Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٨٩- (مَا لاَ يُقْتُلُهُ الْمُخرِم) - حديث رقم ٢٨٣٧
تتحقق بين النعم والصيد، لكن أريدت المماثلة من حيث الصورة.
قال: والمتلف من الصيد قسمان:
(أحدهما): ما قضت فيه الصحابة، فيجب فيه ما قضت، وبهذا قال عطاء،
والشافعيّ، وإسحاق. وقال مالك: يستأنف الحكم فيه. قال ابن قدامة: والذي بلغنا
قضاء الصحابة: في الضبع كبش، قضى به عمر، وعليّ، وجابر، وابن عباس، وفيه
عن جابر أن النبيّ وَّ جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشًا. قال أحمد: حكم رسول
اللّه وَّر في الضبع بكبش. وبه قال عطاء، والشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال
الأوزاعيّ: إن كان العلماء بالشام يعدّونها من السباع، ويكرهون أكلها، وهو القياس،
إلا أن اتباع السنة والآثار أولى.
(القسم الثاني): ما لم تقض فيه الصحابة، فيرجع إلى قول عدلين، من أهل الخبرة؛
لقوله اللَّه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، فيحكمان فيه بأشبه الأشياء
به من النعم، من حيث الخلقة، لا من حيث القيمة، بدليل أن قضاء الصحابة لم يكن
بالمثل في القيمة انتهى مختصرًا.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الراجح في المسألة هو ما عليه الجمهور من أن
الواجب في قتل الصيد هو المماثل في الصورة والخلقة، لا المماثل في القيمة؛ لوضح
دلالة قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٦] على أن المعتبر أن المثلية
الظاهرة، لا المعنوية التي هي القيمة، يؤيد ذلك قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾، فقد صرّح ببيان
جنس المثل، ثم قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ وضمير ((به)) للمثل من النعم، لا
للقيمة، لأنها لم تذكر، ثم قال: ﴿هَذِيًّا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] والذي يُهُدى هو
المثل من النعم، لا القيمة، وادعاء أن المراد شراء الهدي بها بعيد من ظاهر الآية، كما
حققه بعض الأفاضل.
والحاصل أن الصواب وجوب المثل، لا القيمة، فأما ما نُصّ عليه كالكبش في قتل
الضبع، كما في حديث الباب، فقد ثبت وجوبه نصًّا، فلا كلام فيه، وكذلك ما تقدم
مما نقل عن الصحابة #، فإنه أولى أن يُتَّبَع، وأما ما ليس كذلك، فيعمل فيه بحكم
ذوي عدل، كما هو نصّ الآية الكريمة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٩٠- (الرُّخْصَةُ فِي النّكَاحِ لِلْمُخْرِمِ)
٢٨٣٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ - عَنْ عَمْرٍو -
وَهُوَ ابْنُ دِينَارٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الشَّعْثَاءِ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((تَزَوَّجَ النَِّيُّ ◌َِّ
مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُخْرِمٌ))) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (داود بن عبد الرحمن العطّار) أبو سليمان المكيّ، ثقة [٨]٤٤٢/٢٩.
٣- (عمرو بن دينار) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة
ثبت [٤]١٥٤/١١٢.
٤- (أبو الشعثاء) جابر بن زيد الأزديّ الْجَوْفيّ(١) ثم البصريّ، مشهور بكنيته، ثقة
فقيه [٣]٢٣٦/١٤٦.
٥- (ابن عبّاس) عبد الله البحر الحبر رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا.
(ومنها): أن في قوله: ((وهو ابن عبد الرحمن))، استعمال القاعدة المشهورة في مصطلح
أهل الحديث، وهي تمييز الزيادة التي يزيدها الراوي على شيخه من نسب، أو صفة
لمن فوق شيخه، وبيان ذلك هنا أن شيخه قتيبة حين حدّثه بهذا الحديث لم ينسب شيخه
داود إلى أبيه، وأراد المصنّف نسبته إلى أبيه؛ ليتميّز عن غيره ممن يسمّى بداود، حتى
لا يلبس على تلاميذه، فأتى بكلمة ((وهو)) تمييزًا بين ما قاله شيخه، وبين مازاده هو،
وكذا يقال: في قوله: ((وهو ابن دينار))، وإلى هذه القاعدة أشار السيوطيّ رحمه الله
تعالى في ((ألفية الحديث))، حيث قال:
(١) - ((الْجَوفيّ)) بفتح الجيم، وسكون الواو، بعدها فاء - : نسبة إلى الجوف موضع بعُمَان. قاله في
(تاج العروس)).

٢٣
٩٠- (الرُّخْصَةُ فِي النكاح لِلْمُخرِم) - حديث رقم ٢٨٣٨
وَلَا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
أَمَّا إِذَا أَتَمَّهُ أَوَّلَهُ
بِنَخْوِ ((يَعْنِي)) أَوْ بـ((أَنَ)) أَوْ بِهُو))
وَالْفَضْلُ أَوْلَى قَاصِرَ الْمَذْكُورِ
أَجِزْهُ فِي الْبَاقِي لَدَى الْجُمْهُورِ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: ((تَزَوَّجَ النَّبِيِّ وَّلْ مَيْمُونَةَ) وسيأتي
في ((النكاح)) في -٣٢٧٤/٣٧ - من طريق عطاء، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما
زيادة: ((جعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها إياه)). ولابن حبان، والطبرانيّ من طريق
إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق بلفظ: ((تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك -
يعني عمرة القضاء- وهو حرام، وكان الذي زوجه إياها العباس)). وفي مغازي أبي
الأسود، عن عروة: ((بعث النبيّ بَ ل جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة ليخطبها له،
فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوّجه إياها، فبنى بها
بسرف، وقدر اللَّه أنها ماتت بعد ذلك بسرف، وكانت قبله بَ لّ تحت أبي رُهم بن
عبد العزى. وقيل: تحت أخيه حُوَيطب. وقيل: سَخْبرة بن أبي رهم، وأمها هند بنت
عوف الهلالية(١) .
(وَهُوَ مُخْرِمٌ))) وزاد البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس: ((وبنى بها، وهو
حلال، وماتت بسرف)).
قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء يُدفع حديث ابن عباس -أي
مع صحته- قال: فقال: الله المستعان، ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة
تقول: تزوجني، وهو حلال انتهى. وقد عارض حديث ابن عباس هذا حديث عثمان
رضي اللَّه تعالى عنهم الآتي في الباب التالي. ويجمع بينهما بحمل حديث ابن عباس
على أنه من خصائص النبيّ وَّر. قاله في ((الفتح)) (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما متّفق عليه.
(١) - ((فتح)) ٢٩٨/٨ في ((كتاب المغازي)). ((باب عمرة القضاء)).
(٢) - ((فتح)) ٢٠٧/١٠ ((كتاب النكاح)).

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٨٣٨/٩٠ و٢٨٣٩ و٢٨٤٠ و٢٨٤١ و٢٨٤٢ و ((النكاح» ٣٢٧٢/٣٧
و ٣٢٧٣ و٣٢٧٤ و٣٢٧٥- وفي ((الكبرى)) ٣٨٢٠/٨٩ و٣٨٢١ و٣٨٢٢ و٣٨٢٣
و٣٨٢٤ وفي ((النكاح)) ٥٤٠٧/٣٩ و٥٤٠٩ و٥٤١٠ و٥٤١١ و٥٤١٢ . وأخرجه (خ)
في ((الحج))١٨٣٧ و((المغازي))٤٢٥٩ و((النكاح)) ٥١١٤ (م) في ((النكاح))١٤١٠ (د) في
((المناسك))١٨٤٤ (ت) في ((الحج)٨٤٢ و٨٤٣ و٨٤٤ (ق) في ((النكاح»١٩٦٥ (أحمد)
في ((مسند بني هاشم))٢٢٠١ و٢٣٨٩ و٢٤٣٣ و ٢٤٨٨ و٢٥٥٦ و٢٥٧٦ و٢٥٨٤
و ٢٨٧٢ و٣٠٤٤ و٣٠٦٥ و٣٠٩٩ و٣٢٢٣ و٣٢٧٢ و٣٣٠٩ و٣٣٩٠ و٣٤٠٢
(الدارمي) في ((المناسك)) ١٨٢٢. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح المحرم:
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: اختلف العلماء في نكاح المحرم، فقال مالك،
والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء، من الصحابة، فمن بعدهم: لا يصحّ نكاح
المحرم، واعتمدوا في ذلك على حديث عثمان رضي الله تعالى عنه -يعني الآتي في
الباب التالي -.
وقال أبو حنيفة، والكوفيون: يصحّ نكاح المحرم؛ لحديث قصة ميمونة رضي اللّه
تعالى عنها - يعني المذكور في الباب -.
وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، أصحّها أن النبيّ وَلّ إنما تزوجها
حلالاً، هكذا رواه أكثر الصحابة. قال القاضي عياض وغيره: ولم يرو أنه تزوجها
محرمًا إلا ابن عباس وحده. وروت ميمونة، وأبو رافع، وغيرهما أنه تزوجها حلالاً،
وهم أعرف بالقضية؛ لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس؛ ولأنهم أضبط من ابن عباس،
وأكثر.
الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس على أنه تزوجها في الحرم، وهو حلال،
ويقال لمن هو في الحرم: مُحرِم، وإن كان حلالاً، وهي لغة شائعة، معروفة، ومنه
البيت المشهور:
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُخْرِمًا
أي في حرم المدينة.
والثالث: أنه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأصوليين ترجيح القول؛
لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصورًا عليه.
والرابع: جواب جماعة من الشافعية أن النبيّ وَلّر كان له أن يتزوج في حال الإحرام،

٩٠- (الرُّخْصَةُ فِي النَّكَاحِ لِلْمُخرم) - حديث رقم ٢٨٤٠
٢٥
وهو مما خُصّ به دون الأمة. وهذا أصح الوجهين عند الشافعية. والوجه الثاني: أنه
حرام في حقه كغيره، وليس من الخصائص انتهى كلام النوويّ رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيِّن مما سبق أنّ الراجح ما ذهب إليه الجمهور،
وهو أن المحرم لا يَنكِح، ولا يُنكح؛ لحديث عثمان رضي اللّه تعالى عنها الآتي في
الباب التالي، ولأن الأرجح في قصّة ميمونة رضي اللَّه تعالى عنها أنه وَل تزوجها،
وهما حلالان، لأنها صاحبة القصة أخبرت بذلك، وتابعها على ذلك أبو رافع، وغيره،
ويشهد لها حديث عثمان رَّ الآتي. وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من
((كتاب النكاح))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٣٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا الشَّغْثَاءِ، حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌َلِّ، نَكَحَ
حَرَامًا))) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و(يحيى)): هو القطان. والحديث صحيح، إلا أن الأرجح خلافه، وهو
حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها أنه و له تزوجها، وهو حلال، وقد سبق البحث فيه
مستوفّى في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٤٠ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ
ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّهِ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ،
وَهُمَا مُحْرِمَانٍ))) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
إبرهيم بن يونس بن محمد البغداديّ، نزيل طرسوس، الملقّب حَرَميّ بلفظ النسبة، فإنه
من أفراده، وهو صدوق [١١]١٧٥٣/٥٤ .
و((أبوه)) هو: يونس بن محمد المؤدب البغداديّ، ثقة ثبت، من صغار [٩]١٥/
١٦٣٢ من رجال الجماعة.
و(حميد)): هو ابن أبي حميد الطويل البصري الثقة الثبت [٥]١٠٨/٨٧. والحديث
متفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) - ((شرح مسلم"٩ / ١٩٧ ..

٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٢٨٤١- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ،
تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ») .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدموا. و((محمد بن إسحاق الصاغاني))، ويقال: ((الصغانيّ)): هو أبو بكر بن إسحاق
البغدادي المتقدم قبل أربعة أبواب. و((أحمد بن إسحاق)): هو أبو إسحاق الحضرميّ
البصريّ الحافظ [٩]١٨٢٧/٤.
والحديث متّفقٌ عليه، إلا أن الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٤٢ - أَخْبَرَنِ شُعَيْبُ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ إِسْحَاقَ، وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرِو الْحِمْصِيُّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ
النَّبِيَّ وَِّ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُخْرِمٌ») .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخيه:
١- ((شعيب بن شعيب بن إسحاق)) الدمشقيّ، فإنه من أفراده، وهو
صدوق [١١]٦٠/ ١٧٦٦ .
و٢- (صفوان بن عمرو الحمصيّ)) الصغير (١))، فإنه من أفراده أيضًا، وهو صدوق
[١١]٢٣٣٠/٦٧ .
و((أبو المغيرة)): هو عبد القدوس بن الحجاج الحمصيّ الثقة [٩]٥٥٦/٣٠.
و(الأوزاعيّ)): هو عبد الرحمن بن عمرو الإمام. والحديث متفقٌ عليه، إلا أن
الأرجح خلافه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».
(١) - أما ((صفوان بن عمرو)) الكبير فهو أبو عمرو السكسكيّ الحمصيّ، ثقة [٥] مات سنة (١٥٥) أو
بعدها، وتقدم في ١١٢ / ٢٠٥٣ .

٢٧
٩١- (النّئُ عن ذلك) - حديث رقم ٢٨٤٣
٩١- (الثَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: صنيع المصنف رحمه الله تعالى يقتضي أنه يرى
ترجيح مذهب الجمهور في منع المحرم عن النكاح؛ حيث أخّر هذا الباب على الباب
السابق، كما هو عادته غالبًا، وقد قدّمنا أن هذا المذهب هو الأرجح، وأما حديث ابن
عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، فقد تقدّم تأويله. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٤٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ،
قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لَا يَنْكِحُ الْمُخْرِمُ، وَلَا
يَخْطُبُ، وَلَا يُنْكِحُ))) .
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٢- (مالك) بن أنس الإمام الأصبحيّ المدنيّ الحجة الثبت [٧]٧/ ٧.
٣- (نافع) مولى بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]١٢/١٢.
٤- (نُبَيه بن وهب) بن عثمان العبدريّ المدنيّ، ثقة، من صغار[٣]٢٧١١/٤٣.
٥- (أبان بن عثمان) بن عفان الأمويّ أبو سعد، وقيل: أبو عبد الله المدنيّ، ثقة
[٣]٢٧١١/٤٣ .
٦- (عثمان بن عفّان) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين،
ذو النورين، استُشهد رضي اللّه تعالى عنه في ذي الحجة بعد عيد الأضحى، سنة
(٣٥)، وكانت خلافته (١٢) سنة، وعمره (٨٠) سنة، وقيل: أكثر، وقيل: أقلّ، تقدّم
في ٨٤/٦٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن
فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: نافع، عن نُبَيه، عن أبان. (ومنها): أنَّ
صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين
بالجنّة رضي اللَّه تعالى عنهم. والله تعالى أعلم.

٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
شرح الحديث
(عَنْ نُبَيْهِ) - بالتصغير - (ابْنِ وَهْبٍ) الْعَبْدِريّ (أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ) بن عفّان (قَالَ:
سَمِعْتُ عُثْمَانَ ابْنَ عَفَّانَ) رضي اللّه تعالى عنه.
وفي الحديث قصّة، أخرجها مسلم في ((صحيحه)) بإسناده، عن نبيه بن وهب، أن
عمر بن عبيد الله، أراد أن يزوج طلحة بن عمر، بنتَ شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان
ابن عثمان، يحضر ذلك، وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان، يقول:
قال رسول اللَّه وَله: ((لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب)) (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلِهِ: ((لَا يَنْكِحُ الْمُخْرِمُ) بفتح حرف المضارعة، و((لا)) نافية، والفعل مرفوع، والمراد
النهي. ويحتمل أن تكون ((لا)) ناهية، والفعل مجزوم، مكسور لالتقاء الساكنين، أي لا
يعقد النكاح لنفسه (وَلَا يَخْطُبُ) بفتح أوله، من باب قتل، يقال: خطب المرأة إلى
القوم: إذا طلب أن يتزوّج منهم، واختطبها، والاسم الخطبة - بالكسر-، فهو خاطب،
وخَطَّاب مبالغة. وأما الخُطبة بالضمّ، فهي الموعظة، يقال: خطب القومَ، وعليهم، من
باب قتل أيضًا، خُطبة بالضم، وهي فُعلة بمعنى مفعولة، نحو نُسخة بمعنى منسوخة،
وغرفة من ماء بمعنى مغروفة، وجمعها خُطب، مثل غرفة وغُرف، فهو خطيب، والجمع
خُطباء، وهو خطيب القوم: إذا كان هو المتكلم عنهم. قاله الفيوميّ.
وقال النووي: النهي هنا نهي تنزيه، ليس بحرام.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي غريب؛ لأنه سيأتي له أن النهي
في النكاح نهي تحريم، فيبطل به النكاح، فلماذا فرق بين النكاح والخطبة؟ ، وقد وردا
في نصّ واحد، وما هو الدليل الذي يدلّ على التفريق بينهما؟. والله تعالى أعلم.
قال: وكذلك يكره للمحرم أن يكون شاهدًا في نكاح عقده المحلون. وقال بعض
أصحابنا: لا ينعقد بشهادته؛ لأن الشاهد ركن في عقد النكاح، كالوليّ. والصحيح
الذي عليه الجمهور انعقاده انتهى.
(وَلَا يُنْكِحُ) بضم أوله، من الإنكاح، أي لا يعقد لغيره. قال النوويّ: معناه: لا
يزوّج امرأة بولاية، ولا وكالة. قال العلماء: سببه أنه لما امتنع في مدة الإحرام من العقد
لنفسه، صار كالمرأة، فلا يعقد لنفسه، ولا لغيره. وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن
يزوّج بولاية خاصّة، كالأب، والأخ، والعمّ، ونحوهم، أو بولاية عامّة، وهو
السلطان، والقاضي، ونائبه. وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا، وقال
بعض أصحابنا: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة؛ لأنها يستفاد بها ما لا يستفاد
بالخاصّة، ولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة، دون الخاصة.

٢٩
٩١- (النّئُ عن ذلِكَ) - حديث رقم ٢٨٤٣
(واعلم): أن النهي عن النكاح، والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم
ينقعد، سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة، أو العاقد لهما بولاية، أو وكالة، فالنكاح
باطل في كلّ ذلك، حتى لو كان الزوجان، والوليّ محلين، ووكل الوليّ، أو الزوج
محرمًا في العقد لم ينعقد. انتهى كلام النوويّ رحمه اللّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ هنا، من أن النهي للتحريم،
وأن النكاح لا ينعقد هو الحقّ الذي لا محيد عنه، ولكن سبق له أن قال في الخِطبة أنه
نهي تنزيه، وهذا تفريق فيه نظر، إذ لا دليل يفرّق بينهما، فمصدرهما واحد، فيجب
التسوية بينهما. فتأمل.
وهذا الذي تقدم من تحريم نكام المحرم، هو الذي عليه جماهير أهل العلم، كما
سبق، فإنهم رجحوا حديث ميمونة على حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهم؛ لما
ورد عن ميمونة رضي اللّه تعالى عنها أن النبيّ وَّ تزوجها، وهو حلال، فیقدم حديثها؛
لكونها صاحبة الواقعة، فهي أعلم من غيرها، ووافقها على ذلك أبو رافع، وقال:
وكنت السفير بينهما، ولكون حديثها أوفق لحديث عثمان رضي اللّه تعالى عنه القوليّ
المذكور في الباب، قالوا: ولو سلّم أن حديث ابن عباس يعارض حديث ميمونة رضي
اللَّه تعالى عنهم يسقط الحديثان للتعارض، ويبقى حديث عثمان القوليّ سالما عن
المعارضة. وسيأتي تمام البحث في ذلك في ((كتاب النكاح))، إن شاء اللّه تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عثمان رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨٤٣/٩١ و٢٨٤٤ و٢٨٤٥ و((النكاح))٣٢٧٥/٣٨ و٣٢٧٦- وفي
(«الكبرى» ٣٨٢٥/٩٠ و٣٨٢٦ و٣٨٢٧ و(«النكاح)» ٥٤١٣/٤٠ و٥٤١٤/٤١. وأخرجه
(م) في ((النكاح )١٤٠٩ (د) في ((المناسك»١٨٤١ (ت) في ((الحج))٨٤٠
و ((النكاح)»١٩٦٦ (أحمد) في ((مسند العشرة» ٤٠٣ و٤٦٤ و ٤٦٨ و٤٩٤ ٤٩٨ و ٥٣٥
(الموطأ) في ((الحج))٧٨٠ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٨٢٣ و((النكاح٢١٩٨٧. والله
تعالى أعلم.
(١) - ((شرح مسلم)) ٩/ ١٩٧ - ١٩٨ .

٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجُ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان النهي عن نكاح المحرم، وقد
مرّ آنفًا أن النهي للتحريم، فلا ينعقد نكاحه أصلاً. (ومنها): تحريم الخطبة على المحرم
أيضًا. (ومنها): أنه لا يجوز أن يعقد المحرم النكاح لغيره أيضًا، لا بالولاية، ولا بالوكالة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٤٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ مَالِكِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ،
عَنْ نُبَيْهِ بْنٍ وَهْبٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((أَنَّهُ نََّى أَنْ يَنْكِحَ
الْمُخْرِمُ، أَوْ يُنْكِحَ، أَوْ يَخْطُبَ))) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((يحيى)):
هو القطان. والحديث أخرجه مسلم، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَىٍ، عَنْ
نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنٍ مَعْمَرٍ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ أَيَنْكِحُ
الْمُخْرِمُ؟، فَقَالَ أَبَانُ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّنَ، حَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ، قَالَ: ((لَا يَنْكِحُ الْمُخْرِمُ،
وَلَا يَخْطُبُ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
من أفراده هو، وابن ماجه، وهو ثقة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. والحديث أخرجه
مسلم، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٩٢- (الْحِجَامَةُ لِلْمُخْرِمِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه))
بنحو ترجمة المصنف رحمه الله تعالى حيث قال: ((باب الحجامة للمحرم)). فقال في
(الفتح)): أي هل يمنع منها، أو تباح له مطلقًا، أو للضرورة؟ والمراد في ذلك كله
المحجوم، لا الحاجم انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) - ((فتح)) ٤ /٥٢٥ .

٣١
٩٢- (الحجامةُ لِلمُخرم) - حديث رقم ٢٨٤٦
٢٨٤٦- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَطَاءِ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ احْتَجَمَ، وَهُوَ مُخْرِمٌ))) .
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة الفقيه المصريّ [٧]٣٥/٣١.
٣- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلْس [٤]٣٥/٣١.
٤- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير
الإرسال [٣]١٥٤/١١٢.
٥- (ابن عباس) عبد الله رضي الله تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والليث،
فمصريّ . (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى
عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما ())أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ اخْتَجَمَ) أي فعل
الحجامة. قال في ((اللسان)): الحَجْم: المصّ، يقال: حجم الصبيّ ثدي أمه: إذا مصّه،
وما حجم الصبيّ ثدي أمه: أي ما مصّه، وثديّ محجوم: أي ممصوص، والحجّام:
المصّاص. قال الأزهريّ: يقال للحجّام حجام؛ لامتصاصه فم المحجمة، وقد حَجَم
يحجِمُ، ويحجُم -أي من بابي ضرب، ونصر- حَجْما. قال الأزهريّ: المِحجمة:
قارورته، وتطرح الهاء، فيقال: مِحجَمٌ، وجمعه مَحَاجم، قال زُهَيرٌ :
وَلَمْ شَرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَم
وقال ابن الأثير: المِحْجَم الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المصّ. انتهى
باختصار (وَهُوَ مُخْرٌِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل. زاد ابن جريج، عن
عطاء: ((صائم))، وزاد زكريا: ((على رأسه)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :

٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨٤٦/٩٢ و٢٨٤٧ و٢٨٤٨- وفي ((الكبرى))٣٨٢٨/٩١ و٣٨٢٩
و٣٨٣٠. وأخرجه (خ) في ((الحج))١٨٣٥ و ((الصوم))١٩٣٨ و((البيوع)»٢١٠٣
و((الإجارة»٢٢٧٨ و٢٢٧٩ و((الطب))٥٦٩١ و٥٦٩٥ و٥٧٠١ (م) في ((الحج) ١٢٠٢
(د) في ((المناسك)) ١٨٣٥ و١٨٣٦ و((الصوم)» ٢٣٧٣ (ت) في ((الصوم)) ٧٧٥ و٧٧٦
و٧٧٧ و((الحج)»٨٣٩ (ق) في ((الصوم))١٦٨٢ و((المناسك))٣٠٨١ (أحمد) في («مسند
بني هاشم))١٨٥٢ و١٩٢٢ و١٩٤٤ و٢١٠٩ و٢٢٢٩ و٢٢٤٣ و٢٢٤٩ و٢٣٣٣
و ٢٣٥١ و٢٥٨٤ و٢٦٥٤ و ٢٨٨٣ و٣٠٦٥ و ٣٠٦٨ و ٣٢٢٣ و٣٢٧٢ و ٣٥١٣ و٣٥٣٧
(الدارميّ) في ((المناسك))١٨١٩ و١٨٢١. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الحجامة للمحرم:
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة للمحرم
حيث كانت من رأس، أو جسد للضرورة، وأما لغير الضرورة في جسده، حيث لا
يحلق شعرًا، فجمهورهم على جوازه، ومالك يمنعه. واتفقوا على أنه إذا احتجم
برأسه، فحلق لها شعرًا أنه يفتدي، وجمهورهم على أن حكم شعر الجسد كذلك، إلا
داود، فإنه لا يرى في حلق شعر الجسد لضرورة الحجامة دمًا. والحسن يوجب عليه
الدم بالحجامة انتهى كلام القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى(١).
وقال في ((الفتح)): إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قطع شعر،
فهي حرام؛ لقطع الشعر، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك. وعن
الحسن فيها الفدية، وإن لم يقطع شعرًا. وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب
الفدية. وخصّ أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس. وقال الداوديّ: إذا أمكن مسك
المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق.
واستدلّ بهذا الحديث على جواز الفصد، وبط الجرح والدّمّل، وقطع العرق، وقلع
الضرس، وغير ذلك من وجوه التداوي، إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي عنه
المحرم من تناول الطيب، وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك انتهى(٢) وهو
تحقيق حسن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
(١) - («المفهم٢٨٩/٣٨ - ٢٩٠.
(٢) - ((فتح) ٤ / ٥٢٧.

٣٣
E
٩٢- (الحجامةُ لِلمُخرم) - حديث رقم ٢٨٤٨
٢٨٤٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءِ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ: ((أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ احْتَجَمَ، وَهُوَ مُخْرِمٌ))) .
قَال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا غير مرّة. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((عمرو)): هو ابن دينار.
[تنبيه]: قوله: ((وعطاءٍ)) بالجرّ، عطفًا على ((طاوس))، فعمرو بن دينار يروي عن كلّ
من طاوس بن كيسان، وعطاء بن أبي رباح، فما وقع في النسخة المطبوعة من ضبط
((عطاء)) بالرفع ضبطَ قلم غلط، فليُتنبّه. والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، كما مر بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٤٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ عَطَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: ((اخْتَجَمَ النَّبِيُّ ◌َّةِ، وَهُوَ مُخْرِمٌ)). ثُمَّ
قَالَ بَعْدُ: أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: ((احْتَجَمَ النَّبِيُّ ◌َّ، وَهُوَ مُخْرِمٌ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
محمد ابن منصور الجوّاز المكيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة. و((سفيان)): هو ابن عيينة.
وقوله: ((ثم قال بعدُ الخ)). القائل عمرو بن دينار، و((بعدُ)) بالبناء على الضمّ؛ لأنها
من الظروف المبنية على الضم لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، أي قال عمرو بعدَ ما
حدثنا عن عطاء: سمعت طاوسًا، والمراد أن عمرو بن دينار حدث سفيان بهذا الحديث
أولاً عن عطاء، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما، ثم حدثه به ثانيًا عن طاوس،
عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما.
وقال البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا
سفيان، قال: قال عمرو: أولَ شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس رضي اللَّه
تعالى عنهما يقولك ((احتجم رسول اللّه وَالير، وهو محرم)). ((ثم سمعته يقول: حدثني
طاوس ، عن ابن عباس، فقلت: لعله سمعه منهما)).
فقال في ((الفتح)): قوله: ((ثم سمعته)) هو مقول سفيان، والضمير لعمرو، وكذا
قوله: ((فقلت: لعله سمعه))، وقد بين ذلك الحميديّ، عن سفيان، فقال: حدثنا بهذا
الحديث عمرو مرّتين، فذكره. لكن قال: «فلا أدري أسمعه منهما، أو كانت إحدى
الروايتين وَهَمًا)). زاد أبو عوانة: قال سفيان: ذَكَرَ لي أنه سمعه منهما جميعًا. وأخرجه
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ابن خزيمة عن عبد الجبّار بن العلاء، عن ابن عيينة نحو رواية علي بن عبد الله، وقال
في آخره: فظننت أنه رواه عنهما جميعًا. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق سليمان بن
أيوب، عن سفيان، قال: عن عمرو، عن عطاء، فذكره. قال: ثم حدثنا عمرو، عن
طاوس به. فقلت لعمرو: إنما كنت حدثتنا عن عطاء، قال: اسكت يا صبيّ، لم
أغلط، كلاهما حدثني .
قال الحافظ: فإن كان هذا محفوظًا، فلعل سفيان تردد في كون عمرو سمعه منهما
لما خشي من كون ذلك صدر منه حالة الغضب. على أنه قد حدث به، فجمعهما. قال
أحمد في ((مسنده)): حدثنا سفيان، قال: قال عمرو أوّلاً، فحفظناه، قال طاوس، عن
ابن عباس، فذكره، فقال أحمد: وقد حدثنا به سفيان، فقال: قال عمرو: عن عطاء،
وطاوس، عن ابن عباس.
قال الحافظ: وكذا جمعهما عن سفيان مسدد عند البخاريّ في ((الطبّ))، وأبو بكر بن
أبي شيبة، وأبو خيثمة، وإسحاق بن راهويه عند مسلم، وقتيبة، عند الترمذيّ،
والنسائيّ. وتابع سفيان على روايته له عن عمرو، لكن عن طاوس وحده زكريا بن
إسحاق. أخرجه أحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة، والحاكم. وله أصل عن عطاء
أيضًا، أخرجه أحمد، ، والنسائيّ من طريق الليث، عن أبي الزبير، ومن طريق ابن
جريج كلاهما عنه انتهى (١) .
والحديث متفقٌ عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٩٣ - (حِجَامَةُ الْمُخْرِم مِنْ عِلَّةٍ تَكُونُ
بِهِ)
٢٨٤٩- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ اخْتَجَمَ، وَهُوَ مُخْرِمٌ،
مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ))) .
(١) - ((فتح) ٤ / ٥٢٦.

٩٤- (حِجَامَةُ الْمُخْرِمِ عَلَى ظَهْرِ القَدَم) - حديث رقم ٢٨٥٠
٣٥
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا
غير مرّة. و((أبو الوليد)): هو هشام بن عبد الملك الطيالسيّ البصريّ الحافظ
الحجة [٩]١٧٢/١٢٢. و(يزيد بن إبراهيم)): هو أبو سعيد التستريّ، نزيل البصرة،
الثقة الثبت، من كبار [٧]١٨/ ١٦٤٨.
وقوله: ((من وَثْءٍ كان به)): بفتح الواو، وسكون المثلّثة، هو وَهْنٌّ في الرجل، دون
الخلع، والكسر، يقال: وُثِتَت رجلُه، فهي موثوءة، ووثأتها أنا، وقد تترك الهمزة. قاله
ابن الأثير (١) .
وفي ((القاموس)): الوَثْءُ، والوَثَاءَةُ: وَضْمٌ يُصيب اللحم، لا يبلغ العِظم، أو توجّعْ
في العظم بلا كسر، أو هو الفكّ، وَثِئَتْ يَدُهُ، كَفَرِحَ، تَثَأُ وَثَّأَّ، وَوَثَأَ، فهي وَثِنَةٌ،
كَفَرِحَة، وَوُثِثَت، كُعُنِي، فهي مَوْتُوءَةٌ، ووَثِيئَةٌ، ووَثَأْتَهَا، وأوثَأْتها، وبه وَثْءٌ، ولا
تقل: وَثْيُ انتهى.
وفي رواية لأحمد: ((من وثي كان بوركه، أو ظهره)).
والحديث صحيح، تفرّد به المصنّف بين أصحاب الأصول، أخرجه هنا -٩٣/
٢٨٤٩- وفي ((الكبرى)) ٣٨٣١/٩٢. وأخرجه (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))
١٤٤٩٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٩٤- (حِجَامَةُ الْمُخْرِمِ عَلَى ظَهْرِ
الْقَدَم)
٢٨٥٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٢) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ اخْتَجَمَ، وَهُوَ مُخْرِمٌ، عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، مِنْ
وَثْءٍ كَانَ بِهِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدموا
(١) - («النهاية» ١٥٠/٥.
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
غير مرّة. و((إسحاق)): هو ابن راهويه. و((عبد الرزاق)): هو ابن همّام. و((معمر)): هو
ابن راشد. و((قتادة)): هو ابن دِعامة.
وقوله: ((من وَثْءٍ)) -بفتح، فسكون -: أي وجع يصيب اللحم، ولا يبلغ العظم، أو
وجع يصيب العظم من غير كسر، وقد تقدّم تصريفه، وتفسيره في الباب الماضي بأتمّ
من هذا.
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا - ٩٤/ ٢٨٥٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٨٣٢/٩٣.
وأخرجه (د) في ((المناسك)) ١٨٣٧ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٢٢٧١ و١٣٤٠٤.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٩٥ - (حِجَامَةُ الْمُخْرِمِ وَسْطَ رَأْسِهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الوَسْط)) هنا بفتح السين، وتُسكّن على قلّة على ما
سيأتي بيانه قريبًا، إن شاء الله تعالى.
٢٨٥١ - أَخْبَرَنِي(١) هِلَالُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ - وَهُوَ ابْنُ عَثْمَةَ-
قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: قَّالَ عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ الْأَعْرَجَ، قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ يُحَدِّثُ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ احْتَجَمَ، وَسَطَ رَأْسِهِ، وَهُوَ
مُخْرِمٌ، بِلَخِي جَلٍ، مِنْ طَرِيقٍ مَكَّةَ)) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هلال بن بشر) بن محبوب المزنيّ، أبو الحسن البصريّ، إمام مسجد يونس
الأحدب، ثقة [١٠]١٤/ ١٤٨٢.
٢- (محمد بن خالد بن عَثْمَة) - بمثلثة ساكنة، قبلها فتحة- ويقال: إنها أمه، الحنفيّ
البصريّ، صدوق يخطىء[١٠].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما أرى بحديثه بأسًا. وقال أبو زرعة: لا بأس به.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما أخطأ.
روى له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٩٥- (حجامة المُخرم وسط رأسِهِ) - حدیث رقم ٢٨٥١
٣٧
=
٣- (سليمان بن بلال) أبو أيوب المدني، ثقة [٨]٥٥٨/٣٠ .
٤- (علقمة بن أبي علقمة) بلال المدنيّ، مولى عائشة، وهو علقمة ابن أم علقمة،
واسمها مرجانة، ثقة عَلّامة [٥]٢٠٣٨/٣.
٥- (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة
ثبت عالم [٣]٧ / ٧ .
٦- (عبد الله ابن بُحَينة) - بضم الموحدة، وفتح الحاء المهملة، بعدها ياء ساكنة، ثم
نون، بعدها هاء- اسم أم عبد الله، ولذا كتبت الألف في ((ابن بُحينة))، وهو عبد الله بن
مالك بن القِشْب الأزديّ، أبو محمد، حليف بني المطّلب، يعرف بابن بُحينة -
الصحابيّ المعروف، مات رضي اللَّه تعالى عنه بعد (٥٠) تقدّم في ١٤١ / ١١٠٦.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وشيخ شيخه، فمن رجال
الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه أيضًا، فبصريّان.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن الأعرج رحمه اللّه تعالى، أنه (قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ) رضي اللّه تعالى
عنه (يُحَدِّثُ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَيهِ اخْتَجَمَ، وَسَطَ رَأْسِهِ) بالنصب على أنه مفعول به لما
قبله، لا منصوب على الظرفية.
قال الفيوميّ: يقال: ضربت وَسَطَ رأسه بالفتح؛ لأنه اسم لما يكتنفه من جهاته غيرُهُ،
ويصحّ دخول العوامل عليه، فيكون فاعلاً، ومفعولاً، ومبتدأ، فيقال: اتسع وسَطُهُ،
وضربتُ وسَطَ رأسه، وجلستُ في وسَطِ الدار، ووسَطُهُ خيرٌ من طَرَفه، قالوا: والسكون
فيه لغة. وأما وَسْطٌ بالسكون، فهو بمعنى ((بَيْنَ))، نحو جلست وسْطَ القوم، أي بينهم
انتهى. فتبيّن بهذا أن ((وسط)) هنا نُصب على أنه مفعول به، وليس منصوبًا على الظرفية.
وقال في ((الفتح)): بفتح السين المهملة، ويجوز تسكينها: أي متوسطه، وهو ما فوق
اليأفوخ، فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس. وأما
التي في أعلاه، فلا؛ لأنها ربما أعمت(١).
(١) - ((فتح)) ٥٢٧/٤ .

٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(وَهُوَ مُخْرِمٌ، بِلَخِي جَملٍ) بفتح اللام، ويجوز كسرها، وسكون الحاء المهملة، وياء
مثناة تحتيّة، وفي بعض الروايات: ((بلحيي جمل)) أي بياءين بصيغة التثنية، و((جمل)) - بفتح
الجيم، والميم -: اسم موضع بطريق مكة، كما بيّنه هنا. قال الحافظ: ذكر البكريّ في
((معجمه)) في رسم العقيق، قال: هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم في
((التيمم)). وقال غيره -يعني ابن وضاح- هي عقبة الجحفة على سبعة من السُّقيا انتهى.
وقال صاحب ((القاموس)): ((لَخْيُ جمل)): موضع بين الحرمين، وإلى المدينة أقرب.
وزعم أن السقيا - بالضم -: موضع بين المدينة، ووادي الصفراء. وما ظنه بعضهم من
أن المراد بلحي جمل أحد فَكّي الجمل الذي هو ذكر الإبل، وأن فكّه كان هو آلة
الحجامة، أي احتجم بعظم جمل، فهو غلط، لا شكّ فيه.
وجزم الحازميّ وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع(١) وقوله (مِنْ طَرِيقٍ مَكَّةَ) بيان
لموقع ((لحي جمل)). وهذا الحديث صرح بأن حجامته وَ لّ كانت في رأسه، وصرّح في
حديث أنس الماضي أنها كانت على ظهر قدمه، وفي حديث جابر المتقدم قبل باب في
رواية أحمد أنها كانت بوركه، أو ظهره، والجمع بين هذه الروايات أن تحمل على أنها
تعدّدت الحجامة منه وعلاجية.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: اتفقت الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
أنه احتجم ◌ّله وهو محرم في رأسه، ووافقها حديث ابن بُحينة ◌َّه، وخالف ذلك
حديث أنس رَزّه، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، في ((الشمائل))، والنسائيّ، وصححه
ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معمر، عن قتادة، عنه، قال: ((احتجم النبيّ وَّ وهو
محرم، على ظهر القدم، من وجع كان به)). ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أباداود
حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة، رواه عن قتادة، فأرسله، وسعيد أحفظ من
معمر. وليست هذه بعلة قادحة، والجمع بين الحديثين واضح بالحمل على التعدد،
أشار إلى ذلك الطبريّ انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله ابن بُحينة رضي اللّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) - ((فتح)) ٤ / ٥٢٧.
(٢) - راجع ((المرعاة)) ٣٨٤/١٠. ونقلته ببعض تصرّف.

٩٦- (فِي المُخرم يؤذيه القملُ فِي رأسِهِ) - حديث رقم ٢٨٥٢
٣٩
=
أخرجه هنا - ٢٨٥١/٩٤- وفي ((الكبرى))٣٨٣٣/٩٤. وأخرجه (خ) في ((الحج))
١٨٣٦ و((الطبّ)) ٥٦٩٩ (م) في ((الحج)» ١٢٠٣ (ق) في ((الطبّ))٣٤٨١ (أحمد) في
((باقي مسند الأنصار))٢٢٤١ (الدارميّ) في ((المناسك))١٨٢٠. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٩٦- (فِي الْمُحْرِمِ يُؤْذِيهِ الْقَمْلُ فِي
رَأْسِهِ)
٢٨٥٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ
ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ أَبِي لَيْلَىِ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجِرَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لََّ، مُخْرِمًا،
فَاذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ أَنْ يَخْلِقَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: ((صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ
أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنٍ، مُذَّيْنٍ، أَوِ انْسُكْ شَاةَ، أَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة
ثبت [١١]٢٠/١٩.
٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي،
ثقة فقيه [١٠]٩/ ٩ .
٣- (ابن القاسم) هو: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادة الْعُتَقيّ، أبو عبد الله
المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار[ ١٠]٢٠/١٩.
٤- (مالك) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٧]٧/ ٧ .
٥- (عبد الكريم بن مالك الْجَزَريّ) أبو سعيد الحرانيّ، مولى بني أمية، ويقال له:
الْخِضْرَميّ- بالخاء المعجمة المكسورة، والضاد المعجمة الساكنة- نسبة إلى قرية من
قُرَى اليمامة، ثقة ثبت [٦].
رَأَى أنسا، وروى عن عطاء، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير،

٤٠
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ
ومجاهد، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وغيرهم. ورَوَى عنه أيوب السختياني،
وهو من أقرانه ، وابن جريج، ومالك ، ومعمر ، ومسعر ، وزهير بن معاوية ، وغيرهم.
قال أحمد: ثقة ثبت، وهو أثبت من خُصَيف، وهو صاحب سنة. وقال معاوية بن
صالح عن يحيى بن معين: ثقة ثبت. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال
ابن عمار، والعجلى، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغير واحد: ثقة . وقال أبو زرعة
الدمشقي: ثقة، أخذ عنه الأكابر، قال سفيان: ما رأيت غريبا أثبت منه. وقال يعقوب
ابن شيبة: هو إلى الضعف ما هو؟ وهو صدوق، وقد روى عنه مالك، وكان ممن يَنتقي
الرجال. وقال الحميدي عن سفيان: كان حافظا، وكان من الثقات، لا يقول: إلا
سمعت، وحدثنا، ورأيت. وقال الثوري لابن عيينة: أرأيت عبد الكريم الجزري،
وأيوب ، وعمرو بن دينار؟ ، فهؤلاء، ومن أشبههم ليس لأحد فيهم متكلم. وقال
الدوري عن ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء رديء. قال ابن عدي -يعني عن
عائشة: ((كان النبي ◌َّ يقبلها، ولا يحدث وضوءا))، إنما أراد ابن معين هذا؛ لأنه ليس
بمحفوظ، ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة، يرويها عن قوم ثقات، وإذا روى عنه
الثقات، فأحاديثه مستقيمة. وقال النسائي: أنا إبراهيم بن يعقوب، عن أحمد ، قال:
قلت لعلي -يعني ابن المديني -: عبد الكريم إلى من تضمه؟ قال: ذاك ثبت، قلت: هو
مثل ابن أبي نجيح، قال: ابن أبي نجيح أعلم بمجاهد، وهو أعلم بالمشايخ، وهو ثقة
ثبت. وقال أبو عروبة: هو ثبت عند العارفين بالنقل. وقال ابن نمير ، والترمذي، وأبو
بكر البزار، وابن البرقي، والدارقطني: ثقة. وقال سفيان الثوري: ما رأيت أفضل منه،
كان يحدث بشيء لا يوجد إلا عنده، فلا يعرف ذلك فيه -يعني لا يفتخر- وقال
عبد الله بن عمرو الرَّقْي: قال لي سفيان بن سعيد: يا أبا وهب، لقد جاءنا صاحبكم
عبد الكريم الجزري بأحاديث، لو حَدّث بها هؤلاء الكوفيون ما زالوا يفتخرون بها علينا،
منها: ((الندم توبة)). وقال صالح بن أحمد، عن علي بن المديني: قلت ليحيى بن
سعيد: حدث عبد الكريم، عن عطاء في لحم البغل، فقال: ما سمعته، وأنكره یحیی.
وقال ابن عبد البر: كان ثقة، مأمونا، كثير الحديث. وقال ابن سعد، وغير واحد: مات
سنة سبع وعشرين ومائة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث، برقم
٢٨٥٢ و٢٩٧٧ و٣٠٨٢ و٣٧٢٨ و٣٨٦٧ و٣٩٣٣ و٤٣٣٠ و٤٣٣٣ و٥٠٧٥ . والله
تعالى أعلم.
٦- (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣]٣١/٢٧.
٧- (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢]١٠٤/٨٦.