Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
١٢١ - (اسْتِقْبَالُ الْحَجْ) - حديث رقم ٢٨٩٤
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٢١ - (اسْتِقْبَالُ الْحَجْ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الكلام على حذف مضاف، أي استقبال ذي الحجّ،
وفي نسخة: ((الحاج))، وهو الذي في ((الكبرى))، وهو واضح.
وحديثا الباب يدلان على استحباب استقبال القادم للحجّ، ولكنه لا فرق بين القدوم
للحجّ، والقدوم منه؛ لاتفاقهما من حيث المعنى، ولذا أطلقه المصنف رحمه الله
تعالى، ليشمل الاستقبالين. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٩٤- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجُويَة، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ:
حَذَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَّسٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َِِّ مَكَّةَ، فِي عُمْرَةِ
الْقَضَاءِ، وَابْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ
الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
ضَرَبّا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، فِي حَرَمِ اللَّهِ، وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّه تَقُولُ هَذَا
الشِّغْرَ؟، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((خَلٌّ عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَكَلَامُهُ أَشَدُ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ
النَّْلِ») .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه محمد
ابن عبد الملك بن زيجويه البغداديّ، أبي بكر الغزال، فإنه من رجال الأربعة، وهو ثقة.
والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم قبل أحد عشر بابًا برقم -٢٨٧٤/١٠٩ - وقد استوفيتُ
شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، واستدلّ به المصنّف هنا على استحباب
استقبال الحاج عند قدومه، ومحلّ الاستدلال به كون عبد الله بن رواحة رضي الله
تعالى عنه مشى بين يدي رسول اللّه وَ لهيقول الشعر، والنبيّ وَله استحسن ذلك منه،
فدل على أن استقبال الحاج عند قدومه بإظهار الفرح والسرور، والكلام المناسب للحال
مستحبّ، إذ لا فرق بين أن يكون المستقبل من نفس الحجاج، أو من أهل البلد؛ إذ
المقصود تعظيم الحاج، وإظهار الفرح والاستبشار به. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٢٨٩٥- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ - وَهُوَ ابْنُ زُرَنِع - عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ، لَّمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، اسْتَقْبَلْهُ أَغَيْلِمَةُ بَنِي هَاشِم، قَالَ:
فَحَمَّلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (يزيد بن زُربع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبت [٨]٥/٥.
٣- (خالد) بن مِهْرَان الحذّاء، أبو المنازل البصريّ، ثقة يرسل، قيل: تغيّر حفظه لَمَا
قدم من الشام [٥]٧ / ٦٣٤.
٤- (عكرمة) مولى ابن عبّاس، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه[٣]٣٢٥/٢.
٥- (ابن عباس) عبد الله البحر رضي اللّه تعالى عنهما ٣١/٢٧ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه فبَغْلَانيّ. (ومنها): أن فيه
رواية تابعي عن تابعيّ: خالد، عن عكرمة، وفيه ابن عبّاس رََّ من العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ، لَمَّا قَدِمَ مَكْةَ) يعني عام الفتح
(اسْتَقْبَلَّهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي هَاشِم) تصغير غلمة، وهو جمع غلام على غير قياس، والقياس
غُلَيمة. وقال ابن التين: كأنهم صغّروا أغلمة على القياس، وإن كانوا لم ينطقوا بأغلمة،
قال: ونظيره أُصيبية انتهى. وإضافتهم إلى هاشم لأنهم من ذرّيته. وفي رواية البخاريّ:
((أغيلمة بني عبد المطلب (قَالَ) ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما (فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ
يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ) قد جاء تفسير هما فيما أخرجه البخاريّ في ((كتاب اللباس)) من طريق
أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((أَتَى رسول اللَّه وَّر وقد حمل قُثَمَ بین یدیه،
والفضل خلفه، أو قُثَم خلفه، والفضل بين يديه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.

١٢١ - (اسْتِقْبَالُ الْحَجْ) - حديث رقم ٢٨٩٥
١٤٣
(المسألة الثانية): في بیان مواضع ذكره له، وفیمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٢١/ ٢٨٩٥- وفي («الكبرى»٣٨٧٧/١٢١. وأخرجه (خ) في ((الحج))
١٧٩٨ و((اللباس)»٥٩٦٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب استقبال الحاج عند
قدومه للحجّ، أو من الحجّ، والظاهر أن المصنف قاس الحج على ما وقع في الفتحِ؛
لأن قصة الاستقبال المذكورة في الحديث وقعت في عام الفتح كما سبق بيانه. والله
تعالى. (ومنها): جواز الارتداف على الدابة، وإن كانوا ثلاثة، وأما ما ورد من النهي عن
ذلك، فلا يصحّ، وعلى تقدير صحته فيحمل على ما إذا لم تطق الدابة ذلك.
أخرج الطبرانيّ في ((الأوسط)) عن جابر رضي اللَّه تعالى عنه: ((نهى رسول اللَّهِ وَ لّل أن
يركب ثلاثة على دابّة)). وسنده ضعيف. وأخرج الطبرانيّ عن أبي سعيد، رفعه: ((لا
يركب الدابة فوق اثنين)). وفي سنده لين. وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل زاذان أنه رأى
ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدكم، فإن رسول اللَّه وَ ل له لعن الثالث. ومن طريق أبي
بردة، عن أبيه نحوه، ولم يصرّح برفعه. ومن طريق الشعبيّ قوله مثله. ومن حديث
المهاجر بن قنفذ أنه لعن فاعل ذلك، وقال: ((إنا قد نُهينا أن يركب الثلاثة على الدابة)).
وسنده ضعيف. وأخرج الطبريّ عن عليّ رَبّه، قال: ((إذا رأيتم ثلاثة على دابة،
فارجموهم حتى ينزل أحدهم)).
وعكسه ما أخرجه الطبري أيضًا بسند جيّد، عن ابن مسعود ◌َّه قال: ((كان يوم
بدر ثلاثة على بعير)). وأخرج الطبرانيّ، وابن أبي شيبة أيضًا من طريق الشعبيّ، عن ابن
عمر، قال: ((ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابّة، إذا أطاقت حمل ذلك)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وبهذا يجمع بين مختلف الحديث في ذلك، فيحمل ما
ورد في الزجر عن ذلك على ما إذا كانت الدابّة غير مطيقة، كالحمار مثلاً، وعكسه على
عكسه، كالناقة، والبغلة.
قال النوويّ: رحمه الله تعالى: مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة جواز ركوب ثلاثة
على الدابة إذا كانت مطيقة. وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى منعه عن بعضهم
مطلقًا، وهو فاسد انتهى.
قال الحافظ: لم يصرّح أحد بالجواز مع العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول
من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيّد انتهى(١).
(١) - ((فتح)) ٥٩٨/١١.

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجُ
(ومنها): ما كان عليه النبيّ وَلجر من حسن المعاشرة، ومكام الأخلاق، حيث إنه
يردف الغلمان معه شفقة، ورأفة، وتلطّفًا بهم، فكان وَلِّ كما وصفه الله تعالى بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٢٢ - (تَرْكُ رَفْع الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةٍ
الْبَيْتِ)
٢٨٩٦- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا قَزَعَةَ الْبَاهِلِيَّ، يُحَدِّثُ عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكْيِّ، قَالَ : سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ
الرَّجُلِ، يَرَى الْبَيْتَ، أَيَرْفَعُ يَدَيْهِ؟، قَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا، إِلَّا الْيَهُودَ،
حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن بشّار) العبديّ، أبو بكر بندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٢٧/٢٤.
٢- (محمد) بن جعفر غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة صحيح الكتاب [٩]٢٢/٢١.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت البصريّ [٧]٢٧/٢٤.
٤- (أبو قَزَعة الباهلي) سُويد بن حُجير -بتقديم المهملة، مصغّرًا- البصريّ،
ثقة [٤].
قال أبو طالب، عن أحمد: من الثقات. وقال ابن المدينيّ، وأبو داود، والنسائيّ:
ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة. وقال البزّار: ليس به
بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الآجريّ: قُرىء على أبي داود، عن أحمد
ابن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: حدّثنا أبو قَزَعَة، سمع عمران بن حصين.
قلت لأبي داود: من أبو قَزَعة؟ قال: سُويد، قلت: سمع من عمران بن حصين؟ قال:
لا. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديثان فقط،

١٤٥ =
١٢٢- (تَرْكُ رَفْع الْدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَيْتِ) - حديث رقم ٢٨٩٦
برقم ٢٨٩٦ و٣٥٩٢ .
٥- (المهاجر) بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ المكيّ،
مقبول [٤].
روى عن جابر، وابن عمه عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، والزهريّ، وهو من أقرانه. وعنه أبو قزعة، سويد بن حجير الباهليّ، ويحيى بن
أبي كثير، وجابر بن يزيد الجعفيّ. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال أبو حاتم في
((العلل)): لا أعلم أحدًا روى عن المهاجر بن عكرمة غير يحيى بن أبي كثير، والمهاجر
ليس بالمشهور. وقال الخطابيّ: ضعّف الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق
حدیث مهاجر في رفع الیدین عند رؤية البيت؛ لأن مهاجرًا عندهم مجهول. روی له أبو
داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم حديث الباب فقط.
٦- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى
عنهما٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيّ) أنه (قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريّ رضي اللَّه تعالى
عنهما (عَنِ الرَّجُلِ، يَرَى الْبَيْتَ) أي الكعبة المشرّفة؛ لأنه صار علمًا بالغلبة لها، كما
قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمَا بِالْغَلَبَةِ مُضَافٌ اوْ مَضْحُوبُ ((الْ)) كَالْعَقَبَةْ
(أَيَرْفَعُ يَدَيْهِ؟، قَالَ) جابر رضي اللَّه تعالى عنه (مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَحَدَا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّ
الْيَهُودَ) أي لا يفعل رفع اليدين في غير محله، إلا اليهود. أو الرفع عند رؤية البيت،
وذلك لأن اليهود أعداء البيت، فإذا رأوه رفعوا أيديهم لهدمه، وتحقيره، وليس المراد أن
اليهود يزورونه، ويرفعون الأيدي عنده بذلك. قاله السنديّ(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني مما ذكره السنديّ غير واضح،
والظاهر أنه أراد أن اليهود هم الذين يرفعون أيديهم عند رؤية محل عباداتهم، فيكون رفع
اليد عند رؤية الكعبة تشبّها بهم. والله تعالى أعلم.
(حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ) يعني أنه لو كان مشروعًا لبينه وَّ فِي
حجته لأصحابه، كما بين لهم سائر أعمال الحج فيها.
والحديث يدلّ على عدم مشروعية رفع اليد في الدعاء عند رؤية البيت، وقد ورد ما
(١) - ((فتح٩ ٥/ ٢١٢ - ٢١٣.

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
يدلّ على استحباب ذلك، فروى الشافعيّ في ((مسنده)) عن ابن جريج، أن النبيّ وَلّ كان
إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: ((اللَّهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا،
ومهابةً، وزد من شَرَّفَهُ، وكرّمه ممن حجه، واعتمره تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا،
وبِرًّا)). وهذا مرسل معضل فيما بين ابن جريج، والنبيّ نَّرَ، وفي إسناده سعيد بن سالم
القدّاح، وفيه مقال. وروى البيهقيّ عن مكحول، قال: كان النبيّ وَّ إذا دخل مكة،
فرأى البيت، رفع يديه وكبّر، وقال: ((اللَّهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا ربنا
بالسلام، اللَّهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا الخ)). وهذا أيضًا مرسل. وروى البيهقيّ
أيضًا من طريق الشافعيّ، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: حُدِّثْتُ عن مِقْسَم،
مولى عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن النبيّ وَّر أنه قال: ((ترفع الأيدي في
الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة ... )) الحديث. قال البيهقيّ: هو
منقطع، لم يسمعه ابن جريج عن مقسم. ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن نافع، عن ابن عمر، مرّة موقوفًا، ومرّة
مرفوعًا إلى النبيّ وَّر. وابن أبي ليلى هذا غير قويّ في الحديث.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فظهر بهذا أن الأحاديث في رفع اليدين عند رؤية
البيت لا تصحّ إثباتًا، ولا نفيًا فالأولى عدم الرفع، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما هذا ضعيف؛ لجالة المهاجر المكيّ،
كما تقدّم. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨٩٦/١٢٢ - وفي («الكبرى»٣٨٧٨/١٢٢. وأخرجه (د) في
((المناسك)) ١٨٧٠ (ت) في ((الحج))٨٥٥ (الدارميّ) في ((المناسك)) ١٩٢٠. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم رفع اليدين عند رؤية البيت الحرام:
ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأبو يوسف، ومحمد إلى عدم الرفع. وذهب الثوريّ،
وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق إلى أنه يرفع يديه. قال ابن المنذر: وبه أقول. قال
النوويّ: وهو مذهبنا. وقال الشافعيّ بعد أن أورد حديث ابن جريج: ليس في رفع
اليدين عند رؤية البيت شيء، فلا أكرهه، ولا أستحبّه. قال البيهقيّ: وكأنه لم يعتمد

١٢٢- (تَرْكُ رَفْع الْيَدَیْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ البَيْتِ) - حديث رقم ٢٨٩٦
١٤٧=
على الحدیث؛ لانقطاعه. وقال ابن قدامة: ويستحبّ رفع الیدین عند رؤية البيت، روي
ذلك عن ابن عمر، وابن عباس. وبه قال الثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وإسحاق
ابن راهويه. وكان مالك لا يرى رفع اليدين؛ لما روي عن المهاجر المكيّ، قال: سئل
جابر بن عبد الله ... فذكر حديث الباب، ثم قال: ولنا ما روى أبو بكر بن المنذر، عن
النبيّ وَليل أنه قال: ((لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال
البيت، وعلى الصفا والمروة، وعلى الموقفين، والجمرتين)). قال ابن قدامة: وهذا من
قول النبيّ وَّل، وذاك من قول جابر، وخبره عن ظنّه، وفعله، وقد خالفه ابن عمر،
وابن عباس؛ ولأن الدعاء مستحبّ عند رؤية البيت، وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء.
انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: هذا من قول النبيّ وَّر، وذاك من فعل جابر
الخ هذا لو ثبت قول النبيّ وَلّر، والواقع خلافه، فالحديث المذكور لا يصحّ، فتنبّه.
وقال النوويّ في ((شرح المهذّب)): قال أصحابنا: رواية المثبت للرفع أولى؛ لأن
معه زيادة علم. وقال البيهقيّ: رواية غير جابر في إثبات الرفع مع إرسالها أشهر عند
أهل العلم من حديث مهاجر، وله شواهد، وإن كانت مرسلة، والقول في مثل هذا قول
من رأى وأثبت(٢).
وقال الخطابيّ في ((المعالم)): قد اختلف الناس في هذا، فكان ممن يرفع يديه إذا
رأى البيت سفيان الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه،
وضعف هؤلاء حديث جابر؛ لأن مهاجرًا راویه عندهم مجهول، وذهبوا إلى حديث ابن
عباس، عن النبيّ رَ ل قال: ((ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال
البيت، وعلى الصفا والمروة، والموقفين،، والجمرتين)). وروي عن ابن عمر أنه كان
يرفع اليدين عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثل ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في سنده
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيء الحفظ، وهو فيه مضطرب، فلا يصح.
وقال الشوكانيّ: والحاصل أنه ليس في الباب ما يدلّ على مشروعية رفع اليدين عند
رؤية البيت، وهو حكم شرعيّ، لا يثبت إلا بدليل. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا.
(١) - راجع («المغني )٢١٠/٥- ٢١١.
(٢) - ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٧٢/٥ - ٧٣.
(٣) - ((نيل الأوطار)٤٠/٥.

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
والحاصل أن رفع اليدين عند رؤية البيت مما ليس له دليلٌ يصحّ، فلا ينبغي فعله.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)».
١٢٣- (الدُّعَاءُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أنه أراد إثبات الدعاء عند رؤية البيت؛ لحديث
الباب، لكن الحديث ضعيف على ما سيأتي قريبًا، فلا يصلح للاستدلال به، فتنبه.
والحاصل أن الدعاء عند رؤية البيت ليس له دليل صحيح. والله تعالى أعلم
بالصواب .
٢٨٩٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج،
قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ طَّارِقٍ بْنِ عَلْقَمَةَ، أَخْبَرَهُ عُّنْ
أُمِّهِ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ، كَانَ إِذَا جَاءَ مَكَانًا، فِي دَارِ يَعْلَى، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَدَعَا) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((أبو عاصم)): هو الضحاك بن مخلد النبيل الثبت
الحجة. و((عبيدالله بن أبي زيد)): هو مولى آل قارظ بن شيبة المكيّ الثقة [٤]٧٠/
٢٣٧٠ .
و((عبد الرحمن بن طارق بن علقمة)) بن غَنْم بن خالد الكنانيّ المكيّ، مقبول[٣].
روى عن أمه، وقيل: عن أبيه، وقيل: عن عمه في الدعاء إذا استقبل القبلة. وروى
عنه مُبيدالله بن أبي یزید.
ذكره ابن سعد في أهل مكة، وقال: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: يروي عن جماعة من الصحابة. وقال البخاريّ: وقال بعضهم: عن
عمه، ولا يصحّ. انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب فقط. والله
تعالى أعلم.
وقوله: ((إِذَا جَاءَ مَكَانًا، فِي دَارِ يَعْلَى الخ)) أشار في الترجمة إلى أن وجهه أن البيت
كان يُرَى من ذلك المكان، ولذا احتجَ به على استحباب الدعاء عند رؤية البيت. والله
تعالى أعلم.
والحديث ضعيفٌ؛ لجهالة عبد الرحمن بن طارق، وأخرجه المصنّف هنا-١٢٣/

١٢٤ - (فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي المُسْجِدِ الْخرام) - حديث رقم ٢٨٩٧
١٤٩ =
٢٨٩٧- وفي ((الكبرى)) ٣٨٧٩/١٢٣. وأخرجه (د) في ((المناسك)) ٢٠٠٧. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
١٢٤- (فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمُسْجِدِ
الْحَرَامِ)
٢٨٩٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ،
عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا
سِوَاهُ، مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)).
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ، غَيْرَ مُوسَى الْجُهَنِيٌّ، وَخَالَفَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((موسى بن عبدالله -ويقال: ابن
عبد الرحمن - الجهنيّ)): هو أبو سلمة الكوفيّ، ثقة عابد، لم يصحّ أن القطّان طعن
فيه [٦]٢٢٦/١٤٤. وله عند المصنّف حديث الباب، وحديث رقم ٢٢٦ في
((الطهارة)).
والحديث أخرجه المصنّف هنا - ٢٨٩٨/١٢٤- وفي ((الكبرى)) ١٢٤٣٨٨٠ .
وأخرجه مسلم في ((الحج))١٣٩٥ (ق) في ((إقامة الصلاة)) ١٤٠٥ (أحمد) في ((مسند
المكثرين)» ٤٦٣٢ و٤٨٢٣ و٥١٣١ و٥٣٣٥ و٥٧٤٤ . وقد تقدّم شرحه، وما يتعلق به
مستوفّى في ٦٩١/٤-، فراجعه تستفد.
وأما قول المصنّف رحمه الله تعالى: لا أعلم أحدًا الخ، فيه نظر، فقد تابعه أيوب،
عن نافع، فقد أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن ابن أبي عمر، عن عبد الرزاق، عن
معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فيكون الحديث
مرويًّا بالطريقين، فلذا أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من كلا الطريقين.

١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
والحاصل أن الحديث صحيح عن ابن عمر، وعن ميمونة رضي اللّه تعالى عنهم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ثم أورد طريق ابن جريج، فقال:
٢٨٩٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: إِسْحَاقُ أَنْبَأَنَا(١)، وَقَالَ
مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَذْثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَأَلَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا
إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ مَيْمُونَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَتْ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ بَّهَ، يَقُولُ: ((صَلَاةً فِي مَسْجِدِي هَذَا، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا
سِوَاهُ، مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّ الْمَسْجِدَ الْكَعْبَةَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا
غير مرّة.
والحديث أيضًا أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنّف في ٦٩١/٤- وتقدم شرحه
مستوفّى، وكذا البحث في مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: ((إلا المسجد الكبة)) هكذا الرواية هنا بتعريف المسجد، وتقدم فى - ٤/
٦٩١- بلفظ ((إلا مسجد الكعبة)) بالإضافة، وهو واضح، ولما هنا أيضا وجه صحیح،
وهو أن يجعل ((الكعبة)) بدلاً من ((المسجد)) على حذف مضاف، أي مسجد الكعبة.
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أدخل في ((الكبرى)) في سند هذا الحديث ((ابن عباس)) بين إبراهيم بن
عبد الله بن معبد، وبين ميمونة، ثم قال بعده: قال أبو عبد الرحمن: رواه الليث، عن
نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد ، عن ميمونة، ولم يذكر ابن عباس انتهى.
وقد تقدم البحث عن الاختلاف الواقع في هذا السند، وأن الصحيح أن الحديث
صحيح من كلا الطريقين في -٦٩١/٤ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٠٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ الْأَغَرَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟، فَحَدَّثَ الْأَغَزَّ
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ
صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّ الْكَعْبَةَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدموا غير مرّة. و((محمد)): هو ابن جعفر، غندر. و((أبو سلمة)): هو ابن عبد الرحمن
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٢٥ - (بناء الكعبة) - حديث رقم ٢٩٠١
١٥١
ابن عوف، أحد فقهاء المدينة المشهورين بالفتوى. و((الأغرّ)): هو أبو عبد الله، سلمان
الأغرّ المدنيّ، أصبهانيّ الأصل، ثقة، من كبار[٣]٦٩٤/٧.
والحديث متّفق عليه، وقد تقدم للمصنّف في -٧/ ٦٩٤- وتقدم شرحه مستوفّی،
وكذا تمام البحث في مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٢٥ - (بنَاءُ الْكَعْبَةِ)
٢٩٠١- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ
ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، أَخْبَرَ عَبَّدَ اللَّهِ بْنَ غْمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ:
(أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ، حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ، اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلام-))،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَام-؟ قَالَ: ((لَوْلَا حِدْثَانُ
قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ))، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
وَّهِ، مَا أُرَى تَرْكَ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ، اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى
قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامِ) .
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن سلمة) المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١]١٩/
٢٠ .
٢- (الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة
فقيه [١٠]٩/ ٩.
٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ الفقيه، أبو عبد الله المصريّ، ثقة فقيه، من
كبار [١٠]١٩ /٢٠.
٤- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه الثبت [٧]٧/٧ .
٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الحافظ المدنيّ [٤]١/١.

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٦- (سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]٤٩٠/٢٣.
٧- (عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق) التيميّ المدني، أخو القاسم، ثقة [٣].
روى عن عائشة حديث الباب فقط. وروى عنه سالم بن عبد الله بن عمر، ونافع
مولى ابن عمر. قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال مصعب
الزبيريّ: أمه أم ولد، قُتل بالحرّة، وكانت الخرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه. وله عندهم حديث الباب فقط.
٨- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه الحارث، فتفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين
من مالك، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن
بعض: ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن محمد، ورواية الأخيرين من رواية
الأقران. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ
الصِّدِّيقِ، أَخَبْرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ) بنصب ((عبد الله)) على المفعولية. وظاهرهَ أنَ سالماً
كان حاضرًا لذلك، فيكون من روايته، عن عبد الله بن محمد، وقد صرّح بذلك أبو
أويس، عن ابن شهاب، لكنه سماه عبد الرحمن بن محمد، فوهم، أخرجه أحمد.
وأغرب إبراهيم بن طهمان، فرواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة.
أخرجه الدارقطنيّ في ((غرائب مالك))، والمحفوظ الأول. وقد رواه معمر، عن ابن
شهاب، عن سالم، لكنه اختصره. وأخرجه مسلم من طريق نافع، عن عبد الله بن
محمد بن أبي بكر، عن عائشة، فتابع سالمًا فيه، وزاد في المتن: ((ولأنفقت كنز
الكعبة)). قال الحافظ: ولم أر هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق أخرى،
أخرجها أبو عوانة، من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة (١).
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((أَلَمْ تَرَيْ) خطاب
للمرأة، وجزمه بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة التي رفعها بثبوت النون،
ونصبها، وجزمها بحذفها. أي ألم تعلمي (أَنَّ قَوْمَكِ) أي قريشًا (حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ)
لتضرّرها بالسيول، أو لاحتراقها بسبب شِرارة مِجْمَرَةِ امرأة من قريش، أجمرتها.
(١) - ((فتح)) ٤/ ٢٣٤.

١٢٥ - (بناءُ الْكَغْبةِ) - حديث رقم ٢٩٠١
١٥٣=
أخرج عبد الرزاق، ومن طريقه الحاكم، والطبرانيّ من حديث أبي الطفيل، قال:
((كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرَّضْم(١)، ليس فيها مدر، وكانت قدر ما يقتحمها
العناق، وكانت ثيابها توضع عليها تُسْدَل سَذلاً، وكانت ذات ركنين، كهيئة هذه
الحلقة(٢) فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدّة انكسرت، فخرجت
قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الروميّ الذي فيها نجّارًا، فقَدِمُوا به، وبالخشب ليبنوا به
البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حيّة فاتحة فاها، فبعث الله طيرًا
أعظم من النسر، فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة، وبنوها
بحجارة الوادي، فرفعوا في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبيّ ◌َّ ر يحمل الحجارة من
أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من
صغرها، فنودي يا محمد خمّر عورتك، فلم يُرَ عريانًا بعد ذلك، وكان بين ذلك، وبين
المبعث خمس سنين))، قال معمر: وأما الزهريّ، فقال: ((لما بلغ رسول اللَّه وَلخير الحلم
أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت
قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد: إن اللَّه لا يُهلك من يريد الإصلاح، فارتقى
على ظاهر البيت، ومعه العباس، فقال: اللَّهم لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم، فلما رأوه
سالما تابعوه)). قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: ((كان ذلك قبل
المبعث بخمس عشرة سنة)). وكذا رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن جبير بن مطعم
بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في («مغازيه))، والأول أشهر، وبه جزم ابن إسحاق.
ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدّم وقته على الشروع في البناء.
وذكر ابن إسحاق: ((أن السيل كان يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من بنائها، وكان
رَضْمًا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها، وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة)»،
فذكر القصّة مطوّلاً في بنائهم الكعبة، وفي اختلافهم فيمن يضع الحجر الأسود حتى
رَضُوا بأول داخل، فدخل النبيّ وَّر، فحكّموه في ذلك، فوضعه بيده. قال: ((وكانت
الكعبة على عهد النبيّ وَّل ثمانية عشر ذراعًا)). ووقع عند الطبرانيّ من طريق أخرى عن
ابن خُثيم، عن أبي الطفيل أن اسم النجّار المذكور باقوم. وللفاكهيّ من طريق ابن جريج
مثله، قال: ((وكان يتجر إلى بندر وراء ساحل عدن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال
لقريش: إن أجريتم عيري مع عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب، ففعلوا)). وروى
(١) - الرضم بفتح، فسكون، ويحرك، وككتاب: صخور عظام يُرضم بعضها فوق بعض في الأبنية.
قاله في ((القاموس)) ..
(٢) - وقد كتب في ((الفتح)) صورة حلقة ذات ركنين، غير أني لم أستطع كتابتها هنا، فليحرّرها من
يُجيد صناعتها.

= ١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
سفيان بن عيينة في ((جامعه)) عن عمرو بن دينار، أنه سمع عبيد بن عمير يقول: اسم
الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، وكان روميًّا. وقال الأزرقيّ: كان طولها سبعة وعشرين
ذراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في
الحجر. ذكره في ((الفتح)) (١) .
(اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلام-))) وذلك لقصور النفقة التي أخرجوها
لذلك، فقد ذكر ابن إسحاق في ((السيرة)) عن عبد الله بن أبي نجيح أنه أخبره عن
عبد الله بن صفوان بن أميّة: أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم -وهو جدّ جعدة
ابن هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ- قال لقريش: لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيّب،
ولا تدخلوا فيه مهر بغيّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس. وروى سفيان بن
عيينة في ((جامعه)) عن عبيدالله بن أبي يزيد، عن أبيه، أنه شهد عمر بن الخطاب أرسل
إلى شيخ من بني زهرة، أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة؟ فقال: إن قريشًا تقرّبت
لبناء الكعبة -أي بالنفقة الطيبة- فعجزت، فتركوا بعض البيت في الحجر، فقال عمر:
صدقت(٢). قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى
قَوَاعِدٍ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَام-؟ قَالَ: ((لَوْلَا حِذْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ))) بكسر الحاء المهملة،
وسكون الدال المهملة، وقيل: يجوز بالفتحتين، بعدها مثلثةَ، بمعنى الحدوث، أي
لولا قرب عهد قريش بكفر، يريد أن الإسلام لم يتمكّن في قلوبهم، فلو هُدمت لربما
نفروا منه؛ لأنهم يرون تغييره عظيمًا.
وخبر المبتدإ محذوفٌ، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرُ
أي موجودٌ. وجواب ((لولا)) في هذه الرواية محذوف أيضًا، أي (لفعلت)). وفي
الرواية التالية: لولا حداثة عهد قومكِ بالكفر، لنقضت البيت، فبنيته على أساس إبراهيم
عليه السلام ... )) إلخ. وفي رواية: ((لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لهدمت
الكعبة ... )) إلخ. وفي رواية ((لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية، لأمرت بالبيت،
فهدم، فأدخلت فيه ما أُخرج منه، وألزقته با الأرض ... )).
(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ) ليس هذا شكًا من
ابن عمر في صدق عائشة، لكن يقع في كلام العرب كثيرًا صورة التشكيك، والمراد
التقرير واليقين. قاله في ((الفتح(٣)). وقال السنديّ: قيل: ليس هذا شكًا في سماع
(١) - ((فتح)) ٤ / ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) - ((فتح٩ ٤ / ٢٣٦.
(٣) - ((فتح)» ٤ /٢٣٥.

١٢٥ - (بناءُ الكَعْبةِ) - حديث رقم ٢٩٠١
١٥٥=
عائشة، فإنها الحافظة المتقنة، لكنه جرى على ما يُعتاد في كلام العرب من الترديد
للتقرير، والتعيين. قلت: هو ما سمع من عائشة بلا واسطة، فيمكن أنه جوّز الخطأ
على الواسطة، فشكّ لذلك، على أن خطأ عائشة ممكن. وبالجملة فسماع عائشة عند
ابن عمر ليس قطعيًّا، فالتعليق لإفادة ذلك. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول السندي: ((على أن خطأ عائشة إلخ فيه نظر، بل
الوجه الأول هو التوجيه الوجيه.
والحاصل أن كلام ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا ما خرج مخرج الشك، بل
هو للتقرير والتأكيد، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(سَمِعَتْ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ِ، مَا أُرَى) بضم الهمزة: أي ما أظنّ (تَرْكَ اسْتِلَام
الرُّكْنَيْنِ) أي مسحهما، والسين فيه أصليّة، وهو افتعال من السِّلام، وهي الحجارة،
يقال: استلم: أي أصاب السّلام، وهي الحجارة، كذا ذكره السيوطيّ(٢).
والمراد هنا مسح الركنين باليد، إذ لا يشرع تقبيلهما بالفم، كما يشرع تقبيل الحجر
الأسود (اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ) أي يقربان (الْحِجْرَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الجيم، وهو
معروف على صفة نصف الدائرة، وقدرها تسع وثلاثون ذراعًا، والقدر الذي أخرج من
الكعبة سيأتي بيان مقداره بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى (إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ) بالبناء
للمفعول، من التتميم. وفي ((الكبرى)): ((لم يتم)) مبنيًّا للفاعل، من التمام، أو مبنيًّا
للمفعول من الإتمام (عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَّيْهِ السَّلام) أي القواعد الأصلية التي بنى
إبراهيم ◌َلَّلُ البيت عليها.
يعني أن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته
قريش، فلذلك لم يستلمهما النبيّ وَّل، حيث لم يتمّما على الأساس الذي بنى عليه
إبراهيم عليه السلام البيت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٩٠١/١٢٥ و٢٩٠٢ و٢٩٠٣ و٢٩٠٤ و٢٩١١/١٢٨ و٢٩١٢
(١) - ((شرح السندي)) ٢١٤/٥ - ٢١٥.
(٢) - ((زهر الربى »٢١٥/٥.

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
و٢٩١٣/١٢٩- وفي «الکبری» ٣٨٨٣/١٢٥ و٣٨٨٤ و٣٨٨٥ و٣٨٩٣/٣٨٨٦١٢٩
و٣٨٩٤ و٣٨٩٥/١٣٠. وأخرجه (خ) في ((العلم)»١٢٦ و((الحج)) ١٥٨٣ و١٥٨٤
و١٥٨٥ و١٥٨٦ و((أحاديث الأنبياء)) ٣٣٦٨ و(التفسير)) ٤٤٨٤ و((التمنّي)»٧٢٤٣ (م) في
((الحج)»١٣٣٣ (د) في ((المناسك))٢٠٢٨ (ت) في ((الحج)) ٨٧٥ و٨٧٦ (ق) في
((المناسك))٢٩٥٥ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار))٢٣٧٧٦ و ٢٤١٨٨ و٢٤٣٠٦
و٢٤٩١٠ و٢٤٩٣٥ و٢٥٤٩٨ و٢٥٥٦٩ و٢٥٦٢٠ و٢٥٧٢٤ (الموطأ) في
((الحج)» ٨١٣ (الدارميّ) في ((المناسك))١٨٦٨ و١٨٦٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان بناء الكعبة. (ومنها): ما
ترجم عليه البخاريّ في ((كتاب العلم)) من ((صحيحه))، حيث قال: ((باب من ترك بعض
الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشدّ منه)). والمراد بالاختيار
في عبارته المستحبّ. قاله في ((الفتح))(١).
(ومنها): أن فيه اجتناب وليّ الأمر ما يتسرّع الناس إلى إنكاره، وما يُخشى منه تولّد
الضرر عليهم في دين، أو دنيا، وعليه تأليف قلوبهم بما لا يترك فيه أمرًا واجبًا. (ومنها):
تقديم الأهمّ، فالأهمّ، من دفع المفسدة، وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بُدىء بدفع
المفسدة. (ومنها): أن المفسدة إذا أُمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة. (ومنها):
حديث الرجل مع أهله في الأمور العامة. (ومنها): حرص الصحابة على امتثال أوامر النبيّ
وَاليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٠٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) عَبْدَةُ، وَأَبُو مُعَاوِيَّةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ
بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ، فَبَتَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا، فَإِنَّ
قُرَيْشًا لَمَّا بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ))) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هـ ا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدموا غير مرّة.
و((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((عبدة)): هو ابن سليمان الكلابيُّ
الكوفيّ. و((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ.
وقوله: ((حداثة عهد» بفتح الحاء المهملة: أي قربه.
(١) - ((فتح))٤ / ٢٤٢.
(٢) - وفي نسخة: ((حدّثنا)).

١٥٧
١٢٥ - (بناءُ الكَغْبةِ) - حديث رقم ٢٩٠٤
وقوله: ((وجعلت له خلفًا)) بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها فاء. وقد
فسّره هشام بن عروة فيما علّقه البخاريّ، ولفظه: قال أبو معاوية: حدثنا هشام: خَلْفًا
يعني بابًا انتهى. أي بابًا من خلفه، مقابلا لهذا الباب الذي من قدّام. وقال في ((الفتح)):
وضبطه الحربيّ في ((الغريب)) بكسر الخاء المعجمة، قال: والخالفة عمود في مؤخّر
البيت. والصواب الأول، وبينه قوله في الرواية الرابعة -يعني عند البخاريّ- وهي
الرواية التي بعد هذا هنا: ((وجعلتُ لها بابين)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الماضي. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٠٣- أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
(لَوْلًا أَنَّ قَوْمِي)) -وَفِي حَدِيثٍ مُحَمَّدٍ -: ((قَوْمَكِ، حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِئَةٍ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ،
وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنٍ، فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، جَعَلَ لَهَا بَابَيْنٍ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
إسماعيل بن مسعود الجحدريّ البصريّ، فهو من أفراده، وهو ثقة. و((خالد)): هو ابن
الحارث الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ. و((أبو إسحاق)): هو عمرو بن عبد الله بن عبيد
السبيعيّ الكوفيّ. و((الأسود)): هو ابن يزيد النخعيّ الكوفيّ.
وقوله: ((حديث عهد)) كذا روي بالإضافة، وحذف الواو. قال المطرّزيّ: لا يجوز
حذف الواو في مثل هذا، والصواب: ((حديثو عهد)).
قال السنديّ: ورُدّ بأنه من قبيل: ﴿وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِّ﴾ الآية [البقرة: ٤١]، فقد
قالوا: تقديره أول فريق كافر، أو فوج كافر، يريدون أن هذه الألفاظ مفردة لفظًا، وجمع
معنى، فيمكن رعاية لفظها، ولا يخفى أن لفظ القوم كذلك. وأجيب أيضًا بأن فعيلاً
يستوي فيه الجمع، والإفراد. قاله السنديّ.
وقوله: ((فلما ملك ان الزبير الخ)) بفتح الميم، واللام بصيغة الماضي المعلوم: أي
لما صار عبد الله بن الزبير رضي اللَّه تعالى عنهما مالكًا أمورَ الخلافة، وصارت مكة
تحت تصرّفه هدمها، وبناها، وجعل لها بابين، باب يدخل الناس منه، وباب يخرجون
منه، كما بناها إبراهيمَلََّلُ.
والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٩٠٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ:

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ
أَنْبَأَنَا(١) جَرِيرُ ابْنُ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَهِ، قَالَ لَهَا: ((يَأْ عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِئَةٍ، لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ،
فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَّهُ بَابَيْنٍ، بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا
غَزْبِيًّا، فَإِنُهُمْ قَدْ عَجَزُوا عَنْ بِنَائِهِ، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام)) .
قَالَ: فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَذْمِهِ، قَالَ: يَزِيدُ: وَقَدْ شَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ،
حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ، وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، حِجَارَةً
كَأَسْئِمَةِ الْإِبِلِ، مُتَلَاحِكَةً) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عبد الرحمن بن محمد بن سلّام) -بالتشديد- الهاشميّ مولاهم، أبو القاسم
البغداديّ، ثم الطرسوسيّ، وقد يُنسب لجدّه، لا بأس به [١١]١٧٢ / ١١٤١.
٢- (يزيد بن هارون) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقنٌ عابدٌ [٩]١٥٣/
٢٤٤ .
٣- (جرير بن حازم) بن زيد الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقة، له أوهام إذا حدّث
من حفظه [٦]١٠١٤/٨٢.
٤ - (يزيد بن رُومان) المدنيّ مولى آل الزبير، ثقة [٥]١٥٣٧/١٧.
٥- (عروة) بن الزبير بن العوام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]٤٤/٤٠.
٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سُداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من
يزيد بن رومان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه عروة من
الفقهاء السبعة، وعائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠)
أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عروة) قال في ((الفتح)): كذا رواه الحفّاظ من أصحاب يزيد بن هارون عنه،
فأخرجه أحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان، وأحمد بن منيع في ((مسانيدهم)) عنه هكذا،
والنسائيّ عن عبد الرحمن بن محمد بن سلّام، والإسماعيليّ من طريق هارون الحمّال،
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٥٩
١٢٥ - (بناءُ الكعبة) - حديث رقم ٢٩٠٤
=
والزعفرانيّ، كلهم عن يزيد بن هارون.
وخالفهم الحارث بن أبي أسامة، فرواه عن يزيد بن هارون، فقال: ((عن عبد الله بن
الزبير))، بدل ((عروة بن الزبير))، وهكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق أبي الأزهر، عن
وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه. قال الإسماعيليّ: إن كان أبو الأزهر ضبطه، فكأن
يزيد بن رُومان سمعه من الأخوين.
قال الحافظ: قد تابعه محمد بن مشكان، كما أخرجه الجوزقيّ، عن الدغوليّ،
عنه، عن وهب بن جرير، ويزيد قد حمله عن الأخوين، لكن رواية الجماعة أوضح،
فهي أصحّ انتهى(١) .
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، قَالَ لَهَا: ((يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ
قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ) تقدم في الحديث الماضي أن الأولى كون ((حديثو)) بصيغة جمع
المذكر السالم (بِجَاهِلِيَّةٍ) أي بخصلة منسوبة إلى الجاهل، وهي الكفر، نسبت إليه لأنه
لا يرتكبها إلا جاهل بما تؤول إليه؛ وهو النار (لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ) بالبناء للمفعول
(فَأَدْخَلْتُ فِيهِ) بتاء المكتلم، وبناء الفعل للفاعل (مَا أَخْرِجَ مِنْهُ) بالبناء للمفعول، أي
الجزء الذي أخرجته قريش حين قصرت بهم النفقة، وسيأتي بين مقداره، إن شاء الله
تعالى (وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ) أي ألصقت بابه بها، بحيث لا يبقى مرتفعًا عن وجهها، كما
فعلت ذلك قريش، حتى لا يتمكن أحد من دخول البيت إلا بسلّم، ويمكنهم إدخال من
شاءوا، ومنع من شاءوا، ففي رواية للبخاريّ من طريق الأسود، عن عائشة رضي الله
تعالى عنها، قالت: قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟، قال: ((فعل ذلكِ قومكِ؛ ليدخلوا من
شاءوا، ويمنعوا من شاءوا)). وفي رواية مسلم من طريق الحارث بن عبد الله، عن عائشة
رضي الله تعالى عنها: ((وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟»، قالت: قلت: لا،
قال: ((تعزّزًا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعونه
يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل، دفعوه، فسقط)).
(وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنٍ) حيث كان كذلك حين بناه إبراهيم ◌َالكَلِ (بَابًا شَرْقِيًّا) يدخل منه
الناس (وَبَابًا غَرْبِيًّا) يخرجون منه (فَإِنَّهُمْ) أي قريشًا (قَدْ عَجَزُوا) بفتح الجيم، من باب
ضرب، ويكسر الجيم، من باب تعب لغة لبعض قيس عيلان، ذكرها أبو زيد، وهذه
اللغة غير معروفة عندهم، وقد روى ابن فارس بسنده إلى ابن الأعرابيّ أنه لا يقال:
عَجِزَ الإنسانُ بالكسر إلا إذا عظمت عَجِيزته. قاله الفيوميّ (عَنْ بِنَائِهِ) أي عن تتميم بنائه
على قواعد إبراهيم الَّلهُ، لا أنهم عجزوا عن بنائه أصلاً؛ لأنهم قد بنوه، ولكن لم
(١) - ((فتح)٤/ ٢٣٨.

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجُ
يبلغوا به بناء إبراهيم عليَّله، لعجزهم عن النفقة التي يتممون بها على قواعده (فَلَغْتُ بِهِ
أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام) أَسَاسُ الحائط - بفتح الهمزة -: أصله، وجمعه أُسُسٌ، مثلَ
قَذَال وقُذُل، ويقال فيه أيضا: أَسِّ بضم الهمزة، وتشديد المهملة، وجمعه آساسٌ، مثل
قُفْل وأَقْفال، وربما قيل: إِسَاس بالكسر مثل عُسِّ وعِسَاس.
(قَالَ) الظاهر أن القائل هو يزيد بن رُومان (فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ) يقال: حمله على
الأمر يحمِله، من باب ضرب، فانحمل: أغراه به. أفاده في ((القاموس)) (ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى
هَدْمِهِ) زاد وهب بن جرير في روايته: ((وبنائه)). يعني أن الذي أغرى عبد الله بن الزبير،
وقوّى عزمه على هدم البيت، وبنائه على قواعد إبراهيم الثل هو حديث عائشة رضي
الله تعالى عنها، فإنه لما سمع الحديث منها، وتمكن من التصرّف فيها، هدمه، وبناه.
ففي رواية مسلم من طريق عطاء، قال: وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول:
إن النبي وَّ قال: ((لولا أن الناس حديثٌ عهدُهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّي
على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع، ولجعلت لها بابا، يدخل الناس
منه، وبابا يخرجون منه))، قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، قال:
فزاد فيه خمس أذرع من الحجر، حتى أبدى أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان
طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشر أذرع،
وجعل له بابين: أحدهما يُدخَل منه، والآخر يُخرَج منه، فلما قُتل ابن الزبير، كتب
الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير، قد وضع البناء
على أَسِّ نظر إليه العدول، من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك، إنا لسنا من تلطيخ ابن
الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر، فرده إلى بنائه،
وسُدَّ الباب الذي فتحه، فنقضه، وأعاده إلى بنائه.
(قَالَ: يَزِيدُ) هو ابن رومان -بضم الراء- وهو موصول بالإسناد السابق (وَقَدْ
شَهِدْتُ) بكسر الهاء: أي حضرت (ابْنَ الزُّبَيْرِ، حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ، وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ)
أي بعضه، ف(من)) بمعنى ((بعض))، وهو خمسة، أذرع، كما في رواية مسلم السابقة (وَقَّدْ
"أَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، حِجَارَةٌ كَأَسْئِمَةِ الْإِبِلِ) جمع سنام، شبهها بها في العظم
والاتفاع (مُتَلَاحِكَةً) بالنصب على الحالية من ((أساس))، أو بالرفع على أنه خبر
المحذوف: أي هي متلاحكة، أي متلاصقة، شديدة الاتصال، يقال: لَحَك بالشيء،
من باب مَنَعَ: إذا شَدّ التِتَّامَهُ، كلاحَكَ، وتلاحَكَ. أفاده في ((القاموس)). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، ونعم الوكيل.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم بيان مسائله في