِي جْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ) -بفتح الصاد المهملة، وسكون الهاء -: هي التي يخالط بياضها حمرة، وذلك بأن يحمرّ أعلى الوبر، وتبيضّ أجوافه. وقال الطيبيّ: الصهبة كالشُّقرة. وقال الجزريّ: المعروف أن الصهبة مختصّة بالشعر، وهي حمرة يعلوها سواد. وقال الفيّومي: الصُّهْبَة، والصُهُوبة: احمرار الشعر، وصَهِبَ صَهَبًا، من باب تعب، فالذكر أصهب، والأنثى صهباء، والجمع صُهْب -بضم، فسكون- مثلُ أحمر، وحمراء، وحُمْر. انتهى (لَا = ٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ضَرْبَ) أي لا يُضرب أحد أمامه (وَلَا طَرْدَ) أي لا يبعد أحد من عنده (وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ). اسم فعل أمر، منقول من الجارّ والمجرور، أي تنَّ، وابتعد. قال الطيبيّ: والتكرار للتأكید. والمراد أنه بَ ل على سجيته المتواضعة كان يرمي، من غير أن يكون هناك ضرب، ولا طرد للناس، ولا قول: إليك، فلا فعل يصدر للضرب، والطرد، ولا قول يسمع، للتبعيد والتنحية. وفيه تعريض للأمراء بأنهم أحدثوا هذه الأمور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث قُدامة بن عبد الله رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٣٠٦٢/٢٢٠- وفي («الكبرى»٤٠٦٧/٢٢٥. وأخرجه (ت) في ((الحجّ)) ٩٠٣ (ق) في ((المناسك)) ٣٠٣٥ (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٤٩٨٤ و١٤٩٨٥ (الدارميّ) في ((المناسك))١٩٠١. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان جواز الركوب حال رمي الجمار. قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ، وموافقوه أنه يستحب لمن وصل منى راكبًا أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، ولو رماها ماشيًا جاز، وأما من وصلها ماشيًا فيرميها ماشيًا، وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام التشريق، فالسنة أن يرمي فيهما جميع الجمرات ماشيًا، وفي اليوم الثالث يرمي راكبًا، وينفر، هذا كله مذهب مالك، والشافعيّ، وغيرهما. وقال أحمد، وإسحاق: يستحبّ يوم النحر أن يرمي ماشيًا. قال ابن المنذر: وكان ابن عمر، وابن الزبير، وسالم يرمون مُشاةً، قال: وأجمعوا على أن الرمي يجزيه على أيّ حال رماه، إذا وقع في المرمى انتهى کلام النوويّ رحمه الله تعالى(١) . (ومنها): مان كان عليه النبيّ وَّر، من حسن الأخلاق، حيث كان لا يضرب أحد في حضرته، ولا يطرد، ولا يقال له إليك، إليك، بخلاف عادة الملوك، فإن هذا يكثر في (١) - ((شرح مسلم)) ٩ / ٤٩ - ٥٠ . ٣٩ ٢٢٠ - (الرَّكُوبُ إِلَى الْجِمَارِ، ... - حديث رقم ٣٠٦٣ حضرتهم (ومنها): كراهة طرد الناس، وإيذائهم عند رمي الجمرات، بل ينبغي أن يلزم كلّ أحد حسن التعامل، ويسلك مسلك الأدب والاحترام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٦٣- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ، وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ((يَا أَّهَا النَّاسُ، خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَلِي لَا أَحُجُ بَعْدَ عَامِي هَذَا))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. وقوله: ((خذوا عني مناسككم))، وفي رواية مسلم: ((لتأخذوا عني مناسككم))، بلام الأمر. قال النوويّ: تقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي، من الأقوال، والأفعال، والهيئات هي أمور الحجّ وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عنّي، واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلّموها الناس، وهذا الحديث أصلٌ عظيم في مناسك الحجّ، وهو نحو قوله ◌َّل في الصلاة: ((صلّوا كما رأيتموني أصلّي)). وقوله: ((لا أدري)) مفعوله محذوف، أي لا أعلم ما ذا يكون. وقوله: ((لعلي لا أحجّ بعد عامي هذا))، ولمسلم: ((بعد حجتي هذه)). فيه إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته وَطلال، وحثّهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة، من ملازمته، وتعلّم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع انتهى كلام النوويّ. وقال السنديّ: وهذا لا يدلّ على وجوب المناسك، وإنما يدلّ على وجوب الأخذ والتعلّم، فمن استدلّ به على وجوب شيء من المناسك، فدليله في محلّ نظر، فليتأمل انتھی . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله السنديّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا، وحاصله أن مجرد فعله ◌َ لّ لشيء من مناسك الحجّ لا يدلّ على وجوبه، بل لا بدّ من دليل آخر يُضمّ إلى الفعل، مثل الأمر. والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه في -٢٧٤٠/٥١ - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٤٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٢٢١- (وَقْتُ رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّخْرِ) ٣٠٦٤- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخْتَى بْنِ أَيُّوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّخْرِ ضُحَى، وَّرَمَى بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيّ، وهو ثقة حافظ [١٠]٢٥٤/١٦٢. وقوله: ((الجمرة)) أي جمرة العقبة. وقوله: ((ضُحى)) قال العراقيّ: الرواية فيه بالتنوين على أنه مصروف، وهو مذهب النحاة من أهل البصرة، سواء قُصد التعريف، أو التنكير. وقال الجوهريّ: تقول: لقيته ضُحىّ، وضُحَى، إذا أردت به ضحى يومك لم تنوّنه. قال: وضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهي حين تشرق الشمس مقصورة، تؤنّث وتذكّر، فمن أنّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم على فُعَل، مثل صُرد ونُغَرٍ، وهو ظرف غير متمكن، مثل سحر، قال: ثم بعده الضَّحَاء ممدود مذكّر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. انتهى(٢). والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم تخريجه في - ٢٧٤٠/٥١ - ودلالته على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على أنَّ وقتّ رمي جمرة العقبة يوم النحر في الضحى، وأما في سائر الأيام فبعد الزوال. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سنة باتفاقهم، وعندنا يجوز تقديمه من نصف ليلة النحر، وأما أيام التشريق، فمذهبنا، ومذهب مالك، وأجمد، وجماهير العلماء: أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح، وقال طاوس، وعطاء: يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال. وقال أبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه: يجوز في اليوم الثالث قبل الزوال، دليلنا أنه وَ ل#- رمى كما ذكرنا، وقال ◌َله: (لتأخذوا عني مناسككم))(٣). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: استدلاله بالحديث المذكور فيه نظر؛ لما أسلفناه في (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - راجع ((المرعاة)) ٩ / ١٨٠. (٣) - ((شرح مسلم)) ٩/ ٥٢ - ٥٣.