Indexed OCR Text
Pages 321-340
٧٤۔ (رگُوبُ البدنةِ) - حديث رقم ٢٧٩٩ ٣٢١ == بعض الروايات بلفظ ((ويحك)) بدل ((ويلك)). قال الهرويّ: ((ويل)) يقال لمن وقع في هلكة يستحقّها، و((ويح)) لمن وقع في هلكة لا يستحقّها انتهى(١) (فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ) ووقع في رواية همام عند مسلم: ((ويلك اركبها، ويلك اركبها)). ولأحمد من رواية عبد الرحمن بن إسحاق، والثوريّ، كلاهما عن أبي الزناد، ومن طريق عجلان، عن أبي هريرة، قال: ((اركبها ويحك))، قال: إنها بدنة، قال: ((اركبها ويحك)). زاد أبو يعلى من رواية الحسن: ((فركبها))، إلا أنها ضعيفة. وللبخاريّ من طريق عكرمة، عن أبي هريرة ◌َّه: «فلقد رأيته راكبها، يساير النبيّ وَّر، والنعل في عنقها)). قال الحافظ: وتبيّن بهذه الطرق أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ولو كان المراد مدلولها اللغويّ لم يحصل الجواب بقوله: إنها بدنة؛ لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظنّ أنه خفي كونها هديًا، فلذلك قال: إنها بدنة. والحقّ أنه لم يخف ذلك على النبيّ وَلهو لكونها كانت مقلّدة، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته: ((ويلك)) انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث : (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٧٩٩/٧٤ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٨١/٧٣. وأخرجه (خ) في ((الحج))١٦٨٩ و١٧٠٦ و((الوصايا))٢٧٥٥ و((الأدب))٦١٦٠ (م) في ((الحج)) في ((الحج)) ١٣٢٢ (د) في ((المناسك)) ١٧٦٠ (ق) ٣١٠٣ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٤٠٤ و٧٦٧٩ و٢٧٣٣٩ و٩٦٦٣ و٩٧٧٧ و٩٨٣٦ و٩٨٧٣ و٩٩٤٢ و١٠١٨٨ (الموطأ) في ((الحج)) ٨٤٨. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو مشروعية ركوب البدنة، مطلقًا، سواء كان واجبًا، أو متطوّعًا به؛ لكونه وَلو لم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك، فدلّ على أن ذلك لا يختلف بذلك. وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد من حديث عليّ: ((أنه سئل، هل يركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس، قد كان النبيّ وَّل يمز (١) - ((فتح)) ٤ / ٣٥٦ - ٣٥٧ . - ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ بالرجال يمشون، فيأمرهم يركبون هديه))، أي هدي النبيّ بَّر. إسناده صالح. قاله الحافظ رحمه اللّه تعالى(١). (ومنها): تكرير الفتوى، والندب إلى المبادرة إلى الامتثال الأمر، وزجر من لم يبادر إلى ذلك، وتوبيخه. (ومنها): جواز مسايرة الكبار في السفر. (ومنها): أن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير، لا يأنف عن إرشاده إليها. (ومنها): أن البخاريّ رحمه الله تعالى استنبط من هذا الحديث جواز انتفاع الواقف بوقفه، حيث بوب بقوله: ((باب هل ينتفع الواقف بوقفه))، قال: وقد اشترط عمر لا جُناح على من وليه أن يأكل، وقد يلي الواقف وغيره، قال: وكذلك من جعل بدنة، أو شيئًا للَّه، فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره، وإن لم يشترط انتهى. قال وليّ الدين: وقد قال أصحابنا يجوز أن ينتفع الواقف بأوقافه العامة كآحاد الناس كالصلاة في بقعة جعلها مسجدًا، أو الشرب من بئر وقفها، والمطالعة في كتاب وقفه على المسلمين، والشرب من كيزان سبّلها على العموم، والطبخ في قِدر وقفها على العموم أيضًا، والمشهور عندهم منع وقف الإنسان على نفسه، وهو المنصوص للشافعيّ، ومع ذلك، فاختلفوا فيما لو شرط الواقف النظر لنفسه، وشرط أجرة، هل يصح هذا الشرط. وقال النوويّ: الأرجح هنا جوازه. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، ويتقيد ذلك بأجرة المثل انتهى(٢). (ومنها): أن جواز ركوب الهدي ما لم يضرّ به الركوب؛ لحديث جابر ◌َّه الآتي بعد باب: ((اركبها بالمعروف)). وهذا متفق عليه بين العلماء. قال وليّ الدين: قال الشافعية، والحنفية: ومتى نقصت بالركوب ضمن النقصان. ومقتضى نقل ابن عبد البرّ عن مالك أنه لا يضمن انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما نقل عن مالك هو ظاهر الحديث. والله تعالى أعلم. (ومنها): أنه قال الشافعية، والحنفية: كما يجوز ركوبها، يجوز الحمل عليها. ورواه ابن أبي شيبة، عن عطاء، وطاوس. ومنع مالك الحمل عليها، وقال: لا يركبها بالمحمل، حكاه ابن المنذر. وظاهر إطلاق الحديث أن له أن يركبها كيف شاء، ما لم يضرّ بها. والحمل مقيس على الركوب. أفاده وليّ الدين. (ومنها): ما قيل: أنه كما يجوز له الركوب بنفسه يجوز له إقامة غيره في ذلك مقامه (١) - ((فتح)" ٤ / ٣٥٥. (٢) - ((طرح التثريب»٥/ ١٤٧ - ١٤٨. -٣٢٣ ٧٤- (رکُوبُ البدنةِ) - حديث رقم ٢٧٩٩ بالعارية. وحكى ابن المنذر عن الشافعيّ أنه قال: له أن يحمل المعيي، والمضطرّ على هديه. ونقل القاضي عياض الإجماع على منع إجارتها؛ لأنها بيع للمنافع. (ومنها): أن بعضهم ألحق بالهدايا في ذلك الضحايا، فله أن يركبها إذا احتاج إلى ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم ركوب الهدايا : اختلفوا في هذا على مذاهب: (أحدها): الجواز مطلقًا. حكاه ابن المنذر عن عروة بن الزبير، وأحمد، وإسحاق. وكذا حكاه النوويّ في ((شرحي مسلم، والمهذب)) عنهم، وعن مالك في رواية، وعن أهل الظاهر. وحكاه الخطابيّ عن أحمد، وإسحاق، وصرّح عنهما بأنهما لم يشترطا منه حاجة إليه. وهذا هو الذي جزم به الرافعيّ، والنوويّ في ((الروضة)) في ((كتاب الضحايا)). وحكاه النوويّ في ((شرح المهذّب)) عن الماورديّ، والقفال. (الثاني): الجواز بشرط الاحتياج لذلك، ولا يركبها من غير حاجة. قال النوويّ في (شرح مسلم)): إنه مذهب الشافعيّ، ونقله في ((شرح المهذب)) عن تصريح الشيخ أبي حامد، والبندنيجيّ، والمتولّي، وصاحب ((البيان))، وآخرين، قال: وهو ظاهر نصّ الشافعيّ، فإنه قال: يركب الهدي إذا اضطرّ إليه. وتقييد الجواز بشرط الحاجة هو المشهور من مذهب مالك، وأحمد. وجزم المجد ابن تيمية في ((المحرّر)) بجواز ركوبها مع الحاجة ما لم يضر بها، وبهذا قال ابن المنذر، وجماعة، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وحكاه الترمذيّ عن الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. (الثالث): الجواز بشرط الاضطرار لذلك، نقله ابن المنذر عن الشافعيّ، فقال: وقال الشافعيّ: يركبها إذا اضطرّ ركوبًا، غير قادح، ولا يركبها إلا من ضرورة. وكذا حكى الخطابيّ عن الشافعيّ، ورواه مالك في ((الموطإ)) عن عروة بن الزبير. وقال ابن المنذر في ((الإشراف)): وقال أصحاب الرأي: لا يركبها، وإن احتاج، ولم يجد منه بدًا حمل عليه، وركبه. وروى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ، قال: لا يركب البدنة، ولا يحمل عليها إلا مِنْ أَمْرٍ لا يجد منه بدًّا. وحكاه الخطابيّ عن الثوريّ. وقال ابن عبد البرّ: الذي ذهب إليه مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، وأكثر الفقهاء كراهية ركوب الهدي من غير ضرورة انتهى. (الرابع): منع ركوبها مطلقًا. قال ابن المنذر: وقال الثوريّ في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال: الولد، واللبن، والركوب، فإذا سُمِيت بدنًا ذهبت المنافع. وروى ابن أبي ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْخَجْ شيبة عن مجاهد: ﴿لَكُّ فِيَهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾ قال: في ألبانها، وظهورها، وأوبارها حتى تسمّى بدنًا، فإذا سميت بدنًا فمحلها إلى البيت العتيق. (الخامس): وجوب ركوبها، حكاه القاضي عياض، وابن عبد البرّ عن بعض أهل الظاهر؛ تمسكًا بظاهر الأمر، ولخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة، والسائبة. قال الحافظ وليّ الدين: فمن قال بالجواز مطلقًا تمسّك بظاهر هذا الحديث، فإنه وَ ل﴿ أمر بذلك، والأمر هنا للإباحة، ولم يقيّد ذلك بشيء، ومن قيّد الجواز بالحاجة، أو الضرورة قال: هذه واقعة محتملة، وقد دلّت رواية أخرى على أن هذا الرجل كان محتاجا للرکوب، أو مضطرًا له. روى النسائيّ عن أنس ◌َظمي أن النبيّ وَ ل رأى رجلا يسوق بدنة، وقد جهده المشي قال: ((اركبها ... )) الحديث(١)، وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبيّ وَله يقول: ((اركبها بالمعروف، إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا))(٢). ورواه مسلم أيضًا من هذا الوجه بدون قوله: ((إذا ألجئت إليها)). ومن منع مطلقًا، فهذا الحديث حجة عليه، ولعله لم يبلغه، ولعل أحدًا لم يقل بهذا المذهب، ويكون معنى قول الثوريّ: ذهبت المنافع، أي بالملك، وإن بقيت بالارتفاق. ومن أوجب فإنه حمل الأمر على الوجوب، ووجهه أيضًا مخالفة ما كانت الجاهليّة عليه من إكرام البَحِير، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وإهمالها بلا ركوب. ودليل الجمهور أنه وَل ـ أهدى، ولم يركب هدية، ولم يأمر الناس بركوب الهدايا. انتهى كلام وليّ الدين ببعض تصرّف(٣). قال الحافظ: وفيه نظر؛ لما تقدم من حديث عليّ رَّه ، وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح، ورواه أبو داود في ((المراسيل)) عن عطاء: ((كان النبيّ وَالله يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها، ويركبها غير منهكها، قلت: ما ذا؟ قال: الرجل الراجل، والمتبع السير، فإن نُتجت حمل عليها ولدها)). ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعيّن طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسان من الهلاك. انتهى كلام الحافظ . (١) - هو الحديث الآتي في الباب التالي. (٢) - هو الحديث الآتي بعد باب. (٣) - ((طرح التثريب)) ١٤٤/٥ - ١٤٦. ٣٢٥ == ٧٤- (ركُوبُ البَدَنَةِ) - حديث رقم ٢٧٩٩ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ رحمه الله تعالى من وجوب الركوب عند شدة الحاجة حسنٌ جدًّا. والحاصل أن ركوب الهدي بالمعروف جائز عند الاضطرار حتى تزول الضرورة، والدليل على اعتبار هذه القيود حديث جابر تظنّه عند مسلم، والآتي للمصنف بعد باب: ((اركبها بالمعروف إذ أُلجئت إليها حتى تجد ظهرًا))، فإن مفهومه أنه يركبها بلا إلحاق ضرر بها، إذا كان هو مضطرًّا لركوبها، وأنه إذا وجد غيرها تركها. ثم إنه إذا كان يخاف على نفسه إن لم يركب كان ركوبها واجبًا عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): واختلف المجيزون، هل يحمل عليها متاعه؟ فمنعه مالك، وأجازه الجمهور. وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضًا على التفصيل المتقدّم. ونقل القاضي عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها. وقال الطحاويّ في ((اختلاف العلماء)): قال أصحابنا، والشافعيّ: إن احتلب منها شيئًا تصدّق به، فإن أكله تصدّق بثمنه، ويركب إذا احتاج، فإن نقصه ذلك ضمن. وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يَغْرَم، ولا يركب إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم. وقال الثوريّ: لا يركب إلا إذا اضطرّ. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٨٠٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (٢) عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، رَأَى رَجُلاَ يَسُوقُ بَدَنَةٌ، فَقَالَ: (ارْكَبْهَا))، قَالَ: إِنَّا بَدَنَةٌ، قَالَ: ((ارْكَبْهَا))، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: ((ارْكَبْهَا وَيْلَكَ))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((عبدة)): هو ابن سليمان. و((سعيد)): هو ابن أبي عروبة . والحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا - ٢٨٠٠/٧٤ و٢٨٠١/٧٥ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٨٢/٧٣ و٣٧٨٣/٧٤. وأخرجه (خ) في ١٦٩٠ ((الحجّ)) و٢٧٥٤ (الوصايا)) و((الأدب)) ٦١٥٩ (م) في ((الحج)) ١٣٢٢، وشرحه يعلم من شرح حديث أبي هريرة رَمَّه الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - ((فتح)) ٣٥٦/٤. (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٧٥- (رُكُوبُ الْبَدَنَةِ لِمَنْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ) ٢٨٠١- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، وَقَدْ جَهَدَهُ الْمَشْيُ، قَالَ: ((ارْكَبْهَا))، قَالَ: إِنَّا بَدَنَةٌ، قَالَ: ((ارْكَبْهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَدَنَةً))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة . و((خالد)): هو ابن الحارث الهجيميّ البصريّ. و((حميد)»: هو الطويل البصريّ. و ((ثابت)): هو البنانيّ البصريّ. والسند مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أنس بن مالك تَظّه، أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) من الأحاديث، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة (١) أو (٢) أو (٩٣)، وقد جاوز مائة سنة . والله تعالى أعلم. والحديث متّفق عليه، وشرحه يعلم من شرح حديث أبي هريرة رَمنَّه الماضي. وقوله: ((وقد جهده المشي)): أي شقّ عليه، وأضرّ به. يقال: جهده الأمر، والمرض، من باب نَفَع جَهْدًا: إذا بلغ منه المشقّة، ومنه جهد البلاء. قاله الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٧٦- (رُكُوبُ الْبَدَنَةِ بِالْمَعْرُوفِ) ٢٨٠٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُسْأَلُ عَنْ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ، فَقَالَ: ٧٦۔ (رگُوبُ البدنةً بالمعْرُوفِ) - حديث رقم ٢٨٠٢ ٣٢٧ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَقُولُ: ((ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا أُلْجِثْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠]٤/٤. ٢- (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت إمام[٩]٤/٤. ٣- (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، نسب لجدّ، الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، يدلس، ويرسل [٦]٣٢/٢٨. ٤- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤]٣٥/٣١. ٥- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي اللَّه تعالى عنهما ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، ويحيى، فبصريان. (ومنها): أن فيه جابر بن عبد اللّه رَفيه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن أبي الزبير رحمه اللّه تعالى، أنه (قال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما (يُسْأَلُ عَنْ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية لمسلم: ((عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن ركوب الهدي ... )) الحديث. فتبيّن أن السائل المبهم في رواية المصنّف هو أبو الزبير نفسه (فَقَالَ) جابر رضي اللَّه تعالى عنه (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ، يَقُولُ: ((ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ) أي بالخير، والرفق، والإحسان. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني بالرفق في الركوب، والسير على الوجه المعروف، من غير عنف، ولا إفحاش. انتهى (١) (إِذَا أَلْجِئْتَ إِلَيْهَا) بالبناء للمفعول، يقال: ألجأته إلى كذا، ولَجَّأته بالهمزة، والتضعيف: اضطررته، وأكرهته. أفاده الفيّوميّ. والمعنى هنا: أي إذا اضطُرِرت إلى ركوبها (حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا) قال ابن الأثير: الظهر: الإبل التي يُحمل عليها، وتركب، يقال: عند فلان ظهر: أي إبلٌ، وتُجمع على ظُهران بالضمّ انتهى (٢). وفي ((اللسان)): الظهر: الرُّكاب التي تحمل الأثقال في السفر؛ لحملها إياها على ظُهُورها انتهى. (١) - ((المفهم)»٤٢٣/٣. (٢) - ((النهاية)) ١٦٦/٣ . ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ والمعنى اركب البدنة إلى أن تجد راحلة ليست هديًا، فتركبها بدلاً عن ركوب هديك. والله تعالى أعلم. قال السنديّ: وهل بعد أن ركب اضطرارًا له المداومة على الركوب، أو لا بدّ من النزول إذا رأى قوّة على المشي، قولان. وقد يؤخذ من قوله: ((حتى تجد ظهرًا)) ترجيح القول الأول، وقد يُمنَعُ ذلك بأنها ليست غاية لمداومة الركوب عليها، بل هي غاية لجواز الركوب كلما ألجىء إليه، أي له أن يركب كلما ألجىء إلى أن يجد ظهرًا، فليتأمّل انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته : حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٨٠٢/٧٦- وفي ((الكبرى)) ٣٧٨٤/٧٥. وأخرجه (م) في ((الحجّ)) ١٣٢٤ (د) في ((المناسك)) ١٧٦١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٧٧- (إِيَاحَةُ فَسْخِ الْحَجْ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ) قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: معنى فسخ الحجّ هو أن من أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنا، ولم يسق الهدي، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة قبل الوقوف بعرفة يفسخ نيته بالحج، وينوي عمرة مفردة، فيقصّر، ويحلّ من إحرامه، ثم يحجّ؛ ليصير متمتعًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٠٣ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ (١) - ((شرح السنديّ))١٧٧/٥. ٧٧- (إِيَاحَةُ فَسْخِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ ... - حديث رقم ٢٨٠٣ ٣٢٩ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، وَلَا نُرَى إِلَّ الْحَجَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، طُفْنَا بِالْبَيْتِ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ، مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَذْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ، فَأَخْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، قَالَ: ((أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟))، قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانُ كَذَا وَكَذَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن قدامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ، ثقة [١٠]٢١٤/١٣٧. ٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان يتِهِم من حفظه [٨] ٢/٢. ٣- (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦]٢/٢. ٤- (إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقة فقيه، يرسل كثيرًا [٥] ٣٣/٢٩ . ٥- (الأسود) بن يزيد النخعيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرم ثقة مكثر فقيه [٢]٢٩/ ٣٣ . ٦- (عائشة) بنت الصدّيق رضي اللَّه تعالى عنهما ٥/٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمصّيصيّ، وعائشة تَطُّهَا فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه رواية الراوي عن خاله، فالأسود خال لإبراهيم، فإن أمه مليكة بنت يزيد، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: خَرَجْنَا) أي من المدينة (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَله) وتقدم في - ٢٦٥٠/١٦- أنها قالت: خرجنا مع رسول اللّه ◌َلّ لخمس بقين من ذي القعدة ... )) (وَلَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ) بضم النون، ألا نظنّ، وبفتحها، وهو أقرب، أي لا نعزم، ولا ننوي (فَلَمَّا قَدِمْتَا مَكَّةَ، طُفْنَا بِالْبَيْتِ) المراد طواف الصحابة غيرها، وإلا فهي حائض، لم تطف، كما يأتي قريبًا. وجملة ((طفنا)) جواب ((لَمّا)) (أَمَرَ رَسُولُ اللَّه ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ وَالر) هكذا نسخ ((المجتبى)) بدون عاطف، والجملة مستأنفة جوابًا لسؤال مقدر، كأن سائلاً قال: فبما ذا أمر رسول اللَّه وَ له، فأجابت بقولها: ((أمر رسول اللّه وَ ليل الخ)). وفي ((الكبرى)): ((فأمر رسول اللَّه ◌َلَ)) بالفاء العاطفة، وهو واضح. (مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَذْيَ، أَنْ يَحِلَّ) بضم أوله، من الإحلال، أو من الحلّ، ويؤيد الثاني قوله (فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَذْيَ) أي تحلّل الذين لم يسوقوا الهدي بعمل العمرة، وهذا محلّ الترجمة، ففيه إباحة فسخ الحج بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي، وسيأتي تحقيقِ الخلاف في ذلك في المسألة الآتية، إن شاء اللّه تعالى (وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ) أي الهدي (فَأَحْلَلْنَ) أي بعمل العمرة، وعائشة منهن، لكنها لم تحلل من أجل حيضها، كما أوضحه قولها: ((فلم أطف بالبيت)) (قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ) أي بسرف، كما تقدم (فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) أي لنهي النبيّ وََّ لها عن ذلك حتى تطهر (فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين: هي الليلة التي بعد أيام التشريق، وسميت بذلك لأنهم نفروا من منى، فنزلوا في المحصّب، وباتوا به. قاله النوويّ(١) (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ) أي بعمرة مفردة، وحجة مفردة (وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ) هي الحجة التي أدخلتها على عمرتها قبل أن تحلل لأجل حيضها، فصارت قارنة، ودخلت أفعال العمرة في الحجة، فأرادت أن تعتمر عمرة مفردة كسائر أمهات المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنهنّ (قَالَ) وَرِ (أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟) لعله ◌َّ نسي كونها حائضًا، وإلا فقد أخبرته في أول حيضتها، فأمر أن تبقى على إحرامها غير أن لا تطوف بالبيت (قُلْتُ: لَا) أي لم أطف لأجل الحيض (قَالَ) بَّ (فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ) عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، شقيقها رضي الله تعالى عنهم (إِلَى التَّنْعِيم) بفتح المثناة، وسكون النون، وكسر المهملة: موضع معروف خارج مكة، وهو على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهيّ. وقال المحبّ الطبريّ: التنعيم أبعد من أدنى الحلّ إلى مكة بقليل، وليس بطرف الحلّ، بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحلّ، فقد تجوّز. قال الحافظ: أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات. وروى الفاكهيّ من طريق عبيد بن عمير، قال: إنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له: ناعم، والذي عن اليسار يقال له: منعم، والوادي نعمان. وروى الأزرقي من طريق ابن جريج، قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة ، قال: فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن عليّ بن شافع المسجد الذي (١) - ((شرح مسلم)) ٣٨٠/٨ - ٣٨١. ٧٧- (إِيَاحَةُ فَسْخِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ ... - حديث رقم ٢٨٠٣ ٣٣١ وراء الأكمة، وهو المسجد الخرب. ونقل الفاكهيّ عن ابن جريج وغيره أن ثَمَّ مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى من الحرم هو الذي اعتمرت منه عائشة. وقيل: هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء. ورجحه المحبّ الطبريّ. وقال الفاكهيّ: لا أعلم إلا أني سمعت ابن أبي عمر يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم. قاله في ((الفتح))(١) (فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ) أي محل الوعد للقاء (مَكَانُ كَذَا وَكَذَا) هو المحصّب الذي تقدم ذكره، ففي رواية البخاريّ من طريق القاسم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ((فنزلنا المحصّب، فدعا عبد الرحمن، فقال: ((اخرج بأختك الحرم، فلتهلّ بعمرة، ثم افرغا من طوافكما، أنتظركما ههنا ... )) الحديث. فدلّ على أن الموعد هو المحصّب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠- وتقدم بيان مسائله هناك، وقد بقي هنا الكلام فيما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، فأقول : [مسألة]: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم فسخ الحج بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي : اختلفوا في هذا الفسخ، هل هو خاصّ بالصحابة تلك السنة، أم عامّ لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟. فذهب أحمد، والظاهريّة، وعامة أهل الحديث إلى أنه ليس خاصًّا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكلّ من أحرم بحجّ مفردًا، أو قارنًا، وليس معه هديّ أن يقلب إحرامه عمرة، ويتحلّل بأعمالها. وذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء، من السلف والخلف إلى أنه مختصّ بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليّة، من تحريم العمرة في أشهر الحجّ. واستدلّ للجمهور بحديث أبي ذرّ رَظّه عند مسلم: ((قال: كانت المتعة في الحجّ لأصحاب محمد وَلفر خاصّة))، وفي رواية: ((قال: كانت لنا رخصة)) يعني المتعة في الحج، ومراد أبي ذرّ وَّه بالمتعة المذكورة المتعة التي أمر النبيّ وَّ بها أصحابه، وهي فسخ الحج إلى العمرة، واستدلوا على أن الفسخ المذكور هو مراد أبي ذرّ رَّه (١) - ((فتح)) ٤ / ٤٤٤ - ٤٤٥. ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ بما رواه أبو داود بسنده أن أبا ذرّ تَظ كان يقول فيمن حجّ، ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول اللّه وَله، قالوا: فهذه الرواية فيها التصريح من أبي ذرّ بفسخ الحجّ بالعمرة، وهي تفسير مراده بالمتعة في رواية مسلم. وردّ عليهم بأن هذه الرواية ضعيفة؛ لأن في سندها محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد رواه بالعنعنة . واستدلوا أيضًا بما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ(١)، وابن ماجه، والدارميّ من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، فسخ الحجّ لنا خاصّة، أم للناس عامة؟، قال: ((بل لكم خاصّة)). وردّ عليهم بأنه ضعيف أيضًا لجهالة الحارث بن بلال. وقال أحمد رحمه الله تعالى: حديث بلال بن الحارث عندي ليس يثبت، ولا أقول به، ولا يُعرف هذا الرجل -يعني الحارث بن بلال- قال: وقد روى فسخ الحجّ إلى العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟. وأيضًا حديث أبي ذرّ رَظنّه موقوف عليه، وليس بمرفوع، وللاجتهاد فيه مجال، فلا يصلح لمعارضة الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في ذلك. والحاصل أن أدلة القائلين بمشروعية الفسخ قويّة صريحة لا تحتمل التأويل، فوجب القول بها، فالحقّ أنه مشروع إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ثم اختلف القائلون بالفسخ في حكمه، هل هو واجب، أم مستحب؟: فذهب الإمام أحمد إلى أنه مستحبّ، ومال فريق إلى أنه واجب، وبه قال ابن حزم، وابن القيم، قال ابن حزم: وهو قول ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وإسحاق. واستدلّوا بما رواه أحمد، وابن ماجه، وأبو يعلى، واللفظ لأحمد - ١٨٠٥٢ -من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، قال: خرج رسول اللَّه ◌َ له وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: ((اجعلوا حجكم عمرة))، قال: فقال الناس: يا رسول اللّه، قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟، قال: ((انظروا ما آمركم به، فافعلوا»، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق، حتى دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك؟، أغضبه الله، قال: ((وما لي لا أغضب، وأنا آمر بالأمر، فلا أتبع)). قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ونحن نشهد اللَّه علينا، أنا لو أحرمنا بحجّ لرأينا (١) - سيأتي برقم ٢٨٠٨. ٧٧- (إِيَاحَةُ فَسْخِ الْحَجُ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ ... - حديث رقم ٢٨٠٣ ٣٣٣ فرضًا علينا فسخه إلى عمرة، تفاديا من غضب رسول اللّه وَله، واتباعًا لأمره، فوالله ما نسخ هذا في حیاته، ولا بعده، ولا صحّ حرف واحد یعارضه، ولا خصّ به أصحابه، دون من بعدهم، بل أجرى اللَّه على لسان سراقة أن سأله، هل ذلك مختصّ بهم؟، فأجابه بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكّد الذي غضب رسول اللَّه وَ لّ على من خالفه. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد أطال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((الهدي)) نفسه في تحقيق هذا المقام، وإيضاحه أتم إيضاح بما لا تراه في كتاب غيره، فعليك بمراجعته ٢/ ١٨٠-٢٢٣ . والحاصل أن الأرجح وجوب فسخ الحج بعمل العمرة لمن لم يسق الهدي ممن أحرم بالحجّ مفردًا، أو قارنًا؛ وإنما ملتُ إلى ترجيح الوجوب لتأكيد النبيّ بَّ أمره، حيث غضب على الصحابة في توقفهم، كما تقدم في حديث البراء رضي اللّه تعالى عنه، فلو كان الأمر للندب لكان الصحابة مخيّرین بین فعله وتركه، ولما كان ◌َّێ یغضب عليهم عند مخالفتهم له؛ لأنه لا يغضب إلا حيث تُنتهك حرمات الله تعالى، لا لمجرد مخالفة ما أرشد إليه على جهة الندب، ولا سيما وقد قالوا له: قد أحرمنا بالحجّ، فكيف نجعلها عمرة؟، فقال لهم: ((انظروا ما آمركم به، فافعلوا))، فإن ظاهر هذا أن ذلك الأمر حتم لازم؛ إذ لو كان لبيان الأفضل، أو لقصد الترخيص لهم لبيّن لهم بعد هذه المراجعة، بأن يقول لهم: إن ما أمرتكم به هو الأفضل، أو قال لهم: إني أردت الترخيص لكم، والتخفيف عنكم. وخلاصة الأمر أن من لم يسق الهدي عليه أن يتحلل بعمل العمرة، ثم ينشىء الحج يوم التروية من مكة، كما أمر النبيّ وَلّ بذلك أمرًا مبرمًا جازما مطلقًا عامًا إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ٢٨٠٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ يَحْتَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِوَِّ، لَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿﴿ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَذِيٌّ، أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذْيٌ أَنْ يَحِلَّ)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدموا غير مرّة. و(يحيى)) الأول هو القطان، والثاني هو الأنصاريّ. ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَتَاسِكِ الْحَجْ وقولها: ((إلا أنه الحج)) الضمير للنسك الذي أهلّوا به. والله تعالى أعلم. والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدَم البحث فيه مستوفّى في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٥ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ نَهَ بِالْحَجْ، خَالِصًا، لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، خَالِصًا وَحْدَهُ، فَقَّدِمْنَا مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مَضَّتْ مِنَ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا النَِّيُّ وَِّ، فَقَالَ: ((أَحِلُوا، وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً))، فَبَلَغَّهُ عَنَّا أَنَّا نَقُولُ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْتَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلَّا خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، فَتَرُوحَ إِلَى مِنْى، وَمَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مِنَ الْمَنِيِّ، فَقَامَ النَّبِيُّ وَّهِ، فَخَطَبَنَا، فَقَالَ: ((قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي قُلْتُمْ، وَإِنِّي لَأَبَرُّكُمْ، وَأَتْقَاكُمْ، وَلَوْلَا الْهَدْيُ لَحَلَلْتُ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي، مَا اسْتَذْبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ))، قَالَ: وَقَدِمَ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((بِمَا أَهْلَلْتَ؟))، قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ◌َِّ، قَالَ: ((فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا، كَمَا أَنْتَ))، قَالَ: وَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَنْتَ عُمْرَتَنَا هَذِهِ، لِعَامِنَا هَذَا، أَوْ لِلْأَبَدِ؟ِ، قَالَ: ((هِيَ لِلْأَبَدِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدَّورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠]٢٢/٢١. ٢- (ابن عليّة) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت [٨]١٩/١٨. ٣- (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثر الإرسال [٣]١٥٤/١١٢، والباقيان تقدّما قبل باب. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج. (ومنها): أن فيه جابرًا رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة روى (١٥٤٠) حديثا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَهْلَلْنَا) أي رفعنا أصواتنا بالتلبية (أَضْحَابَ النَّبِيِّ وَّ﴿) بالنصب على الاختصاص، وتقدّم أنه بالنظر للغالب، أو بالنظر لأول الأمر، فلا تنافي بينه، وبين حديث: ((فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة ٧٧- (إِيَاحَةُ فَسْخ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ ... - حديث رقم ٢٨٠٥ ٣٣٥ = وعمرة، ومنا من أهل بالحج ... الحديث (بِالْحَجِّ خَالِصًا، لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ) هذا بيان لمعنى ((خالصًا». وقوله (خَالِصًا وَحْدَهُ) مؤكّد لما قبله (فَقَدِمْنَا مَكّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ، مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) يعنى أنهم وصلوا إلى مكة صباح الليلة الرابعة التي مضت من شهر ذي الحجة، وتلك الصبيحة صبيحة يوم الأحد (فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((أَحِلُوا، وَاجْعَلُوهَا عُمْرَةً))) أي اجعلوا الحجة التي قدمتم بها عمرة، بأن تطوفوا، وتسعوا، وتقصروا، وتتحللوا (فَبَلَغَهُ عَنَّا أَنَّا نَقُولُ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْئَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلَّا خَمْسٌ) أي خمس ليال، وهي ليالي: الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، الجمعة (أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ) بضم أوله، وفتحه (فَتَرُوحَ إِلَى مِنَّى، وَمَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مِنَ الْمَنِيِّ) هذا كناية عن قرب جماع النساء (فَقَامَ النَّبِيُّ وَّهِ، فَخَطَبَنَا، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي قُلْتُمْ) أي من قولهم: لما لم يكن الخ (وَإِنِّي لَأَبَرُّكُمْ) أي أطوعكم للَّه تعالى (وَأَتْقَاكُمْ) له سبحانه (وَلَوْلَا الْهَدْيُ لَحَلَّلْتُ) أي لولا سوقي الهدي معي من المدينة (وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي، مَا اسْتَذْبَرْتُ) أي لو علمت في ابتداء شروعي ما علمته الآن من لحوق المشقّة بكم بانفرادكم بالفسخ، حتى توقفتم، وترددتم، وراجعتموني في ذلك (مَا أَهْدَيْتُ))) جواب (لولا))، أي ما سقت الهدي معي، بل أهللت بحج، ثم فسخت معكم، وهذا قاله وَل﴿ تشجيعًا لهم على امتثال أمره. (قَالَ) جابر رَّهِ (وَقَدِمَ عَلِيٌّ) ابن أبي طالب رَّه (مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ) له النبيّ وَّل (بِمَا أَهْلَلْتَ؟))) ((ما)) استفهامية، وثبتت ألفها مع الجارّ على قلّة. [فائدة]: القاعدة في ((ما)) الاستفهامية عند الجمهور وجوب حذف ألفها إذا كانت مجرورة، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَلَلُونَ﴾، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في «الخلاصة» : أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ و ((مَا)) فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ وقد تثبت بقلة، كما في قول الشاعر: عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ كَخِتْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي الرَّمَادِ وحكاه الأخفش لغة رحمه الله تعالى، (١)، وإليه ذهب الفرّاء رحمه الله تعالى في كتابه ((معاني القرآن))، حيث أعرب ((ما)) في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِ رَبِ﴾ استفهامية، قال: وقد أتمّها الشاعر، وهي استفهاميّة، فقال [من البسيط]: إِنَّا قَتَلْنَا بِقَتْلَانَا سَرَاتَكُمْ أَهْلَ اللَّوَاءِ فَفِيمَا يَكْثُرُ الْقِيلُ(٢) (١) - انظر ((التصريح على التوضيح)) للشيخ خالد الأزهري ٣٤٥/٢. (٢) - انظر ((معاني القرآن)) للفرّاء ٣٧٤/٢. وراجع أيضًا ((الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون)» للسمين الحلبيّ ٢٥٦/٩- ٢٥٧. ٣٣٦ F شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ والله تعالى أعلم. (قَالَ) عليّ رَُّ (بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيِّ ◌َّهِ) ((ما)» هنا موصولة، أي بمثل الإهلال الذي أهلٌ به رسول اللَّه وَله. وفيه جواز تعليق الإحرام بإحرام غيره، كأن يقول: أهللت بما أهلّ به فلان، وقد تقدم البحث عنه مستوفّى (قَالَ) وَلِّ (فَأَهْدِ) أي انحر ھدیًا؛ لأنه واجب عليك، لكونك قارنا، وفيه وجوب الهدي على القارن، وفيه ردّ على ابن حزم، حيث قال: لا يجب الهدي على القارن، وإنما هو على المتمتع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ اٌلْهَدْيِّ﴾ الآية. والظاهر أنه ما انتبه لهذه الرواية، وإلا لما قال ذلك. والله تعالى أعلم. (وَامْكُثْ حَرَامًا) منصوب على الحال، أي حال كونك محرمًا (كَمَا أَنْتَ) أي على ما أنت عليه، فالكاف بمعنى ((على))، أو هي للتشبيه، كن في مستقبلك مثل حالك فيما مضى وقد تقدم تمام البحث في هذا (قَالَ) جابر رضي اللَّه تعالى عنه (وَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم) بن مالك بن عمرو بن تيم بن مُدلج ابن مرّة بن عبد مناة بن كنانة الكنانيّ المدلجيّ، وقد ينسب إلى جده، يكنى أبا سفيان، كان ينزل قُدَيدًا. روى البخاريّ قصّته في إدراكه النبيّ وَ لَّ لَمّا هاجر إلى المدينة، ودعا النبيّ ◌َّ عليه حتى ساخت رجلا فرسه، ثم إنه طلب منه الخلاص، وأنه لا يدلّ عليه، ففعل، وكتب له أمانًا، وأسلم يوم الفتح، ورواها أيضًا من طريق البراء بن عازب، عن أبي بكر الصديق رَّيه. وفي قصّة سراقة مع النبيّ بَله يقول سراقة مخاطبًا لأبي جهل [من الطويل]: أَبَا حَكَم وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا لِأَمْرٍ جَوَادِي إِذْ تَسُوعُ قَوَائِمُهْ عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ وقال ابن عيينة، عن إسرائيل أبي موسى، عن الحسن: أن رسول اللّه وَ لّ قال لسراقة ابن مالك: ((كيف بك إذا لبست سِوَارَيْ كسرى؟»، قال: فلما أتي عمر بسواري كسرى، ومنطقته، وتاجه، دعا سراقة، فألبسه، وكان رجلاً أزبّ(١)، كثير شعر الساعدين، فقال له: ارفع يديك، قل: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هُرْمُز، وألبسهما سراقة الأعرابيّ. وروى ذلك عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم. وروى عنه أيضًا ابن عباس، وجابر، وسعيد ابن المسيّب، وطاوس. قال أبو عمر: مات في خلاف عثمان سنة (٢٤) وقتل من بعده عثمان(٢). (١) أي كثير شعر الصدر. قاله في ((المصباح)). (٢) - راجع الإصابة ج٤/ ١٢٧ - ١٢٨ . ٧٧- (إِيَاحَةُ فَسْخ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ ... - حديث رقم ٢٨٠٦ ٣٣٧ (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَنْتَ) أي أخبرني (عُمْرَتَنَا هَذِهِ، لِعَامِنَا هَذَا، أَوْ لِلْأَبَدِ؟) معناه: هل جواز فسخ الحجّ إلى العمرة لعامنا هذا خاصة، أم للأمة عامة إلى يوم القيامة (قَالَ) ◌ِله (هِيَ لِلْأَبَدِ) وفي رواية: ((بل لأبد أبد)) بإضافة الأول إلى الثاني، و((الأبد)): الدهر، أي هذا لآخر الدهر، أو بغير الإضافة، وكرره للتأكيد. وزاد في رواية ابن الجارود، وأحمد: ((ثلاث مرات)). يعني أن ذلك جائز في كلّ عام، لا يختصّ بعام، دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثًا للتأكيد. وفي رواية لمسلم: فقام سراقة، فقال: يا رسول اللّه، ألعامنا هذا، أم للأبد؟، فشبك أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: ((دخلت العمرة في الحج مرتين، لا، بل للأبد أبدًا)). فتشبيكه وي له أصابعه إشارة إلى اشتراك كلّ الأعوام في ذلك بدون اختصاص أحدها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قد اختَلَفَ العلماء في معنى سؤال سراقة، فقال الجمهور: معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجّ، إبطالاً لما كان عليه الجاهلية. وقيل: معناه جواز القران، أي دخلت أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وقيل: معناه سقوط وجوب العمرة. قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي النسخ بغير دليل، وقال النوويّ: وسياق الحديث يقتضي بطلان هذا التأويل. وقال آخرون: معناه فسخ الحجّ إلى العمرة. وهذا هو الذي يؤيده سياق الحديث، وهو الراجح. وأما قول النووي: إنه ضعيف، فقد رُدَّ عليه، قال الحافظ: وتُعقّب -أي كلام النوويّ- بأن سياق السؤال يقوّي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب وقع عما هو أعمّ من ذلك حتى يتناول التأويلات المذكورة، إلا الثالث انتهى(١). والحاصل أن الصواب أن سؤال سراقة عن فسخ الحجّ إلى العمرة، وجواب النبيّ وَ لخير له واضح في ذلك كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال. وحديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في ٥١/ ٢٧٤٠ - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٦- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْثُم، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ عُمْرَتَنَا هَذِهِ، لِعَامِنَا، أَمْ لِأَبَدٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَِّ:" ((هِيَ لِأَبَدٍ))) . (١) - ((فتح)) ٤ / ٤٤٦. ٣٣٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْخَجِّ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و((محمد)): شيخ ابن بشار هو ابن جعفر، غندر. و((عبد الملك)): هو ابن ميسرة الهلاليّ، أبو زيد العامريّ الكوفيّ الزّرّاد، ثقة [٤]١٣٠/١٠٠. وشرح الحديث تقدم في الذي قبله. وهو حديث صحيح، أخرجه المصنف رحمه اللَّه تعالى هنا ٢٨٠٦/٧٧- وفي «الكبرى» ٣٧٨٨/٧٦ و٣٧٨٩ . وأخرجه (ق) في ((المناسك)) ٢٩٧٧ (أحمد) في ((مسند الشامين)) ١٧١٣٢. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٧ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِینَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ سُرَاقَةُ: تَمَّتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ، وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ، فَقُلْنَا: أَلَنَا خَاصَّةَ، أَمْ لِأَبَدٍ؟، قَالَ: ((بَلْ لِأَبَدٍ))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عبدة)): هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة ثبت، من صغار[٨]٣٣٩/٧. و((ابن أبي عروبة)): هو سعيد. و((مالك بن دينار)) الساميّ الناجيّ مولاهم الزاهد، أبو يحيى البصريّ، كان أبوه من سبي سِجِسْتان. وقيل: من كابل. صدوق عابد [٥]. قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال الأزدي: تَعرِف، وتُنكِر. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان يكتب المصاحف بالأجرة، ويتقوّت بأجرته، وكان لا يأكل شيئًا من الطيبات، وكان من المتعبّدة الصُّبْر، والمتقشّفة الْخُشْن. قال السريّ بن يحيى: مات سنة (١٢٧). وقال غيره: سنة (١٢٣). وقال خليفة بن خياط: سنة (١٣٠). وقال ابن حبان: والصحيح أنه مات قبل الطاعون، وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثين. علق له البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٨٠٧ و٣٧٢٧ و٥٥٥٥ . وقوله: (تمتع رسول اللّه وَله) قد سبق أن التمتع بالنسبة إليه و له معناه القران؛ لأن التمتع يطلق عليه أيضًا، وأما بالنسبة للصحابة . فهو التمتع بمعناه المشهور عند الفقهاء. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وقد سبق البحث فيه مستوفى قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ الْعَزِيزِ -وَهُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ- عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٧٧- (إِيَاحَةُ فَسْخ الْحَجُ بِعُمْرَةٍ لِمَنْ ... - حديث رقم ٢٨٠٨ ٣٣٩ = أَفَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةٌ، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟، قَالَ: ((بَلْ لَنَا خَاصَّةً))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((عبد العزيز)): هو ابن محمد الدراورديّ المدنيّ، صدوق، يحدث من كتب غيره، فيخطىء[٨]١٠١/٨٤. و((ربيعة بن أبي عبد الرحمن)) فَرُّوخ التيميّ، أبو عثمان المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، ثقة فقيه مشهور[٥]٧٢٩/٣٦ . و(الحارث بن بلال)) بن الحارث المزنيّ المدنيّ، مقبول[٣]. روى عن أبيه. وعنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن حديثًا واحدًا في فسخ الحجّ، قال الإمام أحمد: ليس إسناده بالمعروف. روى له أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه هذا الحديث فقط . و((بلال بن الحارث)) المزنيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ. روى عن النبيّ وَّل، وعن عمر بن الخطاب، وابن مسعود. وعنه ابنه الحارث، وعلقمة بن وقّاص، وعمرو بن عوف -إن كان محفوظًا- والمغيرة بن عبد اللَّه اليشكريّ. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من المهاجرين. وقال أحمد بن عبد الله بن الْبَرْقيّ: يقال: إن بلال بن الحارث كان أول من قَدِم المدينة من مزينة على النبيّ وَّ في رجال من مزينة سنة خمس من الهجرة. قال المدائنيّ، وغيره: مات سنة (٦٠) وله (٨٠) سنة. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والحديث ضعيف؛ لجهالة الحارث بن بلال، وأخرجه المصنف هنا -٢٨٠٨/٧٧ - وفي («الكبرى»٣٧٩٠/٧٦. وأخرجه (د) في ((المناسك)) ١٨٠٨ (ق) في ((المناسك))٢٩٨٤ (أحمد) في ((مسند المكيين)) ٢٥٤٢٦ (الدارميّ) في (المناسك))١٨٥٥. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث لا يعارض الأحاديث الصحيحة الصريحة في كون الفسخ عامًا للأمة إلى يوم القيامة؛ لما ذكرت آنفًا أنه ضعيف، ولقد أجاد الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وشفى وكفى، فيما ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني))، فقال: سئل أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله كل شيء منك حسنٌ جميل إلا خصلة واحدة، فقال: ما هي؟ قال: تقول بفسخ الحجّ، فقال أحمد : -يعني للسائل -: قد كنت أرى أن لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثًا صحيحًا جيادًا، كلها في فسخ الحجّ، أتركها لقولك؟ انتهى (١). وقد تقدّم البحث في هذه المسألة مستوفى قريبًا، (١) - انظر ((المغني) ٤١٦/٣، و((المنح الشافيات)) ٣٠٤/١. والذي سأل أحمد هو إبراهيم الحربيّ. من هامش تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية ١,/ ٥١٧. : شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٣٤٠ فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٨٠٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَعَيَّاشِ الْعَامِرِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيْ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرِ، فِي مُتْعَةِ الْحَجّ، قَالَ: كَانَتْ لَنَا زَّخْصَةٌ) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عمرو بن يزيد أبو بُرَيد الجرميّ البصريّ، فإنه من أفراده، وقد وثّقه هو. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ. و ((عيّاش)) بن عمرو العامريّ التميميّ الكوفيّ، ثقة [٥]. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال النسائيّ. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له مسلم، والمصنّف، وله عندهما هذا الحديث فقط. [تنبيه]: قوله: ((وعياش العامريّ)) بالجرّ عطفًا على ((الأعمش))، فسفيان يروي عن الأعمش، وعيّاش كليهما، وهما يرويان عن إبراهيم التيميّ، ولذا يقدّر لفظة ((كلاهما)) قبل قوله: ((عن إبراهيم التيميّ))، فما يوجد في نسخ ((المجتبى)) المطبوعة مضبوطًا بالقلم برفع ((وعياش العامريّ)) غلط، فتنبّه. و((إبراهيم التيميّ)): هو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيميّ، أبو أسماء الكوفي العابد الثقة [٥] ١٢١ /١٧٠ . و((يزيد بن شريك)) بن طارق التميميّ الكوفيّ، ثقة، أدرك الجاهلية [٢]٦٩٠/٣. و((أبو ذرّ)) الغفاريّ الصحابيّ المشهور اختلف في اسمه، واسم أبيه على أقوال، والمشهور جندب بن جُنادة رضي اللَّه تعالى عنه ٣٢٢/٢٠٣ . وقوله: «متعة الحج)» قال النوويّ عند شرح روايات حديث أبي ذرّ رَّه التي ساقها مسلم رحمه الله تعالى: قال العلماء: معنى هذه الروايات كلها أن فسخ الحجّ إلى العمرة كان للصحابة في تلك السنة، وهي حجة الوداع، ولا يجوز بعد ذلك، وليس مراد أبي ذرّ إبطال التمتع مطلقًا، بل مراده فسخ الحجّ كما ذكرنا انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قالوا، ولكن الظاهر أن أبا ذرّ لا يقول بمشروعية المتعة مطلقًا، سواء كان التمتع المعروف الذي هو القدوم بالعمرة من الميقات، ثم التحلل، ثم الحج في عامه، أم التمتع الذي هو فسخ الحج إلى العمرة، وقد سبق أن عمر، وعثمان، ومعاوية *** ، كانوا ينهون عن التمتع مطلقًا، فالظاهر أن مذهب أبي ذرّ ◌َّه