Indexed OCR Text
Pages 261-280
٥٩- (الاشْتِرَاطُ فِي الحَجّ) - حديث رقم ٢٧٦٥ = ٢٦١ قال البيهقيّ: أما حديث ابن عيينة، فقد رواه عنه عبد الجبّار بن العلاء موصولاً بذكر عائشة فيه. وثبت وصله أيضًا من جهة أبي أسامة حماد بن أسامة، أخرجه البخاريّ، ومسلم. وثبت عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أخرجه مسلم. وعن عطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ ◌َّر، وهو مخرّج في ((صحيح مسلم)) انتهى. وأخرج حديث ابن عباس أيضًا أصحاب السنن الأربعة، ورواه ابن حبّان في ((صحيحه))، والدارقطنيّ من رواية عبيدالله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة. وقال ابن حزم: وقال الشافعيّ: إن صحّ الخبر قلت به. قال: قد صحّ الخبر، وبالغ في الصحّة، فهو قوله، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي سليمان - يعني داود - . وفي الباب أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر، أو سعدى بنت عوف. رواه ابن ماجه على الشكّ هكذا، وجابر، رواه البيهقيّ. وقال ابن حزم في ((المحلّى)) بعد ذكر هذه الأحاديث سوى حديث أسماء، أو سعدى، فهذه آثار متظاهرة، متواترة، لا يسع أحدًا الخروج عنها . وقال النسائيّ: لا أعلم أحدًا أسنده عن الزهريّ، غير معمر. وقال في موضع آخر: لم يسنده عن معمر غير عبد الرزاق فيما أعلم. وأشار القاضي عياض إلى تضعيف الحديث، فإنه قال: قال الأصيليّ: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح. وقال: قال النسائيّ: لا أعلم أسنده عن الزهريّ غير معمر. قال النوويّ في ((شرح مسلم)): وهذا الذي عرّض به القاضي، وقاله الأصيليّ من تضعيف الحديث غلط فاحش جدًّا، نبهت عليه لئلا يغترّ به؛ لأن هذا الحديث مشهور في صحيحي البخاريّ، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وسائر كتب الحديث المعتمدة من طُرُق متعدّدة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية. وقال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): والنسائيّ، لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ، ولا يلزم من الانفراد المقيّد، الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وأسنده القاسم عنها، ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضرّه، وكم في ((الصحيحين)) من الانفراد، ولا يضرّ إرسال الشافعيّ له، فالحكم لمن وصل. هذا معنى كلامه. ذكر الحافظ وليّ الدين رحمه ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ اللَّه تعالى(١) وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في الفوائد التي اشتمل عليها حديث ضباعة برواياته المختلفة(٢): (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الاشتراط في الحجّ. (ومنها): أن دخوله وَله على ضباعة رضي اللّه تعالى عنها عيادة، أو زيارة، وصلة، فإنها قريبته، كما تقدّم، وفيه بيان تواضعه وَالر، وصلته لرحمه، وتفقده، وهو محمول على أن الخلوة هناك كانت منتفية، فإنه وَ ل﴿ لم يكن يخلو بالأجنبيات، ولا يصافحهنّ، وإن كان لو فعل ذلك لم يلزم منه مفسدة؛ لعصمته، لكنهم لم يعدّوا ذلك من خصائصه وَلّر، فهو في ذلك كغيره في التحريم. ذكره وليّ الدين(٣). (ومنها): أن الحديث ورد في الحجّ، ولكن العمرة في معناه، فلو أحرم بعمرة، فشرط التحلّل منها عند المرض كان كذلك. قال وليّ الدين: ولا خلاف في هذا بين المجوّزين للاشتراط فيما أعلم، ولعلّ العمرة داخلة في قوله في رواية النسائيّ من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الآتية: ((فإن لكِ على ربّك ما استثنيت)). وقد عزى ابن قدامة في ((المغني)) هذا الحديث لمسلم، وفيه هذه الزيادة، وليست عند مسلم انتهى . (ومنها): أنه قد يستدلّ به على أن المشترط لذلك يحلّ بمجرّد المرض والعجز، ولا يحتاج إلى إحلال. وقد قال الشافعية: إن اشترط التحلّل بذلك، فلا يحلّ إلا بالتحلّل، وإن قال: إذا مرضت، فأنا حلال، فهل يحتاج في هذه الصورة إلى تحلل، أو يصير حلالاً بنفس المرض، فيه وجهان لهم، الذي نصّ عليه الشافعيّ أنه يصير حلالاً بنفس المرض. قال وليّ الدين: ودلالة الحديث محتملة، فإن قوله: ((محلّي)) يحتمل أن يكون معناه موضع حلي، ويحتمل أن يكون معناه موضع إحلالي. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي الاحتمال الأول هو الظاهر، فما نصّ عليه الشافعي هو الأرجح . والله تعالى أعلم بالصواب. (ومنها): أن المراد بالتحلل أن يصير نفسه حلالاً، فلو شرط أن ينقلب حجه عمرة عند المرض، فذكر الشافعيّة أنه أولى بالصحّة من شرط التحلل، ونصّ عليه الشافعي، (١) - ((طرح التثريب)) ١٦٥/٥ - ١٦٧. (٢) - هذه الفوائد ليست قاصرة على السياق المتقدم للحديث، بل لما اشتمل عليه روايات حديثُ، قصة ضباعة كلها . (٣) - ((طرح التثريب)) ١٧١/٥. (٤) - المصدر السابق. ٢٦٣ ==== ٥٩- (الاشتراطُ فِي الحَجّ) - حدیث رقم ٢٧٦٥ وإذا أجاز إبطال العبادة للعجز، فنقلها إلى عبادة أخرى أولى بالجواز. وروى ابن خزيمة في ((صحیحه))، والبيهقيّ في ((سننه)) من رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن ضُباعة، قالت: قلت: يا رسول اللّه، إني أريد الحجّ، فكيف أهلّ بالحجّ؟ قال: ((قولي: اللَّهم إني أُهلّ بالحجّ إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسّرته لي، وإن حبستني فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا، فمجلّي حيث حبستني)). قال الحافظ وليّ الدين: وهذه زيادة حسنة، يجب الأخذ بها، ويقال: ينبغي أن لا يجوز للحاجّ شرط التحلل منه مطلقًا، إلا مع العجز عنه، وعن العمرة، فمع القدرة على العمرة لا ينتقل للتحلّل المطلق انتهى (١). (ومنها): أنّ سبب الحديث إنما هو في التحلل بالمرض لكن قوله: ((حبستني)) يصدق بالحبس بالمرض، وبغيره من الأعذار كذهاب النفقة، وفراغها، وضلال الطريق، والخطإ في العدد. وقد صرّح الشافعيّة، والحنابلة بأن هذه الأعذار كالمرض في جواز شرط التحلّل بها، ومن الشافعية من خالف فيه. (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا يجب عليه عند التحلّل بالشرط دم، إذ لو وجب لذكره وَالر، فإنه وقت الاحتياج إليه، وبهذا صرّح الحنابلة، والظاهريّة، وهو الأصحّ عند الشافعية. ومحلّ الخلاف عندهم في حالة الإطلاق، فلو شرط التحلّل بالهدي لزمه قطعًا، وإن شرطه بلا هدي لم يلزمه قطعًا (٢). والله تعالى أعلم. (ومنها): أن الحنابلة ذكروا أن هذا الشرط يؤثّر في إسقاط الدم فيما إذا حبسه عدوّ. وقالت الشافعية: لا يسقط دم الإحصار بهذا الشرط؛ لأن التحلل بالإحصار جائز بلا شرط، فشرطه لا غ. ومنهم من حكى فيه خلافًا. والله تعالى أعلم. (ومنها): أنه استدلّ به الجمهور على أنه لا يجوز التحلل بالإحصار بالمرض من غير شرط، إذ لو جاز التحلل به لم يكن لاشتراطه معنى. (ومنها): أنه لا يجب القضاء عند التحلل بشرط، وبه صرّح الشافعية، وغيرهم. (ومنها): أن المفهوم من لفظ الشرط أنه لا بدّ من مقارنته للإحرام، فإنه متى سبقه، أو تأخر عنه لم يكن شرطًا، وقد صرّح بذلك في قوله في حديث ابن عباس: ((اشترطي عند إحرامك))، وهو بهذا اللفظ في ((مصنف ابن أبي شيبة)). (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا بدّ من التلفظ بهذا الشرط كغيره من الشروط، وهو ظاهر كلام الشافعية، وذكر فيه ابن قدامة احتمالين: أحدهما: هذا، قال: ويدلّ عليه ظاهر قوله وَّر في حديث ابن عباس: ((قولي: محلّي من الأرض حيث (١) - المصدر السابق ١٧٢/٫٥. (٢) - المصدر السابق . ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ تحبسني))، وكذا في حديث عائشة في ((الصحيحين)). و((قولي: اللَّهم محلي حيث حبستني)). والثاني: أنه تكفي فيه النية، ووجهه بأنه تبع لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد بالنيّة. والله تعالى أعلم. (ومنها): أنه لا يتعيّن في الاشتراط اللفظ المذكور في الحديث، بل كلّ ما يؤدّي معناه يقوم مقامه في ذلك. قال ابن قدامة: وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه لأن المقصود المعنى، والعبارة إنما يعتبر لتأدية المعنى، ثم استشهد بقول علقمة: اللَّهم إني أريد العمرة إن تيسرت، وإلا فلا حرج عليّ. وبقول شريح: اللَّهم قد عرفت نيتي، وما أريد، فإن كان أمرا تتمه، فهو أحبّ إليّ، وإلا فلا حرج عليّ. ونحوه عن الأسود. وقالت عائشة لعروة: قل: اللَّهم إني أريد الحج، وإياه نويت، فإن تيسر، وإلا فعمرة. ونحوه عن عميرة بن زياد. والله تعالى أعلم. (ومنها): أن قوله: ((محلّي حيث حبستني)) يدلّ على أن المحصر يحلّ حيث يحبس، وهناك ينحر هديه، ولو كان في الحلّ، وبه قال الشافعيّ، وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا ينحر هديه إلا في الحرم. والأول أصحّ. والله تعالى أعلم. (ومنها): أنه خرج بقوله: ((حيث حبستي ما إذا شرط التحلّل بلا عذر، بأن قال في إحرامه: متى شئت، أو كسلت خرجت، فإن هذا لا يعتبر اتفاقًا(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاشتراط في الإحرام: اختلفوا في ذلك على مذاهب: (المذهب الأول): جوازه، وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، فإنه نصّ عليه في القديم، وعلّق القول به في الجديد على صحة الحديث، وقد صحّ، كما تقدم. وقد روى ابن أبي شيبة فعله عن عليّ، وعلقمة، والأسود، وشُريح، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. والأمر به عن عائشة، وعبد الله بن مسعود. وعن عثمان أنه رأى رجلاً واقفا بعرفة، فقال له: أشارطت؟، فقال: نعم. وعن الحسن، وعطاء في المحرم قالا: له شرطه. وروى البيهقيّ الأمر به عن أم سلمة. وقال ابن المنذر: ممن روينا عنه أنه رأى الاشتراط عند الإحرام عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وهو مذهب عَبِيدة السلمانيّ، والأسود بن يزيد، وعلقمة، وشُريح، وسعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وعطاء بن يسار، وأحمد، وإسحاق، وأبي (١) - راجع ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٧١/٥ - ١٧٣. ٢٦٥ == ٥٩- (الاشتراطُ فِي الحج) - حدیث رقم ٢٧٦٥ ثور، وبه قال الشافعيّ إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وبالأول أقول. وحكاه ابن حزم عن جمهور الصحابة. وحكاه الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)) عن جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. (المذهب الثاني): استحبابه، وهو مذهب الإمام أحمد، فإن ابن قدامة جزم به في ((المغني))، وهو المفهوم من قول الخرقيّ، والمجد ابن تيمية في ((مختصريهما)) عند ذكر الإحرام. (المذهب الثالث): إيجابه، وإليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، تمسّكًا بالأمر. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا عزا وليّ الدين الوجوب إلى الظاهرية، وكذا الحافظ في ((الفتح))(١) والذي ذكره ابن حزم في ((المحلّى)) ٩٩/٧- الاستحباب، فليحرّر. والله تعالى أعلم. (المذهب الرابع): إنكاره، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية. وروى ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة، قال: كان أبي لا يرى الاشتراط في الحجّ شيئًا. وعن إبراهيم النخعيّ: كانوا لا يشترطون، ولا يرون الشرط شيئًا. وعن طاوس، والحكم، وحماد: الاشتراط في الحج ليس بشيء. وعن سعيد بن جبير: إنما الاشتراط في الحج فيما بين الناس، وعنه أيضًا: المستثني، وغير المستثني سواء. وعن إبراهيم التيميّ: كان علقمة يشترط في الحجّ، ولا يراه شيئًا. وروى الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحجّ، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيّكم وَّ))، زاد النسائي في روايته: أنه لم يشترط. أي النبيّ وَلّ، وهو في ((صحيح البخاريّ)) بدون أوله، ولفظه: ((أليس حسبكم سنة رسول اللّه ◌َلهله إن حُبس أحدكم عن الحجّ طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حلّ من كلّ شيء حتی یحج عامًا قابلا، فيهدي، أو يُطعم، إن لم يجد هدیًا)). وحكى ابن المنذر إنكاره عن الزهريّ أيضًا. وحكاه ابن عبد البرّ عن سفيان الثوريّ. وحكاه المحبّ الطبريّ عن أحمد، وهو غلط، فالمعروف عنه ما قدمناه. قال ابن قدامة: وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد إسقاط الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بکل إحصار. وقال ابن حزم: روينا عن إبراهيم: كانوا يستحبّون أن يشترطوا، وكانوا لا يرون الشرط شيئًا لو أن الرجل ابتلي. وروينا عنه: كانوا يكرهون أن يشترطوا في الحجّ. قال ابن حزم: هذا تناقض مرّة كانوا يستحبّون، ومرّة كانوا يكرهون، فأقل ما في هذا ترك (١) - ((فتح))٤/ ٤٧٥. ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ رواية إبراهيم لاضطرابها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان مُتمسَّك كل مذهب من هذه المذاهب: قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: من قال بالجواز تمسّك بهذا الحديث، ورأى أن الأمر به ترخيص، وتوسعة، وتخفيف، ورفق، وأنه يتعلّق بمصلحة دنيوية، وهي ما يحصل لها من المشقّة بمصابرة الإحرام مع المرض. ومن قال بالاستحباب رأى المصلحة فيه دينيّة، وهو الاحتياط للعبادة، فإنها بتقدير عدمه قد يعرض لها مرض يُشَعّث العبادة، ويوقع فيها الخلل، وهذا بعيد. ومن قال بالوجوب حمل الأمر على حقيقته، وهو أبعد من الذي قبله، ولو كان واجبًا لما أخلّ النبيّ وَليربفعله، ولا الصحابة ، ولو فعلوا ذلك في حجة النبيّ وَّ لنقل، وقد صرّح ابن عمر بأنه لم يشترط، كما تقدّم ذكره، ولما لم يأمر به إلا هذه المرأة الواحدة بعد شكايتها له علمنا أن ذلك ترخيص حرّك ذكره هذا السبب، وهو شكواها . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالوجوب يحتاج إلى ثبوته، كما أسلفته. والله تعالى أعلم. ومن قال بالإنكار منهم من ضعف الحديث كما تقدّم ذكره، وردّه. ومنهم من أوله، وفي تأويله أوجه: (أحدها): أنه خاصّ بضباعة، حكاه الخطّابيّ عن بعضهم، قال: وقال: يشبه أن يكون بها مرض، أو حال كان غالب ظنها أنه يعوقها عن إتمام الحجّ، وهذا كما أذن لأصحابه في رفض الحجّ، وليس ذلك لغيرهم. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)) بعد ذكره هذا المذهب: وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنه مخصوص بضباعة، وحكاه في ((شرح المهذّب)) عن الرويانيّ من الشافعية، ثم قال: وهذا تأويل باطلٌ، ومخالف لنصّ الشافعيّ، فإنه إنما قال: لو صح الحديث لم أَعْدُهُ، ولم يتأوله، ولم يخصّه. (الثاني): أن معناه: محلي حيث حبستني بالموت، أي إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي. حكاه النوويّ في ((شرح المهذّب)) عن إمام الحرمين، ثم قال: وهذا تأويل ظاهر الفساد، وعجبت من جلالة الإمام كيف قاله؟. (الثالث): أن المراد التحلل بعمرة، لا مطلقًا، حكاه المحبّ الطبريّ عن بعضهم. ويردّه حديث ضباعة المتقدّم، حيث قال لها: ((قولي: اللّهم إني أريد الحج إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسرته لي، وإن حبستني، فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا، ٢٦٧ ٥٩- (الاشتراطُ فِي الحَجّ) - حدیث رقم ٢٧٦٥ فمحلي حيث حبستني)). فإن هذا فيه التصريح بالتحلل المطلق عن الحج والعمرة معًا. وحكى ابن حزم عن بعضهم أن هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: ﴿وَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدِْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعن بعضهم أنه مخالف لقوله وَ لإر: ((كل شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل)). وعن بعضهم أن هذا الخبر رواه عروة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وروي عنهم خلافه. ثم قال ابن حزم: سمعناكم تعتلّون بهذا في الصاحب، فعديتموه إلى التابع، وإن درجتموه بلغ إلينا، وإلى من بعدنا، فصار كلّ من بلغه حديث، فتركه حجة في ردّه، ولئن خالف هؤلاء ما رووا، فقد رواه غيرهم، ولم يخالفه، وأطنب ابن حزم في ردّ هذه المقالات، وهي حقيقة بذلك والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين: والظنّ بمن يُعتمد عليه ممن خالف هذا الحديث أنه لم يبلغه، قال البيهقيّ: عندي أن ابن عمر لو بلغه حديث ضباعة في الاشتراط لم ينكره، كما لم ينكره أبوه انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أو يحمل على أنه بلغه، لكن تأوله بشيء من التأويلات السابقة. والحاصل أن الحقّ هو قول الجمهور، وهو جواز الاشتراط، وأنه إذا اشترط، وحصل المانع تحلّل، ولم يلزمه شيء من الدم أو غيره، عملاً بظاهر الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٦٠- كَيْفَ يَقُولُ إِذَا اشْتَرَطَ) ٢٧٦٦ - أَخْبَرَنَا (١) إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ ابْنُ يَزِيدَ الْأَخْوَلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ الرَّجُلِ يَحُجّ يَشْتَرِطُ، قَالَ: الشَّرْطُ بَيْنَ النَّاسِ، فَحَدِّثْتُهُ حَدِيثَهُ - يَعْنِي عِكْرِمَةَ - فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَكَّيْفَ أَقُولُّ؟، قَالَ: قُولِي: ((لَيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَمَحِلِي مِنَ الْأَرْضِ، (١) - وفي نسخة: ((أخبرني)). ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ حَيْثُ تَخْبِسُنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتٍ))). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((إبراهيم بن يعقوب)): هو الجوزجانيّ الحافظ. و((أبو النعمان)): هو محمد بن الفضل الملقّب بعارم. و ((ثابت بن يزيد الأحول)) أبو زيد البصريّ، ثقة ثبت [٧]. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: أوثق من عبد الأعلى، وأحفظ من عاصم الأحول. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال عفّان: دلّنا عليه شعبة. ووثقه أبو داود. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: كان عطارًا بالبصرة. قيل: مات سنة (١٦٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . و((هلال بن خبّاب)) العبديّ مولاهم، أبو علاء البصريّ، نزيل المدائن، صدوق تغيّر بآخره [٥]١٠١٣/٨١ . وقوله: ((الشرط بين الناس)) هذا يحتمل وجهين: [أحدهما]: أن الشرط إنما يكون بين الناس، لا بين العبد وربه سبحانه وتعالى، فإنه لا يجوز، وعلى هذا فمراده بذكر الحديث أنه يعلم الحديث، ولكنه تأوله بأنه مخصوص بهذه المرأة، لا يتعداها إلى غيرها. [والثاني]: أنه مثل الشرط بين الناس، فيجوز. والأول هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم. و((محلّي)) : -بفتح الميم، وكسر الحاء، وتشديد اللام- أي مكان تحلّلي، أو وقت حلولي؛ لأن المحلّ يطلق على المكان، والزمان، لكن المناسب هنا المكان، بدليل قوله: ((حيث حبستني من الأرض)). والله تعالى أعلم. وقوله: ((حبستني)) أي منعتني من السير بسبب ثقل المرض. وقوله: ((فإن لك على ربك ما استثنيت)) أي إن لك على اللّه تعالى ما اشترطته من التحلّل عند الحبس بالمرض. والحديث صحيحٌ، وقد تقدم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٧ - أَخْبَرَنِي (١) عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَنْبَنَا (٢) شُعَيْبٌ، قَالَ: أَنْبَنَا(٣) ابْنُ (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٦٠- کَیْفَ يقُولُ إِذا اشْتَرَطَ) - حديث رقم ٢٧٦٧ ٢٦٩ ==== جُرَيْج، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، وَعِكْرِمَةَ، يُخْبِرَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:" جَاءَتْ ضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ، إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَكَيْفَّ تَأْمُرُنِي أَنْ أُهِلَّ؟، قَالَ: ((أَهِلِّي، وَاشْتَرِطِي، إِنَّ مَحِلّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((عمران بن يزيد)»: هو عمران بن خالد بن يزيد الطائيّ الدمشقيّ، صدوق، من أفراد المصنّف. و((شعيب)): هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ الدمشقيّ الثقة. وقولها: ((إني امرأة ثقيلة)) أي أثقلني المرض، واشتد عليّ. وقوله: ((إن محلي الخ)) يجوز في ((أن)) فتح الهمزة، وهو الظاهر المرويّ، وكسرها على أن يكون المعنى: قولي: هذا اللفظ، وهو: ((إن محلّي حيث حبستني)). والحديث أخرجه مسلم، وزاد في آخره من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج: قال: ((فأدركت)). ومعناه أن ضباعة أدركت الحجّ، ولم تحلل حتى فرغت منه. قاله النوويّ(٢). وتمام الكلام على الحديث تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٨ - أَخْبَرَنَا(٣) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا(٤) عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(٥) مَعْمَرْ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَّتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عَلَى ضُبَاعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّيٍ شَاكِيَةٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ لَهَا النَِّيُّ ◌َِّ: (حُجِّي، وَاشْتَرِطِي، إِنَّ مَحِلْي حَيْثُ تَحَبِسُنِي)). قَالَ إِسْحَاقُ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ: هِشَامٌ، وَالزُّهْرِيُّ؟، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدَا، أَسْتَدَ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنِ الزُّهْرِيُّ غَيْرَ مَعْمَرٍ . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعَلَمُ) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و ((إسحاق)): هو ابن راهويه. وقوله: ((دخل رسول اللَّه ◌َلفي الخ)) تقدم الجمع بينه وبين الرواية السابقة أنها أتت (١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) - ((شرح مسلم)) ٣٧٠/٨- ٣٧١. (٣) - وفي نسخة: ((أخبرني)). (٤) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٥) - وفي نسخة: ((أخبرني)). ٢٧٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ النبيّ وَّر، فقالت الخ)) في شرح الحديث، فلا تنس. والله تعالى وليّ التوفيق. وقولها: ((إني شاكية)) -بالشين المعجمة -: أي مريضة، والشَّكْوُ، كالدَّلْوِ، والشَّكْوَى -بالقصر-، والشَّكْواءُ -بالمدّ، والشّكَاةُ - بالهاء-، والشَّكَاءُ - بالمدّ -: المرض. أفاده في ((القاموس)). وقوله: ((قلت لعبد الرزاق الخ)). يعني أن إسحاق بن راهويه تأكد عن عبد الرزاق كون رواية كلّ من هشام بن عروة، والزهريّ، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، لا من حديث غيرها، كابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما مثلاً. وهذا قاله إسحاق من باب التأكّد، لا اتهاما لشيخه عبد الرزاق في روايته. والحديث أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من الطريقين. وقوله: ((لا أعلم أحدًا أسنده الخ)) يعني أنه انفرد بإسناد هذا الحديث معمر عن الزهريّ . وعبارته في ((الكبرى)): ((لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديث، حديثَ الزهريّ غير عبد الرزاق، عن معمر)) انتهى (١). وهذا يفيد أيضًا أن عبد الرزاق انفرد عن معمر بإسناده، لكن مثل هذا الانفراد لا يؤثّر في صحة الحديث، فقد أخرجه الشيخان في (صحیحیهما)) . وقد تقدّم عن الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى أنه قال في ((شرح الترمذيّ)): والنسائيّ لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ، ولا يلزم من الانفراد المقيّد الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، وأسنده القاسم عنها. ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضرّه، وكم في ((الصحيحين)) من الانفراد. انتهى (٢). وقال في ((الفتح)»: وقول النسائيّ هذا لا يلزم منه تضعيف طريق الزهريّ التي تفرّد بها معمر، فضلاً عن بقية الطرق؛ لأن معمرًا ثقة حافظ، فلا يضرّه التفرّد، كيف؟، وقد وُجد لما رواه شواهد كثيرة انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: (١) - راجع ((السنن الكبرى)) للمصنف ٣٥٨/٢ رقم ٣٧٤٨/٥٨. (٢) - راجع (طرح التثريب)) ١٦٦/٥ - ١٦٧ . (٣) - ((فتح)" ٤/ ٤٧٥. ٢٧١ = ٦٠- كَيْفَ يَقُولُ إِذاَ اشْتَرَطَ) - حديث رقم ٢٧٦٨ حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنف هنا - ٢٧٦٨/٦٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٤٨/٥٨ . وأخرجه (خ) في ((النكاح)) ٥٠٨٩ (م) في ((الحجّ)) ١٢٠٧ (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢٤٧٨٠ و٢٥١٣١. والله تعالى أعلم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٦١- (مَا يَفْعَلُ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَكُنْ اشْتَرَطَ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((يَفعَل)) بالبناء للفاعل، وقوله: ((حُبس)) بالبناء للمفعول، وأشار رحمه اللّه تعالى بهذه الترجمة إلى بيان حكم من لم يشترط في الإحرام إذا حُبس عن المضيّ في إحرامه، فإنه يختلف عن حكم من اشترط الذي تقدّم في البابين الماضيين، حيث إنه إذا حُبس عن المضيّ يتحلّل بدون شيء من القضاء، والهدي، وأما من لم يشترط، فإنه يجب عليه أن يتحلل بالطواف والسعي، والحلق، أو التقصير، إن تمكن، ثم عليه القضاء من قابل، ويجب عليه الهدي أيضًا، أو الصوم إن لم يجد هديًا، وسيأتي بين اختلاف العلماء في ذلك في - ٢٨٥٩/١٠٢ - «فيمن أحصر بعدو))، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٦٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ،َ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَّالِم، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، يُنْكِرُ الأَشْتِرَاطَ فِي الْحَجْ، وَيَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبَّكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ، طَافَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجّ عَامَا قَابِلاً، وَيْدِي، وَيَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَذْيًا) . رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠]٣٩/٣٥ . ٢٧٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٢- (الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/٩ . ٣- (ابن وهب) عبد الله المصريّ، ثقة ثبت حافظ [٩]٩/ ٩. ٤- (يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧]٩/٩. ٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٤]١/١ . ٦- (سالم) بن عبد الله بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٣]٤٩٠/٢٣. ٧- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي اللّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال وفيه ابن عمر رَبيّا من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَالِم) بن عبد اللّه، أنه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (يُتْكِرُ الاشْتِرَاطَ فِيَ الْحَجْ) قال في ((الفتح)): وأشار ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما. قال البيهقيّ: لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة في الاشتراط لقال به انتهى. ثم إن إنكار ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما يحتمل أن يكون لعدم اطلاعه على قصة ضباعة رضي اللّه تعالى عنها، كما أشار إليه البيهقيّ في كلامه المذكور آنفًا، أو لتأويله بأنه مخصوص بها، كما أوله غيره، وأيا ما كان فالحجة في حديث رسول اللَّه وَالت، لا في إنكاره. والله تعالى أعلم. (وَيَقُولُ) وفي نسخة: ((فيقول)) بالفاء (أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ) أي يكفيكم؛ لأن معنى الحسب الكفاية، ومنه ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي كافينا (سُنَّةً رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿) زاد في الرواية التالية: ((إنه لم يشترط)). فقوله: ((حسبكم)) مرفوع على أنه اسم ((ليس))، و((سنةَ رسول اللَّه)) بالنصب على أنه خبر ((ليس))، والجملة الشرطية، وهي قوله: ((إن حبس الخ)) تفسير للسنة، فمحلها النصب بدلاً عن ((سنةَ)»، أو الرفع خبرًا لمحذوف، أي هي. ٦١- (مَا يُفْعَلُ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجْ، ... - حديث رقم ٢٧٦٩ ٢٧٣ وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ضبطنا ((سنةَ)) بالنصب على الاختصاص، أو على إضمار فعل: أي تمسّكوا، ونحوه. وقال السيهيليّ رحمه الله تعالى: من نصب (سنة)) فهو بإضمار الأمر، كأنه قال: الزموا سنة رسول اللَّه وَلهر. ويمكن أن يقال: خبر (ليس)) على قول عياض، والسهيليّ جملة قوله: ((طاف بالبيت الخ)). قال العينيّ رحمه اللَّه تعالى: وهو أيضًا سد مسدّ جواب الشرط. قال الطبريّ: قوله: ((حسبكم سنة رسول اللَّه وَ ليتر)) فيه إشعار بالتسوية بين حصر العَدُوّ والمرض، فإن معنى قوله: ((حسبكم سنة رسول اللّه ◌ِّ)) أي في التحلّل بهذا العذر، دون اشتراط(١). (إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ) ببناء الفعل للمفعول: أي مُنِعَ عن ركن الحج الأعظم، وهو الوقوف بعرفة بسبب من الأسباب، كالمرض، أو العدوّ (طَافَ بِالْبَيْتِ) أي إذا أمكنه ذلك، وفي رواية عبد الرزاق: إن حبس أحدًا منكم حابس عن البيت، فإذا وصل إليه طاف به ... الحديث (وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعى بينهما، زاد في الرواية التالية: ((ثم ليحلق، أو يقصّر)) (ثُمَّ حَلَّ) أي بالحلق والذبح (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) حرم عليه بالإحرام (حَتَّى يَحُجَّ عَامًا) ظرف متعلّق بما قبله (قَابِلاً) صفة لـ((عاما)) (وَيْدِي) بضم أوله، من الإهداء، أي يذبح شاة؛ إذ التحلّل لا يحصل إلا بنية التحلّل، والذبح، والحلق. قاله الكرمانيّ (وَيَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَذْيًا) أي حيث شاء. وفي قوله: ((حتى يحجّ عاما قابلًا)) دلالة على وجوب الحجّ من القابل على من أحصر، وفيه اختلاف بين أهل العلم في ذلك، سيأتي بيانه في -٢٨٥٩/١٠٢- إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٧٦٩/٦١ و٢٧٧٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٥٠/٦٠ و٣٧٥١. وأخرجه (خ) في ((كتاب المحصر)) ١٨١٠ (ت) في ((الحجّ)) ٩٤٢ (أحمد) في ((مسند المكثرين»٤٤٦٦ و٤٥٨٢ و٥١٤٣ . والله تعالى أعلم. (١) - راجع ((المرعاة)) ٨/ ٤٣٧ - ٤٣٨ . - ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم من لم يشترط في إحرامه، وهو أنه يتحلّل بالطواف، والسعي، والحلق، أو التقصير، ثم يقضي من قابل، وعليه الهدي في ذلك، أو الصوم. (ومنها): الحثّ على التأسي بسنة رسول اللّه وَله. (ومنها): أن من حبسه حابس، وهو يقدر على الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، لا يجوز له أن يتحلل بدون ذلك. (ومنها): وجوب القضاء على من حُصر بعدوّ، أو نحوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ، وَيَقُولُ: مَا حَسْبُكُمْ، سُنَّهُ نَبِيَكُمْ بَّهَ، إِنَةً لَمْ يَشْتَرِطْ، فَإِنْ حَسَ أَحَدَكُمْ حَابِسٌ، فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ، فَلْيَطُفْ بِهِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ لِيَخْلِقْ، أَوْ يُقَصِّزْ، ثُمَّ لِيُحْلِلْ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلِ) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: ((ما حسبكم الخ)) بتقدير همزة الاستفهام التقريريّ، فهو بمعنى قوله الماضي: ((أليس حسبكم الخ)). وقوله: ((إنه لم يشترط)) بكسر الهمزة، جملة مستأنفة، أو هو بدل من ((سنة))، ويحتمل أن يكون بفتح الهمزة، ويكون بدلاً أيضًا، أو خبرًا المحذوف، أي هي عدم اشراطه. والحديث أخرجه البخاري، وقد مرّ الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٦٢- (إِشْعَارُ الْهَذْىِ) وفي ((الكبرى)) ((أبواب الهدي)) - ((إشعار الهدي)). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الإشعار)): مصدر أشعر، يقال: أشعرت البدنةَ إشعارًا: حَزَزتُ سنامها حتى يسيل الدم، فيُعلَمَ أنها هدي، فهي شعيرة. قاله الفيّوميّ. ٢٧٥ ٦٢ - (إِشْعَارُ الْهَدي) - حديث رقم ٢٧٧١ و((الهدي)) -بفتح الهاء، وإسكان الدال، وكسرها، مع تشديد الياء، لغتان، والأول أفصح: اسم لما يُدَى إلى الحرم من النعم، شاة كانت، أو بقرة، أو بعيرًا؛ ليُتقرّب بإراقة دمه في الحرم. قيل: والواحدة هديّة. قال الجوهريّ: الهديُ ما يُهدى إلى الحرم من النعم، والهديّ على فَعيل مثله، وقرىء: ﴿حَّ بَلُغَ الْهَدَىُ ◌ِلَّمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] بالتخفيف والتشديد، الواحدة هَذْية، وهَدِيّة. والله تعالى أعلم (١) بالصواب ٢٧٧١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ ح وَأَنَبَأَنَا(٢) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةً، الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرً، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: خَرْجَّ رَسُولُ اللَّهِ بِلهِ زَمْنَ الْحُدَيْنِيَةِ، فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً، ◌ِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ الْهَذْيَ، وَأَشْعَرَ، وَأَخْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ... مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا مُخْتَصَرٌ) . رجال هذا الإسناد: عشرة: ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/٥ . ٢- (محمد بن ثور) الصعانيّ، أبو عبد الله العابد الثقة [٩] ٢٠٣٥/١٠٢. ٣- (يعقوب بن إبراهيم) الدَّورقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢ . ٤- (يحيى بن سعيد) القطان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤. ٥- (عبد الله بن المبارك) الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨]٣٦/٣٢. ٦- (معمر) بن راشد البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧]١٠/١٠. ٧- (الزهريّ) محمد بن مسلم المذكور قريبًا . ٨- (عروة) بن الزبير المذكور قريبًا أيضًا. ٩- (المسور بن مخرمة) من نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما، مات سنة (٦٤)، تقدّم في ٩٣٦/٣٧ . (١) - راجع ((المرعاة)) ١٩١/٩ (٢) - وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ١٠ - (مروان بن الحكم) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ليست له صحبة [٢]١٦٣/١١٨. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى بالنسبة للسند الأول، ومن سباعياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَم، قَالَا) قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة لأنه لا صَحبة له، وأما المسور فهي بالنسبة إليه أيضًا مرسلة؛ لأنه لم يحضر القصّة. وقد ثبت في رواية البخاريّ من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سمع مروان، والمسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهما، يُخبران عن أصحاب رسول اللَّه وَالر ... ))، فذكر بعض هذا الحديث، وقد سمع المسور، ومروان من جماعة من الصحابة، شهدوا هذه القصّة، كعمر، وعثمان، وعليّ، والمغيرة بن شعبة، وأم سلمة، وسهل بن حُنيف، وغيرهم. ووقع في نفس هذا الحديث شيء يدلّ على أنه عن عمر تَظمته. وقد روى أبو الأسود، عن عروة هذه القصّة، فلم يذكر المسور، ولا مروان، لكن أرسلها، وهي كذلك في ((مغازي عروة بن الزبير))، أخرجها ابن عائذ في ((المغازي)) بطولها. وأخرجها الحاكم في ((الإكليل)) من طريق أبي الأسود، عن عروة أيضًا، مقطّعة انتهى كلام الحافظ (١). (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) تقدّم ضبط الحيبية، وهي بئر سمي المكان بها. وقيل: شجرة حدباء، صُغْرت، وسمي المكان بها. قال المحبّ الطبريّ: الحديبية قرية قريبة من مكة، أكثرها في الحرم. ووقع في رواية ابن إسحاق في ((المغازي)) عن الزهريّ: ((خرج عام الحديبية، يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً)). ووقع عند ابن سعد: ((أنه خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة)) (فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً، مِنْ أَصْحَابِهِ) ووقع عند البخاريّ في رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء (١) - (فتح)) ٨/ ٦٨٠. في ((كتاب الشروط)). ٢٧٧ ٦٢ - (إِشْعَارُ الْهَدْي) - حديث رقم ٢٧٧١ رَوّ: ((كنا أربع عشرة مائة)، وفي رواية زهير عنه: ((أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، أو أكثر)). ووقع في حديث جابر تظله من طريق سالم بن أبي الجعد عنه: ((أنهم كانوا خمس عشرة مائة))، ومن طريق قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عن جابر: ((أنهم كانوا أربع عشرة مائة، فقال سعيد: حدثني جابر: ((أنهم كانوا خمس عشرة مائة))، ومن طريق عمرو بن دينار، عن جابر: ((كانوا ألفًا وأربعمائة))، ومن طريق عبد الله بن أبي أوفى: ((كانوا ألفًا وثلاثمائة)). ووقع عند ابن أبي شيبة من حديث مُجمِّع بن جارية: ((كانوا ألفًا وخمسمائة)). قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال: ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: ألفا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في حديث البراء: ((ألفًا وأربعمائة، أو أكثر))، واعتمد على هذا الجمع النوويّ. وأما البيهقيّ، فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية من قال: ((ألفا وأربعمائة)) أصحّ، ثم ساقه من طريق أبي الزبير، ومن طريق أبي سفيان، كلاهما عن جابر كذلك، ومن رواية معقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب، ومن طريق قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه. ومعظم هذه الطرق عند مسلم. ووقع عند ابن سعد في حديث معقل بن يسار: ((زهاء ألف وأربعمائة))، وهو ظاهر في عدم التحديد. وأما قول عبد الله بن أبي أوفى: ((ألفًا وثلاثمائة))، فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة ناس، لم يطّلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة، أو العدد الذي ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة، والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتلة، والزيادة عليها من الأتباع من الخدم، والنساء، والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم. وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافق عليه؛ لأنه قاله استنباطًا من قول جابر: ((نحرنا البدنة عن عشرة))، وكانوا نحروا سبعين بدنة. وهذا لا يدلّ على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلاً وجمع الحافظ أيضًا بين رواية الباب بأنهم كانو بضع عشرة مائة، وبين ما تقدّم بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدم، وما زاد على ذلك كانوا غائبين عنها، كمن توجه مع عثمان إلى مكة، على أن لفظ البضح بصدق على الخمس، والأربع، فلا تخالف. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: التوجيه الأخير هو الأقرب عندي. والله تعالى أعلم. ٢٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال: وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفًا وستمائة. وفي حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفًا وسبعمائة. وحكى ابن سعد أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرین. وهذا إن ثبت تحریر بالغ، ثم وجدته موصولاً عن ابن عباس عند ابن مردويه. وفيه ردّ على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحديد، وإنما ذكره بالحدس والتخمين والله أعلم انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١) . (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ الْهَذْيَ) قال الفيّوميّ: تقليد الهدي: هو أن يعلّق بعنق البعير قطعة من جلد ليُعلَم أنه هديّ، فيكفّ الناس عنه انتهى. وسيأتي ما يقلّد به بعد باب (وَأَشْعَرَ) الهدي، وإشعار الهدي: هو أن يفعل فيه علامة يُعلَم بها أنه هدي. قال العينيّ: هو في اللغة: الإعلام، مأخوذ من الشعور، وهو العلم بالشيء، من شعر يشعُر، كنصر ينصر. وقال الراغب: الشعر معروف، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية [النحل: ٨٠] ومنه استعيرت شعرت كذا: أي علمت علمًا في الدقّة، كإصابة الشعر، وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته، ودقة معرفته ﴿لَا تُحِلُّواْ شَعَّبِرَ اَللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٢] أي ما يُهُدى إلى بيت الله، سمي بذلك لأنها تُشعر، أي تعلم بأن تُدمى بشعيرة، أي حديدة انتهى. وفي الشرع: هو أن يشقّ أحد سنامي البدن، ويُطعن فيه حتى يسيل دمها؛ ليُعرف أنها هديّ، وتتميّز إن خُلطت، وتُعرف إن ضلّت، ويَرتدع عنها السرّاق، ويأكلها الفقراء، إذا ذُبحت في الطريق لخوف الهلاك. (وَأَخْرَمَ بِالْعُمْرَةِ) وقوله (مُخْتَصَرٌ) خبر لمحذوف: أي هذا الحديث مختصر من الحديث الطويل، وقد ساقه البخاريّ بطوله في ((كتاب الشروط، وهو من أطول الأحاديث في البخاريّ، ونصّه: ٢٧٣٤ - حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان، يُصَدِّق كل واحد منهما، حديث صاحبه، قالا: خرج رسول اللَّه وَ له، زَمَنَ الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي وَ لير: ((إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش، طَلِيعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد، حتى إذا هُمْ بِقَتَرَة الجيش، فانطلق يركُض، نذيرا لقريش، وسار النبي وَّر، حتى إذا كان بالثنية التي يُبَط عليهم منها، بَرَكَت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فَأَلَخَّت، فقالوا: خَلأت القَصْوَاء، (١) - ((فتح))٢٠٧/٨ - ٢٠٨. في («كتاب الشروط)). ٦٢ - (إِشْعَارُ الْهَدْي) - حديث رقم ٢٧٧١ ٢٧٩ = خَلأت القصواء، فقال النبي وَّ: ((ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بِخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطّة (١)، يُعَظّمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها))، ثم زجرها، فوثبت، قال: فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثَمَد (٢)، قليل الماء، يَتَبَرَّضُهُ الناس تَبَرُّضًا(٣)، فلم يُلبثه الناس، حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول اللّه وَلّ العطشُ، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يَجِيش(٤) لهم بالرَّيّ، حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك، إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي، في نفر من قومه، من خزاعة، وكانوا عَيْبَة نصح رسول اللَّهِ وَيُ(٥)، من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم الْعُوذُ المطافيل (٦)، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، فقال رسول اللَّه وَله: ((إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد تَّكَتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فعلوا، وإلا فقد جموا (٧)، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي، وليُنفذن الله أمره))، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق، حتى أتى قريشا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نَعرِضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا، أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي وَّ، فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم بالوالد، قالوا: بلى، قال: أولست بالولد، قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني، قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون، أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بَلْحُوا عليّ، جئتكم بأهلي وولدي، ومن أطاعني، قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد، اقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ◌َّ، فقال النبي ◌َلّ نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب، اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى فإني (١) - أي خصلة . (٢) - أي حفيرة فيها ماء مثمود، أي قليل. (٣) - أي يأخذون منه قليلاً قليلاً. (٤) - أي يفور. (٥) - أي موضع النصح له، والأمانة على سرّه. (٦) - العُوذ بالضم جم عائذ: وهي الناقة ذات اللبن. والمطافيل الأمهات التي معها أطفالها. (٧) - أي استراحوا. ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ واللّه لأرى وجوها، وإني لأرى أوشابا من الناس، خليقا أن يفروا، ويدعوك، فقال له أبو بكر الصديق: امصص بيظر اللات، أنحن نفر عنه، وندعه، فقال: من ذا؟، قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي، لم أَجزِك بها، لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ◌َّر، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة، قائم على رأس النبي بََّ، ومعه السيف، وعليه الْمِغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده، إلى لحية النبي وَّر، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول اللّه ◌َلآ ، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟، قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَر، ألست، أسعى في غدرتك، وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي وَالقر: ((أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيءٍ))، ثم إن عروة، جعل يَرمُقُ أصحاب النبي ◌َّهَ بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول اللّه وَيل نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدَلَّكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر، تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط، يعظمه أصحابه، ما يعظم أصحاب محمد وّر محمدا، والله إن تنخم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدّون إليه النظر، تعظيما له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خُطّة رُشد، فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي وَّ وأصحابه، قال رسول الله وَالر: ((هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له))، فبُعِثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان اللّه، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البدن قد قُلْدَت، وأُشعِرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم، يقال له: مِكْرَز بن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: انته، فلما أشرف عليهم، قال النبي ◌َّر: ((هذا مكرز، وهو رجل فاجر))، فجعل يكلم النبي وَالر، فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة، أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي وَّر: ((لقد سهل لكم من أمركم))، قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات، اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي ◌َّ الكاتب، فقال النبي وَلقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، قال سهيل: أما الرحمن فوالله، ما أدري ما هو؟، ولكن اكتب، باسمك اللَّهم، كما كنت