Indexed OCR Text
Pages 261-280
١٦٣ - (الْقَوْلُ بَعْدَ رَكْعَتَي الطَّوَافِ) - حديث رقم ٢٩٦٢ ٢٦١ والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام شرحه، وتخريجه في -٢٧٣٢/٥٠ -. ورواه في ((الكبرى)) عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، قال: سألت ابن عمر عن معتمر قدم، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي أهله؟ قال: ((قدم رسول اللَّه وَالر ... )) فذكره. وقوله هنا: ((قال: يعني ابن عمر)) فاعل ((قال)) ضمير عمرو، والعناية من سفيان، ويحتمل أن يكون ممن دونه. والله تعالى أعلم. والحديث دليل على أن مقام إبراهيم ◌ّالَّله هو موضع صلاة ركعتي الطواف. وفي حديث جابر ◌َّه الطويل في صفة حجة الوداع عند مسلم(١): ((طاف، ثم تلا: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فصلّى عند المقام ركعتين)). قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه رَكْعَتَا الطواف حيث شاء، إلا شيئًا ذُكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يُعيد. قاله في (الفتح)) (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٦٣- (الْقَوْلُ بَعْدَ رَكْعَتَي الطَّوَافِ) ٢٩٦٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٣) اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالُ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَمَلَ مِنْهَا ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَّقَامِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وَرَفَعَ صَوْتَهُ، يُسْمِعُ النَّاسَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَاسْتَلَمَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَقَالَ: ((نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ))، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهَا، حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَّهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُخْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، فَكَبَّرَ اللَّهَ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدْرَ لَهُ، ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًّا، حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَصَعِدَ فِيهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا (١) هو الحديث الآتي في الباب التالي. (٢) - ((فتح)) ٤ /٢٩٢ - ٢٩٣ . (٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ). رجال هذا الإسناد: سبعة : ١- (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَم) بن أعين المصريّ، ثقة فقيه[١١]١٦٦/١٢٠. ٢- (شُعيب) بن الليث بن سعد الفھَميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة فقيه نبيل، من كبار [١٠]١٦٦/١٢٠ . ٣- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٧]٣٥/٣١ . ٤- (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، ثقة مكثر [٥]٧٣ / ٩٠ . ٥- (جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ المعروف بالصادق، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ فقيه إمام [٦]١٢٣/ ١٨٢. ٦- (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المعروف بالباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقة فاضل [٤]١٢٣/ ١٨٢. ٧- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن الهاد، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية يزيد عن جعفر من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن يزيد من الطبقة الخامسة، وجعفر من السادسة، وفيه جابر ◌َّ من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَمَلَ مِنْهَا) أي مشى بسرعة مع تقارب الخطا، وهزّ كتفيه (ثَلاثًا) أي ثلاث مرّات من الأشواط السبعة، زاد في رواية لأحمد: ((حتى عاد إليه)) (وَمَشَى) أي على السكون والهيئة (أَرْبَعًا) وكان ◌َيّر مضطبعًا في جميعها، والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن منكشفًا، والأيسر مستورًا. ١٦٣ - (الْقَوْلُ بَعْدَ رَكْعَتَي الطَّوَافِ) - حديث رقم ٢٩٦٢ ٢٦٣ قال النوويّ رحمه الله تعالى: في الحديث أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات، يسنّ له طواف القدوم، وهو مجمع عليه. وفيه أن الطواف سبعة أشواط. وفيه أن السنة الرمل في الثلاث الأول، ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة انتهى (١). (ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَام) أي مقام إبراهيمعلِِّ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَتَّخِذُواْ مِنْ مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّ﴾ [البقرة: ١٢٥]) ظاهر هذه الرواية أن قراءته وَله للآية بعد الصلاة، وظاهر الرواية التالية أن قراءته كان قبل الصلاة، وهو ظاهر رواية مسلم. ويمكن أن يُجمَع بينهما بأن المراد بقوله: ((فصلّى)) أي أراد الصلاة، ثم قرأ عند ذلك، فصلّى الركعتين. ويحتمل أنه قرأ الآية مرتين، مرّة قبل الصلاة، إشارة إلى أنَّ فعله هذا تفسير للآية، ومرّة بعد الصلاة، تنبيهًا للناس حتى يمتثلوا الأمر، ويقتدوا به، ويؤيّد هذا قوله: ((ورفع صوته يسمع الناس)). والله تعالى أعلم. (وَرَفَعَ صَوْتَهُ، يُسْمِعُ النَّاسَ) جملة في مَحَلّ نصب على الحال: أي حال كونه مسمعًا الناس قراءته (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي عن محلّ صلاته (فَاسْتَلَمَ) أي الحجر الأسود. قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ وغيره من العلماء: إنه يستحبّ للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم انتهى (٢). (ثُمَّ ذَهَبَ) وفي رواية: ((ثم خرج من الباب إلى الصفا» (فَقَالَ: ((نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ))، فَبَدَأَ بِالصَّفَا) أي لأن الله تعالى بدأ بذكره في كتابه، فالترتيب الذكريّ له اعتبار في الأمور الشرعية، إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية. قال السنديّ: هذا يفيد أن بداءة اللَّه تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملاً، والظاهر أنه يقتضي ندب البداءة عملاً، لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الوجوب يستفاد من صيغة الأمر في قوله وَّر في الحديث التالي: «فابدءوا بما بدأ الله به)). والله تعالى أعلم. (فَرَقِيَ) بكسر القاف، من باب تعب: أي صعد (عَلَيْهَا) أي على الصفا، وأنثها باعتبار البقعة، وقد ذكر الفيوميّ أنه يذكّر، ويؤنّث، باعتبار المكان، والبقعة (حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ) أي حتى ظهرت له الكعبة. زاد في رواية: ((فاستقبل القبلة)) (فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي لا معبود بحقّ إلا اللَّه (وَخْدَهُ) حال مؤكدة، أي منفردًا بالألوهيّة، أو متوحدًا بالذات (لَا (١) - ((شرح مسلم٤ ٨/ ٤٠٦. (٢) - ((شرح مسلم٨٤/ ٤٠٧ . - ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْخَجْ شَرِيكَ لَهُ) في الألوهية، فيكون تأكيدًا، أو في الصفات، فيكون تأسيسًا، وهو الأولى (لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))) زاد في رواية مسلم: ((أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)» (فَكَبَّرَ اللَّهَ) أي قال: اللَّه أكبر (وَحَمِدَهُ) أي قال: الحمد لله (ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ) ولفظ مسلم: ((ثم دعا بين ذلك، فقال: مثل هذا ثلاث مرات)). وفيه أنه يقول الذكر ثلاث مرات، ويدعو بعد كلّ مرّة. قال النوويّ رحمه الله تعالى: في هذا أنواع من المناسك: منها أن السعي يشترط فيه أن يبدأ من الصفا، وبه قال الشافعيّ، ومالك، والجمهور. ومنها: أن ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقيّ خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة، ليس بشرط، ولا واجب، فلو تركه صحّ سعيه، لكن فاتته الفضيلة. قال أصحابنا: يستحبّ أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه. ومنها: أنه يسنّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر اللَّه تعالى بهذا الذكر، ويدعو، ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات. هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثًا، والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول. انتهى(١). (ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًّا) أي إلى المروة (حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ) ولفظ مسلم: ((حتى انصبّت قدماه)) أي انحدرتا بسهولة، ومنه: ((إذا مشى كأنه ينحطّ في صبب)) أي موضع منحدر، وهو مجاز من قولهم: صببت الماء، فانصبّ، أي سكبته، فانسكب (فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ) وفي رواية مسلم: ((في بطن الوادي)) والمعنى واحد، وأراد بذلك المنخفض من الوادي (فَسَعَى) أي أسرع في المشي مع تقارب خطاه (حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ) أي ارتفعتا عن بطن الوادي، وخرجتا منه إلى الطرف الأعلى (ثُمَّ مَشَى) أي سار على السكون، يعني أنه إذا بلغ المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. قال النوويّ: فيه استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. وهذا السعي مستحب في كلّ مرّة من المرّات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحبّ فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة. هذا مذهب الشافعيّ، وموافقيه . وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذُكر. والثانية تجب عليه إعادته انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشافعيّ، وموافقوه هو الحقّ؛ إذ لا دليل على الوجوب. والله تعالى أعلم. (١) - (شرح مسلم) ٤٠٨/٨. 1 = ١٦٣ - (القَوْلُ بَعْدَ رَكْعَتَي الطَّوَافِ) - حديث رقم ٢٩٦٣ ٢٦٥ (حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَصَعِدَ فِيهَا) بكسر العين، من باب تعب (ثُمَّ بَدَا) أي ظهر (لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَّرَ اللَّهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا) أي على المروة (بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ) أي السعي بين الصفا والمروة. ولفظ مسلم: ((حتى إذا كان آخر طوافه على المروة)). قال النووي: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يُحسب مرّة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة. وقال ابن بنت الشافعيّ، وأبو بكر الصيرفيّ من أصحابنا: يحسب الذهاب إلى المروة، والرجوع إلى الصفا مرّة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا. وهذا الحديث يردّ عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان. والله أعلم انتهى(١). والحديث أخرجه مسلم، وتقدّم الكلام على مسائله في -٢٧١٢/٤٦ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الو کیل . ٢٩٦٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهِهِ طَافَ سَبْعًا، رَمَلَ ثَلاثَا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾، فَصَلَّى سَجْدَتَيْنٍ، وَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْتَهُ، وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ((﴿إِنَّ الصَّفَا وَأَلْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فَابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. و((إسماعيل)): هو ابن جعفر المدنيّ. والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) - (شرح مسلم ٤٠٩/٨٤. ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ١٦٤ - (الْقِرَاءَةُ فِي رَكْعَتَي الطَّوَافِ) ٢٩٦٤- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارِ الْحِمْصِيُّ، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، لَمَّا انْتَهَى إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، قَرَّأَ: ﴿وَمَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ﴾، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقَرَأَ ((فَاتِحَةَ الْكِتَابَ))، و﴿قُلْ يَتُهَ اَلْكَفِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، ثُمَّ عَادَ إِلَى الرُّكْنِ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه، وهو ثقة. و((الوليد)): هو ابن مسلم الدمشقيّ. و((مالك)): هو إمام دار الهجرة. وقوله: ((و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾، أي قرأ ها بعد الفاتحة في الركعة الثانية. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ١٦٥- (الشُّرْبُ مِنْ زَمْزَمَ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة - والله تعالى أعلم - الإشارة إلى أن شرب ماء زمزم من سنن الحجّ. وفي ((المصنّف)) عن طاوس، قال: شرب نبيذ السقاية من تمام الحجّ. وعن عطاء: لقد أدركته، وإن الرجل ليشربه، فتلزق شفتاه من حلاوته. وعن ابن جريج، عن نافع: أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحج. فكأنه لم يثبت عنده أن النبيّ وَّ شرب منه؛ لأنه كان كثير الاتباع للآثار، أو خشي أن يظنّ الناس أن ذلك من تمام الحج كما نقل عن طاوس(١). وترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في (صحيحه)): ((باب ما جاء في زمزم))، ثم (١) - ((فتح)» ٢٩٩/٤ - ٣٠٠. ١٦٥- (الشَّرْبُ مِنْ زَمْزَم) - حديث رقم ٢٩٦٥ ٢٦٧ أورد حديث أبي ذرّ رَّه في غسل صدر النبيّ ◌َّ بماء زمزم، حديث الباب. قال في ((الفتح)): كأنه لم يثبت عنده في فضلها على شرطه صريحًا. وقد وقع في مسلم من حديث أبي ذرّ رَّه: ((إنها طعامُ طعم))، زاد الطيالسيّ من الوجه الذي أخرجه منه مسلم: ((وشفاء سقم)). وفي ((المستدرك)) من حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما مرفوعًا: ((ماء زمزم لما شرب له)). ورجاله موثّقون، إلا أنه اختلف في إرساله، ووصله، وإرساله أصحّ، وله شاهد من حديث جابر، وهو أشهر منه، أخرجه الشافعيّ، وابن ماجه، وجاله ثقات، إلا عبد الله بن المؤمل المكيّ، فذكر العقيليّ أنه تفرّد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقيّ من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيّات كلاهما عن أبي الزبير ، عن جابر. ووقع في ((فوائد ابن المقري)) من طريق سُويد بن سعيد، عن ابن المبارك، عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر، عن جابر. وزعم الدمياطيّ أنه على رسم الصحيح، وهو كما قال من حيث الرجال إلا أن سويدًا، وإن أخرج له مسلم، فإنه خلط، وطعنوا فيه، وقد شذّ بإسناده، والمحفوظ عن ابن المبارك عن ابن المؤمل . انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٥- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَاصِمْ، وَمُغِيرَةُ ح وَأَنْبَأَنَا(٣) يَعْقُوبُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٤) عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَهُوَ قَائِمٌ))). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم الطوسيّ الأصل المعروف بـ(دلويه))، وكان يغضب منه، ولقّبه أحمد شعبة الصغير، ثقة حافظ [١٠]١٣٢/١٠١. ٢- (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن أفلح الدورقيّ العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠]٢٢/٢١. ٣- (هُشيم) بن بشير بن القاسم السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧]١٠٩/٨٨. ٤- (عاصم) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة [٤]٢٣٩/١٤٨. ٥- (مغيرة) بن مقسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقة متقنٌ، (١) - ((فتح)) ٢٩٩/٤. (٢) - وفي نسخة: «ثنا)». (٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٤) - وفي نسخة: ((ثنا)). ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ يدلّس [٦]٣٠١/١٨٨. ٦- (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمداني الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣]٨٢/٦٦. ٧- (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر رضي اللّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِِّهِ شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) بمنع الصرف للتأنيث، والعلميّة. قال النووي رحمه الله تعالى في ((تهذيب الأسماء واللغات)): زمزم -زادها اللَّه تعالى شرفًا- بزايين، وفتحهما، وإسكان الميم، بينهما، وهي بئر في المسجد الحرام -زاده اللَّه تعالى شرفًا-، بينها وبين الكعبة -زادها اللَّه تعالى شرفًا- ثمان وثلاثون ذراعًا. قيل: سميت زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزوم، وزمزام إذا كان كثيرًا. وقيل: لضم هاجر -عليها السلام- لمائها حين انفجرت، وزمها إياها. وقيل: لزمزمة جبريل ◌َلَّل، وكلامه عند فجره إياها. وقيل: إنها غير مشتقّة. ولها أسماء أُخر ذكرها الأزرقيّ وغيره: هزمة جبريل - والهزمة الغمزة بالعقب في الأرض- وبَرّة، وشُباعة(١)، والمضنونة، وتُكْتَم (٢)، ويقال لها: طعام طعم، وشفاء سقم، وشراب الأبرار. وجاء في الحديث: ((ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم)). وجاء: ((ماء زمزم لما شرب له (٣)). ومعناه من شربه لحاجة نالها، وقد جرّبه العلماء، والصالحون لحاجات أخروية، ودنيوية، فنالوها بحمد الله تعالى وفضله. وفي ((الصحيح)) عن أبي ذرّ الغفاريّ رَّه أنه أقام شهرًا بمكة لا قوت له إلا ماء زمزم. وفضائلها أكثر من أن تحصر. والله تعالى أعلم. (١) - في ((القاموس)): و((شُباعة)) -أي بالضم- كقدامة: اسم زمزم. اهـ. (٢) - في ((القاموس)): ((تُكْتَم)) بصيغة الفعل البنيّ للمفعول: اسم بئر زمزم. انتهى بتصرف. (٣) - حديث صحيح. ٢٦٩ = ١٦٥- (الشربُ مِنْ زَمْزم) - حديث رقم ٢٩٦٥ وروى الأزرقيّ عن العباس بن عبد المطلب رضي اللّه تعالى عنه قال: تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية، حتى إن كان أهل العيال يفدون بعيالهم، فيشربون، فيكون صبوحًا لهم، وقد كنا نعدّها عونًا على العيال. قال العباس: وكانت زمزم في الجاهلية تسمی شُباعة . وفي غريب الحديث لابن قتيبة عن عليّ بن أبي طالب رَّ قال: ((خير بئر في الأرض زمزم، وشرّ بئر في الأرض برهوت)). قال ابن قتيبة: برهوت بئر بحضرموت، يقال: إن أرواح الكفّار فيها، وذكر له دلائل. قال الأزرقيّ: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها ستين ذراعًا، كلّ ذلك بنيان، وما بقي فهو جبل منقور، وهي تسعة وعشرون ذراعًا، وذَرْعُ تدويرِ فم زمزم أحد وعشرون ذراعا، وسعة فم زمزم ثلاث أذرع وثلثا ذراع، وعلی البئر مکبس ساج مربع، فيه اثنتا بكرة يستقى عليها. وأول من عمل الرخام على زمزم، وعلى الشباك، وفرش أرضها بالرخام أبو جعفر أمير المؤمنين في خلافته، قال الأزرقيّ: ولم تزل السقاية بيد عبد مناف، فكان يستقي الماء من بئر كرادم، وبئر خم على الإبل في المزاد، والقِرَب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أدم بفناء الكعبة، فيرده الحاجّ، حتى يتفرّقوا، وكان يستعذب لذلك الماء، ثم وليها من بعده ابنه هاشم بن عبد مناف، ولم يزل يسقي الحاج حتى توفّي، فقام بأمر السياقة من بعده ابنه عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل كذلك حتى حفر بئر زمزم، فعفت على آبار مكة كلها، فكان منها يشرب الحاج، وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة، فإذا كان الموسم جمعها، ثم يسقي من لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب، فينبذه بماء زمزم، وكانت إذ ذاك غليظة جدًّا، وكان للناس أسقية كثيرة، يستقون منها الماء، ثم ينبذون فيها القبضات من الزبيب والتمر؛ لكثر غلظ الماء، وكان الماء العذب بمكة عزيزًا، لا يوجد إلا لإنسان يُستعذب له من بئر ميمون، وخارج من مكة (١)، فلبث عبد المطلب يسقي الناس حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده ابنه العباس بن عبد المطلب، فلم تزل في يده، وكان للعباس گَرْمٌ بالطائف، فكان يحمل زبيبه، وكان يداين أهل الطائف، ويقتضي منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله، ويسقيه الحاج في أيام الموسم، حتى مضت الجاهلية، وصدر من الإسلام، ثم أقرّها النبيّ ◌َ لير في يد العباس يوم الفتح، ثم لم تزل في يد العباس حتى توفي، فوليها بعده ابنه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فكان يفعل ذلك كفعله، ولا (١) - هكذا نسهة ((التهذيب)) ((وخارج من مكة))، ولعله ((من خارج مكة))، فليحرر الصواب. والله أعلم. ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ينازعه فيها منازع حتى توفّي، فكانت بيد ابنه عليّ بن عبد الله يفعل كفعل أبيه، وجده، يأتيه الزبيب من الطائف، فينبذه حتى توفي، ثم كانت بيده إلى الآن. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى(١). (وَهُوَ قَائِمٌ) فيه بيان جواز الشرب قائمًا، وقد تقدّم اختلاف أهل العلم في حكم الشرب قائمًا في أبواب الطهارة - ((باب الانتفاع بفضل الوضوء)) - ١٣٦/١٠٣ فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٩٦٥/١٦٥ و٢٩٦٦/١٦٦ - وفي («الكبرى»٣٩٥٦/١٦٥ و٣٩٥٧. وأخرجه (خ) في ((الحج) ١٦٣٧ و((الأشربة)٥٦١٧ (م) في (الأشربة)) ٢٠٢٧ (ت) في (الأشربة)) ١٨٨٢ (ق) في ((الأشربة)) ٣٤٢٢ (أحمد) في ((مسند بني هاشم))١٨٤١ و١٩٠٦ و٣١٧٦ و٣٤٨٧ و٥٣١٧ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فى فوائده : (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن من السنة للحاجّ أن يشرب من ماء زمزم. (ومنها): بيان فضل ماء زمزم، حيث اعتنى النبيّ وَلّ بشربها، وحثّ على شربها، حيث قال: ((ماء زمزم لما شُرب له))، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه. (ومنها): بيان جواز الشرب من زمزم قائمًا، وقد سبق تحقيق الخلاف فيه في ((أبواب الطهارة)) ١٣٦/١٠٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). (١) - ((تهذيب الأسماء واللغات))١٣٨/٣ - ١٤٠. ١٦٧ - (ذِكْرُ خُرُوج النَّبِيِّ ◌َلَ إِلَى ... - حديث رقم ٢٩٦٧ ٢٧١ ١٦٦- (الشُّرْبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَائِمًا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جمع المصنّف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) بين حديثي البابين تحت هذه الترجمة، وهو الأولى؛ اختصارًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَاصِمِ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (سَقَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لَّهِ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا غير مرّة. و((عاصم)): هو ابن سليمان الأحول البصريّ. والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٦٧ - (ذِكْرُ خُرُوج النَّبِيِّ وَلَهُ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((يُخرج منه)) بالبناء للمفعول، والضمير المجرور للباب، أي يخرج الناس من ذلك الباب إلى الصفا، وفي ((الكبرى)): ((إليه)) بدل ((منه))، فيكون الضمير للصفا. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٧- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: ((لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ بِ مَكَّةَ، طَافَ بِالْبَيْتِ سَبَعَا، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، مِنَ الْبَابِ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ(٢)، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: سُنَّةٌ) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - وفي ((الکبری)): «إلیه)) بدل ((منه)). ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ غير مرة .. و((محمد)): هو ابن جعفر غندر. وقوله: ((الذي يُخرج منه)) ببناء الفعل للمفعول، أي الباب الذي عُهد خروج الناس منه. وقوله: ((قال شعبة الخ)) أراد به أن شعبة روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر بلفظ: ((لما قدم رسول اللّه وَل مكة ... )) الحديث، ورواه عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر بلفظ: ((أنه قال: سنة))، وليس بين السياقين تخالف، بل السياق الأول تفسير، وتوضيح للسياق الثاني. والله تعالى أعلم. والحديث متفق عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وتخريجه في - ٢٧٣٢/٥٠- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ١٦٨- (ذِكْرُ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الصفا))، و((المروة)) جبلا السعي اللذان يُسعى من أحدهما إلى الآخر. و((الصفا)) في الأصل، جمع صفاة، وهي الصخرة، والحجر الأملس. و((المروة)) في الأصل حجر أبيض برّاق. وقيل: هي الحجارة التي تُقدح منها النار(١). وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس، وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضًا، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف. وذكّر الصفا لأن آدم ◌َلَّلُ وقف عليه، فسمي به. ووقفت حوّاء على المروة، فسميت باسم المرأة، فأنث لذلك. وقال الشعبيّ: كان على الصفا صنم يسمى إسافًا، وعلى المروة صنم يدعى نائلة، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث، وقدم المذكر. وهذا حسن؛ لأن الأحاديث المذكورة تدلّ على هذا المعنى، وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا؛ حتى رفع الله الحرج في ذلك. وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة؛ ليُعتبر بهما؛ فلما طالت المدة عُبدا من دون الله. والصفا مقصور: جمع صفاة، وهي الحجارة الْمُلْسُ. وقيل: الصفا اسم مفرد، وجمعه صُفِيّ -بضم الصاد-، وأصفاء ، على مثل أرحاء. قال الراجز: (١) - ((طرح التثريب)) ١٠٤/٥. ١٦٨ - (ذِكْرُ الصَّفا والمروة) - حدیث رقم ٢٩٦٨ ٢٧٣ كَأَنَّ مَثْتَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وقيل: من شروط الصفا البياض، والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو: أي خَلَص من التراب والطين. والمروة: واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقد قيل: إنها الصلاب، والصحيح أن المرو الحجارة صليبها، ورخوها الذي يتشظّى، وترقّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر [من الرمل]: وَتَوَلَّى الأَرْضَ خُفَّا ذَابِلاَ فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَزْوَ رَضَخْ وقال أبو ذُؤيب [من الكامل]: حَتَّى كَأَنْي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ بِصَفَا الْمُشَقْرِ (١) كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ وقد قيل: إنها الحجارة السُّودُ. وقيل: حجارة بيضٌ برّاقةٌ تكون فيها النار. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٨- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، قُلْتُ: مَا أَبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتْ: بِثْسَمَا قُلْتَ: إِنَّمَا كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ، وَنَزَّلَ الْقُرْآنُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآيِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]، فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، وَطُفْنَا مَعَهُ، فَكَانَتْ سُنَّةً). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الْخُزَاعيّ الجواز المكيّ، ثقة [١٠]٢١/٢٠. ٢- (سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم، أبو محمد المكيّ الإمام الثقة الثبت الحجة [٨]١/١ . ٣- (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحافظ الثبت الحجة [٤]١/١ . ٥- (عروة) بن الزبير بن العوام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]٤٤/٤٠. ٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم (١) - حصن بالبحرين عظيم لعبد القيس. (٢) - ((تفسير القرطبيّ)) ١٧٩/٢ - ١٨٠. ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غیر شیخه، وسفيان، فمكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن عروة من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُزْوَةَ) بن الزبير، أنه (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها، وهي خالته، وقوله (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]) مفعول قرأت؛ لقصد لفظه، أي قرأت عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] (قُلْتُ: مَا أَبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْتَهُمَا) أي لا أهتمّ، ولا أكترث في عدم الطواف بين الصفا والمروة؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (فَقَالَتْ) عائشة رضي اللَّه تعالى عنها (بِتُسَمَا قُلْتَ) أي بئس القول قولك هذا؛ حيث لم تفهم مدلول الآية، واحتججت بها على ما لا تكون دليلا عليه، وخالفت سنة رسول الله و لتر من الطواف بهما. زاد في الرواية التالية: ((يا ابن أختي إن هذه الآية، لو كانت كما أولتها، كانت: فلا حناح عليه أن لا يطّف بهما)). ومحصل كلام عروة رحمه الله تعالى أنه احتجّ للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحبّ بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك. وحاصل جواب عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرّحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهّموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمرّ في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم، وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر. ولا مانع أن يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة، فيقال له: لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفي الإثم عن التارك. وقد وقع في بعض الشواذّ باللفظ الذي قالت عائشة أنها لو كانت للإباحة لكانت كذلك. حكاه الطبريّ، وابن أبي داود في ((المصاحف))، وابن المنذر، وغيرهم عن أبيّ ابن كعب، وابن مسعود، وابن عباس. وأجاب الطبريّ بأنها محمولة على القراءة ٢٧٥ = ١٦٨ - (ذِكْرُ الصَّفاً وَالْمَزوةِ) - حديث رقم ٢٩٦٨ المشهورة. وقال الطحاويّ أيضًا: لا حجة لمن قال: إن السعي مستحبّ بقوله: ﴿فمن تطوّع خيرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ لأنه راجع إلى أصل الحج والعمرة، لا إلى خصوص السعي؛ لإجماع المسلمين على أن التطوّع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. والله أعلم. قاله في ((الفتح)) (١). (إِنَّمَا كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) سيأتي في الرواية التالية أنهم الأنصار قبل أن يسلموا، كانوا يهلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند الْمُشَلّل (لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا) لأنهم يتحرّجون عن الطواف لغير آلهتم (فَلَمَّا كَانَ) أي جاء، فـ((كان)) تامّة، وقوله (الْإِسْلَامُ) فاعلها (وَنَزَلَ الْقُرْآنُ) أي جوابًا عن سؤالهم النبيّ وَّ، حيث قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرّج أن نطوف بين الصفا والمروة؟، فأنزل الله تعالى الآية المذكورة وقوله (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) بدل من ((القرآن؛ لقصد لفظه. وقوله (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) أي من معالم دينه، ومواضع عباداته. قال الأزهريّ: الشعائر: المعالم التي ندب اللَّه إليها، وأمر بالقيام عليها. وقال في ((النهاية)): شعائر الحج آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة. وقيل: هو كلّ ما كان من أعماله، كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك. وقال في ((الصحاح)): الشعائر أعمال الحجّ، وكلّ ما جعل علمًا لطاعة الله. قال الأصمعيّ: الواحدة شعيرة، قال: وقال بعضهم: شعارة، والمشاعر مواضع النسك (٢) . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: قد بين اللَّه تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي مما شرع اللَّه تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد ثبت في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من اللَّه عز وجلّ، فلم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة متذلّلة خائفة وجلة مضطربة فقيرة إلى الله عز وجلّ حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها ((طعام طعم، وشفاء سقم))، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذُلّه، وحاجته إلى اللَّه في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجىء إلى الله عزّ وجلّ لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبّته عليه إلى مماته، وأن (١) - ((فتح)) ٤ / ٣٠٦. (٢) - ((طرح التثريب ١٠٤/٥٤. ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجّ يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر عليها السلام انتهى (١). وقوله (الْآيَةَ) يجوز رفعه، ونصبه، وجرّه، فالرفع على أنه مبتدأ، حذف خبره، أي الآية مقروءة إلى آخرها، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي اقرإ الآية بتمامها، والجرّ -وهو قليل- على أنه مجرور بحرف مقدّر، أي اقرأ إلى آخر الآية. (فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، وَطُفْنَا مَعَهُ، فَكَانَتْ سُنَّةً) أي كان الطواف بينهما سنة، والتأنيث باعتبار الخبر، وأرادت بذلك ثبوته بالسنة، وأنه مطلوب في الشرع، فليس مما لا مبالاة بتركه، كما بينته في الرواية التالية، حيث قالت: «ثم قد سنّ رسول اللّه وَلـ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما)). والحاصل أنها أرادت بالسنة الفرض، أي هي فرض من فرائض الحج، وليس المراد السنة التي هي خلاف الفرض، بدليل قولها: ((فليس لأحد الخ))، وقولها: ((لم يتم الله حج أحدكم، ولا عمرته ما لم يطف بينهما)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متّفق عليه. المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٩٦٨/١٦٨ و٢٩٦٩ - وفي ((الكبرى)) ٣٩٦٠/١٦٦ و٣٩٦١ . وأخرجه (خ) في ((الحج))١٦٤٣ و١٧٩٠ و((التفسير))٤٤٩٥ و٤٨٦١ (م) في ((الحج)) ١٢٧٧ (د) في ((المناسك))١٩٠١ (ت) في ((التفسير ))٢٩٦٥ (ق) في ((المناسك))٢٩٨٦ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار))٢٤٥٨٨ و٢٤٧٧٠ و٢٥٣٧٧ (الموطأ) في ((الحج)»٨٣٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة: اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب: (المذهب الأول): أنه ركن في الحجّ، لا يصحّ إلا به، وكذلك في العمرة، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه. وحكاه النوويّ عن جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) عن (١) - ((تفسير ابن كثير ٢٠٥/١٤ . ١٦٨ - (ذِكْرُ الصَّفاً وَالْمَزْوة) - حديث رقم ٢٩٦٨ ٢٧٧ == عائشة رضي اللّه تعالى عنها، وعن مجاهد، وإبراهيم النخعيّ أنهما قالا: إذا نسي الطواف بين الصفا والمروة، وهو حاجّ، فعليه الحجّ، فإن كان معتمرًا، فعليه العمرة، ولا يجزيه إلا الطواف بينهما. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وأبي ثور. وبه قال ابن حزم. واستدل هؤلاء على الوجوب بأمور: (أحدها): ما رواه الشافعيّ، وأحمد في ((مسنده))، والدار قطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم من رواية صفيّة بنت شيبة، قالت: أخبرتني ابنة أبي تِرَاة (١)، أنها سمعت رسول الله وَالر، وقد استقبل الناس في المسعى، وقال: ((يا أيها الناس، اسعَوْا، فإن السعي قد كُتب علیکم))(٢). قال الحافظ وليّ الدين: وذكر النوويّ في ((شرح المهذّب)» في أول كلامه الطريقَ الأول، وقال: ليس بقويّ، وإسناده ضعيف، قال ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)): فيه اضطراب. ثم ذكر الطريق الثاني في آخر كلامه، وقال: إسناده حسن. فعدّ ذلك شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ في ((المهمات)) تناقضًا، وقال: اختلف فيه كلام النوويّ. وجوابه أن ذلك باعتبار طريقين، فإن في الأول عبد الله بن المؤمّل، وليس في الثاني، فلذلك ضعّف الأول، وحسّن الثاني. قال ابن المنذر في ((الإشراف)): إن ثبت حديث بنت أبي تجراة وجب فرض السعي، وإن لم يثبت فلا أعلم دلالة توجبه، والذي رواه عبد الله بن المؤمّل، وقد تكلّموا في حديثه انتهى. وقد أشار الإسنويّ في بقية كلامه لذلك، فقال: وحسّنه أيضًا الشيخ زكي الدين في كلامه على أحاديث ((المهذّب))، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين انتهى. ومع ذلك ففي جعلهما طريقين، وتضعيف الأول، وتحسين الثاني نظر، فهو حديث واحد مداره على صفية بنت شيبة (١) - بكسر المثناة، وسكون الجيم، بعدها راء، ثم ألف، ساكنة، ثم هاء، وهي حبيبة بنت تِجِراة، وهي إحدى نساء بني عبدالدار. اهـ ((فتح)) ٣٠٥/٤. (٢) - ونصّه في («مسنده: ٢٦٨٢١ حدثنا يونس، قال: حدثنا عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عطاء، عن حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: دخلنا دار أبي حسين، في نسوة من قريش، والنبي وَّر، يطوف بين الصفا والمروة، قالت: وهو يسعى يدور به إزاره، من شدة السعي، وهو يقول لأصحابه: ((اسعوا، فإن اللَّه كتب عليكم السعي)). ٢٦٨٢٢ - حدثنا سريج، قال: حدثنا عبد الله بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، عن عطاء ابن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت رسول اللّه وَالت، يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره، وهو يقول: ((اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي)) * ٢٧٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وقع الاختلاف فيه، وقد سلك ذلك البيهقيّ وغيره، وتقدّم قول ابن عبد البرّ: إن فيه اضطرابًا، لكنه قال في ((الاستذكار)): اضطرب فيه غير الشافعيّ، وأبي نعيم الفضل بن دكين على عبد الله بن المؤمل، وجوّدوا إسناده ومعناه، وقد رواه مع ابن المؤمّل غيره، وابن المؤمّل لم يطعن عليه أحد إلا من سوء حفظه، ولم يخالفه فيه غيره، فيتبيّنَ فيه سوء حفظه . وقال الحافظ في ((الفتح)): قلت: له طريق أخرى في ((صحيح ابن خزيمة)) مختصرة. وعند الطبرانيّ عن ابن عباس كالأولى، وإذا انضمّت إلى الأولى قويت، واختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الطبرانيّ عنها: ((أخبرتني نسوة من بني عبد الدار))، فلا يضرّ الاختلاف. (١) انتهى (١). قال الشافعيّ رحمه الله تعالى: وهذا عندنا - والله أعلم- على إيجاب السعي بين الصفا والمروة من قبل أن هذا الحديث لا يحتمل إلا السعي بينهما، أو السعي في بطن الوادي، فإذا وجب السعي في بطن الوادي، وهو بعض العمل وجب في كلّه. انتهى. (الثاني): استدلّ البيهقيّ على ذلك بحديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها المذكور في الباب، وقولها فيه: ((ثم قد سنّ رسول اللّه ◌َله الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما)). وبقولها أيضًا في ((صحيح مسلم)): ((ولعمري ما أتمّ اللَّه حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة)). (الثالث): استدلّ البيهقيّ، وابن عبد البرّ، والنوويّ، وغيرهم على ذلك أيضًا بكونه وَلير كان يسعى بينهما في حجه، وعمرته، وقال: ((خذوا عني مناسككم)). (الرابع): استدلّ البيهقيّ على ذلك أيضًا بما في ((صحيح البخاري) عن عمرو بن دينار، قال: سألنا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن رجل قدم بعمرة، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبيّ بَلَّ، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بالصفا والمروة سبعًا، وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال عمرو: سألنا جابرًا؟ فقال: لا يقربها حتى يطوف بين الصفا والمروة. (الخامس): استدلّ ابن حزم على ذلك بما في ((الصحيحين)) عن أبي موسى الأشعريّ رَّه، قال: قدمت على رسول اللّه وَّله، وهو مُنيخٌ بالبطحاء، فقال: (١) - ((فتح)) ٤ / ٣٠٥ - ٣٠٦ . ٢٧٩ ١٦٨ - (ذِكْرُ الصَّفاً والمَزْوة) - حديث رقم ٢٩٦٨ ((أحججت؟، فقلت: نعم، فقال: ((بم أهللت؟))، فقلت: لبيك بإهلال، کإهلال رسول اللَّهِ وَ له، فقال: ((قد أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة، وأحلّ)). قال ابن حزم: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضًا انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الدليل الذي استدل به ابن حزم رحمه الله تعالى أقوى دليل للمسألة، فلو لم يكن من الأدلة غيره، مع قوله وَّطيار: ((خذوا عني مناسككم)) لكفى في وجوب السعي بين الصفا والمروة، فكيف، وقد انضمّ إليه ما تقدم من الأدلة التي ذكرت قبله. والله تعالى أعلم. (المذهب الثاني): أنه واجب، ويجبر تركه بالدم، ويصحّ الحجّ بدونه. وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وذكر النوويّ أنه الأصح عنه. ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنّقه)) عن الحسن البصريّ، وعطاء بن أبي رباح. وحكاه ابن المنذر عن قتادة، وسفيان الثوريّ. وحكى ابن عبد البرّ عن الثوريّ أنه إن نسيه حتى رجع إلى بلده أجزأه دم. وعن أبي حنيفة، وصاحبيه إن تركه عمدًا، أو نسيانًا، فعليه دم. وذكر صاحب (الهداية)) من الحنفيّة أن قوله تعالى: ﴿لا جناح﴾ يستعمل مثله للإباحة، فينفي الركنيّة، والإيجاب، ولأن الركنّة لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولم يوجد. ثم معنى ما روي كتب استحبابًا، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: [فإن قلت]: قد قال أوّلاً بالوجوب، فكيف قال آخرًا بالاستحباب؟ [قلت]: لم يقل آخرًا بالاستحباب، وإنما قال: إن مثل هذه الصيغة، وهي (كُتب)) تستعمل في الاستحباب، كما في الآية التي استشهد بها، ثم هو منازع فيما ذكره في هذه الآية، بل هي على بابها من الوجوب، وكانت قبل نزول آية المواريث، ثم نسخت بها، كما هو مقرر في التفسير. والله أعلم انتهى. (المذهب الثالث): أنه سنة، ليس بركن، ولا واجب، وهو رواية عن أحمد. ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه قال: إن شاء سعى، وإن شاء لم يسع. وعن عطاء أنه كان لا يرى على من لم يسع شيئًا، قيل له: قد ترك شيئًا من سنة رسول اللّه وَّر، قال: ليس عليه، وكان يفتي في العلانية بدم. وقال ابن المنذر: كان أنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، وابن سيرين * يقولون: هو تطوّع. وقد روینا أن في مصحف أَبيّ بن كعب، وابن مسعود: ((فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)). وحكى ابن حزم أن ابن عباس كان يقرأ: ((فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما»، ثم قال: هذا قول من ابن عباس، لا إدخال منه في القرآن، ثم حكى ابن حزم هذه القراءة عن ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ أنس، قال: وهو قول عطاء، ومجاهد، وميمون بن مهران. وروى البيهقيّ في ((المعرفة)) هذه القراءة عن ابن عباس، وأنه قال: فنسختها هذه الآية: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن قِلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، فلما نزلت طافوا بين الصفا والمروة. قال البيهقيّ: وهذه الرواية إن صحّت تدلّ على أن الأمر فيه صار إلى الوجوب. (المذهب الرابع): أن على من ترك السعي أن يأتي بعمرة. رواه ابن أبي شيبة عن طاوس، وحکاه عنه ابن المنذر. (المذهب الخامس): أنه إن ترك من السعي أربعة أشواط، فعليه دم، وإن ترك دونها لزم لكلّ شوط نصف صاع. حكاه ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وحكاه الدارميّ من الشافعية عن أبي حنيفة، قال: وحكى ابن القطان عن أبي عليّ قولاً كمذهب أبي حنيفة. قال النووي في ((شرح المهذب)): وهذا القول شاذّ غلطً. وقال ابن المنذر: واختلف عن عطاء، فروي عنه أنه لا شيء على من تركه. وروي عنه أنه قال: عليه دم. وروي عنه أنه قال: يطعم مساكين، أو يذبح شاة يطعمها المساكين انتهى. وهذه الرواية الأخير عن عطاء قول سادس. واعلم أن ابن العربيّ في ((شرح الترمذيّ)) حكى إجماع الأمة على أن السعي ركن في العمرة، وجعل الخلاف في الحج فقط. قال الحافظ وليّ الدين: ولم أر لغيره تعرّضًا لذلك، ويخالفه صريحًا كلام ابن حزم، فإنه حكى الخلاف في العمرة، وحكي عن ابن عباس أنه قال: العمرة الطواف بالبيت، وكذلك ابن عبد البرّ حكى الخلاف عن أبي حنيفة، وصاحبيه في الحجّ والعمرة. انتهى(١) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي المذهب الأول، وهو مذهب الجمهور، وهو أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحجّ والعمرة؛ لقوة أدلّته، کما أسلفتُ بیانها قريبًا . والحاصل أن القول بركنيّة السعي هو الحقّ الذي لا مرية فيه، وليس لمخالفيه دليلٌ يُعتمد عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الو کیل. ٢٩٦٩- أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَأَ﴾ فَوَّاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ، أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: بِشْسَمَا قُلْتَ: يَا (١) - ((طرح التثريب ٤ ١٠٦/٥ - ١٠٨.