Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
١١٠- (خُزمةُ مكة) - حدیث رقم ٢٨٧٥
وحاجته إليه أنه يوقد به النار. وقال الطبريّ: القين عند العرب كلّ ذي صناعة يُعالجها
بنفسه. ووقع في رواية للبخاريّ في ((المغازي)): ((فإنه لا بدّ منه للقين، والبيوت))، وفي
رواية له: ((فإنه لصاغتنا، وقبورنا)). ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبّة الجمع بين
الثلاثة. ووقع عنده أيضًا: ((فقال العباس: يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن
الإذخر، لقينهم، وبيوتهم)).
وهذا يدلّ على أنَّ الاستثناء في حديث الباب لم يرد به العباس أن يستثني هو، وإنما
أراد أن يلقّن النبيّ وَلّ الاستثناء. أفاده في ((الفتح))(١).
(فَذَكَرَ كَلِمَةً) أي ذكر النبيّ وَّر كلمة لم يحفظها الراوي، وإنما حفظ معناها، كما
بينه بقوله (مَعْنَاهَا) أي معنى تلك الكلمة، وهو مبتدأ خبره قوله (إِلَّا الْإذْخِرَ) حاصله أن
الراوي شكّ في لفظ الاستثناء في كلام النبيّ وَّر، مع أنه حفظ لفظ العباس، فبين أنه
حفظ المعنى، لا اللفظ، وهو ((إلا الإذخر)). وهو استثناء بعض من كلّ؛ لدخول
الإذخر في عموم ما يُختلى.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: اختلفوا هل كان قوله وَ الثور: ((إلا الإذخر)) باجتهاد، أو
وحي؟. وقيل: كَأَنَّ اللَّه تعالى فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا. وقيل: أوحي
إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك، فأجب سؤاله.
وقال الطبريّ: ساغ للعباس أن يستثني الإذخر لأنه احتمل عنده أن يكون المراد
بتحريم مكة تحريم القتال، دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول وَلايقل
باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر. وهذا مبنيّ على أن الرسول وَلفر كان له
اجتهاد في الأحكام. وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره ول# للعباس على ذلك دليل
على جواز تخصيص العامّ.
وحكى ابن بطال عن المهلّب أن الاستثناء هنا للضرورة، كتحليل أكل الميتة عند
الضرورة، وقد بيّن العباس ذلك بأن الإذخر لا غنى لأهل مكة عنه.
وتعقّبه ابن المنيّر بأن الذي يباح للضرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل
الميتة لامتنع استعماله إلا فيمن تحقّقت ضرورته إليه، والإجماع على أنه مباح مطلقًا بغير
قيد الضرورة انتهى.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون مراد المهلّب بأن أصل إباحته كانت للضرورة،
وسببها، لا أنه يريد أنه مقيّد بها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي أجاب به الحافظ عن المهلّب فيه نظر، إذ
(١) - ((فتح))٤ / ٥٢٤.

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
يردّه ظاهر تشبيهه بأكل الميتة عند الضرورة. فتأمل. والله تعالى أعلم.
وقال ابن المنيّر رحمه الله تعالى: الحقّ أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة،
وترخيص النبيّ وَّ كان تبليغًا عن اللَّه تعالى، إما بطريق الإلهام، أو بطريق الوحي،
ومن ادّعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متّسع فقد وهم. انتهى(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٨٧٥/١١٠ و٢٨٧٦/١١١ و٢٨٩٣/١٢٠- وفي ((الكبرى)) ١١٠/
٣٨٥٧ و٣٨٥٨/١١١ و٣٨٧٥/١٢٠. وأخرجه (خ) في ((الجنائز))١٣٤٩ وفي
((الحجّ))١٥٨٧ و١٨٣٣ و١٨٣٤ و((البيوع)) ٢٠٩٠ و((الجهاد)»٢٧٨٣ و٢٨٢٥ و٣٠٧٧
و(الجزية والموادعة))٣١٨٩ و((المغازي)) ٤٣١٣ (م) في ((الحج)) ١٣٥٣
و((الإمارة)» ١٣٥٣ (د) في ((المناسك)) ٢٠١٧ و((الجهاد)) ٢٤٨٠ (ت) في ((السير))١٥٩٠
(ق) في ((الجهاد))٢٧٧٣ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢٢٧٩ و٢٣٤٩ و٢٨٩١
و٢٩١٦ و٣٢٤٣ (الدارميّ) في ((السير))٢٥١٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان حرمة مكّة حرسها الله
تعالى. (ومنها): تحريم قطع شجر الحرم، وشوكه. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى:
خصّ الفقهاء الشجر المنهيّ عن قطعه بما يُنبته اللَّه تعالى من غير صنع آدميّ، فأما ما
ينبت بمعالجة آدميّ، فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال الشافعيّ: في الجميع
الجزاء، ورجحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قُطع من النوع الأول، فقال مالك: لا
جزاء فيه، بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وقال
الشافعيّ: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة. واحتجّ الطبريّ بالقياس على جزاء
الصيد. وتعقّبه ابن القصّار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئًا من
شجر الحلّ، ولا قائل به. وقال ابن العربيّ: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن
الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة. كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضًا أخذ
(١) - ((فتح)٤٩ / ٥٢٤ - ٥٢٥.

١٠٣
١١٠- (حُزمةُ مكة) - حدیث رقم ٢٨٧٥
الورق والثمر إذا كان لا يضرّها، ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، وغيرهما،
وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور، لهذا
الحديث، وصححه المتولي من الشافعيّة، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة
النصّ، فلا يعتبر به، حتى ولو لم يرد النصّ على تحريم الشوك، لكان في تحريم قطع
الشجر دليل على تحريم قطع الشوك لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضًا،
فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى، بخلاف الشجر، قال ابن قدامة: ولا بأس
بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشجر بغير صنع آدميّ، ولا بما يسقط
من الورق نصّ عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا(١).
(ومنها): أنه استُدِلّ به على أن لقطة مكة لا تلتقط للتملّك، بل للتعريف خاصّة، وهو
قول الجمهور، وإنما اختصَّ بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربّها؛ لأنها إن كانت للمكيّ
فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ، فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرّفها واجدها في كلّ
عام سهل التوصّل إلى معرفة صاحبها. قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية، وبعض
الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختصّ مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع
إلى بلده، وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف(٢).
(ومنها): أن بعضهم استدلّ بهذا الحديث على اشتراط الإحرام على من دخل
الحرم. قال القرطبيّ: معنى قوله: ((حرمه الله)) أي يحرم على غير المحرم دخوله حتى
يُحرم، ويَجري هذا مجرى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي
وطؤهنّ، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي أكلها، فعرف الاستعمال يدلّ
على تعيين المحذوف. قال: وقد دلّ على صحة هذا المعنى اعتذاره بَ ل عن دخوله مكة
غير محرم، مقاتلاً بقوله: ((لم تحلّ لي إلا ساعة من نهار)) الحديث.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا الاستدلال بعيد، وقد تقدم تحقيق المسألة، وأن
الحقّ عدم وجوب الإحرام إلا لمن أراد الحج، أو العمرة، فلتُرَاجِعْ ما سبق في ١٠٧/
٢٨٦٧ . والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استدلّ به على تحريم قطع حشيش الحرم، واختلف في رعيه، فقال
مالك، والكوفيون، واختاره الطبريّ: هو أشدّ من الاحتشاش. وقال الشافعيّ: لا بأس
بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش، فإنه المنهيّ عنه، فلا
يتعدّى ذلك إلى غيره.
(١) - ((فتح)) ٤ / ٥١٧ - ٥١٨.
(٢) - ((فتح ))٥/ ٣٧٤ ((كتاب اللقطة)).

١٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشافعيّ رحمه الله تعالى هو الأرجح عندي؛
لظاهر النصّ. والله تعالى أعلم.
قال في ((الفتح)): وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس،
واختلائه، وهو أصحّ الوجهين للشافعيّة؛ لأن النبت اليابس كالصيد الميت. قال ابن
قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدلّ عليه أن في
بعض طرق حديث أبي هريرة ◌َّه: ((ولا يُحتشّ حشيشها)). قال: وأجمعوا على إباحة
أخذ ما استنبته الناس في الحرم، من بقل، وزرع، ومشموم، فلا بأس برعيه، واختلائه
انتھی .
(ومنها): أن بعضهم استدلّ به على جواز النسخ قبل الفعل، حيث استثنى وَل
بقوله: ((إلا الإذخر)). قال الحافظ: وليس بواضح.
(ومنها): جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط
الاتصال، إما لفظًا، وإما حكمًا، لجواز الفصل بالتنفس مثلا، وقد اشتهر عن ابن عباس
الجواز مطلقًا، ويمكن أن يحتجّ له بظاهر القصّة.
وأجابوا عن ذلك بأن هذا الاستثناء في حكم المتصل؛ لاحتمال أن يكون وَ لّ أراد أن
يقول: ((إلا الإذخر))، فشغله العباس بكلامه، فوصل كلامه بكلام نفسه، فقال: ((إلا
الإذخر)). وقد قال ابن مالك: يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء، متّصلاً بالمستثنى منه.
(ومنها): بيان خصوصية النبيّ وَلِّ بما ذُكر في الحديث. (ومنها): جواز مراجعة
العالم في المصالح الشرعية، والمبادرة إلى ذلك في المجامع، والمشاهد. (ومنها):
عظيم منزلة العباس تَّ عند النبيّ وَلّر، وعنايته بمكة لكونه كان بها أصله، ومنشؤه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١١- (تُحْرِيمُ الْقِتَالِ فِيهِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الضمير لمكة، وإنما ذكّره بتأويلها بالبلد، كما قال
الله تعالى: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ [التين: ٣]. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٧٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ، يَوْمَ فَتْح

١٠٥
١١١- (تحريمُ القِتالِ فِيهِ) - حديث رقم ٢٨٧٦
مَكَّةَ: ((إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الْقِتَالُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُحِلَّ
لِي سَاعَةً مِنْ تََّارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُزْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا
غير مرّة. و((مفضّل)): هو ابن مهلهل السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ الثقة الثبت
النبيل العابد [٧]١٢٤٠/٢٥.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفى في الحديث الذي قبله، وبقي
البحث في مسألتين:
(المسألة الأولى): أنه استُدلّ بقوله: ((لم يحلّ فيه القتال لأحد قبلي))، وزاد في رواية
أخرى للبخاريّ: ((ولا يحلّ لأحد بعدي)) على تحريم القتل، والقتال بالحرم، فأما القتل
فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حدّ القتل فيها على من أوقعه فيها، وخصّ
الخلاف بمن قتل في الحلّ ثم لجأ إلى الحرم، وممن نقل الإجماع على ذلك ابن
الجوزيّ. واحتجّ بعضهم بقتل ابن خطل بها، ولا حجة فيه؛ لأن ذلك كان في الوقت
الذي أحلت فيه للنبيّ وَلّ كما تقدّم. وزعم ابن حزم أن مقتضى قول ابن عمر، وابن
له، وغيرهما أنه لا يجوز القتل فيها مطلقًا. ونقل التفصيل عن مجاهد،
عباس
وعطاء .
وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحلّ باختياره، لكن لایجالس،
ولا يكلّم، ويوعظ، ويذكر حتى يخرج.
وقال أبو يوسف: يُخرَج مضطرًّا إلى الحلّ، وفعله ابن الزبير. وروى ابن أبي شيبة
من طريق طاوس، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: ((من أصاب حدًّا، ثم دخل
الحرم، لم يُجالس، ولم یبایع)).
وعن مالك، والشافعيّ: يجوز إقامة الحدّ مطلقًا فيها؛ لأن العاصي هتك حرمة
نفسه، فأبطل ما جعل اللَّه له من الأمن.
وأما القتال، فقال الماورديّ: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على
أهل العدل، فإن أمكن ردّهم بغير قتال لم يجز، وإن لم يمكن إلا بالقتال، فقال
الجمهور: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق اللَّه تعالى، فلا يجوز إضاعتها.
وقال آخرون: لا يجوز قتالهم، بل يضيّق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطاعة. قال
النوويّ: والأول نصّ عليه الشافعيّ، وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريم
نصب القتال بما يعمّ أذاه، كالمنجنيق، بخلاف ما لو تحصّن الكفّار في بلد، فإنه يجوز
قتالهم على كلّ وجه. وعن الشافعيّ قول آخر بالتحريم، اختاره القفّال، وجزم به في

شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
((شرح التلخيص))، وقال به جماعة من علماء الشافعيّة، والمالكية. قال الطبريّ: من أتى
حدًّا في الحلّ، واستجار بالحرم، فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن
ينصب عليه الحرب، بل يُحاصره، ويضيّق عليه حتى يُذعن للطاعة؛ لقوله وَل: ((وإنما
أُحلّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس))، فعلم أنها لا تحلّ
لأحد بعده بالمعنى الذي حلّت له به، وهو محاربة أهلها، والقتل فيها. ومال ابن
العربيّ إلى هذا. وقال ابن المنير: قد أكْد النبيّ وَلّ التحريم بقوله: ((حرّمه الله))، ثم
قال: ((فهو حرام بحرمة اللَّه))، ثم قال: ((ولم تحلّ لي إلا ساعة من نهار))، وكان إذا أراد
التأكيد ذكر الشيء ثلاثًا، قال: فهذا نصّ لا يحتمل التأويل.
وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه وَّة بالقتال؛ لاعتذاره عما أبيح له
من ذلك مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مسحقّين للقتال، والقتل؛ لصدّهم عن المسجد
الحرام، وإخراجهم أهله منه، وكفرهم، وهذا الذي فهمه أبو شُريح كما في حديثه
الآتي، وقال به غير واحد من أهل العلم.
وقال ابن دقيق العيد: يتأكّد القول بالتحريم بأن الحديث دالٌ على أن المأذون للنبيّ
وَلير فيه لم يؤذن لغيره فيه، والذي وقع له إنما هو مطلق القتال، لا القتال الخاصّ بما
يعمّ، كالمنجنيق، فكيف يسوغ التأويل المذكور؟ وأيضًا فسياق الحديث يدلّ على أن
التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدماء فيها، وذلك لا يختصّ بما يستأصل.
قاله في ((الفتح)) (١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر من التحقيقات المذكور أن القول
الراجح تحريم القتال في الحرم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم، هل مكة فتحت عنوة، أو صلحًا؟:
ذهب جمع من أهل العلم إلى أنها فتحت عنوةً، وهو قول الأكثرين. وذهب الشافعيّ،
وأحمد في رواية عنه إلى أنها فتحت صلحًا؛ واحتجوا بتأمين النبيّ وَالر أهلها، ولإضافة
الدار إلى أهلها؛ ولأنها لم تقسم ؛ ولأن الغانمين لم يملكوا دورها، وإلا لجاز إخراج
أهل الدار منها .
واحتجّ الأولون بما وقع من تصريحه وَ لّر من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن
الوليد، وبتصريحه و الر بأنها أحلت له ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي به في ذلك.
وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلدة عنوة، ويمنّ
على أهلها، ويُترك لهم دورهم، وغنائمهم؛ لأن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقًا
(١) - ((فتح)) ٤ / ٥٢٢ - ٥٢٣ .

١٠٧ ==
١١١- (تحریمُ القِتالِ فِیه) - حديث رقم ٢٨٧٦
عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة، فمن بعدهم، وقد فُتحت أكثر البلاد عنوة، فلم
تقسم، وذلك في زمن عمر، وعثمان، مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن
ذلك بأمر يمكن أن يدّعى اختصاصها به، دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسك، ومتعبّد
الخلق، وقد جعلها الله تعالى حرمًا، سواء العاكف فيه والباد.
قال الحافظ: وأما قول النوويّ: احتجّ الشافعيّ بالأحاديث المشهورة بأن النبيّ وَليه
صالحهم بمرّ الظهران قبل دخول مكة، ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه إن کان مراده ما
وقع له ◌َّ: ((من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن))، كما في ((صحيح البخاريّ))، وكذا:
(من دخل المسجد))، كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من
أشير إليه بذلك الكفّ عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن
قريشًا لم يلتزموا ذلك؛ لأنهم استعدّوا للحرب، كما ثبت في حديث أبي هريرة وتظلّه
عند مسلم: ((إن قريشًا وَبَّشَتْ(١) أوباشًا لها، وأتباعًا، فقالوا: نقدّم هؤلاء، فإن كان لهم
شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا، فقال النبيّ وَله: أترون أوباش قريش؟
ثم قال بإحدى يديه على الأخرى، أي احصدوهم حصدًا، حتى توافوني على الصفا،
قال: فانطلقنا، فما نشاء أن نقتل أحدًا إلا قتلناه)).
وإن كان مراده بالصلح وقوع عقد به، فهذا لم يُنقل، ولا أظنه عنى إلا الاحتمال
الأول، وفيه ما ذكرته.
وتمسّك أيضًا من قال: إنه مبهم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصّة الفتح: فقال
العباس: لعلي أجد بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم
بمكان رسول اللّه ◌َ له ليخرجوا إليه، فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، ثم قال في القصّة
بعد قصّة أبي سفيان: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن»،
فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد.
وعند موسى بن عقبة في ((المغازي)) -وهي أصحّ ما صُنّف في ذلك عند جماعة -: ما
نصّه: أن أبا سفيان، وحكيم بن حزام، قالا: يا رسول الله كنت حقيقًا أن تجعل عُدْتك،
وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحمًا، وأشدّ عداوة، فقال: ((إني أرجو أن يجمعهما الله
لي: فتح مكة، وإعزاز الإسلام بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم))، فقال أبو
سفيان، وحكيم: فادع الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش، فكفت أيديها أآمنون
هم؟ قال: ((من كفّ يده، وأغلق داره، فهو آمن))، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم،
قال: ((انطلقوا، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم فهو آمن، ودار
أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها، فلما توجها قال العباس: يا رسول الله إني
(١) في ((ق)): وَبَشَّ القوم في أمر: تعلقوا به من مكان. اهـ.

١٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
لا آمن أبا سفيان أن يرتدّ، فرذه حتى تريه جنود الله، قال: ((افعل»، فذكر القصّة، وفي
ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان هذا أمانًا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة، فمن ثمّ
قال الشافعيّ: كانت مكة مأمونة، ولم يكن فتحها عنوةً، والأمان كالصلح، وأما الذين
تعرّضوا للقتال، أو الذين استثنوا من الأمان، وأمر أن يقتلوا، ولو تعلّقوا بأستار الكعبة،
فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة.
ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره وس لي بالقتال، وبين تأمينه وَّ لهم بأن
يكون التأمين علّق بشرط، وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرّقوا إلى دورهم،
ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك، وقاتلوا خالد بن
الوليد، ومن معه، فقاتلهم حتى قتلهم، وهزمهم أن تكون البلدة فتحت عنوة؛ لأن
العبرة بالأصول، لا بالأتباع، وبالأكثر، لا بالأقلّ، ولا خلاف مع ذلك أنه لم يجر فيها
قسم غنيمة، ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو مما يؤيّد قول من قال: لم
يكن فتحها عنوة. وعند أبي داود بإسناد حسن، عن جابر تظلّه أنه سئل هل غنمتم يوم
الفتح شيئًا؟ قال: لا.
وجنحت طائفة - منهم الماورديّ- إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصّة خالد بن
الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في ((الإكليل)).
قال الحافظ: والحقّ أن صورة فتحها كان عنوةً، ومعاملة أهلها معاملة من دخل
بأمان .
ومنع جمع منهم السهيليّ ترتب عدم قسمتها، وجواز بيع دورها، وإجارتها على أنها
فتحت صلحًا :
أما أوّلاً فلأن الإمام مخيّر في قسمة الأرض بين الغانمين، إذا انتُزِعَت من الكفار،
وبين إبقائها وقفًا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور، وإجارتها .
وأما ثانيًا، فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأن من مضى كانوا
إذا غلبوا على الكفار لم يغنموا الأموال، فتنزل النار، فتأكلها، وتصير الأرض عمومًا
لهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية
[المائدة: ٢١]. وقال: ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ
وَمَغَرِبَهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧]. والمسألة مشهورة فلا نطيل بها هنا. قاله في
(الفتح))(١)
(١) - ((فتح)٣٢٤/٨٤ - ٣٢٦. (كتاب المغازي)) - ((باب أين ركز النبيّ ◌َّر الراية يوم الفتح)).

١٠٩ ===
١١١- (تحریمُ القِتالِ فِیہ) - حديث رقم ٢٨٧٧
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي قول من قال: إن مكة فتحت
عنوة؛ لوضوح أدلته المتقدّمة، ولا يلزم من ذلك عدم قسمتها بين الغانمين، لأن للإمام
أن يمتنّ على أهل البلد بما رأى، فقد منّ وَله على أهل مكة بأنفسهم، وأموالهم. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٧٧- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ أَبِي شُرَيْح،
أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ -: أَثْذَنْ لِي، أََّا الْأَمِيرُ، أُحَدْثَكَ
قَوْلاً، قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، الْغَدَ مِنْ يَوْم الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ
عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ
يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، وَلَا يَحِلُّ لِمْرِئٍ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمّا، وَلَّا
يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا، فَإِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فِيهَا، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ
لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَّارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُزْمَتُهَا الْيَوْمَ،
كَحُزْمَتِهَا بِالْأُمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧]٣٥/٣١.
٣- (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ الحجة الفقيه [٣]٩٥/
١١٧ .
٤- (أبو شُريح) الخزاعيّ الكعبيّ، اختلف في اسمه، فقيل: خُويلد بن عمرو،
وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: هانىء، وقيل: كعب،
والمشهور الأول، وهو خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن
المحترش بن عمرو بن مازن بن عديّ بن عمرو بن ربيعة، أسلم يوم الفتح، وكان يحمل
أحد ألوية بني كعب. روى عن النبيّ بَّرَ، وعن ابن مسعود. وعنه أبو سعيد المقبريّ،
وسعيد المقبريّ، ونافع بن جبير بن مطعم، وسفيان بن أبي العوجاء. قال ابن سعد:
مات بالمدينة سنة (٦٨)، وله أحاديث. وقال الواقديّ: كان من عقلاء أهل المدينة.
وقال العسكريّ: توفّي سنة (٦٨) وقيل: سنة (٥٨) انتهى. والأول أصح؛ لأن قصته مع
عمرو بن سعيد المذكورة في حديث الباب كانت في خلافة يزيد بن معاوية بعد سنة
ستين. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى وهو (١٤٩) من رباعيات

١١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مدنيين: سعيد،
وأبو شريح، ومصريين: الليث، وقتيبة، وهو وإن كان بغلانيّا، إلا أنه دخل مصر.
(ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا نحو ستّة أحاديث، راجع
((تحفة الأشراف))٢٢٣/٩-٢٢٦. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي شُرَيْح) الخزاعيّ رضي اللّه تعالى عنه. زاد في رواية البخاريّ في ((الحج)):
((العدويّ))، فقال في ((الفتح)): كذا وقع هنا، وفيه نظر؛ لأنه خزاعيّ، من بني كعب بن
ربيعة بن لحيّ، بطن من خزاعة، ولهذا يقال له الكعبيّ أيضًا، وليس هو من بني عديّ،
لا من عديّ قريش، ولا عديّ مضر، فلعله كان حليفًا لبني عديّ بن كعب من قريش.
وقيل: في خزاعة بطن يقال لهم: بنو عديّ. وقد وقع في رواية ابن أبي ذئب عن
سعيد: سمعت أبا شريح. أخرجه أحمد انتهى (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) بن العاص بن
سعيد بن العاص بن أمية القرشيّ الأمويّ المعروف بالأشدق، وليست له صحبة، ولا
كان من التابعين لهم بإحسان (وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ) جمع بعث بمعنى مبعوث، وهو من
تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهز للقتال (إِلَى مَكَّةَ) متعلّق بيبعث،
وجملة: ((وهو يبعث الخ)) في محل نصب على الحال من عمرو، أي والحال أن عمرو
ابن سعيد يرسل الجيوش لقتال عبد الله بن الزبير؛ لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن
معاوية، واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة.
[فائدة]: ذكر في ((الفتح)) في ((كتاب العلم)) قصة بعث عمرو سعيد بعثه إلى مكة،
وملخصها: أن معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية، فبايعه الناس، إلا الحسين
ابن عليّ، وابن الزبير، فأما ابن أبي بكر، فمات قبل موت معاوية، وأما ابن عمر، فبايع
ليزيد عقب موت أبيه، وأما الحسين بن عليّ، فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إياه
ليبايعوه، فكان ذلك سبب قتله، وأما ابن الزبير، فاعتصم، ويسمّى عائذ البيت، وغلب
على أمر مكة، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهّزوا الجيوش، فكان
آخر ذلك أن أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة (١).
وذكر في (كتاب الحجّ)): ما نصّه: وقد ذكر الطبريّ القصّة عن مشايخه، فقالوا: كان
قدوم عمرو بن سعيد واليًا على المدينة من قِبَل يزيد بن معاوية في ذي القعدة سنة ستين .
وقيل: قدمها في رمضان منها، وهي السنة التي ولي فيها يزيد الخلافة، فامتنع ابن الزبير
(١) - ((فتح))١/ ٢٦٨. ((كتاب العلم))- ((باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب)).

١١١ =
١١١- (تحریمُ القِتالِ فِیهِ) - حديث رقم ٢٨٧٧
من بيعته، وأقام بمكة، فجهز إليه عمرو بن سعيد جيشًا، وأمر عليهم عمرو بن الزبير،
وكان معاديًا لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولّاه شرطته، ثم أرسله إلى قتال
أخيه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد، فنهاه، فامتنع، وجاء أبو شريح، فذكر القصّة،
فلما نزل الجيش ذا طوى خرج إليهم جماعة من أهل مكة، فهزموهم، وأُسر عمرو بن
الزبير، فسجنه أخوه بسخن عارم، وكان عمرو بن الزبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة
ممن اتهم بالميل إلى أخيه، فأقادهم عبد الله منه حتى مات عمرو من ذلك.
[تنبيه]: وقع في ((السير)) لابن إسحاق، و((مغازي الواقديّ)) أن المراجعة المذكورة
وقعت بين أبي شريح، وبين عمرو بن الزبير، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون أبو
شريح راجع الباعث، والمبعوث. والله أعلم انتهى(١).
(ايذَنْ لي) فعل أمر من الإذن، وأصله ائذن بهمزتين، فقلبت الثانية ياء لسكونها،
وانكسار ما قبلها .
[تنبه]: هذا الذي ذكرته من ضبط ((ايذن)) بالياء هو الذي في النسخة ((الهندية)) وهو
الموافق لما في ((الصحيح))، ووقع في النسخ المطبوعة، و((الكبرى)) ((ائذن)) بهمزة ساكنة
على الأصل. فتنبه، والله تعالى أعلم.
(أَيُّهَا الْأَمِيرُ) بحذف حرف النداء، وأصله: يا أيها الأمير، ويستفاد منه حسن التَّلَطُفِ في
مخاطبة السلطان ليكون أدعى لقبوله النصيحة، وأن السلطان لا يخاطب إلا بعد استئذانه،
ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه، فترك ذلك، والغلظة له قد يكون سببا لإثارة نفسه،
ومعاندة من يخاطبه (أَحَدِّثْكَ) بالجزم لأنه جواب الأمر (قَوْلاً، قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ) جملة
((قام)) صفة لقولاً، والمقول حمد الله تعالى الخ (الْغَدَ) منصوب على الظرفية متعلق بقام (مِنْ
يوم الْفَتْح) أي أنه خطب في اليوم الثاني من فتح مكة.
ووقعَ عند أحمد من طريق ابن إسحاق، عن سعيد المقبريّ زيادة في أوله توضّح
المقصود، وهي: ((لما بعث عمرو بن سعيد إلى مكة بعثه لغزو ابن الزبير أتاه أبو شُريح،
فكلمه، وأخبره بما سمع من رسول اللّه ◌َّر، ثم خرج إلى نادي قومه، فجلس فيه،
فقمت إليه، فجلست معه، فحدث قومه، قال: قلت له: يا هذا إنا كنا مع رسول الله
وَلّ حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل،
فقتلوه، وهو مشرك، فقام فينا رسول اللَّه وَله خطيبًا))، فذكر الحديث. وأخرج أحمد
أيضًا من طريق الزهريّ، عن مسلم بن يزيد الليثيّ، عن أبي شريح الخزاعيّ أنه سمعه
يقول: ((أذن لنا رسول اللَّه ◌َ ل يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا، وهو
بمكة، ثم أمر رسول اللَّه ◌َل بوضع السيف، فلقي الغدَ رهط منا رجلا من هذيل في
(١) - ((فتح) ٤ /٥١٥ - ٥١٦. ((كتاب الحج)).

١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الحرّ يريد رسول اللّه وَله، وقد كان وَتَرَهم في الجاهلية، وكانوا يطلبونه، فقتلوه، فلما
بلغ ذلك رسول اللّه وَ ليل غضب غضبًا شديدًا ما رأيته غضب غضبا أشدّ منه، فلما صلى
قام، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن اللَّه حرّم مكة انتهى.
(سَمِعَتْهُ أَذْنَايَ) أراد أنه بالغ في حفظه، والتثبت فيهِ، وأنه لم يأخذه بواسطة، وأتى
بالتثنية تأكيدًا (وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ) أي بذلك القول.
وفي هذا الكلام إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، فقوله: ((سمعته)) أي
حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتأكيد. وقوله: ((ووعاه قلبي)) تحقيق لفهمه،
وتثبّته. وقوله: ((وأبصرته عيناي)) زيادة في تحقيق ذلك، وأن سماعه منه ليس اعتمادًا
على الصوت فقط، بل مع المشاهدة. وقوله: ((حين تكلّم به)) أي بالقول المذكور.
ويؤخذ من قوله: ((ووعاه قلبي)) أن العقل محله القلب.
(حَمِدَ اللَّهَ) هو بيان لقوله: ((تكلم)). ويؤخذ منه استحباب الثناء على الله تعالى بين يدي
تعليم العلم، وتبيين الأحكام، والخطبة في الأمور المهمّة، وقد تقدم من رواية ابن إسحاق
أنه قال فيها: ((أما بعد)) (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عطف على جملة الحمد، من عطف العام على الخاصّ
(ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) بضم أوله، من التحريم، أي أن تحريمها
كان بوحي من اللَّه، لا من اصطلاح الناس. وتقدم الجمع بين هذا وبين حديث ((إن إبراهيم
حرم مكة)) في شرح حيث ابن عباس الماضي (وَلَا يَحِلُّ لِمْرِئٍ، يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
فيه تنبيه على الامتثال؛ لأن من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما
أمر به، واجتناب ما نهى عنه؛ خوف الحساب عليه، وقد تعلّق به من قال: إن الكفار غير
مخاطبين بفروع الشريعة، والصحيح عند الأكثرين خلافه، وجوابهم بأن المؤمن هو الذي
ينقاد للأحكام، وینزجر عن المحرمات، فجعل الكلام معه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره.
وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنه خطاب التهييج، نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اَللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن
كُتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. فالمعنى أن استحلال هذا المنهيّ عنه لا يليق بمن يؤمن
باللّه، واليوم الآخر، بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل: لا يحل
لأحد مطلقًا لم يحصل منه هذا الغرض، وإن أفاد التحریم.
(أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا) بكسر الفاء، من باب ضرب، وفيه لغة أخرى، من باب قتل،
وهو صبّ الدم، والمراد به القتل. واستدلّ به على تحريم القتل والقتال بمكة، وهو
القول الراجح، وتقدّم تحقيقه قريبًا (وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا) بكسر الضاد المعجمة(١)،
(١) - وليس بضمها، فما يوجد في النسخ المطبوعة بالضمّ بضبط القلم غلطً؛ لأن عضد يعضُد
بالضم، من باب نصر بمعنى أعان، راجع ((القاموس)، و((المصباح))، وهو لا يناسب هنا،
فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.

١١١- (تحریمُ القِتالِ فِیهِ) - حديث رقم ٢٨٧٧
١١٣ =
وفتح الدال المهملة: أي يُقطع بالمِعضد، وهو آلة كالفأس.
(فَإِنْ تَرَخَّصَ أَحَدْ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ فِيهَا) وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد:
((فإن ترخّص مترخّص، فقال: أحلّت لرسول اللَّه وَّ، فإن اللَّه أحلها لي، ولم يُحلّها
للناس)). وفي مرسل عطاء بن يزيد، عند سعيد بن منصور: ((فلا يستنّ بي أحد،
فيقول: قتل فيها رسول اللّه وَلِّ))
(فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ) وَِّ (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ) بفتح أوله، والفاعل
((الله))، ويروى بضمة على البناء للمفعول.
والحاصل أن استدلاله باطل بوجهين: من جهة الخصوص، وعدم البقاء.
وقوله (لي) التفات، لأن نسق الكلام، وإنما أذن له، أي لرسوله (فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَارٍ)
أي مقدارًا من الزمان، وهو ما بين طلوع الشمس، وصلاة العصر. وفي مسند أحمد،
من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: ((لما فتحت مكة، قال: كفّوا السلاح،
إلا خزاعة عن بني بكر، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: كفوا السلاح، فلقي
رجل من خزاعة رجلاً من بني بكر من غد بالمزدلفة، فقتله، فبلغ ذلك رسول اللّه وَ لتره
فقام خطيبًا، فقال -ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة ... ))، فذكر الحديث.
ويستفاد منه أن قتل من أذن النبيّ في قتلهم - كابن خطل- وقع في الوقت الذي أبيح
للنبيّ وَّر فيه القتال، خلافًا لمن حمل قوله: ((ساعة من النهار)) على ظاهره، فاحتاج إلى
الجواب عن قصّة ابن خطل.
(وَقَدْ عَادَتْ حُزْمَتُهَا) أي الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال المستفاد من لفظ الإذن
(الْيَوْمَ) المراد به الزمن الحاضر، وقد بيّن غايته في رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله:
((ثم هي حرام إلى يوم القيامة))، وكذا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
المتقدّم بقوله: «فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة)) (كَحُزْمَتِهَا بِالْأَمْسِ) وكتب السنديّ
رحمه الله تعالى على قوله: ((وقد عادت حرمتها الخ)»: ما نصّه: كناية عن عودة حرمتها
بعد تلك الساعة كما كانت قبل تلك الساعة، فلا إشكال بأن الخطبة كانت في الغد من
يوم الفتح، وعود الحرمة كان بعد تلك الساعة، لا في الغد، فما معنى اليوم، ولا بأن
أمس هو يوم الفتح، وقد رُفعت الحرمة فيه، فكيف قيل: ((كحرمتها بالأمس)). ويحتمل
أن يقال: ((اليوم)) ظرف للحرمة، لا للعود، ومعنى (كحرمتها)) أي كرفع حرمتها، أي
العود كالرفع، حيث كان كلّ منهما بأمره تعالى. والله تعالى أعلم. انتهى(١) .
(١) - ((شرح السنديّ» ٢٠٦/٥.
١

١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ
(وَلْيُبَلْغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ))) أي ليبلّغ الشخص الحاضر هذه الخطبة إلى من غاب عنها.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد؛ لأنه معلوم
أن كلّ من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ، وأنه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلا وهو
لازم له فرض العمل بما أَبلِغَهُ، كالذي لزم السامع سواءً، وإلا لم يكن للأمر بالتبليغ
فائدة انتهى.
زاد في رواية الشيخين في آخر الحديث: ((فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟
قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شُريح، إن الحرم لا يُعيذ عاصيًا، ولا فارًا بخُربة))
انتھی.
وقوله: ((لا يعيذ)) بالذال المعجمة: أي لا يُجير، ولا يَعصِم. وقوله: ((فارًا)» بالفاء،
وتثقيل الراء: أي هاربًا، والمراد من وجب عليه القتل، فهرب إلى مكة مستجيرًا
بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم
مساق الدليل، وفي تخصيصه العموم بلا مستند.
وقوله: ((بخربة)) بفتح المعجمة، وإسكان الراء، ثم موحدة . يعني السرقة. وقيل:
((الخربة)) بالضم: الفساد، وبالفتح: السرقة. وأصلها سرقة الإبل، ثم استعملت في كل
سرقة. وعن الخليل: الخربة الفساد في الإبل. وقيل: العيب. وقيل: بضم أوله:
العورة. وقيل: الفساد، وبفتحه الفعلة الواحدة من الخرابة، وهي السرقة.
وقد وهِمَ من عدّ کلام عمرو بن سعید هذا حديثًا، واحتج بما تضمنه كلامه. قال ابن
حزم: لا كرامة للطيم الشيطان يكون أعلم من صاحب رسول اللَّه وَالتى .
وأغرب ابن بطال، فزعم أن سكوت أبي شريح عن جواب عمرو بن سعيد دالٌ على
أنه رجع إليه في التفصيل المذكور. ويعكر عليه ما وقع في رواية أحمد أنه قال في
آخره: «قال أبو شريح: فقلت لعمرو: قد كنتُ شاهدًا، وكنتَ غائبًا، وقد أمرنا أن يبلغ
شاهدنا غائبنا، وقد بلغتك)). فهذا يشعر بأنه لم يوافقه، وإنما ترك مشاققته لعجزه عنه
لما كان فيه من قوة الشوكة.
وقال ابن بطال أيضًا: ليس قول عمرو جوابًا لأبي شُريح؛ لأنه لم يختلف معه في أن
من أصاب حدًّا في غير الحرم، ثم لجأ إليه أنه يجوز إقامة الحدّ عليه في الحرم، فإن أبا
شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكة، ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلاله
بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه، وأجاب عن غير سؤاله.
وتعقّبه الطيبيّ بأنه لم يحد في جوابه، وإنما أجاب بما يقتضي القول بالموجب، كأنه
قال له: صحّ سماعك، وحفظك، لكن المعنى المراد من الحديث الذي ذكرته خلاف

١١٥=
١١١- (تحريمُ القِتالِ فِیهِ) - حديث رقم ٢٨٧٧
ما فهمته منه، فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح، وليس بسبب قتل من استحقّ القتل
خارج الحرم، ثم استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل الثاني.
قال الحافظ: لكنها دعوى من عمرو بغير دليل؛ لأن ابن الزبير لم يجب عليه حدّ،
فعاذ بالحرم فرارًا منه حتى يصحّ جواب عمرو. نعم كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد
الذي استنابه، وكان يزيد أمر ابن الزبير أن يبايع له بالخلافة، ويحضر إليه في جامعة،
يعني مغلولاً، فامتنع ابن الزبير، وعاذ بالحرم، فكان يقال له بذلك: عائذ اللَّه، وكان
عمرو يعتقد أنه عاص بامتناعه من امتثاله أمر يزيد، ولهذا صدر كلامه بقوله: ((إن الحرم
لا يعيذ عاصيًا»، ثم ذكر بقية ما ذكر استطرادًا، فهذه شبهة عمرو، وهي واهية. قاله في
((الفتح))(١).
وقال في موضع آخر: وقد تشدّق عمرو في الجواب، وأتى بكلام ظاهره حقّ، لكن
أراد به الباطل، فإن الصحابيّ أنكر عليه نصب الحرب على مكة، فأجابه بأنها لا تمنع
من إقامة القصاص، وهو صحيح، إلا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيء
من ذلك(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي شريح رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨٧٧/١١١ - وفي ((الكبرى))٣٨٥٩/١١١. وأخرجه (خ) في
((العلم)) ١٠٤ و((الحج)) ١٨٣٢ و((المغازي))٤٢٩٥ (م) في ((الحج))١٣٥٤ (ت) في
((الحج))٤٠٩ و((الديات))١٤٠٦ (أحمد) في ((مسند المدنيين))١٥٩٣٨ و١٥٩٤٢ و((مسند
القبائل))٢٦٦١٩ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان تحريم القتال في الحرم.
(ومنها): بيان شرف مكة حرسها الله تعالى. (ومنها): استحباب تقديم الحمد والثناء
على الله تعالى قبل الدخول في الكلام المقصود. (ومنها): أن التحليل والتحريم من
عند الله تعالى، لا مدخل للبشر فيه، وأن ذلك لا يعرف إلا منه سبحانه، وأن وظيفة
(١) - ((فتح))٤ / ٥١٩ - ٥٢٠.
(٢) - ((فتح)) ٢٦٩/١. ((كتاب العلم)).

١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الرسل تبليغ ذلك إلى الناس. (ومنها): إثبات خصائصَ لرسول اللَّه وَالر، واستواء
المسلمين معه في الأحكام، إلا في تلك الخصائص. (ومنها): فضل أبي شريح لاتباعه
أمر النبيّ وَلير بالتبليغ عنه. (ومنها): جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته،
وضبطه لما سمعه، ونحو ذلك. (ومنها): إنكار العالم على الحاكم ما يغيّره من أمر
الدين، والموعظة بلطف، وتدرّج، والاقتصار في الإنكار على اللسان، إذا لم يستطع
باليد. (ومنها): وقوع التأكيد في الكلام البليغ. (ومنها): جواز المجادلة في الأمور
الدينيّة. (ومنها): جواز النسخ. (ومنها): أن مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجة
على مجتهد. (ومنها): الخروج عن عهدة التبليغ، والصبر على المكاره لمن لا يستطيع
بُدًّا من ذلك. (ومنها): أن في قوله: ((ووعاه قلبي)) دليلاً على أن العقل محله القلب، لا
الدماغ، وهو قول الجمهور؛ لأنه لو كان محله الدماغ لقال: ووعاه رأسي، وفي
المسألة قول ثالث، أنه مشترك بينهما.
(ومنها): أنه تمسك به من قال: إن مكة فتحت عنوة. قال النوويّ: تأول من قال:
فتحت صلحًا بأن القتال كان جائزًا له لو فعله، لكن لم يحتج إليه.
وتعقّب بأنه خلاف الواقع. فالحقّ أنها فتحت عنوة، إلا أنه بَّ منّ على أهلها. وقد
تقدّم تحقيق ذلك في شرح حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الماضي. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١١٢- (حُزْمَةُ الْحَرَم)
٢٨٧٨- أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَّكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، أَخْيَرَنِي أَبِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
أَخْبَرَنِي سُحَيْمٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَغْزُوَ هَذَا الْبَيْتَ
جَيْشٌ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمران بن بكّار) بن راشد الكلاعيّ الحمصيّ المؤذِّن، ثقة [١١]١٥٤١/١٧.
٢- (بشر) بن شعيب بن أبي حمزة أبو القاسم الحمصيّ، ثقة، من كبار[ ١٠]٧/
١٤٦٦ .
٣- (أبوه) شُعيب بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد [٧]٨٥/٦٩.

١١٧
١١٢- (حُزْمَةُ الْحَرَم) - حديث رقم ٢٨٧٨
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المشهور [٤]١/١.
٥- (سُحيم) -بمهملة، مصغّرًا- المدنيّ مولى بني زهرة، مقبول [٣].
روى عن أبي هريرة. وعنه الزهريّ. ذكره ابن حبان في ((الثقات)). ووثقه ابن عمار،
ولذا ذكره ابن شاهين في ((الثقات)). انفرد به المصنّف بحديث الباب فقط.
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، وسُحيم، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن نصفه الأول
مسلسل بالحمصيين، والثاني بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه
أبو هريرة تظ أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سُحيم المدنيّ رحمه اللَّه تعالى (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه (يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ) أي يقصده عسكر عظيم في آخر الزمان
بالهدم، وقتل أهله. وفي حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها عند مسلم عَبِث النبيّ وَلِّل
في منامه، فقلنا له: صنعت شيئًا لم تكن تفعله؟، قال النوويّ: قوله: ((عپِث)) هو بکسر
الباء، قيل: معناه اضطرب بجسمه. وقيل: حرّك أطرافه كمن يأخذ شيئًا، أو يدفعه
انتهى (فَيُخْسَفُ بِهِمْ) بالبناء للمفعول، أي يخسف بكلهم (بِالْبَيْدَاءِ») وفي حديث عائشة
رضي اللّه تعالى عنها: ((فإذا كانوا ببيداء من الأرض، يخسف بأولهم وآخرهم)). وفي
رواية لمسلم عن أبي جعفر الباقر، قال: هي بيداء المدينة. وهي بفتح الباء الموحّدة،
وسكون الياء آخر الحروف ممدودة، وهي في المفازة التي لا شيء فيها. قال العينيّ:
وهي في هذا الحديث اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة. وقال النوويّ: قال
العلماء: البيداء كلّ أرض ملساء، لا شيء بها، وبيداء المدينة الشرف الذي قدّام ذي
الحليفة، أي إلى جهة مكة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه سُحيم، وهو مقبول؟.

=
١١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
[قلت]: سُحيم وثّقه ابن عمّار، وذكره ابن شاهين، وابن حبّان في ((الثقات))، ولم
ينفرد به بل تابعه أبو مسلم الأغرّ في الرواية التالية، وأيضًا يشهد له حديث حفصة رضي
الله تعالى عنها الآتي بعد حديث. والله تعالى أعلم.
والحديث تفرّد به المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا -٢٨٧٨/١١٢ و٢٨٧٩ -
وفي ((الكبرى)) ١١٢/ ٣٨٦٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف له رحمه الله تعالى، وهو بيان حرمة الحرم، حيث
يعاقب الله تعالى من أراده بسوء بالخسف. (ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوة،
حيث أخبر و 8 بما سيقع في آخر الزمان. (ومنها): وقوع الفتن في آخر الزمان بحيث
يؤدي آخره إلى هدم بيت الله الحرام، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من شرور الكفرة
اللئام، ويحمي بفضله ورحمته راية الإسلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٧٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِذْرِيسَ، أَبُو حَاتِمِ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ خَفْصِ بْنِ
◌ِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مِسْعَرٍ، قَالَ: أَخَبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِم
الْأَغَرُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((لَا تَنْتَهِي الْبُعُوثُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ، حَتَّىّ
يُخْسَفَ بِجَيْشٍ مِنْهُمْ))) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((محمد بن إدريس)) بن المنذر بن داود بن مهران
الحنظليّ، أبو حاتم الرازيّ الحافظ الكبير، أحد الأئمة [١١].
قال أبو بكر الخلال: أبو حاتم إمام في الحديث، روى عن أحمد مسائل كثيرة،
وقعت إلينا متفرّقة كلها غريب. وقال ابن خراش: كان من أهل الأمانة والمعرفة. وقال
النسائيّ: ثقة. وقال أبو نعيم: إمام في الحفظ. وقال اللالكائيّ: كان إمامًا عالمًا
بالحديث، حافظًا له، متقنّا ثبتًا. وقال ابن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاق القاضي
يقول: ما رأيت أحفظ من والدك، قلت له: فرأيت أبا زرعة؟ قال: لا. قال: وسمعت
يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة، وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما، وقال:
بقاؤهما صلاح المسلمين. وقال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفّاظ الأثبات، مشهورًا
بالعلم، مذكورًا بالفضل، وكان أول كَتْبِهِ الحديثَ سنة (٢٠٩). قال ابن أبي حاتم:
سمعت أبي يقول: أول سنة خرجت في طلب الحديث، أقمت سنين أحسب، ومَشَيت
على قدميّ زيادة على ألف فرسخ، فلما زاد على ألف فرسخ تركته. قال: وسمعت أبي
يقول: أقمت سنة أربع عشرة ومائتين بالبصرة ثمانية أشهر، قد كنت عزمت على أن أقيم

١١٢- (خُزمة الخرم) - حدیث رقم ٢٨٧٩
١١٩
سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثيابي شيئًا بعد شيء حتى بقيت بلا شيء. وقال
أيضًا: سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسيّ: من أغرب عليّ حديثًا
مسندًا صحيحًا، لم أسمع به، فله عليّ درهم يتصدّق به، وهناك خلق من الخلق، أبو
زرعة، فمن دونه، وإنما كان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيّأ لأحد
منهم أن يُغْرب عليّ حديثًا. وقال أحمد بن سلمة النيسابوريّ: ما رأيت بعد إسحاق،
ومحمد بن يحيى أحفظ للحديث، ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم. وقال عثمان بن
خُرِّزاذ: أحفظ من رأيت أربعة: إبراهيم بن عرعرة، ومحمد بن المنهال الضرير،
وأبو زرعة، وأبو حاتم. وقال حجاج بن الشاعر، وذُكر له أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن
وارة، وأبو جعفر الدارميّ: ما بالمشرق قوم أنبل منهم. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه:
قدم محمد بن يحيى النيسابوريّ الزّيّ، فألقيت عليه ثلاثة عشر حديثًا من حديث
الزهريّ، فلم يعرف منها إلا ثلاثة. وهذا يدلّ على حفظ عظيم لأبي حاتم، فإن الذهليّ
شهد له مشايخه، وأهل عصره بالتبخّر في معرفة حديث الزهريّ، ومع ذلك فأغرب
عليه أبو حاتم. وقال مسلمة في ((الصلة)): كان ثقة، وكان شيعيًّا مُفرطًا، وحديثه مستقيم
انتهى. قال الحافظ: ولم أر من نسبه إلى التشيّع غير هذا الرجل، نعم ذكر السليمانيّ
ابنه عبد الرحمن من الشيعة الذين كانوا يُقدّمون عليا على عثمان، كالأعمش،
وعبد الرزاق، فلعله تلقّف ذلك من أبيه، وكان ابن خزيمة يَرى ذلك أيضًا مع جلالته.
قال ابن المنادي، وغير واحد: مات في شعبان سنة (٢٧٧هـ) وقال ابن يونس في
((تاريخه)): مات بالريّ سنة (٢٧٩) والأول أصحّ. وكان مولده سنة (١٩٥). روى عنه
أبو داود، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب في أربعة مواضع برقم ٢١٧٨ و٣١٧٨
و٣٧٨٢ و٤٦٤٨، وورى عنه ابن ماجه في ((التفسير)).
و((عمر بن حفص بن غياث)): أبو حفص الكوفيّ، ثقة ربما وهم [١٠]٥٠١/٥ .
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من ((المجتبى))، و((الكبرى)) ((عَمْرو)) بفتح العين،
وسكون الميم، بدل ((عُمَر)) بضم، ففتح، وهو تصحيف. فتنبه.
و(«أبوه)) حفص بن غياث بن طلق: هو أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه
قليلاً في الآخر [٨]١٠٥/٨٦.
و((مسعر)): هو ابن كدام بن ظهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقة ثبت فاضل [٧]٨/٨.
و((طلحة بن مصرّف)): هو الكوفيّ القارىء الفاضل الثقة [٥]٣٠٦/١٩١.
و ((أبو مسلم الأغرّ)) المدينيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٣].
قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال البزار: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وزعم

١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
قوم أنه أبو عبد الله سلمان الأغرّ، وهو وَهَم. وممن وهم فيه عبد الغنيّ بن سعيد،
وسبقه الطبراني، وزاد الوهمَ وهمّا، فزعم أن اسم الأغرّ مسلم، وكنيته أبو عبد الله،
فأخطأ، فإن الأغرّ الذي يكنى أبا عبد الله اسمه سلمان، لا مسلم، وتفرّد بالرواية عنه
أهل المدينة، وأما هذا فإنما روى عنه أهل الكوفة، وكأنه اشتبه على الطبرانيّ بمسلم
المدنيّ شيخ للشعبيّ، فإنه يروي أيضًا عن أبي هريرة، لكنه لا يلقب بالأغرّ، وأما أبو
مسلم هذا، فالأغرّ اسمه لا لقبه. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، وله
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
وقوله: ((لا تنتهي البعوث الخ)) بضم الباء جمع بعث، وهو الجيش، وفيه أن غزو
البيت يكون أكثر من مرّة، وأن الخسف يكون ببعضهم. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وقد تقدم تخريجه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٨٠- أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْمِصْيصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنِ الدَّالَانِيّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ
سَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِيَّ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةً، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ،
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((يُبْعَثُ جُنْدٌ إِلَى هَذَا الْحَرَمِ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ،
خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ))، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ؟،
قَالَ: ((تَكُونُ لَّهُمْ قُبُورًا))) .
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١- (محمد بن داود) بن صَبيح، أبو جعفر المصّيصيّ، ثقة فاضل [١١].
قال الآجريّ، عن أبي داود: كان يتفقّد الرجال، وما رأيت رجلاً أعقل منه. وقال
النسائيّ: لا بأس به. وقال أبو بكر الخلال: كان من خواص أحمد، ورؤسائهم، وكان
يُكرمه، ويحدّثه بأشياء، لا يحدّث بها غيره. وقال الجعابيّ في ((تاريخ الموصل)): كان
فاضلاً ورعًا، تكلّم في مسألة اللفظ التي وقعت إلى أهل الثُّغور، فقال بقول محمد بن
داود، فهجره عليّ بن حرب لذلك، وترك مكاتبته.
روى له أبو داود، والمصنف، وروى عنه في هذا الكتاب في أربعة مواضع برقم
٢٨٧٩ و٤١٦٩ و٤٤٤٦ و٤٦٨١ .
٢- (يحيى بن محمد بن سابق) الكوفيّ نزيل المصيصة، لقبه عصا ابن إدريس،
مقبول [١٠].
قال أبو حاتم: أتيت المصّيصة، فنظرت في حديثه، فوجدت أحاديثه مشهورة، ولم