Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٥٧- (إِهْلَالُ النَّفَسَاءِ) - حديث رقم ٢٧٦١ والحديث يدلّ على ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جواز إهلال النفساء بالحجّ والعمرة، وأن النَّفَاسَ ليس من موانعهما، بخلاف الصلاة، والصوم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٢ - أَخبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: نَفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَّيْسٍ، مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، تَسْأَلُهُ كَيْفَ تَفْعَلُ؟، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتَسْتَثْفِرَ بِثَوْبِهَا، وَثُلْ) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. وقوله: ((نفست)): من باب سَمِعَ، وعُنِي: ولدت، وحاضت، والكسر فيه أكثر. أفاده في ((القاموس)). وقال الفيّوميّ: ونُفِست المرأةُ بالبناء للمفعول، فهي نُفَسَاء، والجمع نِفَاس بالكسر، ومثله عُشَراء، وعِشَار، وبعض العرب يقول: نَفِسَت تَنْفَسُ، من باب تعب، فهي نافس، مثل حائض، والولد منفوس، والنفاس بالكسر أيضًا اسم من ذلك، ونَفِست تَنْفَس، من باب تَعِب: حاضت. ونُقل عن الأصمعيّ: نُفست بالبناء للمفعول أيضًا، وليس بالمشهور في الكتب في الحيض، ولا يقال في الحيض: نُفِست بالبناء للمفعول، وهو من النَّفْس، وهو الدم، ومنه قولهم: لا نَفْسَ له سائلة، أي لا دم له يجري، وسمي الدم نَفْسًا؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها بالدم، والنفساء من هذا انتهى كلام الفيّومي. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٥٨- (فِي الْمُهِلَّةِ بِالْعُمْرَةِ تَحِيضُ، وَتَخَافُ فَوْتَ الْحَجْ) أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على حكم المرأة التي أهلّت بالعمرة، ثم حاضت، وخافت أن يفوتها الحج، وحكمها أنها تهلّ بالحجّ، فتكون قارنَةً، ثم تفعل ٢٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ أعمال الحج كلها، إلا الطواف بالبيت، فإنها تؤخره حتى تطهر، كما فعلت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها عام حجة الوداع؛ لأمر النبيّ وَّر لها بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب . ٢٧٦٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِينَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ، بِحَجِّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا، طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿، أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذِيٌّ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟، قَالَ: ((الْحِلُّ كُلُّهُ))، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَئِيْنَا بِالطَّبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْتَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلَى عَائِشَةَ، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: (مَا شَأْتُكِ؟))، فَقَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أُخْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذَا أَمْرٌ، كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلْي بِالْحَجْ))، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ، طَاقَتْ بِالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَميعًا))، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي، أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: ((فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِزْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ))، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١. ٢- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصريّ الإمام الحافظ الحجة [٧]٣١/ ٣٥ . ٣- (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤]٣٥/٣١. ٤- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ رضي الله تعالى عنهما ٣٥/٣١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٤٣) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مصريين، ومكتّين. (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. ٢٤٣ ٠٠ . - حديث رقم ٢٧٦٣ ٥٨-(فِي المهلة بالعُمْرَة ◌ِحِيضُ، شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِينَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ، بِحَجِّ مُفْرَدٍ) هذا باعتبار أغلبهم، وإلا فبعضهم قرن، كالنبيّ ◌َّ (وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلَّةٌ بِعُمْرَةٍ) أي باعتبار آخر أمرها، وإلا فإنما أهلوا في الميقات بالحجّ، لكن لما أمر خيرهم النبيّ وَّ في الطريق أن يجعلوها عمرة، فمنهم من جعلها عمرة، ومنهم من استمرّ على حجه حتى عزم الأمر عند المروة، ففرض عليهم أن يتحللوا بالعمرة، فصاروا كلهم معتمرين (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ) بفتح المهملة، وكسر الراء، بعدها فاء: موضع قريبٌ من مكة بينهما نحو من عشرة أميال، وهو ممنوع من الصرف، وقد يصرف. قاله في ((الفتح))(١) (عَرَكَتْ) أي حاضت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها. يقال: عَرَكت تعرُك عُرُوكًا، من بابٍ قعد: إذا حاضت (حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا، طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي وسعينا بينهما (فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ بِّهِ أَنْ يَحِلَّ مِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذِيٌّ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟) أي أيّ نوع من الحلّ؟، فإن الإحرام يحصل به حُرُم متعدّدة (قَالَ) وَِّ ())الْحِلُّ كُلَّهُ))) مبتدأ خبره محذوف، أي جائز، أو فاعل لفعل مقدّر، أي يجوز الحلّ، و((كله)) توكيد. يعني أن كلّ الأشياء التي منعت بسبب الإحرام تحل (فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ) أي جامعناهنّ (وَتَطَّئَّيْنَا بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا) أي الثياب الممنوع لبسها في الإحرام (وَلَيْسَ بَيْتَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ) يعني أنه لم يبق للوقوف بعرفة إلا أربع ليال، وذلك لأنهم دخلوا مكة لأربع ليال مضين من ذي الحجة، فطافوا، وتحللوا، فلم يبق بينهم وبين عرفة إلا ليلة الخامس، والسادس، والسابع، والثامن (ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) أي أحرمنا بالحجّ يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك؛ لأن الماء كان قليلاً بمنى، فكانوا يرتوون من الماء لما بَعْدُ. قاله الفيّوميّ. قال النووي: وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أن من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ استُحبّ له أن يُحرم يوم التروية، ولا يقدّمه عليه انتهى (ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ عَلَى عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها (فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: ((مَا شَأْتُكِ؟))، فَقَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ) أي من إحرامهم بالحجّ بعمل العمرة (وَلَمْ أَحْلِلْ) بضمٌ أوله، وفتحه كما مرّ غير مرّة، ثم ذكرت سبب عدم إحلالها بقولها (وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) أي لكونها حائضًا (وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، فَقَالَ) وَ (إِنَّ هَذَا) إشارة إلى الحيض الذي حلّ بها، فمنعها من الطواف بالبيت (أَمْرٌ، كَتَبَهُ اللَّهُ) أي قدّره من غير (١) - ((فتح)) ١ / ٥٣٣ في ((كتاب الحيض)). ٢٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ اختيار العبد فيه، فلا عتب على العبد به (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) قال النوويّ: هذا تسلية لها، وتخفيف لهمها، ومعناه أنك لست مختصّة به، بل كلّ بنات آدم يكون منهنّ هذا، كما يكون منهنّ، ومن الرجال البول والغائط، وغيرهما. وقد استدلّ البخاريّ في ((صحيحه)) في ((كتاب الحيض)) بعموم هذا الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال: إن الحيض أول ما أرسل، ووقع في بني إسرائيل انتهى. ولفظ البخاريّ: ((باب كيف كان بدء الحيض، وقول النبيّ وَّر: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)). وقال بعضهم: كان أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل. قال أبو عبد الله: وحديث النبيّ بَلّر أكثر انتهى. والذي أشار إليه البخاريّ هو ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح، قال: ((كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلّون جميعًا، فكانت المرأة تتشرّف للرجل، فألقى الله عليهنّ الحيض، ومنعهنّ المساجد)). وعنده عن عائشة نحوه. قال الداوديّ: ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله: «بنات آدم عام أريد به الخصوص. قال الحافظ: ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بتعميمه بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهنّ عقوبة لهنّ، لا ابتداء وجوده. وقد روى الطبريّ، وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصّة إبراهيم: ﴿وَأَمْرَتُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ الآية [هود: ١٧] أي حاضت، والقصّة متقدّمة على بني إسرائيل بلا ريب. وروى الحاكم، وابن المنذر بإسناد صحيح، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: ((أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أُهبطت من الجنة)). وإذا كان كذلك، فبنات آدم بناتها. والله أعلم (١). (فَاغْتَسِلِي) قال النووي: هذا الغسل هو الغسل للإحرام، وقد سبق بيانه، وأنه يستحبّ لكلّ من أراد الإحرام بحجّ، أو عمرة، سواء الحائض، وغيرها انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد سبق أن الراجح وجوبه على الحائض والنفساء؛ لظاهر الأمر. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَهِلْي بِالْحَجْ))، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ) أي عرفة، ومزدلفة، ومنى (حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ) بفتح الطاء، وضمها، والفتح أفصح. واعلم أن طهر عائشة هذا المذكور كان يوم السبت، وهو يوم النحر في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضًا لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر. ذكره (١) - ((فتح)) ٥٣٢/١ ((كتاب الحيض)). ٥٨- (فِي الْمُهِلَةِ بالْعُمْرَة تحيضُ، . - حديث رقم ٢٧٦٣ ٠٠ ٢٤٥ أبو محمد ابن حزم في ((كتاب حجة الوداع))(١). (طَاقَتْ بِالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعت بينهما (ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَميعًا) هذا صريح في أن عمرتها لم تبطل، ولم تخرج منها، وأن قوله بَّ في الرواية الأخرى: (ارفضي عمرتك))، و((دعي عمرتك)) ليس معناه إبطالها بالكلية، والخروج منها، فإن العمرة، والحجّ لا يصحّ الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يُخرج منهما بالتحلل بعد فراغهما، فيكون معناه: ارفضي العمل فيها، وإتمام أفعالها التي هي الطواف، والسعي، وتقصير شعر الرأس، فأمرها وَلّر بالإعراض عن أفعال العمرة، وأن تحرم بالحج، فتصير قارنة، وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فتؤخّره حتى تطهر، وكذلك فعلت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها. فقوله وَلقر هنا: ((قد حللت من حجتك، وعمرتك جميعًا)) يوضّح هذا التأويل. قال النووي رحمه الله تعالى: يستنبط منه -أي من قوله: ((قد حللت من حجتك، وعمرتك جمیعا»- ثلاث مسائل: [إحداها]: أن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها كانت قارنة، ولم تبطل عمرتها، وأن الرفض المذكور متأول كما سبق. [والثانية]: أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وهو مذهب الشافعيّ، والجمهور، وقال أبو حنيفة، وطائفة: يلزمه طوافان وسعيان. [والثالثة]: أن السعي بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح، وموضع الدلالة أن رسول اللّه وَ ليل أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج، غير الطواف بالبيت، ولم تسع كما لم تطف، فلو لم يكن السعي متوقّفًا على تقدم الطواف عليه لما أخرته انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الاستدلال نظر لا يخفى، فإن حديث ((سعيت قبل أن أطوف، قال: طف ولا حرج)) يرد عليه فتنبه. والله تعالى أعلم. (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي) أي حيث لم أعتمر عمرة مستقلة، كسائر أمهات المؤمنين (أَنَّ لَمْ أَطْفِْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى حَجَجْتُ) أي انتهيت من الحجّ (قَالَ: ((فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَّنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ الَّتْعِيم))، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين: أي ليلة المبيت بالمحَصّب بعد النفر من منى. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهي الليلة التي ينزل الناس فيها المحصّب عند انصرافهم من منى إلى مكة. والتحصيب: إقامتهم بالمحصّب، وهو الشّغب الذي (١) - ((شرح مسلم)) ٨/ ٣٩٤. (٢) - ((شرح مسلم)» ٣٩٣/٨ - ٣٩٤. ٢٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ مخرجه إلى الأبطح، وهو منزل النبيّ وَّ حين انصرف من حجته، وهو خيف بني كنانة الذي تقاسمت فيه في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما يُسمّى الأبطح، والبطحاء؛ لقربه منه، ونُزُولُهُ بعد النفر من منى، والإقامة به إلى أن يصلي الظهر، والعصر، والعشاءين، ويخرج منه ليلاً سنةٌ عند مالك، والشافعيّ، وبعض السلف؛ اقتداء بالنبيّ نَّر، ولم يره بعضهم. انتهى كلام القرطبيّ(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث جابر رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم، وقد تقدّم في -٢٧١٢/٤٦ - وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك -ولله الحمد والمنة- فلم يبق هنا إلا إيضاح بعض مسائله التي لم تذكر هناك: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للطواف بالبيت: قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى عند قوله: ((غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» : فيه نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها، وتغتسل، والنهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معناه الجنابة، وكذا سائر الأحداث، وهذا يدلّ على اشتراط الطهارة في صحّة الطواف. وقد ذكر هذا الاستدلال ابن المنذر، وغيره. ويدلّ له أيضًا ما رواه البيهقيّ وغيره من حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبيّ وَّ﴾ قال: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام)). لكن الصحيح وقفه على ابن عبّاس، كما ذكره البيهقيّ وغيره. وقد يقال: إنه مرفوع حكمًا، وإن لم يكن مرفوعًا لفظًا؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي. ويدلّ له أيضًا ما رواه البخاريّ، ومسلم عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: ((أن النبيّ وَ ر أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ، ثم طاف بالبيت))، مع قوله وَالر: ((خذوا عني مناسککم)). وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف والخلف. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه الخطابيّ عن عامة أهل العلم، وحكاه النوويّ في ((شرح المهذّب)) عن عامة العلماء، قال: وانفرد أبو حنيفة، فقال: الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف، وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صحّ (١) - ((المفهم)) ٣٠٧/٣. ٢٤٧ ٥٨- (فِي الْمُهِلَّةِ بِالعُمرة تحیضُ، ... - حديث رقم ٢٧٦٣ طوافه، واختلف أصحابه في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن طاف جنبًا لزمه بدنة، قالوا: ويعيد ما دام بمكة. وعن أحمد روايتان: إحداهما: كمذهبنا -يعني الشافعيّة -. والثانية: إن أقام بمكة أعاده، وإن رجع إلى بلده جبره بدم. وقال داود: الطهارة للطواف واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه، إلا الحائض. وقال المنصوريّ من أصحاب داود: الطهارة شرط كمذهبنا انتهى. قال وليّ الدين: وفيما ذكره من انفراد أبي حنيفة بذلك نظر، فقد روى ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم، وحمادًا، ومنصورًا، وسليمان، عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأسًا. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف، فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها. وذكر ابن حزم في ((المحلّى)) عن عطاء، قال: حاضت امرأة، وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فأتمّت بها عائشة بقية طوافها، قال ابن حزم: فهذه أم المؤمنين لم تر الطهارة من شروط الطواف انتهى. وفي تقييد هذه الرواية عن أحمد بالعود إلى بلده نظر، فقد حكى المجد ابن تيمية في ((المحرّر)) رواية عن أحمد أن الطهارة واجبة تُجبر بالدم، ولم يقيّد ذلك بشيء. وعند المالكية قول يوافق هذا فحكى ابن شاس في ((الجواهر)) عن المغيرة أنه إن طاف غير متطهّر أعاد ما دام بمكة، فإن أصاب النساء، وخرج إلى بلده أجزأه. وقال ابن حزم من أهل الظاهر: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز للننفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؛ للنهي فيه. وهذا جمود عجيب، وقد تقدّم في حديث ابن عباس ذكر النفساء مع الحائض، وسكت عليه أبو داود، وحسّنه الترمذيّ انتهى كلام وليّ الدين رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي قول الجمهور من أن الطهارة واجبة للطواف؛ لظاهر قوله وَير ((حتى تطهري))، فعلق حلّ الطواف بالطهارة، فلولا أنها شرط فيه لما علق حله بها، ولحديث: ((الطواف بالبيت صلاة ... )))) الحديث، فإنه وإن قيل بوقفه، إلا أن له حكم الرفع، كما تقدّم، وسيأتي أنه صحيح مرفوعا في -١٣٦/ ٢٩٢٢- فيفيد وجوب الطهارة مثل الصلاة، وبأنه وي لتر توضأ، ثم طاف بالبيت، وقد (١) - ((طرح التثريب))١١٩/٥ - ١٢١. - ٢٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال: ((خذوا عني مناسككم))، فهذه الأدلة يستفاد منها وجوب الطهارة للطواف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): الظاهر أن اشتراط الطهارة في الطواف يعم البدن والثوب، والمكان الذي يطؤه في الطواف، وبهذا قال الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وغيرهم، لكن اغتفر المالكية ذلك مع النسيان(١). قال النووي في ((شرح المهذّب)): والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى النجاسة ببدنه، أو ثوبه، أو مشى عليها عمدًا، أو سهوًا لم يصحّ طوافه. قال: ومما عمّت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير، وغيره، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين العفو عنها، وينبغي أن يقال: يُعفى عما يشقّ الاحتراز عنه من ذلك، كنظائره انتهى كلام النوويّ(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي من نجاسة خرء الطير ونحوه مبنيّ على مذهبه، والراجح أن هذه الأشياء ليس بنجس؛ لعدم وجود دليل على ذلك، وقد تقدّم تحقيق ذلك في أوائل هذا الشرح في ((أبواب الطهارة))، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة : ذهب إلى عدم اشتراطها جمهور العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، قال: وكان الحسن البصريّ يقول: إن ذكره قبل أن يحلّ، فليُعد الطواف، وإن ذكره بعد ما حلّ فلا شيء عليه. وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا اشترط الطهارة فيه إلا الحسن، فإنه قال: إن سعى على غير طهارة، فإن ذكر قبل أن يحلّ فليُعد، وإن ذكر بعد ما حلّ فلا شيء عليه انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: وفيه نظر من وجهين: [أحدهما]: أنه كلام متهافت، فإن اشتراط الطهارة ينافي الإجزاء مع فقدها، وما علمت أحدًا نقل عنه الاشتراط، ولعله يقول بالوجوب فقط، بل في ((مصنف ابن أبي شيبة)) عن الحسن، وابن سيرين أنهما لم يريا بأسّا أن يطوف الرجل بين الصفا والمروة على غير وضوء، وكان الوضوء أحبّ إليهما، وهذا يقتضي أن الحسن إنما يقول باستحباب الطهارة له، كما يقوله غيره من العلماء. (١) - ((طرح التثريب)) ١٢١/٥ - ١٢٢. - (٢) - ((المجموع٢٠/٨٨. ٥٨- (فِي الْمُهِلَّةِ بِالْعُمْرَةِ تِحِيضُ، ... - حديث رقم ٢٧٦٣ ٢٤٩= [ثانيهما]: أن الحسن لم ينفرد بذلك، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي العالية أنه قال: لا تقرأ الحائض القرآن، ولا تصلي، ولا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، وقال: الطواف بين الصفا والمروة عدل الطواف بالبيت. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة)). وهو في ((الموطا)) عن ابن عمر أيضًا: ((لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى تطهر)). وهو رواية عن أحمد بن حنبل أنه تجب له الطهارة كالطواف، حكاها عن ابن تيمية في ((المحرّر)). انتهى كلام وليّ الدين(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جاء في رواية يحيى بن يحيى في ((الموطأ)) في حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها، مرفوعًا: ((غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري)). قال ابن عبد البرّ: لم يقله من رواة ((الموطا))، ولا غيرهم إلا یحیی انتھی. وأشار بهذا إلى أنها شاذّة، فإن صحّت هذه الرواية دلّت على وجوب الطهارة للسعي، وإلا فالأصل البقاء على جواز السعي بلا طهارة، لعدم دليل الوجوب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلف في جواز السعي قبل الطواف، فذهب الجمهور -كما قاله في ((الفتح))- إلى أنه لا يجوز، وحكي ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتجّ بحديث أسامة بن شريك: ((أن رجلاً سأل النبيّ وَله، فقال: سعيت قبل أن أطوف؟، قال: طف، ولا حرج)) وهو حديث صحيح. وتأوله الجمهور على من سعى بعد طواف القدوم، وقبل طواف الإفاضة. قاله في ((الفتح)) (٢) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي ذهب إليه القائلون بجوزا تقديم السعي على الطواف هو الأرجح عندي؛ لحديث أسامة رَّه المذكور، وما أول به الجمهور فيه نظر؛ إذ لو كان كذلك لاستفصله النبيّ وال هل سعى بعد طواف القدوم أم لا؟، فلما لم يستفصله عُلم أنه على عمومه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِم، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، (١) - ((طرح التثريب)) ١٢٢/٥ - ١٢٣. (٢) - ((فتح)) ٤/ ٣١٤. ٢٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ لَه فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌّ، فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَجِلَّ حَتَّى يَجِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا))، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ، فَقَالَ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِي بِالْحَجْ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ))، فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ بِه ◌ِ، مَعَ عَبْدِ الرَّحِمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، قَالَ: ((هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ))، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَزْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) . رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١]٢٠/١٩. ٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠]٩/ ٩. ٣- (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد الله المصريّ، صاحب مالك، ثقة فقيه، من كبار [١٠]٢٠/١٩. ٤- (مالك) بن أنس، أبو عبد الله المدنيّ الإمام الحجة المشهور [٧]٧/ ٧. ٥- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٤]١/١. ٦- (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣]٤٤/٤٠. ٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَل*) أي من المدينة (فِي حَجَّةِ الْوَدَاع) بفتح الواو، وكسرها، أي في عام حجة الوداع، ! .. - حديث رقم ٢٧٦٤ ٥٨- (فِي الْمُهِلَةِ بالعُمْرَة تحيضُ، ٢٥١ وهو السنة العاشرة، أو بسبب أداء حجة الوداع، وقد تقدم سبب تسميته بهذا الاسم (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أي أحرم بعضنا بعمرة، ومنهم عائشة رضي اللَّه تعالى عنها كما تقدم في حديث جابر تَّه المتقدم. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: اختلفت الروايات عن عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أحرمت به، اختلافا كثيرًا، فذكر مسلم من ذلك ما قدّمناه - يعني قولها: ((ولم أهلٌ إلا بعمرة))- وفي رواية لمسلم أيضًا عنها ((خرجنا لا نرى إلا الحجّ))، وفي رواية القاسم عنها: ((خرجنا مهلّين بالحجّ))، وفي رواية: ((لا نذكر إلا الحجّ))، وكلّ هذه الروايات صريحة في أنها أحرمت بالحجّ، وفي رواية الأسود عنها: ((نلبّي لا نذكر حجًا، ولا عمرة)). قال القاضي: واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة، عن عائشة عندنا قديمًا، ولا حديثًا. وقال بعضهم: يترجّح أنها كانت محرمة بحجّ؛ لأنها رواية عمرة، والأسود، والقاسم، وغلّطوا عروة في العمرة. وممن ذهب إلى هذا القاضي إسماعيل، ورجحوا رواية غير عروة على روايته؛ لأن عروة قال في رواية حماد بن زيد، عن هشام، عنه: حدّثني غير واحد أن النبيّ وَّر قال لها: ((دعي عمرتك))، فقد بان أنه لم يسمع الحديث منها. قال القاضي رحمه الله تعالى: وليس هذا بواضح؛ لأنه يحتمل أنها ممن حدّثه ذلك. قالوا أيضًا: ولأن رواية عمرة، والقاسم نسّقت عمل عائشة في الحجّ من أوله إلى آخره، ولهذا قال القاسم عن رواية عمرة: أنبأتك بالحديث على وجهه. قالوا: ولأن رواية عروة إنما أخبر عن إحرام عائشة، والجمع بين الروايات ممکن، فأحرمت أوّلاً بالحجّ كما صح عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصحّ من فعل النبيّ وََّ، وأكثر أصحابِهِ، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبيّ وَّر أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، وهكذا فسّره القاسم في حديثه، فأخبر عروة عنها باعتمارها في آخر الأمر، ولم يذكر أول أمرها. قال القاضي: وقد تعارض هذا بما صحّ عنها في إخبارها عن فعل الصحابة، واختلافهم في الإحرام، وأنها أحرمت هي بعمرة، فالحاصل أنها أحرمت بحجّ، ثم فسخته إلى عمرة حين أمر الناس بالفسخ، فلما حاضت، وتعذّر عليها إتمام العمرة، والتحلّل منها، وإدراك الإحرام بالحجّ، أمرها النبيّ ◌َّ بالإحرام بالحجّ، فأحرمت، فصار مُدخلة للحجّ على العمرة، وقارنة. انتهى كلام القاضي رحمه اللّه تعالى(١). (١) - ((شرح صحيح مسلم)) للنوويّ ٣٧٦/٨ - ٣٧٧ . ٢٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى تحقيق نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن رواية عروة أنها أهلّت بالعمرة صحيحة، لأنها محمولة على آخر أمرها، بعد أمر النبيّ وَله بفسخ الحجّ إلى العمرة. والله تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنْ كَانَ مَعَهُ هَذْيٌ، فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجْ مَعَ الْعُمْرَةِ) أي ليصير قارنًا (ثُمَّ لَا يَجِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَميعًا) لأنه ممنوع التحلل حتى يبلغ الهدي محله. قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجّ بها أبو حنيفة، وأحمد، وموافقوهما -يعني قوله: ((ومن أحرم بعمرة، وأهدى فلا يحلّ حتى ينحر هديه)) على أن المعتمر، والمتمتّع إذا كان معه هدي، لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقيهما أنه إذا طاف، وسعى، وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ شيء في الحال، سواء ساق الهدي، أم لا، واحتجّوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تَحَلَّلَ من نسكه، فوجب أن يحلّ له كل شيء، كما لو تحلّل المحرم بالحجّ. وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة، قالت خرجنا مع رسول اللّه وَ له عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللّه وَله: ((من كان معه هدي، فليُهلّ بالحجّ مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا)). فهذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجوا بها، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلّ بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا انتهى كلام النوويّ بتصرّف(١) . وقال الشوكانيّ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر نحو ما ذكره النوويّ من التأويل: ولا يخفى ما فيه من التعسّف انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الحنفية، والحنابلة من أن المعتمر إذا ساق الهدي لا يتحلّل حتى ينحر هديه هو الحقّ؛ لصحة الحديث بذلك، وتأويله على خلاف ظاهره تعسّف ظاهر. والله تعالى أعلم بالصواب. (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ) تقدم أنها حاضت بسرف، وتمادى بها الحيض إلى يوم النحر (فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي لقوله ◌ََّ لها: ((افعلي ما يفعل الحاجَ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) (فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، (١) - ((شرح مسلم)) ٣٧٩/٨ - ٣٨٠. ٥٨- (فِي الْمُهِلَةِ بِالْعُمْرَةِ تِحِيضُ، ... - حديث رقم ٢٧٦٤ ٢٥٣ فَقَالَ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي) أي سرّحي شعرك بالمشط. ذهب الجمهور إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها أن تترك أعمال العمرة، من الطواف، والسعي، والتقصير، وأن تُدخل الحج على العمرة، فتكون قارنة، وليس المراد بترك العمرة إبطالها جملة، وإنما المراد ترك أعمالها، وإرادف الحج عليها، حتى تصير قارنة، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وذهب الحنفية إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها بأن تخرج من إحرام العمرة، وتتركها باستباحة المحظورات من التمشيط، وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ إذ لا يلزم من التمشيط وغيره الخروج من الإحرام، وإبطال العمرة. قال النوويّ: ولا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الشعر، والامتشاط جائزان في الإحرام على الراجح، بحيث لا ينتف شعرًا. ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذروة بأن كان في رأسها أذى، فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون امتشاط عائشة للعذر يحتاج إلى دليل، والظاهر أنه يجوز بدون عذر، والله تعالى أعلم. وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحجّ، لا سيما إن كانت لبّدت رأسها كما هو السنّة، وكما فعله النبيّ ◌َّير، فلا يصحّ غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه انتھی(١). وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أما قوله: ((وانقضي رأسك، وامتشطي) فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيها أربعة مسالك: [أحدها]: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية. [المسلك الثاني]: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه. وهذا قول ابن حزم وغيره. (١) - ((شرح مسلم)) ٣٧٨/٨. ٢٥٤ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ [المسلك الثالث]: تعليل هذه اللفظة، وردّها بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة . [المسلك الرابع]: أن قوله: ((دعي العمرة)) أي دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها، قالوا: ويدلّ عليه وجهان: أحدهما: قوله: (يسعك طوافك لحجك، وعمرتك)). الثاني: قوله: ((كوني في عمرتك))، قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض انتهى. (وَأَهِلِي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ)) أي اتركي أعمالها؛ لدخولها في عمل الحجّ، حيث كانت قارنة . وقال القرطبيّ: هذا محمول على ترك عملها، لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى: ((وأمسكي)) مكان ((ودعي)) وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله ◌َّلي: ((يسعك طوافك لحجك، وعمرتك))، وهذا نصّ على أن حكم عمرتها باق عليها انتهى (١). (فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ) أي أديته بإتمام أعماله (أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصديق القرشيّ التيميّ، يكنى أبا عبد الله. وقيل: أبا محمد. وقيل: أبا عثمان، أمه أم رومان والدة عائشة، فهو شقيقها، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة. وقيل: عبد العزّى، فغيّره النبيّ وَلَّ، وتأخر إسلامه إلى أيام الهدنة، فأسلم، وحسن إسلامه. وقيل: إنما أسلم يوم الفتح هو ومعاوية في وقت واحد. ويقال: إنه شهد بدرًا مع المشركين، ودعا إلى البراز، فقام إليه أبوه ليبارزه، فذكر أن رسول اللَّه وَ ﴿وقال له: متّعنا بنفسك، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وصحب النبيّ وَّ في هدنة الحديبية، وكان أسنّ ولد أبي بكر. قال الزبير بن بكار: كان رجلاً صالحًا، وكانت فيه دعابة. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر لم يجرّب عليه كذبة قط. وقال ابن عبد البرّ: كان من أشجع رجال قريش، وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد، فقتل سبعة من كبارهم، منهم مُحَكّمَ اليمامة ابن طفيل، رماه بسهم في نحره، فقتله. وأخرج الزبير عن عبد الله بن نافع، قال: خطب معاوية، فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلمه الحسين بن عليّ، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له (١) - ((المفهم)) ٣٠١/٣. ٥٨- (فِي الْمُهِلَّةِ بِالْعُمْرَةِ تِحِيضُ، ... - حديث رقم ٢٧٦٤ ٢٥٥ = عبد الرحمن: أهرقلية، كلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟ لا نفعل واللَّه أبدًا، وبعث إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم، فردّها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي، وخرج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتمّ البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة. وقيل: توفي بحبشيّ، وهو على اثني عشر ميلاً من مكة، فحمل إلى مكة، فدفن بها، ولما بلغ عائشة خبره، خرجت حاجة، فوقفت على قبره، وأنشدت أبيات متمم بن نويرة في أخيه مالك: وَكُنَّا كَنَذْمَانَيْ جُذَيمَةً حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا بِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِثْ لَيْلَةٌ مَعَا ثم قالت: لو حضرت دفنتك حيث مت. روى عبد الرحمن عن النبيّ وَّر أحاديث، منها في ((الصحيح))، وعن أبيه، وروى عنه ابنه عبد الله، وحفصة، وابن أخيه القاسم ابن محمد، وغيرهم. قال الخزرجيّ: له ثمانية أحاديث، اتفقا على ثلاثة. مات سنة (٥٣) قاله ابن سعد. وقيل: بعد ذلك(١). (إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ) أي أحرمت بها، وأديت أعمالها (قَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ) قال الزركشي: المشهور رفع ((مكان)) على الخبر: أي عوض عمرتك التي تركتها لأجل حيضك، ويجوز النصب على الظرف. وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والعامل محذوف، تقديره: هذه كائنة مكانَ عمرتك، أو مجعولة مكانها انتهى (٢). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما قال لها هذا؛ لأنها لم تطب نفسًا بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا، كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قال: يا رسول اللَّه إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالة تطييبًا لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصخة العمرة الْمُزْدَف عليها، وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدّمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة، لما قررناه، فتدبّره، وأنص ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحجّ، ولم أحلل منها. انتهى (٣). (فَطَافَ) أي طواف العمرة (الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) وحدها، تعني الذين أفردوا العمرة (١) - ((الإصابة)) ٢٩٥/٦ - ٢٩٧. ((تهذيب التهذيب»٤٩٢/٢. («مرعاة٩ ٩ / ٥٦. (٢) - ((زهر الربى)) ١٦٧/٥. (٣) - ((المفهم))٣/ ٣٠١ - ٣٠٢. ٢٥٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ عن الحجّ (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ((طاف)) (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَزْوَةِ) أي سعوا بينهما. قال القاري: الطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي، فصحّ العطف، ولم يحتج إلى تقدير عامل، وجعله نظير ((علفتها تبنًا وماء باردا)) (ثُمَّ حَلُّوا) أي خرجوا من العمرة بالحلق، أو التقصير، ثم أحرموا بالحج من مكة (ثُمَّ طَاقُوا طَوَافًا آخَرَ) أي للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى) أي إلى مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعًا لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكيّ لا طواف عليه للقدوم، إلا ما حُكي عن الإمام أحمد أن المتمتع يطوف يوم النحر أولا للقدوم، ثم يطوف طوافًا آخر للحج، وخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ إذ لم ينقل عن النبيّ وَّر، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه وَلهر في حجة الوداع أنهم طافوا الطواف المذكور. والله تعالى أعلم (لِحَجِّهِمْ) فيه أن المتمتّع عليه طواف لعمرته، وطواف لحجه بعد رجوعه من منى (وَأَمَّا الَّذِينَ جَّعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أي ابتداء، أو إدخالا لأحدهما على الآخر (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) تعني أن الذين قرنوا بينهما اكتفوا بطواف واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجّ، وبهذا قال الجمهور، وهو الحقّ، وقال الحنفية: إن القارن عليه طوافان، وسعيان، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في باب ((طواف القارن)) - ١٤٤/ ٢٩٣٢- إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: قيل: هذا الحديث بظاهره مشكل على الجميع؛ لأنه يدلّ على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم. والثاني: طواف الإفاضة. والثالث: طواف الوداع. وقد أجابوا عن ذلك، وأحسن ما رأيت في ذلك ما كتبه السنديّ في ((حاشيته على البخاريّ)): حيث قال: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين الذين طافهما السابقون على أحدهما، إما الأول، وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين، الأول، والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمر، ففي ((صحيح مسلم)) عنه، و((بدأ رسول اللّه وَّر، فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحجّ))، إلى أن قال: ((وطاف رسول اللَّه وَ ل حين قدم مكة))، إلى أن قال: ((ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، وطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول اللّه ◌َلّر من أهدى، وساق الهدي من الناس)). ثم ذكر حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها أخبرت بمثل ذلك، قال: فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين. وقال أيضًا: قولها: ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا ٥٨- (فِي الْمُهِلَةِّ بالعُمْرَة تحيضُ، ... - حديث رقم ٢٧٦٤ ٢٥٧ === واحدًا)): أي ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا، هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أوّلاً كان طواف القدوم الذي هو من السنن، لا من الفرائض، بخلاف الذين حلّوا، فإنهم طافوا أوّلاً فرض العمرة، ثم فرض الحجّ، فطافوا طوافين للفرض، ولم ترد أن الذين جمعوا ما طافوا أوّلاً حين القدوم، أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى، كما يفيده ظاهر الكلام، كيف والنبيّ وَّ ر كان من الذين جمعوا على التحقيق، وعلى مقتضى هذا الحديث؛ لأنه كان معه الهدي البتّة، وقد ثبت أنه طاف أوّلاً حين قدم، وطاف ثانيًا طواف الإفاضة، حين رجع من منى، بل لعله ما ثبت أن أحدًا ترك الطواف عند القدوم، ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين، إلا بصفة الافتراض، فطواف من حلّ كان مرّتين فرضًا، وطواف من لم يحلّ كان مرّة فرضًا. والله أعلم. والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين، والثانية طافوا لهما واحدًا انتھی . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا التأويل الذي قاله السنديّ رحمه اللّه تعالى في معنى حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها المذكور تأويل نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في - ١٦/ ٢٦٥٠- وتقدّم تخريجه هناك، فراجعه، تستفد، ونذكر هنا بعض الفوائد التي اشتمل علیھا : (فمنها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان أن المرأة المعتمرة إذا حاضت، وخافت فوت الحج أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة. (ومنها): مشروعية حج الرجل مع زوجته. (ومنها): أن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله. (ومنها): أن الحائض تنقض ضفر رأسها، وتمتشط، وتغتسل للإهلال بالحجّ. (ومنها): أن من كان بمكة، وأراد العمرة فلا بد من خروجه إلى الحلّ، وأدناه التنعيم. (ومنها): أن المتمتّع لا بد له من طوافين، وسعيين. (ومنها): أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٢٥٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ ٥٩- (الاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد اشتراط التحلل عن الإحرام عند حصول ما يمنع من المضي في النسك، وقد اختلف فيه العلماء، والراجح مشروعيته، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٦٥ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ ضُبَاعَةً أَرَادَتِ الْحَجِّ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ تَشْتَرِطَ، فَفَعَلَّتْ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ). رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (هارون بن عبد الله) بن مروان الحمّال البزاز، أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠]٥٠ /٦٢ . ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩]٣٤٣/١٣. ٣- (حبيب) بن أبي حبيب الجرميّ، واسم أبيه يزيد البصريّ الأنماطيّ، صدوق يخطىء [٧]٥٩٠/٤٤ . ٤- (عمرو بن هَرِم) الأزديّ البصريّ، ثقة [٦]٥٩٠/٤٤. ٥- (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣]٤٣٦/٢٨. ٦- (عكرمة) مولى ابن عباس المدنيّ بربريّ الأصل، ثقة ثبت فقيه[٣]٣٢٥/٢. ٧- (ابن عباس) عبد اللَّه البحر رضي اللَّه تعالى عنهما٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، فقد أخرجه مسلم بهذا السند في ((صحيحه)). (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وسعيد، فكوفيّ، وعكرمة، فمدنيّ كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (أَنَّ ضُبَاعَةً) -بضم الضاد المعجمة، بعدها باء موحّدة، مخفّفة، وبعد الألف عين مهملة- بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشميّة، بنت عمّ النبيّ وَّ﴿، تزوّجها المقداد بن عمرو، فولدت له عبد الله، وكريمة، فقتل عبد الله يوم الجمل مع عائشة. روت ضباعة عن النبيّ وَّ، وعن زوجها المقداد. ٢٥٩ === ٥٩- (الاشتراطُ فِي الحَجّ) - حديث رقم ٢٧٦٥ وعنها ابنتها كريمة بنت المقداد، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب، وعروة، وغيرهم. قال ابن عبد البرّ: لضباعة عن النبيّ ◌َ ل* أحاديث: منها الاشتراط في الحجّ. قال الزبير بن بكّار: لم يكن للزبير بن عبد المطلب عقب إلا من بنتيه: ضباعة، وأختها أم الحكم. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: وأما قوله في رواية ابن ماجه من حديث أسماء، أو سعدى: ((دخل على ضباعة بنت عبد المطلب))، فهو وَهَمْ، لا يتأوّل بما قاله والدي رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذيّ)) من أنه نسبة إلى جدّها كقوله وَلَّه: ((أنا ابن عبد المطلب))، لأنه عَقَّبَ ذلك بقوله: فقال: ((ما يمنعك يا عمّتاه من الحج))؛ فدلّ على أنه بنى على أنها بنت عبد المطلب حقيقة حتى تكون عمته بََّ، وهو وَهَمْ. قال الزبير بن بكار: وليس للزبير بقية إلا من بنتيه أم الحكم، وضباعة انتهى. وكانت تحت المقداد ابن الأسود، كما هو مصرّح به في رواية ((الصحيحين)) وبسبب ذلك أورد البخاريّ هذا الحديث في ((كتاب النكاح)) في ((باب الأكفاء في الدين)) يشير إلى تزوجها بالمقداد، وليس كفؤًا لها من حيث النسب، فإنه كنديّ، وليس كندة أكفاء لقريش، فضلاً عن بني هاشم، عند من يعتبر الكفاءة في النسب من العلماء، وإنما هو كفؤ لها في الدين فقط. ووقع في كلام إمام الحرمين، والغزاليّ أنها ضباعة الأسلمية، وهو غلط فاحش، كما قال النوويّ، وغيره، والصواب الهاشمية، وليس في الصحابة أخرى يقال لها: ضباعة الأسلميّة، ولكنهما وَهِما في نسبتها، نعم في الصحابة أخرى تسمى ضباعة بنت الحارث أنصارية، وهي أخت أم عطية انتهى كلام وليّ الدين رحمه اللَّه تعالى(١). (أَرَادَتِ الْحَجَّ) وفي رواية هلال بن خبّاب، عن سعيد بن جبير الآتية: ((أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبيّ وَله، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج، فكيف أقول ... ؟)). وفي رواية أبي الزبير، عن طاوس، وعكرمة: ((فقالت: يا رسول الله، إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فكيف تأمرني؟ ... )). وفي حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها الآتي: ((دخل رسول اللَّه ◌َ لّ على ضُباعة، فقالت: يا رسول الله إني شاكية، وإني أريد الحجّ ... )). قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: قولها: ((إني أريد الحجّ)) قد يقتضي ظاهره أنها قالت له ذلك ابتداء، وفي ((صحيح البخاريّ)): (لعلك أردت الحجّ))، وفي ((صحيح (١) - ((طرح التثريب))١٦٧/٥. ٢٦٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ مسلم)) من ذلك الوجه: ((أردت الحجّ)). ولا منافاة ، فقد تکون إنما قالت: إني أريد الحجّ في جواب استفهامه لها، ولیس اللفظ صريحًا في أنها قالت ذلك ابتداء، وكذا قوله في رواية ابن ماجه من حديث ضباعة أنه وَلّ قال لها: ((أما تريدين الحجّ العام؟))، ومن رواية أسماء، أو سعدى: ((ما يمنعك من الحج؟))، کلّ ذلك يقتضي أن كلامها کان جوابًا لسؤاله، لكن في حديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة: ((أن ضباعة أتت رسول اللّه وَله، فقالت ... ))، وهذا قد ينافي قوله في حديث عائشة: ((دخل على ضباعة ... )). وقد يُجمع بينهما بأنها أتت رسول اللَّه وَلّ، ولم يكن إذ ذاك في منزله، ثم جاء، فدخل عليها، وهي في منزله. وفي حديث ابن عباس عند أبي داود، والترمذيّ: أنها قالت له: إني أريد الحجّ، فأشترط؟، فقال لها: (نعم))، وهذا يقتضي أن أمره بالاشتراط ما كان إلا بعد استئذانها انتھی کلام وليّ الدين(١). (فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ◌َ أَنْ تَشْتَرِطَ) وفي رواية هلال، عن سعيد: ((قال: قولي: لبيك اللّهم لبيك، ومحلّي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربك ما استثنيت)) (فَفَعَلَتْ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ بَلَّ) أي فاشترطت من أجل أمر رسول اللَّه وَ ◌ّ لها بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٧٦٥/٥٩ و٢٧٦٦/٦٠ و٢٧٦٧ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٤٦/٥٨/٥٩ و٣٧٤٧ و٣٧٣٩/٥٩. وأخرجه (م) في ((الحج)) ١٢٠٨ (د) في ((المناسك)) ١٧٧٦ (ت) في ((الحجّ))٩٤١ (ق) في ((المناسك))٢٩٣٨ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٣١٠٧ و٣٢٩٢ (الدارميّ) في ((المناسك))١٨١١. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث قصّة ضُباعة رضي اللّه تعالى عنها أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن، وغيرهم، وروه الشافعيّ رحمه الله تعالى عن ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، مرسلاً، وقال: لو ثبت حديث عروة، عن النبيّ بَّ في الاستثناء لم أَعْدُهُ إلى غيره؛ لأنه لا يحلّ عندي خلاف ما ثبت عن رسول اللّه وَلتر. (١) - ((طرح التثريب ١٦٨/٥٤.