Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ١٩٠ - (أَيْنَ يُصَلِّ الإِمامُ الظَّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيّةِ) - حديث رقم ٢٩٩٨ تعرف بها المرأة حيضها من طهرها، وأما بقية الأقوال، فكون أصلها من الرؤية غير مستبعد، ولكن لم يجىء لفظ التروية منها لعدم المناسبة بينهما في الاشتقاق. وأما قول من قال: هو من الرواية، فبعيد جدًّا؛ لأنه لم يجىء تروية من هذا الباب؛ لعدم الاشتقاق بينهما انتھی کلام العینيّ رحمه الله تعالى(١) . وقال في ((الفتح)): وقد روى الفاكهيّ في ((كتاب مكة)) من طريق مجاهد، قال: قال عبد الله بن عمر: يا مجاهد، إذا رأيت الماء بطريق مكة، ورأيت البناء يعلو أخاشبها، فخذ حذرك، وفي رواية: فاعلم أن الأمر قد أظلّك انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٩٨- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ سَلَّامِ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ، عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ أَيْنَ صُلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟، قَالَ: بِمِنَّى، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟، قَالَ: بِالْأَبْطَحِ) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة حافظ [١١]٤٨٩/٢٢. ٢- (عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) -بالتشديد- الهاشميّ مولاهم، أبو القاسم البغداديّ، ثم الطرسوسيّ، لا بأس به[١١]١٧٢/ ١١٤١. ٣- (إسحاق الأزرق) هو ابن يوسف بن مِزْداس الواسطيّ، ثقة [٩]٤٨٩/٢٢. ٤ - (سفيان الثوريّ) ابن سعيد، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧]٣٧/٣٣. ٥- (عبد العزيز بن رُفيع) -بضم الراء، مصغّرًا- الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ الطائفيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٤]. قال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: يقوم حديثه مقام الحجة. وقال جرير: كان أتى عليه نيّفٌ وتسعون سنة، فكان يتزوّج، فلا تمكث المرأة معه من كثرة جماعه. قال مطين: مات سنة (١٣٠) وقال ابن حبّان في ((الثقات)): مات بعد (١٣٠). روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب سبعة أحاديث برقم- ٢٩٩٨ و٣٢٧٩ و٣٧٨٦ و٣٧٨٧ و ٤٠٤٨ و ٤٦٠٣ و ٤٧٤٣ . (١) - راجع ((عمدة القاري٩ ١٤٩/٨ - ١٥٠. (٢) - ((فتح)، ٤ / ٣١٧. ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٦- (أنس بن مالك) بن النضر الصحابيّ الخادم الشهير رضي الله تعالى عنه٦ / ٦ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخيه، فالأول من أفراده، والثاني من أفراده، وأبي داود. (ومنها): أن فيه أنسًا رَّه من المكثرين السبعة، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعِ) الأسديّ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) رضي اللّه تعالى عنه (فَقُلْتُ: أَخَبِزْنِي بِشَيْءٍ، عَقَلْتَهُ) أي أدركته، وفهمته، والجملة في محلّ جرّ صفة (شيء)» (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهِ، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟) أي في أيّ مكان صلّاها في اليوم الثامن من ذي الحجة؟ (قَالَ) أنس رضي اللَّه تعالى عنه (بِمِنّی) الباء بمعنى ((في)»، متعلّق بفعل مقدّر يدلّ عليه السؤال، أي صلّاها في ((منى)) (فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟) بفتح النون، وسكون الفاء، وتفتح: وهو الرجوع من منى بعد انقضاء أعمال الحجّ، وللحجاج نَفْران: الأول: هو اليوم الثاني من أيام التشريق، والثاني: هو اليوم الثالث منها، وهو الثالث عشر من ذي الحجة، وهو المراد هنا؛ لأنه الذي نَفَرَ فيه النبيّ وَّ في حجته(قَالَ: بِالْأَبْطَح) أي صلّاها فيه، وهو مكان متّسع بين مكة ومنى، والمراد به المحصّب. زاد في روايةَ البخاريّ: ((ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك». وفي رواية: ((فقال: انظر حيث يصلّي أمراؤك، فصل)). وإنما قال أنس رضي اللَّه تعالى عنه ذلك؛ لأنه لما بيّن له المكان الذي صلى فيه النبيّ وَّ الظهر يوم التروية، وهو منى، خشي عليه أن يَحرص على ذلك، فيُنسَبَ إلى المخالفة، أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فقال له: صلّ مع الأمراء حيث يصلّون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٩٩٨/١٩٠ - وفي ((الكبرى))١٨٥/ ٣٩٨٧. وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ٣٢٣ ١٩٠- (أَيْنَ يُصَلِّ الإِمامُ الظَّهْرَ يَوْمَ التَّزْوِيّةِ) - حديث رقم ٢٩٩٨ ١٦٥٣ و١٦٥٤ و١٧٦٥ (م) في ((الحجّ)) ١٣٠٩ (د) في ((المناسك))١٩١٢ (ت) في ((الحجّ)) ٩٦٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))١١٥٦٤ (الدارميّ) في ((المناسك)) ١٨٧٢. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان المكان الذي يصلي فيه الحجاج الظهر يوم التروية، وهو منى، فيستحبّ إقامة الظهر يوم التروية بمنى، بل يصلي فيه الصلوات الخمس؛ لأنه ◌َ ﴿ل خرج إلى منى، فصلى خمس صلوات. وذكر أبو سعيد النيسابوريّ في ((كتاب شرف المصطفى)) أن خروجه وَ ليل يوم التروية كان ضحى. وفي (سيرة الملا)) أنه وول فر خرج إلى منى بعد ما زاغت الشمس. وفي ((شرح الموطا)) لأبي عبد الله القرطبيّ: خرج ◌َّه إلى منى عشيّة يوم التروية. (ومنها): الإشارة إلى متابعة أولي الأمر، والاحتراز عن مخالفة الجماعة، لأن أنسًا رضي اللّه تعالى عنه قال: ((صلّ حيث يصلي أمرؤك)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في الصلاة بمنى يوم التروية: قال الحافظ: وفي الحديث أن السنة أن يصلّي الحاجّ الظهر يوم التروية بمنى، وهو قول الجمهور. وروى الثوريّ في ((جامعه)) عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير صلى الظهر يوم التروية بمكة. وقد روى القاسم عنه أن السنّة أن يصليها بمنى، فلعله فعل ما نقله عمرو عنه للضرورة، أو لبيان الجواز. وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: ((إذا زاغت الشمس، فليرح إلى منى)). قال ابن المنذر في حديث ابن الزبير: أن من السنة أن يصلي الإمام الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح بمنى. قال به علماء الأمصار. قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلّف عن منى ليلة التاسع شيئًا. ثم روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لم تخرج من مكّة يوم التروية حتى دخل الليل، وذهب ثلثه. قال ابن المنذر: والخروج إلى منى في كلّ وقت مباح، إلا أن الحسن، وعطاء، قالا: لا بأس أن يتقدّم الحاجّ إلى منى قبل يوم التروية بيوم، أو يومين. وكرهه مالك، وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي، إلا إن أدركه وقت الجمعة، فعليه أن يصلّيها قبل أن يخرج. انتهى ما في ((الفتح))(١) . وقال العينيّ: وقال النوويّ: ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة حتى يُصَلُّوا (١) - ((فتح)٩ ٣١٩/٤. ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الظهر في أول وقتها، هذا هو الصحيح المشهور من منصوص الشافعيّ. وفيه قول ضعيف أنهم يصلّون الظهر بمكة، ثم يخرجون. وقال المهلّب: الناس في سعة من هذا، يخرجون متى أحبّوا، ويصلّون حيث أمكنهم، ولذلك قال أنس: ((صلّ حيث يصلي أمرؤك)). والمستحب في ذلك ما فعله الشارع: (صلى الظهر والعصر بمنى)). وهو قول مالك، والثوريّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف بالبيت سبعًا، ويركع، ويخرج، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج. وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء. وكانت عائشة رضي اللّه تعالى عنها تخرج ثلث الليل. وهذا يدلّ على التوسعة، وكذلك المبيت عن منى(١) ليلة عرفة ليس فيه حرج، إذا وافى عرفة ذلك الوقت الذي يخيّر، وليس فيه جبر كما يجبر ترك المبيت بها بعد الوقوف، أيام رمي الجمار، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور انتهى كلام العينيّ(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: التي تؤيّده الأدلة الصحيحة استحباب الصلوات الخمس في منى من ظهر يوم التروية إلى فجر عرفة، ففي حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه الطويل عند مسلم: ((فلما كان يوم التروية توجّهوا إلى منى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول اللَّه وَله، فصلّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر ... )) الحدیث. وروى أبو داود، والترمذيّ، وأحمد، والحاكم، من حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: ((صلّى النبيّ وَّر الظهر يوم التروية، والفجر يوم عرفة بمنى)). ولأحمد من حديثه: ((صلَّى النبيّ وَله بمنى خمس صلوات)). ولابن خزيمة، والحاكم من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، قال: ((من سنة الحجّ أن يصلّي الإمام الظهر وما بعدها ، والفجر بمنى، ثم يغدون إلى عرفة)). فلا ينبغي للحاجّ أن يُمل هذه السنة، فيتأخّرَ بمكة، وكذا لا ينبغي له أن يتقدّم قبل يوم التروية بيوم أو يومين، إذ ليس عليه دليل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) هكذا نسخة ((العمدة)) وفيها ركاكة، ولعل الصواب: ((وكذلك ترك المبيت في منى ليلة عرفة الخ)». والله تعالى أعلم. (٢) - ((عمدة القاري))٨/ ١٥١. ١٩١- (الْغُدُوُّ مِنْ مِنَى إِلَى عَرَفَةً) - حديث ٢٩٩٩ ٣٢٥ ١٩١- (الْغُدُوُّ مِنْ مِنَى إِلَى عَرَفَةَ) ٢٩٩٩ - (?أَخْبَرَنَا یَحتَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادْ، عَنْ يَخْتِى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيٌّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَةَ، فَمِنَّا الَّمُلَبِّي، وَمِنَّ الْمُكَبِّرُ))) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (يحيى بن حبيب بن عربيّ) البصريّ، ثقة [١٠]٧٥/٦٠. ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار[٨]٣/ ٣. ٣- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٥]٢٢/ ٢٣ . ٥- (عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقة [٣]٨٥٦/٥٢. ٦- (ابن عمر) رضي اللَّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وحماد، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: ((غَدَوْنَا) من باب قعد بمعنى ذهبنا غُذْوَةٌ، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، وجمع الغُذْوة غُدّى، مثلُ مُذْيةٍ ومُدَى، هذا أصله، ثم كثر حتى استُعمل في الذهاب، والانطلاق أيّ وقت كان، ومنه قوله وَالر: ((واغدُ يا أنيسُ))، أي انطلق. قاله الفيّوميّ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَه مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَةَ، فَمِنَّا الْمُلَبِي، وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ) يعني أنهم يجمعون بين التلبية والتكبير، فمرّة يلبّي هؤلاء، ويكبّر آخرون، ومرّة بالعكس، فيصدُق في كلّ مرّة أن البعض يكبّر، والبعض يلبّي، والظاهر أنهم ما فعلوا ذلك، إلا لأنهم وجدوا النبيّ وَلّ فعل مثله، فقد أخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والطحاويّ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه، من طريق مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عنه، قال: ((خرجت مع رسول اللَّهِ وَّر، فما ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخلطها بتكبير))(١). فهذا صريح بأنه و لو كان يلبّي في غالب أحواله، ويكبّر أحيانًا، فالمستحبّ للحاجّ أن يأتي بالذكرين جميعًا، لكن يكثر التلبية، ويأتي بالتكبير في أثنائها، كما هو صريح فعله وفي رواية مسلم من طريق عمر بن حسين، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: ((كنّا مع رسول اللَّه وَّر في غداة عرفة، فمنا المكبر، ومنا المهلّل، فأما نحن فنكبّر، قال: قلت: واللَّه لعجبًا منكم، كيف لم تقولوا له: ما ذا رأيت رسول اللّه ◌َ ل ل يصنع؟)). وأراد عبد الله بن أبي سلمة بذلك الوقوفَ على الأفضل؛ لأن الحديث يدلّ على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره لهم وي ليم على ذلك، فأراد أن يعرف ما كان يصنع هو ليعرف الأفضل من الأمرين. قاله في ((الفتح)) (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن قد تبيّن من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي ذكرناه ما كان يصنعه وَلّر، فكان يلبي غالبًا، ويكبّر خلالها، فالأفضل للحاجّ أن يجمع بينهما، مع تغليب التلبية، كما مرّ آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٩٩٩/١٩١ و٢٢٠٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٩٨٩/١٨٦ و٣٩٩٠. وأخرجه (م) في ((الحجّ)) ١٢٨٤ (د) في ((المناسك)) ١٨١٦ (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٤٤٤٤ (الموطأ) ٧٤١ (الدارميّ) في ((المناسك))١٨٧٦. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو استحباب الغدوّ، أي الذهاب مبكّرًا ، قبل طلوع الشمس من منى إلى عرفة. (ومنها): استحباب إكثار التلبية أثناء المسير إلى عرفة. (ومنها): استحباب التكبير مع التلبية أيضًا. والله تعالى أعلم (١) راجع ((الفتح) ٣٤٩/٤. (٢) - ((فتح٤٩ / ٣٢١. -٣٢٧ ١٩٢ - (التكْبِيرُ فِي الْمَسِيرِ إِلَى عَرَفَةٌ) - حديث رقم ٣٠٠١ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٠٠-(١) (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ(٢)، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَه إِلَى عَرَفَاتٍ، فَمِنَّا الْمُلَبِي، وَمِنَّ الْمُكَبِّرُ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا، و((هشيم)): هو ابن بشير. و((يحيى)): هو ابن سعيد الأنصاريّ، والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب) . ١٩٢ - (التَّكْبِيرُ فِي الْمَسِيرِ إِلَی عَرَفَةَ) ٣٠٠١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُلَائِيُّ - يَعْنِي أَبَا نُعَيْمِ الْفَضْلَ بْنَ دُكَيْنٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: وَنَحْنُ غَادِيَانٍ، مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَاتٍ، مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي التَّلْبِيَّةِ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌َِّ، فِي هَذَا الْيَوْمِ؟، قَالَ: كَانَ الْمُلَبِِّ يُلَبِّي، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِرُ الْمُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت إمام [١٠]٢/٢. ٢- (أبو نُعيم الفضل بن دُكين) التيميّ مولاهم، الأحول، مشهور بكنيته، ثقة ثبت [٩]١١ / ٥١٦ . [تنبيه]: قوله: ((الْمُلائيّ)) -بضم الميم -: نسبة إلى بيع الْمُلاءة التي يَلتَحِف بها (١) - هذا الحديث تمام الألف الثالث من أحاديث سنن الإمام النسائي رحمه الله تعالى، المشهورة بـ((المجتبى))، انتهيت منه بعد المغرب ليلة الجمعة المبارك - ١٤١٩/٦/١٨هـ. (٢) - ((الدَّوْرَقيّ) -بفتح الدال المهملة، وسكون الواو -: نسبة إلى دورق بلد بخُوزستان. وقيل: نسبة إلى لبس القلانس الدورقيّة. أفاده في ((اللباب١٤ / ٥١٢. - ٣٢٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ النساء، قال في ((اللباب)) جـ٣/ ص٢٧٧-٢٧٨: اشتهر بهذه النسبة أبو بكر عبد السلام بن حرب الملائيّ الكوفيّ، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين. و((دُكين)) لقبه، واسمه عمرو بن حماد بن زُهير بن درهم الأحول الملائيّ، مولى آل طلحة بن عبيدالله رضي اللَّه تعالى عنه. انتهى. والله تعالى أعلم. ٣- (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه الثبت المدنيّ [٧]٧/ ٧ . ٤- (محمد بن أبي بكر) بن عوف بن رَبَاح الثقفيّ المدنيّ، ثقة [٤]. روى عن أنس حديث الباب فقط. وعنه ابنه أبو بكر، وموسى بن عقبة، ومالك، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في (الثقات)). روى له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عندهم حديث الباب فقط . ٥- (أنس) بن مالك الصحابيّ الشهير رضي الله تعالى عنه ٦/٦. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، والملائيّ، فكوفيّ. (ومنها): أن فيه أنسًا رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، عاش فوق مائة، وهو آخر من مات من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم بالبصرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن محمد بن أبي بكر الثقفيّ رحمه الله تعالى، أنه (قال: قُلْتُ لِأَنَس) بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه (وَنَحْنُ غَادِيَانِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كوننا ذاهبين وقت الغداة (مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَاتٍ، مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي التَّلْبِيَّةِ) أي في شأن التلبية، هل كنتم تلزمونها، أم يكون معها ذكر آخر؟ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ فِي هَذَا الْيَوْم؟ ، قَالَ) أنس رضي اللَّه تعالى عنه (كَانَ الْمُلَِّي يُلَبِّ، فَلَا يُتْكَرُ عَلَيْهِ) بضم أوله على البناء للمجهول (وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ) وهذا محلّ الترجمة، ففيه بيان مشروعية التكبير في المسير إلى عرفة. وفي الرواية الآتية في الباب التالي: ((سرت مع رسول اللَّه ◌َّر، وأصحابه، وكان منهم المهلّ، ومنهم المكبّر، فلا يُنكر أحدٌ منهم على صاحبه)). ١٩٣ - (التلبيةُ فِيه) - حديث رقم ٣٠٠٢ ٣٢٩ === قال العينيّ: والتكبير المذكور نوع من الذكر أدخله الملبّي في خلال التلبية من غير ترك التلبية؛ لأن المرويّ عن الشارع أنه لم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، وقال مالك: يقطع إذا زالت الشمس، وقال مرّة أخرى: إذا وقف. وقال أيضًا: إذا راح إلى مسجد عرفة. وقال الخطّابيّ: السنة المشهورة فيه أن لا يقطع التلبية حتى يرمي أوّل حصاة من جمرة العقبة يوم النحر، وعليها العمل، وأما قول أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا فقد يحتمل أن يكون تكبير المكبر منهم شيئًا من الذكر يُدخلونه في خلال التلبية الثابتة في السنة من غير ترك التلبية. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٣٠٠١/١٩٢ ٣٠٠٢/١٩٣ - وفي «الكبرى»٣٩٩١/١٨٧ و١٨٨/ ٣٩٩٢. وأخرجه (خ) في ((الجمعة))٩٧٠ و((الحج)) ١٦٥٩ (م) في ((الحجّ))١٢٨٥ (ق) في ((المناسك)» ٣٠٠٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))١١٦٥٩ (الموطأ) في ((الحجّ)) ٧٥٣ (الدارميّ) في ((المناسك))١٨٧٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٩٣ - (التَّلْبِيَةُ فِيهِ) أي في المسير إلى عرفة. ولفظ ((الكبرى)): ((التلبية في المسير إلى عرفة)). ٣٠٠٢- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ -وَهُوَ الثَّقَفِيُّ - قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ، غَدَاةَ عَرَفَةَ: مَا تَقُولُ فِي التَّلْبِيَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ؟، قَالَ: ((َسِرْتُ هَذَا الْمَسِيرَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ مِنَّهُمُ الْمُهِلُّ، وَمِنْهُمُ الْمُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ»). (١) - ((عمدة القاري) ج ٣٩٧/٥. ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه المذكور في الباب الماضي. ووقع في ((الكبرى)): ((محمد بن إسحاق بن إبراهيم))، وهو غلط، فتنبه . و((عبد الله بن رجاء)): المكيّ، أبو عمران البصريّ، نزيل مكة، ثقة تغيّر حفظه قليلاً، من صغار [٨]. قال الأثرم: سئل أحمد، فحسّن أمره. وقال الميمونيّ، عن أحمد: رأيته سنة (٨٧)(١). وقال الدوريّ وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو زرعة: شيخٌ صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في (الثقات)). وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان من أهل البصرة، فانتقل إلى مكة، فنزلها إلى أن مات بها. وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعيّ، حدثنا عبد الله ابن رجاء المكيّ الحافظ المأمون. وقال يعقوب بن سفيان: سمعت صدقة يُحسن الثناء عليه، ويوثّقه. وقال الساجيّ: عنده مناكير، اختلف أحمد، ويحيى فيه، قال أحمد: زعموا أن كتبه ذهبت، فكان يكتب من حفظه، فعنده مناكير، وما سمعت منه إلا حديثين. وحكى نحوه العقيليّ عن أحمد. وفي ((التقريب)): مات في حدود التسعين. أي بعد المائة. انتهى. روى له البخاريّ في ((جزء القراءة»، والباقون، إلا الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان، هذا، وحديث رقم - ٣٧٦٣ في ((كتاب الأيمان والنذور)). و((موسى بن عقبة)): هو الأسديّ مولاهم المدنيّ الثقة الفقيه الإمام في المغازي [٥]٩٦/ ١٢٢ . وقوله: ((غداة عرفة)) بفتح الغين المعجمة: الضَّخوة، وهي مؤنثة. قال ابن الأنباريّ: ولم يُسمع تذكيرها، ولو حملها حامل على معنى النهار، جاز له التذكير، والجمع غَدَوات. قاله الفيّوميّ. وقوله: ((ما تقول في التلبية في هذا اليوم؟)) ((ما)) استفهاميّة، أي أيّ شيء تقول في التلبية في يوم عرفة؟. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١) - أي بعد المائة . ١٩٤- (مَا ذُكِرَ فِي يَوْم عَرَفةً) - حديث رقم ٣٠٠٣ ١-٣٣ = ١٩٤- (مَا ذُكِرَ فِي يَوْم عَرَفَةَ) ٣٠٠٣- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ يُودِيٌّ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَّتْ هَذِهِ الْآَيَّةُ، لَّاتَّخِذْنَةُ عِيدًا: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَّكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ، لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِ له بِعَرَفَاتٍ) . رجال هذا الإسناد: ستة : ١- (إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهويه المترجم قريبًا . ٢- (عبد الله بن إدريس) الأوديّ الكوفيّ، ثقة فقيه عابد[٨]١٠٢/٨٥. ٣- (أبوه) إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ الكوفيّ، ثقة [٧]٢٤٨٦/٢٤. ٤- (قيس بن مسلم) الجَدَليّ الكوفيّ، ثقة رُمي بالإرجاء [٦]٢٧٣٨/٥٠. ٥- (طارق بن شهاب) البجليّ الأحمسيّ الكوفيّ، ثقة [٢]٣٢٤/٢٠٤. ٦- (عمر) بن الخطّاب الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه ٧٥/٦٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وعمر ◌َظَلَّه فمدنيّ. (ومنها): أن صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنّة رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ) قال أبو داود: رأى النبيّ وََّ، ولم يسمع منه شيئًا، أنه (قَالَ: قَالَ يُهُودِيٌّ) أي رجل منسوب إلى اليهود، وهو علم لقوم موسى عليه السلام. وإنما سموا به اشتقاقًا من هادوا: أي مالوا، أي في عبادة العجل، أو من دين موسى عليه السلام، أو من هاد: إذا رجع من خير إلى شرّ، ومن شرّ إلى خير؛ لكثرة انتقالهم من مذاهبهم. وقيل: لأنهم يتهوّدون، أي يتحرّكون عند قراءة التوراة. وقيل: معرّب من يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة، ثم نسب إليه، فقيل: يهوديّ، ثم حذفت الياء في ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ الجمع، فقيل: يهود، وكلّ منسوب إلى جنس الفرقُ بينه وبين واحده بالياء وعدمها، نحو روم ورميّ، وزنج وزنجيّ. أفاده العينيّ(١). [تنبيه]: اسم هذا الرجل هو كعب الأحبار، بيّن ذلك مسدّدٌ في ((مسنده))، والطبريّ في ((تفسيره))، والطبرانيّ في ((الأوسط))، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عبادة بن نُسيّ -بضم النون، وفتح المهملة- عن إسحاق بن خَرَشَة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن كعب. وللبخاريّ في ((المغازي)) من طريق الثوريّ، عن قيس بن مسلم، أن ناسًا من اليهود. وله في ((التفسير)) من هذا الوجه بلفظ: قالت اليهود. فيحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعةً، وتكلّم كعبٌ على لسانهم. قاله في ((الفتح)) (٢). (لِعُمَرَ) بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه (لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) وفي رواية البخاريّ: ((أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم، تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا ... (لَا تَخْذْنَاهُ عِيدًا) الضمير ليوم النزول، أي لعظّمناه، وجعلناه عيدًا لنا في كلّ سنة؛ لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين. والعيد فِعْلٌ من العود، وإنما سمي به؛ لأنه يعود في كلّ عام. (﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾) خبر لمحذوف، أي هي قوله تعالى: ﴿اليوم ﴾ الآية (قَالَ عُمَرُ) رضي اللَّه تعالى عنه (قَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ) معناه أني ما أهملت، ولا خفي عليّ زمان نزولها، ولا مكانه، بل ضبطت جميع ما يتعلّق بذلك، من صفة النبيّ وَّره وموضعه وقت نزولها، وهو كونه ◌َّله﴿ قائمًا بعرفة، وهذا في غاية الضبط. وقال النوويّ: معناه: ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان، أما المكان فهو عرفات، وهو معظم الحجّ الذي هو أحد أركان الإسلام . وأمالزمان فهو يوم الجمعة، ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان، وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكلّ واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا، وعظّمنا مكانه أيضًا، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش النبيّ وََّ بعدها ثلاثة أشهر انتهى(٣) (الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَاللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ) أي فيها (لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ) يحتمل النصب على أنه متعلّق بفعل مقدّر، أي أُنزلت ليلةٌ الجمعة، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هي ليلة الجمعة. قال السنديّ: لعل المراد بها ليلة السبت، فأضيفت إلى الجمعة لاتصالها بها، والمراد أنها نزلت يوم الجمعة في قرب الليلة، فالله تعالى جمع لنا فيه بين عيدين: عيد الجمعة، (١) - ((عمدة القاري١٤/ ٣٠٠ - ٣٠١. (٢) - ((فتح) ج١/ ص١٤٥ . (٣) - راجع ((عمدة القاري)ج١/ ص٣٠٢. ١٩٤- (ما ذُكِرَ فِي يَوْم عَرفة) - حديث رقم ٣٠٠٣ ٣٣٣ = وعيد عرفات، من غير تصنّع منا، رحمةً علينا، فله المنّة والفضل انتهى (١). (وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ بِعَرَفَاتٍ) جملة في محلّ نصب على الحال. وفي رواية البخاريّ: ((قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبيّ وَّر، وهو قائم بعرفة، يوم جمعة)). وفي رواية مسلم: ((إني لأعلم اليوم الذي أُنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه)). وزاد في رواية: ((والساعة التي نزلت فيها على النبيّ وَّر)). [فإن قيل]: كيف طابق الجواب السؤال؛ لأنه قال: ((لاتخذناه عيدًا))، وأجاب عمر رضي اللّه تعالى عنه بمعرفة الوقت، والمكان، ولم يقل: جعلناه عيدًا؟. [والجواب عن هذا]: أنها نزلت في أُخريات نهار عرفة، ويومُ العيد إنما يتحقّق بأوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة. قاله هكذا بعض من تقدّم. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وعندي أن هذه الرواية اكتفي فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق، عن قبيصة نصّت على المراد، ولفظه: ((نزلت يوم جمعة، يوم عرفة، وكلاهما - بحمد الله- لنا عيد)). لفظ الطبريّ، وللطبرانيّ: ((هما لنا عيدان)). وكذا عند الترمذيّ من حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: ((أن يهوديًّا سأله عن ذلك؟، فقال: نزلت في يوم عيدين، يوم جمعة، ويوم عرفة)). فظهر أن الجواب تضمّن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيدًا؛ لأنه يليه العيد(٢) كما جاء في حديث: ((شهرا عيد لا ينقصان، رمضان، وذو الحجة))، فسمي رمضان عيدًا؛ لأنه يعقبه العيد. انتهى كلام الحافظ ببعض تصرّف(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٩٤/ ٣٠٠٣ و((كتاب الأيمان وشرائعه))٥٠١٣- وأخرجه (خ) في (الإيمان))٤٥ و((المغازي))٤٤٠٧ و(التفسير)) ٤٦٠٦ و((الاعتصام بالكتاب والسنة))٧٢٦٨ (١) - ((شرح السنديّ»٢٥١/٥. (٢) - وقع في نسخة ((الفتح)) ((لأنه ليلة العيد))، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم. (٣) - ((فتح١٤ / ١٤٦. ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ (م) ((التفسير))٣٠١٧ (ت) ((التفسير))٣٠٤٣ (أحمد) في ((مسند العشرة))١٨٩ و٢٧٤ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل يوم عرفة، حيث إنه نزلت فيه هذه الآية الكريمة . (ومنها): بيان وقت، ومكان نزول هذه الآية. (ومنها): ما كان عليه عمر رضي اللّه تعالى عنه من العناية بمكان نزول الآية، وزمانها. (ومنها): أن هذه الآية فيها بيان ما منّ اللّه تعالى به على هذه الأمة، حيث أكمل دينها، وأتمّ نعمه عليها، بحيث لا تحتاج إلى زيادة في أمر الدين، فكلّ ما حدث بعد أن أكمله الله تعالى، مما لا دليل له منه يعتبر بدعة ضلالة، كما ثبت ذلك من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبيّ وَّر قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ))، متّفق عليه، وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٠٤- (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمِ أَكْثَرَ، مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنْهَ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، وَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (عيسى بن إبراهيم) بن عيسى بن مَثْرُود، أبو موسى الغافقيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠]٨١٩/٣١. ٢- (ابن وهب) هو عبد الله المصريّ، ثقة ثبت حافظ [٩]٩/٩. ٣- (مخرمة) بن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ سمع من أبيه قليلاً [٧]٤٣٨/٢٨. ٤- (أبوه) بكير بن عبد الله بن الأشجّ المدني، نزيل مصر، ثقة [٥]٢١١/١٣٥. ٥- (يونس) بن يوسف بن حِمَاس -بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة- ابن عمرو الليثيّ المدنيّ. وقيل: يوسف بن يونس بن حِمَاس، ثقة عابد[٦]. قال أبو حاتم: محلّه الصدق، لا بأس به. وقال النسائيّ: ثقة. وقال البزّار: صالح ١٩٤ - (مَا ذُكِرَ فِي يَوْم عَرَفَةً) - حديث رقم ٣٠٠٤ ٣٣٥ == الحديث. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) فيمن اسمه يوسف، وقال: وهو الذي يُخطىء فيه عبد الله بن يوسف التُنِيسيّ عن مالك، فيقول: يونس بن يوسف، وكان من عُبّاد أهل المدينة، لَمَح يومًا امرأة، فدعا اللَّه تعالى، فأذهب عينيه، ثم دعا، فرد عليه بصره. روى له مسلم، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب، وحديث في ((كتاب الجهاد)) برقم-٣١٣٧ فقط. ٦- (ابن المسيب) هو سعيد المخزوميّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت، من كبار [٣]٩/٩. ٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريان. (ومنها): أن رواية بكير عن يونس من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن بكيرًا من الطبقة الخامسة، ويونس من السادسة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةً) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لهِ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْم أُكْثَرَ) قال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى: روينا ((أكثر)) رفعًا، ونصبًا، فرفعه علىّ التميميّة، ونصبه على الحجازيّة، وهو في الحالين خبر، لا وصفٌ، والمجروران بعده مبيّنان، ف((من يوم عرفة)) يبيّن الأكثرية، مما هي؟، ومن ((أن يُعتِق)) يبيّن المميّز، وتقدير الكلام: ما يومٌ أكثر من يوم عرفة عتيقًا من النار انتهى(١) (مِنْ أَنْ يُعْتِقَ) بضم أوله، من الإعتاق رباعيًّا (اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ فيه) أي في ذلك اليوم (عَبْدَا أَوْ أَمَةٌ مِنَ النَّارِ) متعلّق بـ((يُعتق)) (مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ) متعلّق بـ((أكثر)) (وَإِنةٌ) سبحانه وتعالى (لَيَدْنُو) من الدنو، وهو القرب. قال القرطبيّ: قوله: ((وإنه ليدنو)) هذا الضمير عائدٌ إلى الله تعالى، والدنو دنوّ إفضال وإكرام، لا دنو انتقال ومكان؛ إذ یتعالى عنه، ویتقدّس انتهى. وقال النوويّ: قال القاضي عياض: قال المازريّ: معنى ((يدنو)) في هذا الحديث: أي تدنو رحمته وكرامته، لا دنو مسافة ومماسّة. قال القاضي: يتأول فيه ما سبق في حديث النزول إلى السماء الدنيا، كما جاء في الحديث الآخر من غيظ الشيطان يوم عرفة؛ لما يرى من تنزّل الرحمة. قال القاضي: وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة، ومباهاة الملائكة بهم عن أمره سبحانه وتعالى (١) - ((المفهم »٤٦٠/٣. = ٣٣٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ انتهى ما ذكره النوويّ(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي ذكروه من تأويل هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات صفة الدنوّ لله سبحانه وتعالى حقيقة، على ما يليق بجلاله، وإنما أداهم إلى هذا التأويل قياسهم الغائب بالشاهد، فظنوا أنهم لو أثبتوا ذلك له لزم تشبيهه سبحانه بخلقه، وهذا زعم باطل، فالله سبحانه له الصفات العلى، لا تشبه الصفات، كما أن له ذات لا تشبه الذوات، فالمخلوق له ذاته، وصفاته الخاصّة به، والخالق له ذاته، وصفاته اللائقة به، ولا يلزم من هذا الإثبات تشبيه أصلاً، وقد ذكرنا غير مرّة أن مذهب السلف قاطبة في مثل هذا الحديث أن يؤمنوا به كما جاء، ويفوّضون الكيفية إلى الله تعالى، فيؤمنون بأن لله تعالى دنوًا حقيقيًّا، على ما يليق بجلاله، وكذلك له نزول كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأن له استواءً على العرش كما يليق به، وغير ذلك مما أثبته لنفسه من الصفات، أو أثبته له رسوله وَّلإر فيما صحّ عنه، وأن الدنوّ، والنزول، والاستواء معان معلومة لكلّ من يعرف كلام العرب، فهي ثابتة له تعالى، وإنما المجهول كيفيتها. فالحقّ أن الله سبحانه وتعالى له الدنوّ، والنزول، والاستواء، وغيرها من الصفات الثابتة له حقيقة، لا مجازًا، على كيفية يعلمها هو، لا نعلمها، وقد أشبعت الكلام على هذا البحث في غير هذا الموضع من هذا الشرح، ولله الحمد. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ) أي يفاخرهم بهم. وقال القرطبيّ: أي يثني عليهم عندهم، ويعظّمهم بحضرتهم، كما في الحديث الآخر: ((يقول للملائكة: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعْئًا غُبْرًا، أشهدكم أني قد غفرت لهم))(٢). قال: وكأن هذا -والله أعلم- تذكير للملائكة بقول: ﴿أَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وإظهار لتحقيق قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] انتهى كلام القرطبيّ(٣) . (وَيَقُولُ) سبحانه وتعالى (مَا أَرَادَ هَؤُلَاءٍ؟) ((ما)) استفهامية، والاستفهام هنا للتعجّب، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾. قال القرطبيّ: أي إنما حملهم على ذلك حتى خرجوا من أوطانهم، وفارقوا أهاليهم، ولذّاتهم، ابتغاء مرضاتي، وامتثال أمري انتهى. (١) - ((شرح صحيح مسلم))٩/ ١٢١. (٢) - رواه أحمد في ((مسنده)) ٢٢٤/٢ و٣٠٥. (٣) - ((المفهم٣٩/ ٤٦١ . ١٩٤ - (مَا ذُكِرَ فِي يَوْم عَرَفَةً) - حديث رقم ٣٠٠٤ ٧ ٣٣ = وقال القاضي عياض: وقد وقع الحديث في ((صحيح مسلم)) مختصرًا، وذكره عبد الرزاق في ((مسنده)) من رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شُغْئًا، غُبْرًا، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني ... )) وذكر باقي الحديث. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لعل القاضي أراد بالاختصار كونه بمعناه، وإلا فلا معنی لدعوى اختصار حديث صحابيّ عن حديث صحابيّ آخر الاختصار المشهور عند المحدثين. والله تعالى أعلم. (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ رِحمه الله تعالى (يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) يعني أن يونس الذي في السند يشبه أن يكون يونس بن يوسف المدنيّ الذي روى عنه مالك، وهو كما قال، فقد صرّح به مسلم في ((صحيحه)) في سند هذا الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٣٠٠٤/١٩٤- وفي ((الكبرى)) ٣٩٩٦/١٩٢. وأخرجه (م) في (الحجّ)» ١٣٤٨ (ق) في ((المناسك)) ٣٠١٤. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل يوم عرفة. قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام، فلأصحابنا وجهان: أحدهما: تطلق يوم الجمعة؛ لقوله ولو: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة))، كما سبق في ((صحيح مسلم)). وأصحّهما يوم عرفة؛ للحديث المذكور في هذا الباب، ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ((خير يوم طلعت فيه الشمس ... )) تقدم للمصنف رحمه الله تعالى في ((كتاب الجمعة)) برقم ١٣٧٣/٤، وأشبعت القول فيه هناك، ولله الحمد والمنّة. (١) - ((شرح مسلم)٩٩/ ١٢١. ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ (ومنها): عظيم منّ الله سبحانه وتعالى على المؤمنين، وإكرامه لهم، حيث يباهي بهم الملائكة لوقوفهم بعرفة. (ومنها): إثبات صفة الدنوّ لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله. (ومنها): إثبات صفة القول أيضًا كذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٩٥ - (النَّهْيُ عَنْ صَوْم يَوْم عَرَفَةَ) ٣٠٠٥- (أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ -وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُوَلَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ، وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا -أَهْلَ الْإِسْلَامِ- وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ») . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عبيد الله بن فَضَالة بن إبراهيم) النسائيّ، ثقة ثبت [١١]٨٩٨/١٧. ٢- (عبد الله بن يزيد المقرىء) أبو عبد الرحمن المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة [٩]٤/ ٧٤٦. ٣- (موسى بن عُليّ) أبو عبد الرحمن المصريّ، صدوق ربّما أخطأ [٧]٥٦٠/٣١. ٤- (أبوه) عُليّ بن رَبَاح اللَّخميّ المصريّ، ثقة، من صغار [٣]٥٦٠/٣١. [تنبيه]: المشهور في عُليّ ضم العين المهملة مصغّرًا، وكان يغضب منه، وفي (تهذيب التهذيب))١٦١/٣: قال الليث: قال عليّ بن رباح: لا أجعل في حلّ من سمّاني عُليّ -أي بالضمّ- فإن اسمي عَليّ -أي بالفتح -. وقال المقرىء: كان بنو أميّة إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ قتلوه، فبلغ ذلك رَبَاحًا، فقال: هو عُليّ، وكان يغضب من عُلَيّ، ويُحَرِّج على من سمّاه به: قال: وذكر ابن سعد، وابن معين أن أهل مصر يقولونه بفتح العين، وأن أهل العراق يقولونه بالضمّ. انتهى. والله تعالى أعلم. ٥- (عقبة بن عامر) الجهنيّ الصحابيّ الفقيه الفاضل، وَليَّ إِمْرة مصر لمعاوية رضي الله تعالى عنه ثلاث سنين، ومات رضي اللّه تعالى عنه قرب الستين، تقدّم في ١٠٨/ ١٤٤ . والله تعالى أعلم. ١٩٥ - (النَّهْيُ عَنْ صَوْمٍ يَوْم عَرَفَةً) - حديث رقم ٣٠٠٥ ٣٣٩ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير شيخه، والمقرىء، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) رضي اللّه تعالى عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ) هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهي علمٌ، فلا يدخلها الألف واللام، وهي ممنوعة من الصرف؛ للتأنيث والعلميّة. ويقال لها: عرفات، وهي موضع وقوف الحجيج، ويقال: بينها وبين مكة نحو تسعة أميال، ويُعرب إعراب مسلمات، ومؤمنات، والتنوين تنوين المقابلة، كما في باب مسلمات، وليس بتنوين صرف؛ لوجود مقتضي المنع من الصرف، وهو العلميّة والتأنيث، ولهذا لا يدخلها الألف واللام. وبعضهم يقول: عرفة هي الجبل، وعرفات جمع عرفة، تقديرًا؛ لأنه يقال: وقفت بعرفة، كما يقال: بعرفات. أفاده الفيّوميّ (وَيَوْمَ النَّخْرِ) هو اليوم العاشر من ذي الحجة، سمي به؛ لأن نحر الهدايا والضحايا فيه (وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ) هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وسميت بذلك لأن لحوم الأضاحي والهدايا تُشَرَّق فيها، أي تُقَدَّد في الشَّرْقَة، وهي الشمس. وقيل: تشريقها: تقطيعها، وتشريحها. وقيل: لأن الهدي لا يُنحر حتى تَشرُق الشمس. وقيل: التشريق التكبير، وظهوره دبر كلّ صلاة(١) (عِيدُنَا) بالرفع خبر ((إنّ))، والمراد أن هذه الأيام لا يجوز صيامها؛ لأن الله تعالى أكرمنا بضيافته فيها، فلا ينبغي الإعراض عنها، كما يرشد إليه قوله وقلقه: ((وهي أيام أكل وشرب)). وقوله (أَهْلَ الْإِسْلام) منصوب على الاختصاص، أي أخصّ أهل الإسلام، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((خلاصته)): الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءِ دُونَ بَا كَأَيُّهَا الْفَتَى بِإِثْرِ ارْجُونِيَا وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ أَيِّ تِلْوَ ((أَلْ)) كَمِثْلِ نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ (وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) قال الخطّابِيّ رحمه الله تعالى: وهذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيها، فلا يجوز صيامها تطوّعًا، ولا نذرًا، ولا عن صوم التمتّع انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن نهي صومها مقيّد بالحاجّ؛ لما سيأتي قريبًا. وكذا قوله: ((ولا عن صوم التمتّع)) فيه نظر؛ فقد صحّ استثاؤه أيضًا، كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . (١) - ((المصباح المنير)) في مادة شرق، و((المنهل العذب المورود))١٦٦/١٠. ٣٤٠ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٠٠٥/١٩٥- وفي «الكبرى»٣٩٩٥/١٩١. وأخرجه (د) في (الصوم)) ٢٤١٩ (ت) في ((الصوم))٧٧٣ (أحمد) في ((مسند الشاميين)»١٦٩٢٨ (الدارميّ) في ((الصوم)) ١٧٦٤ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن صوم يوم عرفة، وسيأتي في المسألة التالية الجمع بين الأدلة المتعارضة فيه، إن شاء الله تعالى. (ومنها): تحريم صوم يوم النحر، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم. (ومنها): تحريم صوم أيام التشريق، وهذا فيه خلاف سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى. (ومنها): بيان حكمة تحريم صوم هذه الأيام، وهو كونها عيدًا، والعيد موسم ضيافة اللَّه تعالى لعباده المسلمين، فينبغي لهم أن يتمتعوا بالأكل والشرب، ونحوهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة) في اختلاف أهل العلم في حكم صوم عرفة: ذهب الجمهور، ومنهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وغيرهم إلى أنه يستحبّ فطر يوم عرفة للحاجّ. وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان بن عفّان، وابن عمر رضي اللّه تعالى عنهم، فقد سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة؟، فقال: حججت مع النبيّ څ، فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر، فلم يصمه، وحججت مع عمر، فلم يصمه، وحججت مع عثمان، فلم يصمه، وأنا لا أصوم، ولا آمر به، ولا أنهى عنه. رواه الدارميّ. والنهي في حديث الباب محمول على الكراهة. قال الخطابيّ: هذا نهي استحباب، وإنما نهى المحرم عن ذلك خوفًا عليه أن يضعف عن الدعاء، والابتهال في ذلك المقام، فأما من وجد قوّة لا يخاف معها ضعفًا، فصوم ذلك اليوم أفضل له. وذهب بعضهم إلى استحباب صومه، حكاه ابن المنذر عن ابن الزبير، وعثمان بن أبي العاص، وعائشة، وإسحاق بن راهويه. ولعلهم حملوا النهي على من يُضعفه الصوم عن الأعمال. واستحبّ عطاء صومه في الشتاء، وكرهه في الصيف؛ لأن كراهة صومه معلّلة