Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
١٢٨ - (الحِجْرُ) - حديث رقم ٢٩١٢
حلف لا يدخل بيتًا، فانهدم ذلك البيت، فلا يحنث بدخوله ، فليس بواضح، فإن
المشروع من الطواف ما شرع للخليل بالاتفاق، فعلينا أن نطوف حيث طاف، ولا يسقط
ذلك بانهدام حرم البيت؛ لأن العبادات لا يسقط المقدور عليه منها بفوات المعجوز
عنه، فحرمة البقعة ثابتة، ولو فقد الجدار. وأما اليمين، فمتعلّقة بالعرف، ويؤيّد ما قلناه
أنه لو انهدم مسجد، فنقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي
كان بها، ولا حرمته لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد، فدلّ على أن البقعة أصل
للجدار بخلاف العكس. أشار إلى ذلك ابن المنيّر في ((الحاشية)). انتهى كلام الحافظ
رحمه الله تعالى(١) .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد قد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في -٢٩٠١/١٢٥-
فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٢٩١٢- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الرِّبَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: حَدَّثَتْنَا
عَائِشَةُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَدْخُلُ الْبَيْتَ؟، قَالَ: ((ادْخُلِي الْحِجْرَ، فَإِنَةً مِنَ
الْبَيْتِ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
وقوله: ((فإنه من البيت)) ظاهره أن جميع الحجر من البيت، ومثله حديث البخاريّ من
طريق الأسود بن يزيد، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: سألت رسول اللّه وَاله
عن الْجَدْر، أمن البيت هو؟، قال: ((نعم ... )) الحديث.
قال في ((الفتح)): وبذلك كان يفتي ابن عباس، كما رواه عبد الرزاق، عن أبيه، عن
مرثد بن شُرَحبيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: ((لو وليت من البيت ما ولي ابن
الزبير، لأدخلت الحجر كله في البيت، فلِمَ يطاف به إن لم يكن من البيت؟)). وروى
الترمذيّ، والنسائيّ من طريق علقمة، عن أمه، عن عائشة، قالت: ((كنت أحبّ أن
أصليّ في البيت، فأخذ رسول اللّه وَ لّر بيدي، فأدخلني الحجر، فقال: ((صلي فيه،
فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروه، حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من
البيت))، ونحوه لأبي داود من طريق صفية بنت شيبة، عن عائشة. ولأبي عوانة من
طريق قتادة، عن عروة، عن عائشة. ولأحمد من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن
(١) - ((فتح)) ٢٣٥/٤ - ٢٤٢.

١٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
السائب، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، أنها قالت: يا رسول الله، کل أهلك قد دخل
البيت غيري، فقال: أرسلي إلى شيبة، فيفتح لك الباب، فأرسلت إليه، فقال شيبة: ما
استطعنا فتحه في جاهلية، ولا إسلام بليل، فقال النبي ◌َّر: ((صلي في الحجر، فإن
قومك استقصروا عن بناء البيت حين بنوه)).
وهذه الروايات كلها مطلقة، وقد تقدّم في الحديث الماضي أن الأرجح حملها على
الروايات المقيّدة، جمعًا بين الأحاديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٢٩ - (الصَّلَاةُ فِي الْحِجْرِ)
٢٩١٣ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمْهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ، فَأَصَلِّيّ
فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِيَدِي، فَأَدْخَلَنِ الْحِجْرَ، فَقَالَ: ((إِذَا أَرَذْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ،
فَصَلْي هَا هُنَا، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ، وَلَكِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حَيْثُ بَنَوْهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠]٢/٢.
٢- (عبد العزيز بن محمد) بن عُبيد الدراورديّ الْجُهَنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ،
صدوق، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطىء [٨]١٠١/٨٤.
٣- (علقمة بن أبي علقمة) واسمه بلال المدنيّ مولى عائشة، وهو علقمة ابن أم
علقمة، ثقة عَلَّامة [٥]٢٠٣٨/١٠٣.
٤ - (أمه) اسمها مَرْجانة، علّق لها البخاريّ في ((الحيض))، ثقة (١) [٣]٢٠٣٨/١٠٣.
(١) - قال في ((التقريب)): مقبولة. انتهى. وفيه نظر؛ لأنه روى عنها ابنها علقمة، وبكير بن الأشجّ،
وقال العجليّ: مدنيّة تابعيّة ثقة، وذكرها ابن حبّان في ((الثقات))، وعلّق عنها البخاريّ بصيغة
الجزم في ((الصيام)) من ((صحيحه)) ((باب الحجامة والقيء للصائم))، ووصله في ((تاريخه الكبير))
١٨٠/٢، وهي من رُواة ((الموطًا)، ومولاة لعائشة رضي اللّه تعالى عنها. فتبصّر، والله تعالى
أعلم.

١٢٩ - (الصَّلاةُ فِي الحِجْر) - حديث رقم ٢٩١٣
١٨٣
٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير أم علقمة، وثقها العجليّ، وابن حبّان، وعلّق عنها البخاريّ في
((الصحيح)). (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه. (ومنها): أن فيه رواية الابن
عن أمه، وتابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة رضي اللَّه تعالى عنها من المكثرين السبعة،
روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ، فَأُصَلِّيَ
فِيهِ) وفي روا أحمد، والبيهقيّ من رواية سعيد بن جُبير، عنها أنها قالت: يا رسول الله،
كلّ أهلك قد دخل البيت غيري، فقال: أرسلي إلى شيبة، فيفتح لك الباب، فأرسلت
'ليه ... الحديث، وتقدم في الباب الماضي. (فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ بِيَدِي، فَأَدْخَلَنِ
الْحِجْرَ، فَقَالَ: ((إِذَا أَرَذْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ، فَصَلّي هَا هُنَا) أي في الحجر (فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ
مِنَ الْبَيْتِ) الفاء للتعليل: أي لأن الحجر قطعة من البيت، وقد تقدّم أن الأرجح في
معناه أن بعضه من البيت؛ حملاً للروايات المطلقة على المقيّدة (وَلَكِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا)
يعني أن قريشًا حين بنوا الكعبة اقتصروا على هذا المقدار الذي عليه الآن. وفي الرواية
المتقدمة ٢٩٠٢/١٢٥ -: ((فإن قريشا لما بنت البيت استقصرت)). وفي رواية عند
مسلم: ((فإن قريشًا اقتصرتها))، وفي أخرى: ((استقصروا من بنيان البيت))، وفي أخرى:
((قصروا في البناء))، وفي أخرى: ((قصرت بهم النفقة)).
قال العلماء: هذه الروايات كلها بمعنى واحد، ومعنى ((استقصرت)): قصرت عن
تمام بنائها، واقتصرت على هذا القدر لقصور النفقة بهم عن تمامها. قاله النوويّ في
((شرح مسلم)) (١).
وقوله: (حَيْثُ بَنَوْهُ) أي وقت بنائه، ف((حيث)) هنا ظرف زمان بمعنى ((حین))، فإنها
تأتي للزمان عند الأخفش، كما قاله ابن هشام الأنصاريّ في ((مغنيه))(٢). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) - ((شرح مسلم)) ٩ / ٩٤ .
(٢) - راجع ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١٣١/١ . تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد.

١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩١٣/١٢٩ - وفي «الكبرى»٣٨٩٥/١٣٠. وأخرجه (د) في
(المناسك)) ٢٠٢٨ (ت) في ((الحجّ)) ٨٧٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣٠- (التَّكْبِيرُ فِي نَوَاحِي الْكَغْبَةِ)
٢٩١٤- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَمْرٍو، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمْ يُصَلْ
النّبِيُّ وَّهِ فِي الْكَعْبَةِ، وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ) .
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢ - (حمّاد) بن زيد بن درهم الْجَهْضَميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٨]٣/٣.
٣- (عمرو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة
ثبت [٤]١١٢ /١٥٤.
٤- (ابن عبّاس) عبد الله الحبر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وهو (١٥٠) من رباعيّات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي
الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرٍو) بن دينار (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: لَمْ يُصَلِّ

١٣١- (الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ فِي الْبَيْتِ) - حديث رقم ٢٩١٥
١٨٥ ==
النَّبِيُّ وَّهِ فِي الْكَعْبَةِ) هكذا هو عند البخاريّ أيضًا رواه عن إسحاق بن نصر، عن
عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، جعله من مسند ابن عباس
رضي اللَّه تعالى عنهما. وأخرجه الإسماعيليّ، وأبو نعيم، في ((مستخرجيهما)) من
طريق إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، فجعله من رواية ابن عباس، عن أسامة بن
زيد ، وكذلك رواه مسلم من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج. قال الحافظ :
وهو الأرجح انتهى(١).
وقد تقدّم وجه التوفيق بين رواية بلال تطلّه المثبتة صلاته وَلهر، وبين هذه الرواية
النافية لها قبل بابين، فراجعه تستفد. وباللّه تعالى التوفيق.
(وَلَكِنَّهُ كَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ) جمع ناحية، وهي الجانب: أي كبّر الله تعالى في جوانب البيت.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٩١٤/١٣٠ - وفي («الكبرى»٣٨٩٦/١٣١. وأخرجه (خ) في
((الصلاة) ٣٩٨ و(الحج)) ١٦٠١ و(المغازي))٤٢٨٩ (م) في ((الحجّ)) ١٣٣١ (د) في
((المناسك))٢٠٢٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣١ - (الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ فِي الْبَيْتِ)
٢٩١٥ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ
أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَلهـ
الْبَيْتَ، فَأَمَرَ بِلَالاً، فَأَجَافَ الْبَابَ، وَالْبَيْتُ إِذْ ذَكَ عَلَى سِنَّةِ أَعْمِدَةٍ، فَمَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ
بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ (٢) بَابَ الْكَغْبَةِ جَلَسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ،
(١) - ((فتح)) ٥٩/٢ ((كتاب الصلاة)).
(٢) - وفي نسخة: ((يليان)) بالياء.

١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وَاسْتَغْفَرَهُ، ثُمَّ قَامَ حَتَّى أَتَى مَا اسْتَقْبَلَ مِنْ دُبْرِ الْكَعْبَةِ، فَوَضَعَ وَجْهَهُ، وَخَذَّهُ عَلَيْهِ، وَحَمِدَ
اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَسَأَلَهُ، وَاسْتَغْفَرَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْكَعْبَةِ،
فَاسْتَقْبَلَهُ(١) بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَالثَّاءِ عَلَى اللَّهِ، وَالْمَسَّأَلَةِ، وَالإِسْتِغْفَارِ، ثُمَّ
خَرَجَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ وَجْهِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: ((هَذِهِ الْقِبْلَةُ، هَذِهِ
الْقِبْلَةُ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((يعقوب
بن إبراهيم)): هو الدَّوْرَقِيّ. و((يحيى)): هو القطّان. وعبد الملك بن أبي سليمان)): هو
الْعَرْزميّ الكوفيّ، تقدم قبل بابين. و((عطاء)): هو ابن أبي رباح.
وقوله: «فأجاف الباب) أي ردّه.
وقوله: ((ما استقبل من دبر الكعبة)) ببناء الفعل للفاعل، وحذف الضمير المنصوب،
والأصل: ما استقبله: أي ما واجهه من الركن الذي في جهة خلفها.
وقوله: «مستقبل وجه الكعبة)) أي مواجه بابها.
والحديث أخرجه مسلم دون ذكر الوضع، وقد تقدم تمام البحث فيه، وفي مسائله
قبل ثلاثة أبواب، ودلالته على ماتر جم له واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٣٢ - (وَضْعُ الصَّدْرِ وَالْوَجْهِ (٢)
عَلَى مَا اسْتَقْبَلَ مِنْ دُبُرِ الْكَعْبَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((ما استقبل)) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير
يعود إلى الواضع المفهوم، وعائد الموصول محذوف، والمعنى: على الركن الذي
استقبله الواضع: أي واجهه، ويحتمل أن يكون الفاعل ضمير الموصول، أي على
الركن الذي استقبَلَ الواضع، وذلك لأن كلّ من المتواجهين يستقبل أحدهما الآخر،
(١) - وفي نسخة: ((فاستقبل)) بحذف ضمير النصب.
(٢) - وفي نسخة: ((وضع الوجه والصدر)).

١٣٣ - (مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنَ الْكَعْبةِ) - حديث رقم ٢٩١٨
١٨٧ =
فهو مستقبِلٌ بالكسر، ومُستقبل بالفتح، تقول: استقبلت الشيءَ: إذا واجهته، فهو
مُستقبِل، ومُستقبَل ويحتمل أن يكون الفعل مبنيًا للمفعول، والضمير للموصول،
وقوله: ((من دبر الكعبة)) بيان لـ ((ما)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٩١٦ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَنَا (١) عَبْدُ الْمَلِكِ،
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَلَّ الْبَيْتَ، فَجَلَسَ، فَحَمِدَ
اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَكَبَّرَ، وَهَلَّلَ، ثُمَّ مَالَ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْبَيْتِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ،
وَخَذَّهُ وَيَدَئِهِ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَهَلَّلَ، وَدَعًا، فَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَرْكَانِ كُلُّهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَقْبَلَ عَلَى
الْقِيْلَةِ، وَهُوَ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ: ((هَذِهِ الْقِبْلَةُ، هَذِهِ الْقِبْلَةُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الماضي في الباب السابق،
بإبدال يحيى القطان بهشيم. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، ففيه استحباب وضع
الصدر والخدّ واليدين على الركن الذي في دبر الكعبة، وكذلك في جميع الأركان.
والحديث أخرجه مسلم دون ذكر الوضع، وقد سبق تمام البحث فيه في الباب
الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣٣ - (مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنَ الْكَعْبَةِ)
٢٩١٧- أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ أُسَامَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مِنَ الْبَيْتِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ،
ثُمَّ قَالَ: ((هَذِهِ الْقِبْلَةُ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إسناد هذا الحديث هو الإسناد السابق، غير إسماعيل بن
مسعود الجحدريّ البصريّ الثقة. و((خالد)) بن الحارث الهجميّ البصريّ الثقة الثبت.
وقوله: ((في قبل الكعبة)) هو بمعنى قوله فيما سبق: ((مُسْتَقْبِلَ وجه الكعبة))، والمراد
بابها. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨١٨- أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ النَّسَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((حدّثنا)).

=
١٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ
زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ، دِّخَلَ الْبَيْتَ، فَدَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلُّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ، حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ،
فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنٍ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((خُشيش)) -بضم الخاء المعجمة، مصغّرًا- ابن
أصرم، أبو عاصم النسائيّ، ثقة حافظ [١١]٥٩٠/٤٤. من أفراد أبي داود،
والمصنّف. والباقون كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا غير مرَّة، و((عبد الرزاق)):
هو ابن همّام الصنعانيّ.
والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩١٩- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ حَدَّثَنِي السَّائِبُ بْنُ عُمَرَ،
قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَيُقِيمُهُ
عِنْدَ الشُّقَّةِ الثَّالِثَةِ، مِمَّا يَلِي الرُّكْنَ، الَّذِي يَلِي الْحَجَرَ، مِمَّا يَلِي الْبَابَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
أَمَا أُنْبِثْتَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهَ، كَانَ يُصَلِّي هَاهُنَا؟، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَتَقَدَّمُ، فَيُصَلّي).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠]٤/٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩]٤/٤.
٣- (السائب بن عمر) المخزوميّ الحجازيّ، ثقة [٧]١٢٧/ ٢٩٠٨.
٤- (محمد بن عبد الله بن السائب) المخزوميّ، مجهول [٦].
رَوَى عن أبيه حديث الباب فقط. وعنه السائب بن عمر المخزوميّ. وقيل: عن
السائب، عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن عبّاس، وعبد الله بن
السائب. وقال أبو عاصم: عن السائب بن عمر، عن محمد بن عبد الرحمن
المخزوميّ: كنت عند عبد الله بن السائب، فأرسل إليه ابن عباس يسأله، أين صلّى
رسول اللَّه وَالر ... ؟)) الحديث. قال أبو حاتم: مجهول. تفرّد به أبو داود،
والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث فقط.
٥- (أبوه) عبد الله بن السائب بن أبي السائب صيفيّ بن عابد بن عبد الله بن عمر بن
مخزوم، أبو السائب، ويقال: أبو عبد الرحمن المخزوميّ المكيّ، له ولأبيه صحبة،
وكان قارىء أهل مكة، وكان قائد ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهم، مات سنة بضع
وستين، وتقدّم في ٧٧٦/٢٥ .
٦- (ابن عبّاس) رضي اللَّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.

١٣٤ - (ذِكْرُ الفَضْلِ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ) - حديث رقم ٢٩٢٠
١٨٩ ===
شرح الحديث
عن محمد بن عبد الله بن السائب (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن السائب ◌َفي (أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ
ابْنَ عَبَّاسٍ، وَيُقِيمُهُ عِنْدَ الشُّقَّةِ) -بضم الشين المعجمة، وتشديد القاف- بمعنى الناحية
(الثَّالِئَةِ، مِمَّا يَلِي الرُّكْنَ، الَّذِي يَلِي الْحَجَرَ) - بفتحتين- أي الحجر الأسود، والموصول
صفة الركن (مِمَّا يَلِي الْبَابَ) أي باب البيت الشريف، أي الناحية التي بين الحَجَر الأسود
والباب (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم
(أُنْبِتَ) بضمير الخطاب، وهو لعبد الله بن السائب، والفعل مبنيّ للمفعول: أي
أُخَبَرتَ (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، كَانَ يُصَلِّي هَاهُنَا؟، فَيَقُولُ) عبد اللّه السائب (نَعَمْ، فَيَتَقَدَّمُ)
ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما إلى ذلك المكان (فَيُصَلِي) فيه، ولفظ ((الكبرى))
(فيقوم، فيصلي)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا ضعيف؛ لجهالة محمد بن عبد الله بن
السائب .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩١٩/١٣٣ وفي ((الكبرى)) ٣٩٠١/١٣٤. وأخرجه (د) في
((المناسك))١٩٠٠ (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٤٩٦٥. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣٤ - (ذِكْرُ الْفَضْلِ فِي الطَّوَافِ
بِالْبَيْتِ)
٢٩٢٠- (حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ: أَنْبَنَا قُتَيْبَةُ،
قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ رَجُلَا قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْتَيْنِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ لِهِ يَقُولُ: ((إِنَّ

١٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
مَسْحَهُمَا يَحُطَّانِ الْخَطِيئَةَ))، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ طَافَ سَبْعًا، فَهُوَ كَعِدْلٍ رَقَبَةٍ)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((حدثنا أبو عبد الرحمن الخ)) هو المصنّف
رحمه الله تعالى، والقائل: ((حدّثنا)) هو تلميذه، والظاهر أنه أبو بكر بن السنيّ رحمه
الله تعالى؛ لأنه المشهور برواية هذا الكتاب عنه. والله تعالى أعلم.
ورجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا .
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار[٨]٣/٣ .
٣- (عطاء) بن السائب بن مالك الثقفيّ، أبو محمد، أو أبو السائب الكوفيّ،
صدوقٌ اختلط، إلا أنَّ حمّاد بن زيد ممن روى عنه قبل الاختلاط [٥]٢٤٣/١٥٢.
٤- (عبد الله بن عُبيد بن عُمير) الليثيّ المكيّ، ثقة [٣]٢٨٣٦/٨٩.
٥- (أبو عبد الرحمن) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما١٢ / ١٢
. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، وعطاء أخرج له البخاريّ حديثًا واحدًا متابعةً. (ومنها): أن فيه رواية
تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) الليثيّ (أَنَّ رَجُلاً) هو أبوه، ففي رواية أحمد: ((عن
عبد الله بن عُبيد بن عمير أنه سمعٍ أباه يقول لابن عمر: ما لي لا أراك تستلم إلا هذين
الركنين ... )) الحديث (قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر بن الخطاب
رضي اللَّه تعالى عنهما (مَا أَرَاكَ تَسْتَلِمُ إِلَّا هَذَيْنِ الرُّكْتَيْنِ) أي الحجر الأسود، والركن
اليماني (قَالَ) ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ
مَسْحَهُمَا يَحُطَّانِ الْخَطِيئَةَ) هكذا معظم نسخ ((المجتبى)) ((يحطان)) بضمير التثنية، قال
السنديّ: والضمير للركنين، والعائد إلى المسح مقدّر، أي به.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله السنديّ فيه ركاكة، وعندي أن ضمير التثنية
يعود على ((مسحهما))، وإن كان مفردًا لاكتسابه التثنية عن المضاف إليه، فلا حاجة
لتقدير العائد.، وفي بعض النسخ - كما قال السندي- وهو الذي في ((الكبرى)): ((يحطّ

١٩١ =
١٣٤ - (ذِكْرُ الفَضْلِ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ) - حديث رقم ٢٩٢٠
الخطيئة)) بالإفراد، وهو واضح.
ومعنى ((يحطّان الخطيئة)): يسقطانها، وهو كناية عن غفران الذنوب. قال ابن عمر
رضي اللّه تعالى عنهما (وَسَمِعْتُهُ) أي الرسولِ وَّهِ (يَقُولُ: ((مَنْ طَافَ سَبْعًا) أي دار
بالبيت سبع مرّات، أو سبعة أشواط. زاد في رواية الترمذيّ: ((فأحصاه)). قال
السيوطيّ: أي لم يأت فيه بزيادة، أو نقص. وقيل: أي حافظ على واجباته، وسننه،
وآدابه. وقال القاري: بأن يكمله، ويراعي ما يُعتبر في الطواف من الشروط، والآداب
انتهى (١) (فَهُوَ) أي الطواف (كَعِدْلِ رَقَبَةٍ) بكسر العين المهملة، وفتحها: بمعنى المثل.
وقيل: بالفتح ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه. وقيل: بالعكس. قاله
ابن الأثير(٢).
والمعنى هنا: مثل ثواب إعتاق رقبة. والكاف هنا زائدة؛ لأن العدل معناه المثل،
كما سبق آنفًا .
وللترمذيّ: ((كان كعتق رقبة)). ولأحمد: ((من طاف أُسبوعًا، يُحصيه، وصلّى
ركعتين، كان كعدل رقبة)). والمعنى: أن من طاف، وصلّى ركعتين بعد الطواف
بالشروط المعتبرة، كان له مثل إعتاق رقبة في الثواب.
وزاد في رواية الترمذيّ: ((وسمعته يقول: ((لا يضع قدمًا، ولا يرفع أخرى، إلا حطّ
الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة)). وفي رواية أحمد: وسمعته يقول: ((ما رفع
رجل قدما، ولا وضعها، إلا كُتبت له عشرُ حسنات، وحُطّ عنه عشر سيئات، ورفع له
عشر درجات)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.
[فإن قيل]: في سنده عطاء بن السائب، وهو مختلط، فكيف يصح؟.
[قلت]: عطاء، وإن كان ممن اختلط، إلا أن الراوي عنه هنا حماد بن زيد، وهو
ممن روى عنه قبل الاختلاط، كما تقدّم بيان ذلك غير مرّة. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٩٢٠/١٣٤- وفي «الكبرى» ٣٩٥١/١٦١. وأخرجه (ت) في
(١) - ((راجع ((المرعاة)) ٩/ ١١٥.
(٢) - ((النهاية)) ١٩١/٣.

=
١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(الحج)» ٩٥٩ (ق) ٢٩٥٦. (أحمد) في ((مسند المكثرين)» ٤٢٣٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان فضل الطواف بالبيت.
(ومنها): بيان فضل مسح الركنين. (ومنها): أن المشروع استلامه هو الركن الأسود،
والركن اليماني، فقط، فلا يشرع استلام الركن الشاميّ، والركن العراقيّ. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣٥- (الْكَلَامُ فِ الطَّوَافِ)
٢٩٢١- أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَخْوَلُ، أَنَّ طَاوُسَا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَُّ، مُرَّ، وَهُوَ
يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ، يَقُودُهُ إِنْسَانٌ، بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ، فَقَطَّعَّهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ
يَقُودَهُ بِيَدِهِ) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (يوسف بن سعيد) بن مسلم المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١]١٣١/ ١٩٨.
٢- (حجاج) بن محمد الأعور، أبو محمد المصّيصيّ، ثقة ثبت، اختلط بآخره
[٩]٣٢/٢٨ .
٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة
فقيه فاضل [٦]٣٢/٢٨.
٤- (سليمان) بن أبي مسلم الأحول المكيّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه
عبد الله، ثقة [٥]١٦١٩/٩.
٥- (طاوس) بن كيسان الحميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه
فاضل [٣]٣١/٢٧.
٦- (ابن عبّاس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

١٩٣ =
١٣٥- (الكَلَامُ فِي الطَّوَافِ) - حديث رقم ٢٩٢١
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ،
وفيه ابن عباس حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
والمشهورين بالفتيا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّي ◌َّةِ، مَرَّ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ)
جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه يطوف بالكعبة (بِإِنْسَانٍ) متعلّق
بـ«يطوف)) (يَقُودُهُ إِنْسَانٌ) وفي رواية لأحمد، والفاكهيّ من طريق عمرو بن شُعيب، عن
أبيه، عن جدّه: أن النبيّ وَل وأدرك رجلين، وهما مقترنان، فقال: ((ما بال القران؟))،
قالا: إنا نذرنا لنقترننّ حتى نأتي الكعبة، فقال: ((أطلقا أنفسكما، ليس هذا نذرًا، إنما
النذر ما يُبتغى به وجهُ اللَّه)). قال الحافظ: وإسناده إلى عمرو حسن. قال: ولم أقف
على تسمية هذين الرجلين صريحًا، إلا أن في الطبرانيّ من طريق فاطمة بنت مسلم،
حدّثني خليفة بن بشر، عن أبيه، أنه أسلم، فردّ عليه النبيّ وَّ ماله، وولده، ثم لقيه هو
وابنه طلق بن بشر، مقترنين بحبل، فقال: ((ما هذا؟))، فقال: حلفت لئن ردّ اللَّه عليّ
مالي، وولدي لأحجّنّ بيت اللَّه مقرونًا، فأخذ النبيّ وَّ الحبل، فقطعه، وقال لهما:
((حُجاً، إن هذا من عمل الشيطان)). فيمكن أن يكون بشر، وابنه طلق صاحبي القصّة.
وأغرب الكرمانيّ، فقال: قيل: إنّ الرجل المقود هو ثواب، ضدّ العقاب انتهى. ولم أر
ذلك لغيره، ولا أدري من أين أخذه انتهى كلام الحافظ(١) (بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ) بكسر الخاء
المعجمة، بعدها زايّ معجمة: هو حلقة من شعر، أو وَبَرِ تجعل في الحاجز الذي بين
منخري البعير، يُشدّ بها الزمام؛ ليسهل انقياده، إذا كان صعبًا (٢). وكانت بنو إسرائيل
تخرم أنوفها، وتخرق تراقيها، ونحو ذلك من أنواع التعذيب، فوضعه الله تعالى عن هذه
الأمة. ذكره السيوطيّ(٣).
وفي الرواية الآتية في ((النذور)): ((أن النبيّ وَلَّ مرّ به، وهو يطوف بالكعبة، وإنسان
قد ربط يده بإنسان آخر بسَيْرٍ، أو خيط، أو بشيء غير ذلك ... )). و((السير)) بمهملة
مفتوحة، وياء ساكنة، هو ما يُقَدّ من الجلد، وهو الشِّراك (٤).
(١) - ((فتح)) ٢٨٦/٤.
(٢) - ((فتح)١٣/ ٤٥٠ ((كتاب الأيمان والنذور)).
(٣) - أفاده في ((زهر الربى »٢٢٢/٥.
(٤) - («فتح» ٤ / ٢٧٦ .

١٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وفي رواية من طريق خالد بن الحارث، عن ابن جريج: ((مرّ رسول اللّه ◌ُ له برجل
يقود رجلاً في قَرَن)). و((القَرَنُ)) بفتحتين: هو الحبل (فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ نَّهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ
يَقُودَهُ بِيَدِهِ) إنما منعه عن ذلك، وأمره أن يقوده باليد؛ لأنه إنما يُفعل بالبهائم، وهو
مُثْلة، والترجمة تؤخذ من الأمر؛ لكونه كلامًا.
وقال النوويّ: وقطعه بَلهَ السَّير محمول على أنه لم يمكن إزالة هذا المنكر إلا
بقطعه، أو أنه دلّ على صاحبه، فتصرّف فيه. وقال غيره: كان أهل الجاهلية يتقرّبون
إلى الله تعالى بمثل هذا الفعل. قال الحافظ: وهو بيّنٌ من سياق حديثي عمرو بن
شُعيب، وخليفة بن بِشْرٍ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٣٦ وفي ((الأيمان والنذور)) ٣٨١١/٣٠ و٣٨١٢- وفي ((الكبرى)) في
((الأيمان والنذور))٤٧٥٢/٧ و٤٧٥٣ (خ) في ((الحج)) ١٦٢٠ و٢٦٢١ و((الأيمان
والنذور))٦٧٠٢ و٦٧٠٣ (د) في ((الأيمان والنذور))٣٣٠٢ (أحمد) في ((مسند بني
هاشم)) ٣٤٣٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو إباحة الكلام في الطواف،
ووجه الاستدلال بالحديث أن قوله: ((ثم أمره إلخ)) يدل على أنه وَللو تكلم بذلك؛ لأن
حقيقة الأمر إنما يكون بالكلام، فيدل على أنه يباح، للطائف أن يتكلم في الأمور
الواجبة، والمستحبّة، والمباحة، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: أولى ما شَغَلَ المرءُ
نفسه في الطواف ذكرُ اللَّه تعالى، وقراءة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح، إلا أن الذكر
أسلم. وحكى ابن التين خلافًا في كراهة الكلام المباح. وعن مالك تقييد الكراهة
بالطواف الواجب. قال ابن المنذر: واختلفوا في القراءة، فكان ابن المبارك يقول: ليس
شيء أفضل من قراءة القرآن، وفعله مجاهد. واستحبّه الشافعيّ، وأبو ثور، وقيّده
الكوفيّون بالسرّ. وروي عن عروة، والحسن كراهته. وعن عطاء، ومالك أنه مُحدث.
وعن مالك لا بأس به إذا أخفاه، ولم يكثر منه. قال ابن المنذر: من أباح القراءة في
البوادي، والطرق، ومنعه في الطواف لا حجة له.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه اللّه تعالى هو الحق.

١٣٦ - (إِبَاحَةُ الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ) - حديث رقم ٢٩٢٣
١٩٥=
والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنه يجوز للطائف فعل ما خفّ من الأفعال، وتغيير ما يراه الطائف من
المنكر. (ومنها): أن من نذر ما لا طاعة للَّه تعالى فيه لا يلزمه. قاله الداوديّ. وتعقّبه
ابن التين بأنه ليس في الحديث شيء من ذلك، وإنما ظاهر الحديث أنه كان ضرير
البصر، ولهذا قال له: قده بيده انتهى.
لكن لا يلزم - كما قال الحافظ - من أمره بأن يقوده أنه كان ضريرًا، بل يحتمل أن يكون
بمعنى آخر غير ذلك، وأما ما أنكره من النذر، فمتعقّبٌ بالرواية الآتية بعد هذا للمصنف من
طريق خالد بن الحارث، عن ابن جريج أنه قال: إنه نذر. ولهذا أخرجه المصنّف كالبخاريّ
في أبواب النذر، وترجم له المصنف بقوله: ((النذر فيما لا يراد به وجه الله)). والله تعالى
أعلم بالصوابِ، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٢٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَیْج،
قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الْأَخْوَلُ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَله
بِرَجُلٍ، يَقُودُهُ رَجُلٌ بِشَيْءٍ، ذَكَرَهُ فِي نَذْرٍ، فَتَنَاوَلَّهُ الثَّبِيُّ ◌َّهِ، فَقَطَعَهُ، قَالَ: إِنّهُ نَذْرٌ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن عبد الأعلى)): هو الصنعانيّ البصريّ.
و((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ، والباقون سبقوا فيما قبله.
وقوله: ((ذكره في نذر)) أي ذكر ذلك الشيء لأجل نذر نذره. وقوله: ((قال: إنه
نذر)): أي قال ذلك الرجل معتذرًا: إن سبب هذا الفعل هو أنه نذرٌ، يفعله وفاء به.
والحديث أخرجه البخاريّ دون قوله: ((إنه نذر)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٣٦ - (إِبَاحَةُ الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذه الترجمة في المعنى هي الترجمة الماضية، فلا
أدري لما ذا أعادها؟، ولم يذكر في ((الكبرى)) الترجمة السابقة، بل اكتفى بهذه، وهو
الأولى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٩٢٣- أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ

=
١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وَهَبٍ، أَخْبَرَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ رَجُلِ أَدْرَكَ النَّبِيَّ
وَِّ، قَالَ: ((الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلََّةٌ، فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَّام)). اللَّفْظُ لِيُوسُفَ، خَالَّفُهُ حَتْظَلَةُ بْنُ
أَبِي سُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (الحارث بن مسكين) القاضي، أبو عمرو المصريّ، ثقة فقيه [١٠]٩/٩.
[تنبيه]: قوله: ((والحارث الخ)) بالرفع عطفًا على قوله: ((يوسف بن سعيد. والله
تعالى أعلم.
٢- (ابن وهب) هو عبد الله المصريّ الفظ، ثقة فقيه عابد[٩]٩/٩.
٣- (الحسن بن مسلم) بن يَنّاق المكيّ، ثقة [٥]٢٥٤/٦١، والباقون تقدّموا في
الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان رحمه اللَّه تعالى (عَنْ رَجُلِ أَدْرَكَ النَّبِيِّ نَّ) قال الحافظ
رحمه الله تعالى في ((التلخيص الحبير)): ما حاصله: الظاهر أن الرجل هو ابن عباس
رضي اللّه تعالى عنهما، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا يضرّ إبهام الصحابيّ انتهى (١).
أنه قال (قَالَ) أي النبيّ نَّهِ (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ) أي مثل الصلاة في الأحكام، أو مثلها
في الثواب، أو في التعليق بالبيت (فَأَقِلُّوا مِنَ الْكَلَام) أي فلا تكثروا فيه الكلام، وإن كان
جائزًا؛ لأن مماثلته بالصلاة يقتضي أن لا يُتَكَلَّم فيه أصلاً، كما لا يُتكلّم فيها، فحيث
أباح اللّه تعالى الكلام فيه رحمة بعباده، فلا أقلّ من أن لا يكثروا فيه ذلك.
وقوله (اللَّفْظُ لِيُوسُفَ) يعني أن لفظ هذا الحديث لشيخه يوسف بن سعيد
المصّيصيّ، وأما شيخه الحارث بن مسكين، فرواه بالمعنى.
وقوله (خَالَفَهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) الضمير المنصوب للحسن بن مسلم، وليس
لیوسف بن سعید .
والمراد أنه اختلف حنظلة بن أبي سفيان، والحسن بن مسلم في رفع هذا الحديث،
ووقفه، فرواه الحسن، عن طاوس، مرفوعًا، ورواه حنظة بن أبي سفيان عنه موقوفًا
على ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) - ((التلخيص الحبير))٢٢٧/١ النسخة الجديدة المحققة.
(٢) رواية حنظلة هي الآتية بعد هذا.

١٩٧
١٣٦ - (إِيَاحَةُ الكَلام فِي الطَّوافِ) - حديث رقم ٢٩٢٣
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسائل الأولى): في درجته:
حديث رجل أدرك النبيّ وَلغير صحيح.، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى،
أخرجه هنا-٢٩٢٣/١٣٦ - وفي ((الكبرى)) ٣٩٤٥/١٥٨. وأخرجه (أحمد) في ((مسند
المكيين)» ١٤٩٩٧ وفي «مسند المدنيين» ١٦١٧٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): حديث الباب أخرجه الترمذيّ في «جامعه)) من حديث ابن عبّاس
رضي اللّه تعالى عنهما بلفظ: ((الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلّمون فيه،
فمن تكلّم فیه، فلا يتكلّم إلا بخير)).
قال في ((التلخيص الحبير)): حديث: ((روي عن النبيّ وَ ل قال: ((الطواف بالبيت
صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام)). رواه الترمذيّ، والحاكم، والدارقطنيّ من حديث
ابن عباس، وصححه ابن السكن، وابن خزيمة، وابن حبان، وقال الترمذيّ: روي
مرفوعًا وموقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء، ومداره على عطاء بن
السائب، عن طاوس، عن ابن عباس. واختلف في رفعه، ووقفه. ورجّح الموقوف
النسائيّ، والبيهقيّ، وابن الصلاح، والمنذريّ، والنوويّ، وزاد: إن رواية الرفع
ضعيفة .
وفي إطلاق ذلك نظر، فإن عطاء بن السائب صدوق، وإذا رُوي عنه الحديث مرفوعًا
تارة، وموقوفًا أخرى، فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع، والنوويّ ممن يعتمد ذلك،
ويكثر منه، ولا يلتفت إلى تعليل الحديث به، إذا كان الرافع ثقة، فيجيء على طريقته
أن المرفوع صحيح.
فإن اعتُلّ عليه بأن عطاء بن السائب اختلط، ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه قبل
اختلاطه .
أجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوريّ عنه، والثوريّ ممن سمع قبل
اختلاطه باتفاق، وإن كان الثوريّ قد اختُلف عليه في وقفه ورفعه، فعلى طريقتهم تُقدّم
رواية الرفع أيضًا. والحقّ أنه من رواية سفيان موقوف، ووهم عليه من رفعه. قال
البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن النبيّ وَ لّ إلا ابن عباس، ولا نعلم أسند عطاء بن
السائب، عن طاوس غير هذا، ورواه غير واحد عن عطاء موقوفًا. وأسنده جرير،
وفُضیل بن عیاض.
قال الحافظ: وقد غلط فيه أبو حذيفة، فرواه مرفوعًا عن الثوريّ، عن عطاء، عن
طاوس، عن ابن عمر. أخرجه الطبراني في «الأوسط)) عن محمد بن أبان، عن أحمد

١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ابن ثابت الجحدريّ، عنه.
قال: ثم ظهر لي أن الغلط من الجحدريّ، وإلا فقد أخرجه ابن السكن من طريق أبي
حذيفة، فقال: عن ابن عباس. وله طريق أخرى، ليس فيها عطاء، وهي عند النسائيّ،
من حديث أبي عوانة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، موقوفًا.
ورفعه عن إبراهيم محمدُ بن عبد الله بن عبيد بن عمير، وهو ضعيف، رواه الطبرانيّ،
ورواه البيهقيّ، من طريق موسى بن أعين، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس، عن ابن
عباس، مرفوعًا، ولیث یُستشهد به.
قال الحافظ: لكن اختلف على موسى بن أعين فيه، فروى الدارميّ، عن عليّ بن
معبد ، عنه، عن عطاء بن السائب، فرجع إلى رواية عطاء. وروه البيهقيّ من طريق
الباغنديّ، عن عبد الله بن عمر بن أبان، عن ابن عيينة، عن إبراهيم، مرفوعًا. وأنكره
البيهقيّ على الباغنديّ. وله طريق أخرى مرفوعة، أخرجها الحاكم في أوائل تفسير
سورة البقرة من ((المستدرك)) من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبير، عن
ابن عباس، قال: قال اللّه لنبيّه وَ له: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلِّفِينَ وَالْقَآِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُورِ﴾
[الحج: ٢٦]، فالطواف قبل الصلاة، وقد قال رسول اللَّه ◌َله: ((الطواف بمنزلة
الصلاة، إلا أن الله قد أحلّ فيه النطق، فمن نطق، فلا ينطق إلا بخير)). وصحّح
إسناده، وهو كما قال، فإنهم ثقات. وأخرج من طريق حماد بن سلمة، عن عطاء بن
السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أوّله الموقوف، ومن طريق فضيل بن
عياض، عن عطاء، عن طاوس، آخره المرفوع.
وروى النسائيّ، وأحمد، من طريق ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس،
عن رجل أدرك النبيّ وَّه، أن النبيّ وَّر قال: ((الطواف صلاة، فإذا طفتم فأقلّوا
الكلام». وهذه الرواية صحيحة، وهي تعضد رواية عطاء بن السائب، وترجّح الرواية
المرفوعة. والظاهر أن المبهم فيها هو ابن عباس، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا يضرّ
إبهام الصحابة. ورواه النسائيّ أيضًا من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن
ابن عمر موقوفًا.
وإذا تأمّلت هذه الطرق عرفت أنه اختلف على طاوس على خمسة أوجه، فأوضح
الطرق، وأسلمها رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، فإنها
سالمة من الاضطراب، إلا أني أظنّ أن فيها إدراجًا. والله أعلم. انتهى عبارة ((التلخيص
الحبير))(١) .
(١) - ((راجع التلخيص الحبير)) ٢٢٥/١ - ٢٢٧.

=
١٩٩
١٣٦ - (إباحةُ الكَلام فِي الطّوافِ) - حديث رقم ٢٩٢٣
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تحصّل مما تقدّم أن حديث ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما صحيح مرفوعًا، ويشهد له ما أخرجه المصنّف هنا عن رجل أدرك النبيّ
وَلّر، فإنه شاهد صحيح لا كلام فيه، وأيضًا إن وقفه لا يضرّه؛ لأن الراوي قد يوقف
الحديث تارةً، ويرفعه أخرى حسب المناسبات، كما هو معروف، فالحديث صحيح
على الوجهين مرفوعًا وموقوفًا(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان إباحة الكلام. (ومنها):
بيان فضل الطواف، حيث إنه مثل الصلاة (ومنها): أنه يستحب فيه ذكر الله تعالى، فإن
الصلاة كلها ذكر، ودعاء، وتضرّع، فينبغي أن يكون الطواف في ذلك مثلها. (ومنها):
أنه وإن كان الكلام مباحًا في الطواف غير أنه ينبغي تقليله ممهما أمكن. (ومنها): أن
الشيخ ابن عبد السلام رحمه الله تعالى استنبط من هذا الحديث أن الطواف أفضل أعمال
الحجّ؛ لأن الصلاة أفضل من الحجّ، فيكون ما اشتملت عليه أفضل. قال: وأما
حديث: ((الحجّ عرفة))، فلا يتعيّن التقدير معظم الحج عرفة، بل يجوز: إدراك الحج
بالوقوف بعرفة. انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر، ولو سُلّم فما لا يتقوّم الحج إلا به أفضل مما ينجبر،
والوقوف، والطواف سواء في ذلك، فلا تفضيل انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): استَدَلّ بحديث الباب من قال بوجوب الطّهارة للطواف، وهو
مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن
المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية، والثوريّ، وإسحاق، وأبي ثور.
وحكاه الخطابيّ عن عامة أهل العلم.
وذهبت الحنفية إلى أن الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف، وعليه نجاسة، أو
محدثًا، أو جنبًا صحّ طوافه. واختلفوا في كون الطهارة واجبة، مع اتفاقهم على أنها
ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن طاف جنبًا لزمه
بدنة، قالوا: ويعيده ما دام بمكة.
وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم،
وحمادًا، ومنصورًا، وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة؟، فلم يروا به
(١) - راجع إرواء الغليل)) ١/ ١٥٤ - ١٥٧.
(٢) - ((فتح)٩ ٤/ ٢٨٥.

٢٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
بأسًا. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف،
فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها .
وقال داود: الطهارة للطواف واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه إلا الحائض. وقال ابن
حزم: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز، وللنفساء، ولا يحرم إلا على الحائض
فقط؛ للنهي فيه. انتهى مختصرًا من ((شرح التقريب)) لولي الدين العراقيّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي ما قاله الأولون من اشتراط الطهارة
للطواف؛ لظاهر حديث الباب، حيث إنه وَل# استثى من أحكام الصلاة تحريم الكلام
فقط، فدلّ على أن ما عداه من شروط الصلاة، كالطهارة شرط في الطواف. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى خلاف حنظلة بن أبي سفيان للحسن بن مسلم
بقوله :
٢٩٢٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ،
عَنْ طَاؤُسٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ((أَقِلُّوا الْكَلَمَ فِي الطَّوَافِ، فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِي
الصَّلَاةِ))) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن سليمان))(١): هو أبو جعفر العلّاف
الكوفيّ، ثم المصّيصيّ، لقبه لُوَين، ثقة [١٠]١٧١/ ١١٤٠.
و(الشيبانيّ)): هو أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان فَيْروز الكوفي، ثقة [٥]١٧٢/
٢٦٧ .
[تنبيه]: أشار في هامش الهنديّة إلى أنه وقع في بعض النسخ: ((أخبرنا السِّينانيّ))
بالسين المهملة بدل الشين المعجمة، وبالنون بدل الباء الموحّدة، وهو تصحيف،
فتنبّه. والله تعالى أعلم.
و((حنظلة بن أبي سفيان)): هو الأسود بن عبد الرحمن الجمحيّ المكيّ، ثقة
حجة [٦]١٢/ ١٢ .
والحديث صحيح موقوف، انفرد به المصنّف، أخرجه هنا ٢٩٢٤/١٣٦ - فقط،
وقد سبق أنه لا يعارض المرفوع، فما سبق حديثُ النبيّ وََّ، وهذا فتوى ابن عمر
(١) - [تنبيه]: وقع في موسوعة الحديث الشريف للكتب التسعة مؤسّسة صخر هنا غلط، فقد ترجم
لمحمد بن سليمان أبي علي بن الأصبهاني، وهو خطأ فاحش؛ لأنه ليس من شيوخ المصنف،
بل من شيوخ شيوخه، من الطبقة الثامنة، مات سنة (١٨١) أي قبل ولادة النسائي بنحو أربع
وثلاثين سنة، والصواب ما هنا. فليُتنبه.