Indexed OCR Text

Pages 381-400

٨٠- (إِذَاَ ضَحِكَ الْمُخْرِمُ، فَقَطِنَ ... - حديث رقم ٢٨٢٥
٣٨١
المعجمة، بعدها همزة ساكنة، أي تارة، والمراد أنه يركضه تارة، ويسير بسهولة
أخرى. قاله في ((الفتح)).
وفي ((اللسان)): الشأو: الطَّلَقُ، والشوط. والشأو: الغاية، والأمد. قال: ويقال:
عدا الفرسُ شأوًا، أو شأوين: أي طَلَقًّا، أو طلقين. انتهى. و((الطلق -بفتحين، أو
بكسر، فسكون -: الشوط.
وقوله: ((فلقيت رجلاً من بني غفار)). قال الحافظ: لم أقف على اسمه.
وقوله: ((قال: تركته، وهو قائل بالسقيا))، أي يريد القيلولة بالموضع المسمى
بالسُّقْيا- بضم السين المهملة، وسكون القاف، بعدها تحتانيّة مقصورة -: قرية جامعة
بين مكة والمدينة.
وعند البخاريّ: ((تركته بِتَغْهِن، وهو قائل السقيا)). قال في ((الفتح)): و((تعهن)) -
بكسر المثناة، وبفتحها، بعدها عين مهملة ساكنة، ثم هاء مكسورة، ثم نون -. ورواية
الأكثر بالكسر، وبه قيّدها البكريّ في ((معجم البلاد)). ووقع في رواية عند الكشميهنيّ
بكسر أوله، وثالثه، ولغيرهما بفتحهما. وحكى أبو ذرّ الهرويّ أنه سمعها من العرب
بذلك المكان بفتح الهاء، ومنهم من يضمّ التاء، ويفتح العين، ويكسر الهاء. وقيل: هو
من تغييراتهم، والصواب الأول. وأغرب أبو موسى المدينيّ، فضبطه بضم أوله،
وثانيه، وبتشديد الهاء، قال: ومنهم من يكسر التاء. وأصحاب الحديث يسكنون
العين. ووقع في رواية الإسماعيليّ ((بِدِغْهِن)) بالدال المهملة بدل المثناة.
وقوله: «قائل)» قال النووي: روي بوجهين:
أصحّهما، وأشهرهما بهمزة بين الألف واللام، من القيلولة، أي تركته في الليل
بتعهن، وعزمُهُ أن يَقِيل بالسقيا، فمعنى قوله: ((وهو قائل))، أي سيقيل.
والوجه الثاني أنه قابل بالموحدة، وهو غريب، وكأنه تصحيف، فإن صحّ فمعناه أن
تعهن موضع مقابل للسقيا، فعلى الأول الضمير في قوله: ((وهو)) للنبيّ وَّ. وعلى
الثاني الضمير للموضع، وهو تعهن، ولا شكّ أن الأول أصوب، وأكثر فائدة.
وأغرب القرطبيّ، فقال: ((وهو قائل)) اسم فاعل من القول، أو من القائلة، والأول
هو المراد هنا، و((السقيا)) مفعول بفعل مضمر. وكأنه كان بتعهن، وهو يقول لأصحابه:
اقصدوا السقيا.
ووقع عند الإسماعيليّ من طريق ابن علية، عن هشام: ((وهو قائم بالسقيا))، فأبدل
اللام في ((قائل)) ميمًا، وزاد الباء في ((السقيا)). قال الإسماعيليّ: الصحيح ((قائل))
باللام. قال الحافظ: وزيادة الباء توهي الاحتمال الأخير المذكور انتهى (١).
(١) - ((فتح)٩ ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥.

٣٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وقوله: ((يقرءون عليك السلام)) -بفتح الياء، من قرأت ثلاثيًّا. قال الفيّوميّ: وقرأتُ
على زيد السلامَ أقرؤه عليه قراءةً، وإذا أمرت منه قلتَ: اقرأ عليه السلامَ. قال
الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقرأه السلام؛ لأنه بمعنى ((اتلُ عليه)).
وحكى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رباعيًّا، فيقال: فلان يُقرِئك السلامَ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنه إذا تعدى بحرف الجرّ، كهذا الحديث،
فهو ثلاثيّ مفتوح الأول، لا غير، وإذا تعدى بنفسه، فهو رباعيّ، لا غير. والله تعالى
أعلم.
وفيه استحباب إرسال السلام إلى الغائب، سواء كان أفضل من المرسل، أم لا؟؛ لأنه
إذا أرسله إلى من هو أفضل، فمن دونه أولى. قال النوويّ: قال أصحابنا: ويجب على
الرسول تبليغه، ويجب على المرسل إليه ردّ الجواب حين يبلّغه على الفور انتهى(١).
وقوله: ((قد خَشُوا)) بفتح الخاء، وضم الشين المعجمتين، لا بفتحها، كما ◌ُنَّ،
وأصله ((خَشِيوا)) بكسرها، فنقلت ضمة الياء إليها؛ استثقالاً للصعود من الكسرة إلى
الضمة،، ثم حذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين، فصار ((خَشُوا)) بفتح، فضمّ، فليُتنبه.
وقوله: ((فانتظرهم)) بصيغة فعل الأمر، من الانتظار. وقوله: ((فانتَظَرَهُمْ)) بصيغة فعل
الماضي، أي انتظر النبيّ ◌َلّ أصحابه.
وقوله: ((وعندي منه)) فيه حذف مبتدإ، أي عندي منه فاضلةٌ. ويدلّ على هذا
المحذوف ما يأتي في الرواية التالية، بلفظ: («فأنبأته أن عندنا من لحمه فاضلةً. أي قطعة
فاضلة، أي بقيت بعد أكله. وفي رواية البخاريّ: ((وعندي منه فاضلة)). أي قطعة فضلت
منه: أي بقيت. ويحتمل أن تكون ((من)) اسمًا بمعنى ((بعض)) مبتدأ خبره الظرف قبله،
أي وبعضه كائن عندي. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((فقال للقوم: كلوا)) صيغة الأمر هنا للإباحة، لا للوجوب؛ لأنها وقعت
جوابا عن سؤالهم عن الجواز، لا عن الوجوب، فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال.
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم يذكر في هذه الرواية أنه وَ ر أكل من
لحمها، وذُكر عند البخاريّ في روايتي أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، ولم يَذكر
ذلك أحد من الرواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره. ووافقه صالح بن حسان عند
أحمد، وأبي داود الطيالسيّ، وأبي عوانة، ولفظه: ((فقال: كلوا، وأطعموني))، وكذا لم
يذكرها أحد من الرواة عن أبي قتادة نفسه إلا المطلب، عند سعيد بن منصور. ووقع لنا
من رواية أبي محمد، وعطاء بن يسار، وأبي صالح، ومن رواية أبي سلمة بن
(١) - ((شرح مسلم)٣٤٨/٨٨.

٨٠- (إِذَاَ ضَحِكَ الْمُخْرِمُ، فَقَطِنَ ... - حديث رقم ٢٨٢٦
٣٨٣ =
عبد الرحمن، عند إسحاق، ومن رواية عباد بن تميم، وسعد بن إبراهيم عند أحمد.
والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: تفرد معمر، عن يحيى بن أبي كثير بزيادة مضادّة لروايتي أبي حازم،
كما أخرجه إسحاق، وابن خزيمة، والدارقطنيّ من طريقه، وقال في آخره: ((فذكرت
شأنه لرسول اللَّه وَ لجر، وقلت: إنما اصطدته لك، فأمر أصحابه، فأكلوه، ولم يأكل
منه، حين أخبرته أني اصطدته له)). قال ابن خزيمة، وأبو بكر النيسابوريّ،
والدار قطنيّ، والجوزقيّ: تفرّد بهذه الزيادة معمر، قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة
محفوظة احتمل أن يكون النبيّ وَ لّ أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يُعلمه أبو قتادة أنه
اصطاده من أجله، فلما أعلمه امتنع. انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لو كان حراما ما أُقرّ النبيّ وَّر على أكله منه إلى أن
أعلمه أبو قتادة بأنه اصطاده لأجله (١) .
ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز، فإن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي
يعلم أنه صيد من أجله، وأما إذا أُتي بلحم، لا يدري ألحم صيد، أو لا، فحمله على
أصل الإباحة، فأكل منه، لم يكن ذلك حرامًا على الآكل.
قال: وعندي بعد ذلك فيه وقفة؛ فإن الروايات المتقدّمة ظاهرة في أن الذي تأخر هو
العضد، وأنه ◌َّ أكلها حتى تعرّقها، أي لم يُبق منها إلا العظم. ووقع عند البخاريّ في
((الهبة)): ((حتى نفّدها))، أي فرّغها. فأيُّ شيء يبقى منها حتى يأمر أصحابه بأكله. لكن
رواية أبي محمد عند البخاريّ في ((الصيد)): ((أبقي معكم شيء منه؟، قلت: نعم،
قال: كلو، فهو طعمة أطعمكموها اللَّه))، فأشعر بأنه بقي منها غير العضد. والله تعالى
أعلم. انتهى كلام الحافظ(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وبقية مباحثه تقدمت قبل باب، فراجعها تزدد علمًا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٢٦ - أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّسَائِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٣) مُحَمَّدٌ -وَهُوَ
ابْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - وَهُوَ ابْنُ سَلَّام- عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِ قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْيَرَهُ، أَنَّهُ غَزَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، غَزْوَةَ
الْحُدَنِيَةِ، قَالَ: فَأَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ، غَيْرِي، فَاصْطَدْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، فَأَطْعَمْتُ أَصْحَابِي مِنْهُ،
(١) - قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا التعقّب نظر لا يخفى.
(٢) - ((فتح)) ٤ / ٥٠١.
(٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٣٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وَهُمْ مُحْرِمُونَ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِ، فَأَنْبَأْتُهُ أَنَّ عِنْدَنَا مِنْ لَحْمِهِ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ:
((كُلُوهُ، وَهُمْ مُخْرِمُونَ))) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
عبيدالله بن فضالة بن إبراهيم النسائيّ، فإنه من أفراده، وهو ثقة ثبت [١١]١٧/ ٨٩٨.
و((معاوية بن سلّام)) بتشديد اللام: هو أبو سلّام الدمشقي، وكان يسكن حمص،
ثقة [٧]١٤٧٩/١٣. وقوله: ((فاضلة)): أي قطعة فاضلة، وبقية.
والحديث أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)» .
٨١- (إِذَا أَشَارَ الْمُخْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ،
فَقَتَلَهُ الْحَلَالُ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: جواب ((إذا)) محذوف لدلالة الحديث عليه، تقديره:
لا يجوز للمحرم أكله. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٨٢٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) شُعْبَةُ، قَالَ:
أَخْبَرَنِ عُثْمَانُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ
أَبِيهِ، أَتُهُمْ كَانُوا فِي مَسِيرٍ لَهُمْ، بَعْضُهُمْ مُخْرِمٌ، وَبَعْضُهُمْ لَيْسَ بِمُخْرِمٍ، قَالَ: فَرَأَيْتُ
حِمَارَ وَحْشٍ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَأَخَذْتُ الرُّمْحَ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبُوْا أَنْ يُعِينُّونِي، فَاخْتَلَسْتُ
سَوْطًا مِنْ بَعْضِهِمْ، فَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ، فَأَصَبْتُهُ، فَأَكَلُوا مِنْهُ، فَأَشْفَقُوا، قَالَ: فَسُئِلَ
عَنْ ذَلِكَ النَِّيُّ ◌َِّ؟، فَقَالَ: ((هَلْ أَشَرْتُمْ، أَوْ أَعَنْتُمْ؟))، قَالُوا: لَا، قَالَ: ((فَكُلُوا))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((أبو
داود)): هو سليمان بن داود الطيالسيّ. و((عثمان بن عبد الله بن موهب)) -بفتح الميم،
والهاء- المدنيّ الأعرج، ثقة [٤]٤٦٨/٥. وفي ((الفتح)): مدنيّ تابعيّ، روى عن تابعيّ
أكبر منه قليلاً. انتهى (٢).
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) - ((فتح) ٤ / ٤٩٩ .

٨١- (إِذاَ أَشَارَ الْمُخْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ، ... - حديث رقم ٢٨٢٨
٣٨٥=
وقوله: ((فاختلست سوطا)) أي سلبته، وأخذته من صاحبه بسرعة. وقوله:
((فشددت)): أي عدوت، وأسرعت إلى ذلك الحمار، فهو بمعنى قوله في الرواية
الأخرى: «فحملت علیه)).
وقوله: ((فأشفقوا)»: أي خافوا من أكلهم لحم ذلك الصيد.
وقوله: ((هل أشرتم الخ)) وفي رواية البخاريّ: «أمنكم أحد أمره أن يَحمل عليها، أو
أشار إليها؟)). وفيه أنه لو أمر المحرم الحلال باصطياده، أو أشار عليه، فإنه لا يحلّ له
أكله، وهو محلّ استدلال المصنف على ما ترجم له.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبقت بقية مباحثه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٨٢٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ
عَمْرٍوٍ، عَنِ الْمُطَّلِبٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، يَقُولُ: ((صَيْدُ الْبَرْ لَكُمْ
حَلَاَلٌ، مَاَ لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَاذْ لَكُمْ)) .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ
رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (يعقوب بن عبد الرحمن) القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زهرة،
ثقة [٨]٧٣٩/٤٥ .
٣- (عمرو) بن أبي عمرو، واسمه ميسرة، مولى المطّلب بن عبد الله بن حنطب
المخزوميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوق (١)، ربما وهم[٥].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: في
حديثه ضعف، ليس بالقويّ. وقال أبو خيثمة، عن ابن معين: ضعيف. وقال
أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال البخاريّ: روى عن عكرمة في قصّة
البهيمة، فلا أدري سمع منه، أو لا؟. وقال الآجريّ: سألت أبا داود عنه؟ فقال: ليس
هو بذاك، حدث عنه مالك بحديثين، روى عن عكرمة، عن ابن عباس: ((من أتى بهيمة
حُدَّ)). وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن عديّ: لا بأس به؛ لأن مالكًا يروي عنه،
(١) هذا هو الحقُّ، كما سيظهر من أقوال الأئمة فيه، وأما قول الحافظ في ((التقريب)»: ثقة، ففيه نظر
لا يخفى فتنبَّة. والله تعالى أعلم.

٣٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة. وقال ابن سعد: مات في خلافة أبي جعفر، وزيادُ
ابنُ عبيدالله على المدينة. وكان كثير الحديث، صاحب مراسيل. وقال عثمان الدارميّ
في حديث رواه في الأطعمة: هذا الحديث فيه ضعف، من أجل عمرو بن أبي عمرو.
وقال ابن حبان في ((الثقات)): ربما أخطأ، يُعتبر حديثه من رواية الثقات عنه. وقال
العجليّ: ثقة ينكر عليه حديث البهيمة. وقال الساجيّ: صدوق، إلا أنه تِهِم. وكذا قال
الأزديّ. وقال الطحاويّ: تُكلّم في روايته بغير إسقاط(١). وأرّخ ابن قانع وفاته سنة
(٤٤)(٢). وقال الذهبيّ: حديثه حسن، منحطّ عن الرتبة العلياء من الصحيح. قال
الحافظ: كذا قال، وحقّ العبارة أن يُحذف («العليا)). انتهى. أخرج له الجماعة، وله في
هذا الكتاب حديثان، هذا ٢٨٢٨ وحديث: ((اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ... ))
كرره خمس مزّات برقم(٣) ٥٤٤٩٠ و٥٤٤٥٠ و ٥٤٥٣ و٥٤٧٦ و ٥٥٠٣ .
٤- (والمطّلب) بن عبد الله بن المطّلب بن حنطب بن الحارث المخزوميّ، صدوق
كثير التدليس، والإرسال [٤]٨١/٦٥.
٥- (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
رضي اللّه تعالى عنهما٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. (ومنها): أن
فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه جابر وَّر من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ، يَقُولُ: ((صَيْدُ
الْبَرِّ) أي مصَيده (لَكُمْ حَلَالٌ) أي وأنتم حُرُم، كما في رواية الترمذيّ، وغيره، وهو
بضمتين، جمع حرام، بمعنى المحرم. يعني أن أكل لحم الصيد في حال إحرامكم حلال
لكم (مَا لَمْ تَصِيدُوهُ) ((ما)) مصدرية ظرفية، أي مدّة عدم صيدكم له (أَوْ يُصَاذْ لَكُمْ) ووقع
(١) - هكذا نسخة (تهذيب الكمال)) ولعله أراد إذا روى بغير إرسال، يعني أنه روى حديثا موصولا
يتكلم فيه، فما بالك إذا أرسل؟. والله أعلم.
(٢) - أي بعد مائة. وفي ((التقريب)): مات بعد الخمسين. أي ومائة.
(٣) - أي بترقيم الشيخ أبي غدّة رحمه الله تعالى.

٨١- (إِذاَ أَشَارَ الْمُخْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ، ... - حديث رقم ٢٨٢٨
٣٨٧
في ((الكبرى)): ((أو يُصَد لكم)) بحذف الألف من الوسط، وهو الجادّة.
قال الحافظ السيوطي رحمه اللّه تعالى في ((حاشية أبي داود)): كذا في النسخ -يعني
((أو يصاد)) بالألف، والجاري على قوانين العربية: ((أوْ يُصَدْ))؛ لأنه معطوف على
المجزوم.
ونقل في شرحه لهذا الكتاب عن الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى، قال: هكذا
رواية ((يُصاد)) بالألف، وهي جائزة، على لغة، ومنه قول الشاعر [من الرجز]:
إِذَا الْعَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلْقِ وَلَا تَرَضَّاهَا وَلَا تَمَلَّقٍ (١)
وقوله [من الطويل]:
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادٍ
وقال السنديّ رحمه الله تعالى في ((شرحه)): قلت: والوجه نصب ((يصاد)) على أن
((أو((بمعنى ((إلَّا))، فلا إشكال. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ وجه حسن، لو ساعدته
الرواية، والذي يفهم من كلام وليّ الدين رحمه اللّه تعالى، أن الرواية بالجزم مع إثبات
الألف، فإذا كان كذلك، فلا وجه لتوجيهه بالنصب؛ لأن الرواية هي المعتمدة، فما قاله
وليّ الدين هو المتعيّن. والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائيّ رحمه اللّه تعالى (عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
فِي الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف بهذا تضعيف هذا الحديث، من أجل
عمرو بن أبي عمرو، فقط، لكن الذي يظهر لي أن تضعيف الحديث ليس قاصرا على
عمرو هذا، فإن عمرًا وثقه كثير من أهل العلم، كما تقدم في ترجمته، فليس ضعف
الحديث بسببه فقط، وإنما ضعف الحديث من وجوه أخرى أيضًا، سنذكرها قريبًا .
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قد تبع النسائيَّ على هذا ابنُ حزم، فقال:
خبر جابر ساقط؛ لأنه عن عمرو، وهو ضعيف، وقد سبقهما إلى تضعيفه يحيى بن
معين، وغيره، لكن وثّقه أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن عديّ، وغيرهم،
وأخرج له الشيخان في ((صحيحيهما))، ، فوجب قبول خبره، وقد سكت أبو داود على
(١) - وبعده :
وَاعْمِذْ لأُخْرَى ذَاتِ دَلِّ مُونِقٍ
لَيْنَةِ الْمَسُّ كَمَسُ الْخِزْنِقِ
(٢) - ((شرح السندي ١٨٧/٥٤.

٣٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ
حديثه هذا، فهو عنده إما حسن، أو صحيح، وصححه الحاكم في ((المستدرك))،
وقال: إنه على شرط الشيخين. ولكن المطلب بن عبد الله بن حنطب لم يخرج له واحد
من الشیخین في ((صحیحه)) .
وهذا يدلّ على أن الحاكم لا يريد بكونه على شرطهما أن يكون رجال إسناده في
كتابيهما، كما ذكره جماعة؛ لأنه لا يجهل كون الشيخين لم يخرجا للمطلب، فدلّ على
أن مراده أن يكون راويه في كتابيهما، أو في طبقة من أخرجا له.
نعم أعلّ الترمذيّ هذا الحديث بالانقطاع بين المطلب وبين جابر، فقال: لا يُعرف له
سماع منه. وكذا قال أبو حاتم، وقال البخاريّ: لا أعرف للمطلب سماعًا من أحد من
الصحابة، إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبيّ وَّر. وقال الدارميّ مثله. ذكره
السيوطيّ في شرحه(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول وليّ الدين: وهذا يدل على أن الحاكم الخ)) فيه
نظر لا يخفى، بل ما ذكره الجماعة هو الصواب، وقوله: ((لأنه لا يجهل الخ)) هذا
استدلال غريب،، فقد صحح الحاكم أحاديث في أسانيدها راوة متروكون أو
وضاعون، فهل يجاب عنه بمثل هذا؟، هذا شيء عجيب !!!. والله تعالى أعلم.
وقال ابن التركمانيّ رحمه الله تعالى في معرض رده على البيهقيّ في تقويته حديث
جابر هذا: ما نصّه: فالحديث في نفسه معلول، عمرو بن أبي عمرو مع اضطرابه في
هذا الحديث متكلم فيه، قال ابن معين، وأبو داود: ليس بالقويّ، زاد يحيى: وكان
مالك يستضعفه. وقال السعديّ مضطرب الحديث. والمطلب قال فيه ابن سعد: ليس
يحتجّ بحديثه؛ لأنه يرسل عن النبيّ وَ لو كثيرًا، وعامة أصحابه يدلسون، ثم الحديث
مرسل، قال الترمذيّ: المطلب لا يعرف له سماع من جابر.
فظهر بهذا أن الحديث فيه أربع علل:
(إحداها): الكلام في المطلب. (ثانيتها): أنه ولو كان ثقة، فلا سماع له من جابر،
فالحديث مرسل. (ثالثتها): الكلام في عمرو. (رابعتها): أنه وإن كان ثقة، فقد اختلف
فيه، فقيل: عنه، عن المطلب بن عبد الله، عن جابر. وقيل: عنه عن رجل من بني
سلمة، عن جابر. ورواه الطحاويّ من وجه آخر، عن المطلب، عن أبي موسى. انتهى
كلام ابن التركمانيّ رحمه الله تعالى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا
(١) - ((زهر الربى)) ١٨٧/٥ - ١٨٨.
(٢) - راجه ((الجوهر النقيّ في الردّ على البيهقي)) ١٩١/٥.

٨٣- (قَتَلُ الْكَلْبِ العَقُورِ) - حديث رقم ٢٨٢٩
٣٨٩ =
ضعيف للعلل المذكورة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا ضعيف، كما مرّ الكلام عليه آنفًا.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨٢٨/٨١- وفي ((الكبرى)) ٣٨١٠/٨٠. وأخرجه (د) في ((المناسك))
١٨٥١ (ت) في ((الحج))٨٤٦ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٤٤٧٨. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٨٢- (مَا يَقْتُلُ الْمُخْرِمُ مَنَ الصَّيْدِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((ما)) اسم موصول خبر لمحذوف، أي هذه الأبواب
الآتية في ذكر الأحاديث الدّالّة على الحيوانات التي يجوز للمحرم قتلها، وهي من
الصید .
والظاهر أن هذه الترجمة بمنزلة الكتاب، والتراجم الآتية بمنزلة الفصول له. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٨٣- (قَتْلُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ)
٢٨٢٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ:
(خَمْسٌ لَيْسَ عَلَى الْمُخْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ،
وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) .
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.

٣٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٢- (مالك) بن أنس المدنيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧]٧/٧.
٣- (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]١٢/١٢.
٤- (ابن عمر) عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما ١٢/ ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٤٥) من رباعيّات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد على
الإطلاق، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، وقد سبق غير مرّة.
(ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، و((بَغْلان)) قرية من قرى بَلْغَ.
(ومنها): أن فيه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ، قَالَ: ((خَمْسٌ) أي من
الدواب، وهو مبتدأ؛ لتخصصه بالصفة المقدّرة، وخبره جملة ((ليس على المحرم الخ)).
قال الحافظ رحمه اللَّه تعالى: التقييد بالخمس، وإن كان مفهومه اختصاص
المذكورات بذلك، لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثرين، وعلى تقدير اعتباره،
فيحتمل أن يكون قاله وَل ل أوّلاً، ثم بيّن بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في
الحكم. فقد ورد في بعض طرق عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ: ((أربع))، وفي
بعض طرقها بلفظ: ((ستّ)). فأما طريق ((أربع)) فأخرجها مسلم من طريق القاسم، عنها،
فأسقط الغراب. وأما طريق ((ست))، فأخرجها أبو عوانة في ((المستخرج)) من طريق
المحاربيّ، عن هشام، عن أبيه، عنها، فأثبتها، وزاد الحيّة. ويشهد لها ما رواه مسلم
عن شيبان بن فرّوخ، عن أبي عوانة، عن زيد بن جبير، قال: سأل رجل ابن عمر: ما
يقتل المحرم، من الدواب، وهو محرم؟، قال: حدثتني إحدى نسوة النبيّ وَلّ: (أنه
كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحُدياً، والغراب، والحيّة)).
وأغرب عياض، فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى، فصارت سبعًا. وتُعُقّب
بأن الأفعى داخلة في مسمى الحية. والحديث الذي ذُكِرَت فيه أخرجه أبو عوانة في
(المستخرج)) من طريق ابن عون، عن نافع في آخر حديث الباب، قال: قلت النافع:
فالأفعى؟ قال: ومن يشكّ في الأفعى؟ انتهى.
وقد وقع في حديث أبي سعيد، عند أبي داود نحو رواية شيبان، وزاد السبع العادي،
فصارت سبعًا.

٣٩١ ==
٨٣- (قَتَلُ الْكَلْبِ العَقُورِ) - حديث رقم ٢٨٢٩
وفي حديث أبي هريرة تعظمفيه عند ابن خزيمة، وابن المنذر زيادة ذكر الذئب، والنمر
على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار تسعًا. لكن أفاد ابن خزيمة عنّ الذهليّ أن
ذكر الذئب، والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور.
ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وأبو
داود من طريق سعيد بن المسيّب، عن النبيّ وَّة، قال: ((يقتل المحرم الحية،
والذئب)). ورجاله ثقات. وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطاة، عن وَبَرَة، عن ابن
عمر، قال: ((أمر رسول اللّه ◌َ ل1 بقتل الذئب للمحرم)). وحجاج ضعيف، وخالفه
مسعر، عن وبرة، فرواه موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة،
زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال. والله أعلم انتهى(١).
(لَيْسَ عَلَى الْمُخْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ) أي إثم، وفي الرواية الآتية في - ٢٨٣٦/٨٨-
من طريق الزهريّ، عَن سالم، عن أبيه: ((خمس من الدواب، لا جناح في قتلهنّ على
من قتلهن في الحرم، والإحرام ... )). وفي رواية لمسلم من طريق معمر، عن
الزهريّ، عن عروة، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها بلفظ: ((يُقتلن في الحلّ والحرم)).
فعرف بهذا أنه لا إثم في قتلها على المحرم، ولا على الحلال، في الحرم، ولا في
غيره. ويعرف حكم الحلال أيضًا بكونه لم يقم به مانع، وهو الإحرام، فهو بالجواز
أولی.
ثم إنه ليس في نفي الجناح، وكذا الحرج في طريق سالم دلالة على أرجحية الفعل
على الترك، لكن ورد في طريق زيد بن جبير عند مسلم، بلفظ: ((أمر))، وكذا في طريق
معمر، ولأبي عوانة من طريق ابن نمير، عن هشام، عن أبيه بلفظ: ((ليقتل المحرم)).
وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل الندب، والإباحة.
وروى البزار من طريق أبي رافع، قال: ((بينا رسول اللّه ◌َّر في صلاته، إذ ضرب
شيئًا، فإذا هي عقرب، فقتلها، وأمر بقتل العقرب، والحية، والفأرة، والحدأة
للمحرم)). لكن هذا الأمر ورد بعد الحظر؛ لعموم نهي المحرم عن القتل، فلا يكون
للوجوب، ولا للندب، ويؤيّد ذلك رواية الليث، عن نافع، بلفظ: ((أذن)). أخرجه
مسلم، والنسائيّ، عن قتيبة، عنه، لكن لم يسق مسلم لفظه. وفي حديث أبي هريرة
رَّه عند أبي داود، وغيره: ((خمس قتلهنّ حلال للمحرم)) انتهى.
(١) - ((فتح)) ٥٠٨/٤ - ٥٠٩ .
.

٣٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(الْغُرَابُ) زاد في رواية سعيد بن المسيب، عن عائشة، عند مسلم: ((الأبقع))، وهو
الذي في ظهره، أو بطنه بياض. وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث، كما حكاه
ابن المنذر وغيره. قال الحافظ: ثم وجدت ابن خزيمة قد صرّح باختياره، وهو قضيّة
حمل المطلق على المقيّد. وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصحّ؛ لأنها من رواية
قتادة، عن سعيد، وهو مدلس، وقد شذّ بذلك. وقال ابن عبد البرّ: لا تثبت هذه
الزيادة. وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصحّ.
وفي جميع هذا التعليل نظر:
أما دعوى التدليس، فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلّسين إلا ما هو
مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة، بل صرّح النسائيّ في روايته من طريق النضر بن
شُميل، عن شعبة بسماع قتادة. وأما نفي الثبوت، فمردود بإخراج مسلم. وأما الترجيح
فليس من شرط قبول الزيادة، بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك هنا. نعم
قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء، وتحريم الأكل.
وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحبّ من ذلك، ويقال له:
غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا
بالأبقع.
ومنها الغُدَاف على الصحيح كما في ((الروضة))، بخلاف تصحيح الرافعيّ، وسمى
ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل: سمي غراب
البين؛ لأنه بان عن نوحّالَّلهُ لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة،
فوقع عليها، ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به، فكان إذا نعب
مرتين، قالوا: آذن بشرّ، وإذا نعب ثلاثًا قالوا: آذن بخير، فأبطل الإسلام ذلك.
وكان ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما إذا سمع الغراب قال: اللَّهم لا طير إلا
طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك.
وقال صاحب ((الهداية)): المراد بالغراب في الحديث الغداف، والأبقع؛ لأنهما
يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع، فلا. وكذا استثناه ابن قُدامة، وما أظنّ فيه خلافًا.
وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود، إن صحّ، حيث قال فيه:
((ويرمي الغراب، ولا يقتله)). وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن عليّ، ومجاهد.
قال ابن المنذر: أباح كل من يُحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا ما جاء عن
عطاء، قال في محرم كسر قرن(١) غراب، فقال: إن أدماه، فعليه الجزاء. وقال
(١) - هكذا في ((الفتح))، ولينظر هل للغراب قرن؟، أو لعله مصحف من جناح. والله تعالى أعلم.

٣٩٣
٨٣- (قَتَلُ الْكَلْبِ العَقُورِ) - حديث رقم ٢٨٢٩
الخطابيّ: لم يتابع أحد عطاء على هذا انتهى.
ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع. وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب،
والحدأة، هل يتقيّد جواز قتلهما بأن يبتدىء بالأذى، وهل يختصّ ذلك بكبارها؟
والمشهور عنهم -كما قال ابن شاس- لا فرق، وفاقًا للجمهور.
ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه، أو في جناحيه، أو بطنه بياض،
أو حمرة. وله ذِكْر في قصّة حفر عبد المطلب لزمزم. وحكمه حكم الأبقع.
ومنها: العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سمي بذلك؛ لأنه يعقّ
فراخه، فيتركها بلا طعام. وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضًا.
ووقع في ((فتاوى قاضي خان)» الحنفيّ: مَن خرج لسفر، فسمع صوت العقعق،
فرجع كَفَر.
وَحُكْمُهُ حُكْمُ الأبقع على الصحيح. وقيل: حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن
أكل الجيف، وإلا فلا بأس به. قاله في (الفتح))(١).
(وَالْحِدَأَةُ) مقصورًا، بوزن عِنَبة، واحدة الْحِدَأ بكسر أوله، وفتح ثانيه، بعدها همزة
بغير مدّ، وحكى صاحب ((المحكم)) المد فيه ندورًا. والهاء فيه ليست للتأنيث، بل هي
للوحدة، كالهاء في ((التمرة)). وحكى الأزهريّ ((حدوة)) بواو بدل الهمزة. ووقع في
رواية البخاريّ في ((بدء الخلق)) بلفظ ((الْحُدَيًّا))، ومثله لمسلم في رواية هشام بن عروة،
عن أبيه. قال: قال قاسم بن ثابت: الوجه فيه الهمزة، وكأنه سهل، ثم أُدغم. وقيل:
هي لغة حجازية، وغيرهم يقول: ((حُديّة))، ومن خواص الحدأة أنها تقف في الطيران،
ويقال: إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين.
[تنبيه]: يلتبس بالحدأة الْحَدَأة بفتح أوله، وهو فأس له رأسان(٢).
(وَالْعَقْرَبُ) هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال لها: عقربة، وعقرباء، وليس منها
العقربان، بل هي دُويبة طويلة، كثيرة القوائم. قال صاحب ((المحكم)): ويقال: إن
عينها في ظهرها، وإنها لا تضرّ ميتًا، ولا نائمًا، حتى يتحرّك. ويقال: لدغته العقرب،
بالغين المعجمة، ولسعته بالمهملتين. وقد تقدّم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها في
حديث الباب، ومن جمعهما. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه وَلّ نبّه بإحداهما على
الأخرى عند الاقتصار، وبيّن حكمهما معًا، حيث جمع. قال ابن المنذر: لا نعلهم
اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها.
(١) - ((فتح)) ٤ / ٥١٠ - ٥١١.
(٢) - ((فتح))٤ / ٥١١.

٣٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وفي رواية: ومن يشكّ فيها؟. وتعقبه ابن عبد البرّ بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق
شعبة أنه سأل الحكم، وحمادًا؟ فقالا: لا يقتل المحرم الحية، ولا العقرب. قال: ومن
حجتهما أنهما من هوام الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوامّ، وهذا
اعتلال لا معنى له. نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية، والعقرب التي لا
تتمكن من الأذى.
(وَالْفَأْرَةُ) بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها
للمحرم، إلا ما حكي عن إبراهيم النخعيّ، فإنه قال: فيها جزاء، إذا قتلها المحرم.
أخرجه ابن المنذر. وقال: هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع أهل العلم.
وروى البيهقيّ بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، قال: لما ذكروا له هذا القول: ما
كان بالكوفة أفحش ردًّا للآثار من إبراهيم النخعيّ؛ لقلة ما سمع منها، ولا أحسن اتباعًا
لها من الشعبيّ؛ لكثرة ما سمع.
ونقل ابن شاس عن المالكية خلافًا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من
الأذى.
والفأر أنواع: منها الْجُرَد - بالجيم، بوزن عُمَر. والْخُلْد - بضم المعجمة، وسكون
اللام -. وفأرة الإبل، وفأرة السمك، وفأرة الغيط. وحكمها في تحريم الأكل، وجواز
القتل سواء. وسيأتي إطلاق اسم الفويسقة عليها في - ٢٨٤٥/٨٨ - ووقع في حديث
أبي سعيد عند ابن ماجه: قيل له: لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبيّ وَلّ استيقظ
لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. وقيل: إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال
سفينة نوح ◌ّالَّرُ. والله تعالى أعلم.
(وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) الكلب معروف، والأنثى كلبة، والجمع أكلُب، وكلاب، وكَلِيب
-بالفتح، كأعبد، وعِباد، وعَبيد. وفي الكلب بهيمية، وسبعية، وفيه منافع للحراسة،
والصيد كما سيأتي في بابه، إن شاء الله تعالى.
وفيه من اقتفاء الأثر، وشمّ الرائحة، وخفّة النوم، والتودّد، وقبول التعليم ما ليس
لغيره. وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح ظلَّلامُ.
و((العقور)) -بفتح العين- مبالغة عاقر، وهو الجارح المفترس. وقد سبق البحث في
نجاسته، وعدمه مستَوفّى في ((الطهارة))، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :

٣٩٥
٨٣- (قتلُ الگلبِ العَقُورِ) - حديث رقم ٢٨٢٩
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٨٢٩/٨٢ و٢٨٣٠/٨٣ و٢٨٣١/٨٤ و٢٨٣٣/٨٦ و٢٨٣٤/٨٧
و ٢٨٣٥/٨٨ و٢٨٣٦- وفي ((الكبرى))٣٨١١/٨١ و٣٨١٢/٨٢ و٣٨١٣/٨٣ و٨٥/
٣٨١٥ و٣٨١٦/٨٦ و٣٨١٧/٨٧ و٣٨١٨ .
وأخرجه (خ) في ((الحج)) ١٨٢٦ وفي ((بدء الخلق)) ٣٢٩٩ و٣٣١١ و٣٣١٣ وفي
((المغازي)) ٤٠١٧ (م) في ((الحج))١١٩٩ و١٢٠٠ (د) في ((المناسك))١٨٤٦
و((الأدب))٥٢٥٢ (ق) في ((المناسك))٣٠٨٨ و((الطبّ)) ٣٥٣٥ (أحمد) في ((مسند
المكثرين)» ٤٤٤٧ و٤٥٢٩ و ٤٥٤٣ و ٤٧٢٣ و٤٨٣٦ و٤٨٦١ و ٤٩١٨ و٥٠٧٢
و٢٧٧٩٠ و٥١١١ و٥١٣٨ و٥٣٠٢ و٥٤٥٢ و٥٥١٦ و٥٩٨٩ و٦١٩٣ (الموطأ) في
((الحج)) ٧٩٨ و٧٩٩ و٨٠٠ (الدارميّ) في ((المناسك))١٨١٦. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: حديث ابن عمر رضي الله تعالى
عنهما هذا أخرجه الشيخان، والنسائيّ، من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وفي
رواية البخاريّ ضمّ عبد الله بن دينار إلى نافع. وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف عن مالك
في إسناد هذا الحديث، ولفظه انتهى.
[فإن قلت]: قد ذكر مالك عبد الله بن دينار تارة، ولم يذكره أخرى.
[قلت]: ليس هذا اختلافًا، فله فيه شيخان، حدّث به في الأكثر عن نافع، وتارة عن
عبد الله بن دينار، وتارة عنهما. وقد أخرجه مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر، عن
عبد الله بن دينار، فهو معروف عنه، من غير طريق مالك. وأخرجه مسلم، والنسائيّ
من طريق الليث بن سعد، وأيوب السختيانيّ، ويحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم، وابن
ماجه من حديث عبيدالله بن عمر. وأخرجه مسلم وحده من حديث ابن جريج، وجرير
ابن حازم، كلهم عن نافع. قال مسلم: ولم يقل أحد منهم: عن نافع، عن ابن عمر،
سمعت النبيّ وَ ﴿ إلا ابن جريج وحده. وقد تابع ابن جريج على ذلك ابن إسحاق، ثم
رواه من طريقه، عن نافع، وفيه: سمعت النبيّ وَّهار.
وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم،
عن أبيه. وأخرجه الشيخان، والنسائيّ من رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سالم، عن
أبيه، عن حفصة. واتفق عليه الشيخان من رواية زيد بن جُبير، عن ابن عمر، قال: حدثتني
إحدى نسوة النبيّ وَّهر. وفي رواية لمسلم: ((والحيّة))، قال: وفي ((الصلاة)) أيضًا.
ولا يضرّ هذا الاختلاف، فالحديث مقبول، سواء كان من رواية ابن عمر، عن النبيّ
وَ*)، أو بواسطة حفصة، أو غيرها، من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهنّ. وقد

٣٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
تقدم من حديث ابن جريج في ((صحيح مسلم)) التصريح بسماع ابن عمر له من النبيّ
وَي﴾(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالكلب العقور هنا:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم، أم لا؟، فروى
سعيد بن منصور بإسناد حسن، عن أبي هريرة تَظّه ، قال: الكلب العقور الأسد.
وعن سفيان، عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور؟ فقال: وأي كلب أعقر
من الحيّة؟. وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصّة. وقال مالك في
((الموطأ)): كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد، والنمر، والفهد،
والذئب، هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصّة، ولا يلتحق به في هذا الحكم
سوى الذئب.
واحتجّ أبو عبيد للجمهور بقوله وَّل: ((اللَّهم سلّط عليه كلبًا من كلابك))، فقتله الأسد،
وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم، من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه. واحتجّ
أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فاشتقّها من اسم
الكلب، فلهذا قيل لكلّ جارح: عقور. واحتجّ الطحاويّ للحنفية بأن العلماء اتفقوا على
تحريم قتل البازي، والصقر، وهما من سباع الطير، فدل ذلك على اختصاص التحريم
بالغراب، والحدأة، وكذلك يختصّ التحريم بالكلب، وما شاركه في صفته، وهو
الذئب. وتُعُقّب برد الاتفاق، فإن مخالفيهم أجازوا قتل كلّ ما عدا، وافترس، فيدخل فيه
الصقر، وغيره، بل معظمهم قال: ويلتحق بالخمس كل ما نهي عن أكله، إلا ما نهي عن
قتله. واختلف في غیر العقور، مما لم يؤمر باقتنائه، فصرّح بتحریم قتله القاضيان: حسین،
والماوَزدِيُّ، وغيرهما. ووقع في ((الأم)) للشافعيّ الجواز(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن ما قاله الإمام مالك تَخّْتُهُ، وذهب إليه
الجمهور من تفسير الكلب بكل ما عقر الناس إلخ هو الأرجح؛ لوضوح حجته. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اتفق العلماء على جواز قتل هذه الخمسة المذكورة في هذا
الحديث في الحلّ والحرم للمحرم، وغيره، إلا ما شذّ مما سنحكيه.
واختلفوا في المعنى في ذلك على مذاهب:
(١) - ((طرح التثريب)) ٥٦/٥ - ٥٧.
(٢) - ((فتح) ٤ / ٥١٢.

٣٩٧
٨٣- (قَتَلُ الْكَلْبِ العَقُورِ) - حديث رقم ٢٨٢٩
(الأول مذهب الشافعية، والحنابلة): قالوا: المعنى كونهنّ مما لا يؤكل، ولا يُنتفع
به، فكل ما لا يؤكل، ولا هو متولّد من مأكول وغيره، ولا منفعة فيه، فقتله جائز
للمحرم، ولا فدية فيه. وعبارة الشافعيّ في ذلك - كما حكاه البيهقيّ- في ((المعرفة)):
فكلّ ما جمع من الوحش أن يكون غير مباح اللحم في الإحلال، وأن يكون يضرّ قَتَلَه
المحرم؛ لأن النبيّ وَلّر إذا أمر أن تقتل الفأرة، والغراب، والحدأة، مع ضعف ضرّهما
إذا كانت مما لا يؤكل لحمه كان ما جمع أن لا يؤكل لحمه، وضّه أكثر من ضرّها أولى
أن یکون قتله مباحًا انتهى.
وقال أصحابه: هذا الضرب ثلاثة أقسام:
(أحدها): ما يستحبّ قتله للمحرم وغيره، وهي المؤذية، كالحيّة، والفأرة،
والعقرب، والخنزير، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، والذئب، والأسد،
والنمر، والدبّ، والنسر، والعقاب، والبرغوث، والبقّ، والزنبور، والقراد، والحلمة،
والقرقس، وأشباهها .
(القسم الثاني): ما فيه نفع، ومضرّة، كالفهد، والعقاب، والبازي، والصقر،
ونحوها، فلا يستحبّ قتله؛ لما فيه من المنفعة، وهو أنه يُعَلَّمُ الاصطياد، ولا يكره؛
لما فيه من المضرّة، وهو أنه يعدو على الناس، والبهائم.
(القسم الثالث): ما لا يظهر فيه نفع، ولا ضرر، كالخنافس، والجعلان، والدود،
والسرطان، والبغاثة، والرحمة، والذباب، وأشباهها، فيكره قتلها، ولا يحرم كما قاله
جمهورهم. وحكى إمام الحرمين وجهًا أنه يحرم قتل الطيور، دون الحشرات. وحكى
ابن عبد البر: هذا التقسيم عن الشافعيّ نفسه من رواية الحسن بن محمد الزعفرانيّ عنه.
وكلام الحنابلة في ذلك مثل كلام الشافعية. قال الشيخ مجدالدين ابن تيمية في
((المحرّر)): ولا يضمن بالإحرام ما لا يؤكل لحمه، لكن يكره له قتله إذا لم يكن مؤذيًا،
وجوّز الشيخ موفق الدين ابن قُدامة في ((المغني)) في قول الخرقيّ في ((مختصره)):
((وكلما عدا عليه، أو آذاه)) وجهين:
(أحدهما): أنه أراد ما بدأ المحرم، فعدا عليه في نفسه، أو ماله.
(والثاني): أنه أراد ما طبعه الأذى، والعدوان، وإن لم يوجد منه أذى في الحال.
وكلام ابن حزم الظاهريّ يوافق ذلك أيضًا، وإن كان لا ينظر إلى المعنى، ولا يُعدّي
بالقياس، لكنه اعتمد أن التحريم إنما ورد في الصيد، فلا يتعدى ذلك لغيره، وأجاب
عن الاقتصار على هذه الخمس بما سيأتي ذكره بعد.
ونقل الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)) كون المعنى عند الشافعيّ منع الأكل

٣٩٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
بواسطة بعض الشارحين، وأراد به النوويّ، ثم قال: وهذا عندي فيه نظر، فإن جواز
القتل غير جواز الاصطياد، وإنما يرى الشافعيّ جواز الاصطياد، وعدم وجوب الجزاء
بالقتل لغير المأكول، وأما جواز الإقدام على قتل ما لا يؤكل، مِمَّا ليس فيه ضرر، فغير
هذا انتهى.
قال وليّ الدين: وفيه نظر، فقد حكى الربيع عن الشافعيّ أنه قال : : لا شيء على
المحرم في قتله من الطير كلّ ما لا يحلّ أكله، قال: وله أن يقتل من داوب الأرض،
وهوامها كل ما لا يحلّ أكله انتهى. فصرّح بأن له قتل ما لا يحلّ أكله من الطير،
والهوامّ.
(الثاني مذهب المالكية): قالوا: المعنى في ذلك كونهنّ مؤذيات، فيلتحق
بالمذكورات كلّ مؤذن. قال ابن شاس في ((الجواهر)) -بعد أن قرر تحريم صيد المأكول
وغيره -: ولا يُستَثْنَى من ذلك إلا ما تناوله الحديث، وهو هذه الخمس، قال:
والمشهور أن الغراب، والحدأة يقتلان، وإن لم يبتدئا بالأذى، وروى أشهب المنع من
ذلك، وقاله ابن القاسم، قال: إلا أن يؤذي، فيقتل إلا أنه إن قتلهما من غير أذى، فلا
شيء عليه. وقال أشهب: إن قتلهما من غير ضرر وداهما، واختلف أيضًا في قتل
صغارهما ابتداء، وفي وجوب الجزاء بقتلهما، وأما غيرهما من الطير، فإن لم يؤذ فلا
يقتل، فإن قتل ففيه الجزاء، وإن آذى فهل يقتل أم لا؟ قولان، وإذا قلنا: لا يقتل،
فقتل، فقولان أيضًا: المشهور نفي وجوب الجزاء. وقال أشهب: عليه في الطير
الفدية، وإن ابتدأت بالضرر. وقال أصبغ: من عدا عليه شيء من سباع الطير، فقتله
وداه بشاة. قال ابن حبيب: وهذا من أصبغ غلط، وحمل بعض المتأخرين قول أصبغ
هذا على أنه كان قادرًا على الدفع بغير القتل، فأما لو تعيّن القبل في الدفع لا يختلف
فيه .
وأما العقرب، والحيّة، والفأرة، فيقتلن حتى الصغير، وما لم يؤذ منها لأنه لا يؤمن
منها الأذى، إلا أن تكون من الصغر بحيث لا يمكن منها الأذى، فيختلف في حكمها،
وهل يلحق صغير غيرها من الحيوان المباح القتل لأذية بصغارها في جواز القتل ابتداء،
فيه خلاف. والمشهور من المذهب أن المراد من الكلب العقور الكلب الوحشيّ،
فيدخل فيه الأسد، والنمر، وما في معناهما. وقيل: المراد الكلب الإنسيّ المتخذ.
وعلى المشهور يقتل صغير هذه، وما لم يؤذ من كبيرها انتهى كلامه.
وذكر الشيخ تقيّ الدين أن المشهور عند المالكية قتل صغار الغراب، والحدأة،
وشنّع عليهم ابن حزم الظاهريّ في تفرقتهم بين صغار الغربان، والحديا، وبين صغار

٨٣- (قَتَلُ الْكَلْبِ العَقُورِ) - حديث رقم ٢٨٢٩
٣٩٩
السباع، والحيّات، وبين سباع الطير، وبين سباع ذوات الأربع، وقال: هلّا قاسوا سباع
الطير على الحدأة، كما قاسوا سباع ذوات الأربع على الكلب العقور؟.
وقوّى الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة)) التعليل بالأذى على التعليل بحرمة
الأكل، فقال: (واعلم): أن التعدية بمعنى الأذى إلى كلّ مؤذ قويّ بالإضافة إلى تصرّف
القياسيين، فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحدّ، وأما
التعليل بحرمة الأكل، ففيه إبطال ما دلّ عليه إيماء النصّ، من التعليل بالفسق؛ لأن
مقتضى العلة أن يتقيّد الحكم بها وجودًا وعدمًا، فإن لم يتقيّد وثبت الحكم عند عدمها
بطل تأثيرها بخصوصها، وهو خلاف ما دلّ عليه ظاهر النصّ من التعليل بها انتهى.
(الثالث مذهب الحنفية): اقتصروا على الخمس المذكورة في هذا الحديث إلا أنهم
ضمّوا إليها الحية أيضًا، وهي منصوصة، كما تقدم، وضموا إليها الذئب أيضًا، قال
صاحب ((الهداية)) منهم: وقد ذكر الذئب في بعض الروايات. وقيل: المراد بالكلب
العقور الذئب، ويقال: إن الذئب في معناه انتهى. وعلى هذا الأخير، فيقال: لم اقتصر
في الإلحاق على الذئب، ولم لا ألحق بالكلب العقور كل ما هو في معناه من نمر،
وخنزير، ودب، وقرد، وغيرها، وذكر الذئب ذكره ابن عبد البرّ من طريق إسماعيل
القاضي، حدثنا نصر بن عليّ، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج، عن وَبَرة،
قال: سمعت ابن عمر يقول: ((أمر رسول اللّه وَل بقتل الذئب ... )) الحديث. قال
القاضي إسماعيل: فإن كان محفوظًا، فإن ابن عمر جعل الذئب في هذا الموضع كلبًا
عقورًا، أي لذكره بدله، قال: وهذا غير ممتنع في اللغة، والمعنى. ورواه البيهقيّ من
رواية مالك بن يحيى، عن يزيد بن هارون، وفيه: قال يزيد بن هارون : -يعني
المحرم- ثم قال البيهقيّ: الحجاج بن أرطاة لا يحتجّ به. وقد رويناه من حديث ابن
المسيب مرسلاً جيدًا، ثم رواه كذلك. وقال ابن عبد البرّ: وقول الأوزاعيّ، والثوريّ،
والحسن بن حيّ نحو قول أبي حنيفة انتهى.
ومحلّ المنع عند الحنفية فيما عدا الخمس، والذئب إذا لم تبدأه السباع، فإن بدأته،
فقتلها دفعًا، فلا شيء عليه عندهم، إلا زفر، فإنه قال: يلزمه دم. وذكر الشيخ ابن دقيق
العيد في ((شرح العمدة)) أن المذكور في كتب الحنفية الاقتصار على الخمس، ونقل غير
واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة أن أبا حنيفة ألحق الذئب بها، وعَدُّوا ذلك من
مناقضاته، ثم قال: ومقتضى مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه أنه لا يجوز اصطياد
الأسد، والنمر، وما في معناها من بقية السباع العادية، والشافعية يردون هذا بظهور
المعنى في المنصوص عليه من الخمس، وهو الأذى الطبيعيّ، والعدوان المركب في

٤٠٠ :
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
هذه الحيوانات، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عدّى القائسون ذلك الحكم إلى
كل ما وجد فيه المعنى، كالستة التي في الربا، وقد وافق أبو حنيفة على التعدية فيها،
وإن اختلف هو والشافعيّ في المعنى الذي يعدّى به. قال: وأقول: المذكورُ ثَمَّ تعليق
الحكم بالألقاب، وهو لا يقتضي مفهومًا عند الجمهور، فالتعدية لا تنافي مقتضى
اللفظ، وهنا لو عدينا لبطلت فائدة التخصيص بالعدد، وعلى هذا المعنى عوّل بعض
مصنفي الحنفية في التخصيص بالخمس المذكورات، أعني مفهوم العدد انتهى.
قال وليّ الدين: وفي نقله الذئب من غير كتب الحنفية نظر، فهو مصرح به في
((الهداية))، وغيرها من كتبهم، وما نقله عن مقتضى مذهبهم من منع اصطياد الأسد،
ونحوه، قد صرّحوا به في كتبهم، وقالوا: إن على قاتله الجزاء، وممن صرح به
صاحب ((الهداية))، إلا أن يقتله لصياله عليه، فلا شيء عليه، إلا عند زفر، فإنه أوجب
الجزاء بقتله للدفع عند الصيال، لكن صاحب ((الهداية)) قال بعد كلامه المتقدم أوّلاً:
والضب، واليربوع، ليسا من الخمسة المستثناة؛ لأنهما لا يبتدئان بالأذى، وليس في
قتل البعوض، والنمل، والبراغيث، والقراد شيء؛ لأنها ليست بصيود، وليست بمتولدة
من البدن، بل هي مؤذية بطباعها انتهى.
ومقتضاه موافقة من قال: إنه يلحق بالمذكورات كل مؤذ بالطبع، فإن كون الضبّ،
واليربوع ليسا من الخمسة أمر معلوم، وإنما أراد ليس لهما حكمها، وعلل ذلك بأنهما
لا يبتدئان بالأذى، ومقتضى ذلك ثبوت الحكم لكل ما يبتدىء بالأذى، ثم قوّى ذلك
بما ذكره في البعوض، ونحوه، ولا سيما تعليله بأنها مؤذية بطباعها.
ثم إن الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى اقتصر في ردّ ذلك على القياس مع
ورود النصّ فيه، رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َّه
عن النبيّ وَّ، قال: ((يقتل المحرم السبع العادي، والكلب العقور، والفأرة،
والعقرب، والحدأة، والغراب)). لفظ الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسن.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: بل هو حديث ضعيف؛ لأن في سنده يزيد بن أبي
زياد، وهو ضعيف، كان يتلقن لكبره، وكان شعيا، فلا يصلح الحديث للاحتجاج به،
فتنبه .
قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: يقتل المحرم السبع العادي.
ولفظ أبي داود: إن النبيّ وَله سئل عما يقتل المحرم؟ قال: ((الحية، والعرب،
والفويسقة، ويرمي الغرابَ، ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي)).
ولم يذكر ابن ماجه ((الحدأة))، ولا ((الغراب))، وزاد: فقيل له: لم قيل لها الفويسقة؟