Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
٥٤- (كَيفَةُ التلبية) - حديث رقم ٢٧٤٧
مما علّمه. ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، أنه سمع رجلًا
يقول: ((لبيك ذا المعارج))، فقال: إنه لذوالمعارج، وما هكذا كنا نلبّي على عهد رسول
اللَّهِ وَ له. قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ انتهى.
قال الحافظ: ويدلّ على الجواز ما وقع عند النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن یزید،
عن ابن مسعود وظفيه قال: ((كان من تلبية النبيّ وَلّر ... ))، فذكره. ففيه دلالة على أنه
قد كان يلبّي بغير ذلك، وما رواه مسلم عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما، قال: ((كان
عمر مُهُلّ بهذا - يعني تلبية النبيّ وَّ المذكور في الباب- ويزيد: لبيك اللّهم لبيك،
وسعديك، والخير كله في يديك، والرغباء إليك، والعمل)).
وروى سعيد بن منصور، من طريق الأسود بن يزيد، أنه كان يقول: ((لبيك غفار
الذنوب)».
وفي حديث جابر الطويل في صفة حجة النبيّ وَلهير: ((حتى إذا استوت به ناقته على
البيداء أهلّ بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك الخ))، قال: ((وأهلّ الناس بهذا الذي يُلّون به،
فلم يردّ علیھم شيئًا منه، ولزم تلبيته)).
وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه مسلم، قال: ((والناس يزيدون: ذا المعاج،
ونحوه من الكلام، والنبيّ وَّر يسمع، فلا يقول لهم شيئًا)). وفي رواية البيهقيّ: ((ذا
المعارج، وذا الفواضل)).
وهذا يدلّ على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو وَ له عليها، وأنه
لا بأس بالزيادة؛ لكونه لم يردّها عليهم، وأقرّهم عليها.
وهو قول الجمهور، وبه صرّح أشهب. وحكى ابن عبد البرّ عن مالك الكراهة،
قال: وهو أحد قولي الشافعيّ. وقال الشيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشافعيّ
-يعني في القديم- أنه كره الزيادة على المرفوع، وغلطوا، بل لا يكره، ولا يستحبّ.
وحكى الترمذيّ عن الشافعيّ، قال: فإن زاد في التلبية شيئًا من تعظيم الله فلا بأس،
وأحبُّ إليّ أن يقتصر على تلبية رسول اللَّه وَ ير، وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه، ثم
زاد من قبله زيادة. ونصب البيهقيّ الخلاف بين أبي حنيفة، والشافعيّ، فقال: الاقتصار
على المرفوع أحبّ، ولا ضيق على أحد أن يزيد عليها. قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد
فحسن. وحكى في ((المعرفة)) عن الشافعيّ قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن
ابن عمر، وغيره، من تعظيم الله، ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن
النبيّ ◌َّر في ذلك انتهى.
وهذا أعدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعًا، وإذا اختار قول ما جاء موقوفًا، أو أنشأه

٢٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
هو من قبل نفسه، مما يليق قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال
الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: «ثم ليتخير من المسألة، والثناء ما شاء)»، أي بعد أن
يفرغ من المرفوع، كما تقدّم ذلك في موضعه انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ تبعًا للإمام الشافعيّ رحمهما
اللَّه تعالى تحقيق نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حقيقة الإحرام في الحجّ والعمرة،
وحکمه:
(اعلم): أن الإحرام لغة هو الدخول في التحريم، يقال: أحرم الشخص: نوى
الدخول في شيء حرُم عليه به ما كان حلالًا له، وهذا كما يقال: أنجد: إذا أتى نجدًا،
وأتهم: إذا أتى تهامة. قاله الفيوميّ.
وشرعًا: نية الدخول في النسك مع التلبية، أو سوق الهدي، لا نية أن يحجّ، أو
يعتمر، فإن ذلك لا يسمى إحرامًا، وكذا التجرّد، وترك سائر المحظورات لكونه محرما
بدونها. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: لا يكون الرجل محرمًا بمجرّد ما
في قلبه من قصد الحجّ ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بدّ
من قول، أو عمل يصير به محرمًا، هذا هو الصحيح من القولين انتهى (١).
وقال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: الإحرام: الدخول في أحد النسكين،
والتشاغل بأعمالهما، وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام يستشكل معرفة
حقيقة الإحرام جدًّا، ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قيل: إنه النيّة اعترض عليه بأن النية شرط
في الحجّ الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست
بركن، والإحرام ركن، هذا أو قريب منه، وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية في
الابتداء انتهى.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى عند قول صاحب ((حدائق الأزهار)): وإنما
ينعقد -أي الإحرام- بالنية مقارنة لتلبيد، أو تقليد: ما نصّه:
أقول: الإحرام هو مصير الشخص من الحالة التي كان يحلّ له فيها ما يحرم عليه
بعدها إلى الحالة التي يحرم عليه فيها ما كان يحلّ له فيها، ولو لم يكن إلا مجرّد الكفّ
عن محظورات الإحرام لكان ذلك معنى معقولًا لكلّ عاقل، كالصوم فإنه ليس إلا الكفّ
عن تناول المفطرات، فمن قال: إنه لا يعقل معنى الإحرام، وإنه ليس هناك إلا مجرّد
النية، وإن النية لا تُنوى، وإلا لزم التسلسل، فقد أخطأ خطأ بيّنًا، ومعلوم أن الشريعة
(١) -انظر ((مجموع الفتاوى)) ١٠٨/٢٦.

٥٤- (كَيفَةُ التلبية) - حديث رقم ٢٧٤٧
٢٢٣ ==
المطهرة بعضها أوامر، وبعضها نواهٍ، والتعبّد في النواهي ليس إلا بالكفّ، فيلزمه أن
يطرد هذا التشكيك الركيك في شطر الشريعة.
وأما إيجاب النيّة فقد عرّفناك غير مرّة أن كلّ عمل يحتاج إلى النّة، والعمل يشمل
الفعل، والترك، والقول، والفعل، وعزّفناك أن ظاهر الأدلة يقتضي أن النية شرط في
جميع ما تقدّم من العبادات؛ لدلالة أدلّتها على أن عدمها يؤثّر في العدم، وهذا هو معنى
الشرط عند أهل الأصول.
وأما كون النية تقارن التلبية، فقد ثبت عن رسول اللَّه ◌َ ل# في دواوين الإسلام من غير
وجه أنه أهلّ ملبيًا، وقد قدّمنا لك أن أفعاله، وأقواله في الحجّ محمولة على الوجوب
لأنها بيان لمجمل القرآن، وامتثال لأمره وسلير لأمته أن يأخذوا عنه مناسكهم، فمن ادعى
في شيء منها أنه غير واجب، فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل.
وأما كونها تقارن التلبيد، فلما ثبت عنه ◌َ # في عام الحديبية ((أنه لما كان بذي الحليفة
قلّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة)) انتهى(١).
وقال العلامة ابن رشد رحمه الله تعالى: اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنية،
واختلفوا هل تجزىء النية فيه من غير تلبية؟ فقال مالك، والشافعيُّ: تجزىء النية من غير
تلبية. وقال أبو حنيفة: التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزىء
عنده كلّ لفظ يقوم مقام التلبية، كما في افتتاح الصلاة عنده انتهى.
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: يستحبّ للإنسان النطق بما أحرم به؛
ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشيء، واقتصر على مجرّد النية كفاه في قول إمامنا،
ومالك، والشافعيّ. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية حتى ينضاف إليها التلبية، أو
سوق الهدي؛ لحديث خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه، عن رسول اللَّه وَلقتله
قال: ((أتاني جبريل، فقال: يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية)). رواه
المصنّف في الباب التالي وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. انتهى (٢).
وقال صاحب ((المرعاة)): قد تواترت الروايات المصرّحة بأنه بَلير أحرم من ذي
الحليفة، وسمى، وعيّن ما أحرم به، من إفراد، أو قران، أو تمتّع، واتفقت على تعيين
النسك في التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام، وإن اختلفت في نوعه،
وصرّحت أيضًا بأنه وال ﴿ لبّى عند ذلك، كما ورد في الروايات، وقال: ((خذوا عني
مناسككم))، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الإحرام، والتلبية، والتسمية، وهذا القدر
(١) -راجع ((السيل الجرار»٢/ ١٧١ .
(٢) -راجع («المغني ٩١/٥-٩٢.

٢٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
هو الذي قام عليه الدليل، أما كون الإحرام شرطًا، أو ركنًا، وكون التلبية مسنونة، أو
مستحبّة، ، أو واجبة يصحّ الحج بدونها، وتجبر بدم، وكذا كون الذكر الدالّ على تعظيم
الله سوى التلبية مجزئًا، والتلفّظ بالنيّة، بأن يقول: نويت العمرة، أو نويت الحجّ، أو
نويت العمرة، والحجّ، أو اللَّهم إني أريد العمرة، أو الحجّ، أو اللَّهم إني أهلّ، أو
أحرم بكذا، فكلّ ذلك لم يرد فيه دليلٌ خاصّ، والخير كله في اتباعه ◌َّ، فعلى كل من
وصل إلى ميقاته، ممن يريد الحج، أو العمرة أن يُحرم، وينوي بقلبه الدخول في
النسك الذي يريده، ويعزم عليه بقلبه؛ لقول النبيّ وَّر: ((إنما الأعمال بالنيّات، وإنما
لكلّ امرىء ما نوى))، ويُشرع التلفظ بما نوى كما نقل، فإن كانت نية العمرة، قال:
لبيك عمرة، أو اللّهم لبيك عمرة، وإن كانت نية الحج قال: لبيك حجًا، أو اللّهم لبيك
حجّا؛ لأن النبيّ وَلّ فعل ذلك، ولا يشرع التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصّة؛
لوروده عن النبيّ وَّر، وأما الصلاة، والطواف، والصيام، وغير ذلك من العبادات، فلا
ينبغي له أن يتلفّظ بشيء منها بالنية؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعًا
لبينه الرسول وَ﴾، وأوضحه للأمة بفعله، أو قوله، ولَسَبَق إليه السلف الصالح. هذا
انتھی .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله صاحب ((المرعاة)) رحمه الله تعالى
تحقيق نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التلبية:
قال في ((الفتح)): وفيها مذاهب أربعة، يمكن توصيلها إلى عشرة:
(الأول): أنها سنة من السنن، لا يجب بتركها شيء. وهو قول الشافعيّ، وأحمد.
(ثانيها): واجبة، ويجب بتركها دم. حكاه الماورديّ، عن ابن أبي هريرة، من
الشافعيّة، وقال: إنه وجد للشافعيّ نصًّا يدلّ عليه. وحكاه ابن قدامة عن بعض
المالكيّة، والخطابيّ عن مالك، وأبي حنيفة. وأغرب النوويّ، فحكى عن مالك أنها
سنة، ويجب بتركها دم، ولا يُعرف ذلك عندهم، إلا أن ابن الجلّاب قال: التلبية في
الحجّ مسنونة، غير مفروضة. وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحجّ، وإلا
فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب. وحكى ابن العربيّ
أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب.
(ثالثها): واجبة، لكن يقوم مقامها فعل يتعلّق بالحجّ، كالتوجّه على الطريق، وبهذا
صدّر ابن شاس، من المالكية كلامه في ((الجواهر)) له. وحكى صاحب ((الهداية)) من
الحنفية مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه
لا يجب لفظ معيّن. وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن کبر، أو ملل، أو سبّح،

٢٢٥
٥٤- (کیفُّ التلبية) - حديث رقم ٢٧٤٨
ينوي بذلك الإحرام فهو محرم.
(رابعها): أنها ركن في الإحرام، لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البرّ عن الثوريّ،
وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبيريّ من الشافعيّة، وأهل الظاهر، قالوا:
هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة. ويقوّيه ما تقدّم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة
الإحرام، وهو قول عطاء، أخرجه سعيد بن منصور، بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية
فرض الحجّ. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة. وحكى النوويّ عن
داود أنه لا بدّ من رفع الصوت بها، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا انتهى ما في
((الفتح)(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال بوجوب التلبية في
الحجّ، أو العمرة مع رفع الصوت؛ لحديث خلاد بن السائب، عن أبيه تَظّه الآتي في
الباب التالي، عن رسول اللّه وَلّ، قال: جاءني جبريل، فقال: يا محمد مُر أصحابك
أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية)). وهو حديث صحيح، والأمر للوجوب.
ثم إن هذا الوجوب يحصل بمرة واحدة عند الإحرام، فما زاد على ذلك يكون سنة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٤٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدًا، وَأَبَا بَكْرٍ: ابَنَّيْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُمَا سَمِعًا نَافِعًا،
يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا
شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالثَّعْمَةَ لَّكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا،
غیر:
١- (أبي بكر بن محمد بن زيد) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ المدنيّ،
ثقة، من كبار[٧].
روى عن عن أبيه، وعم أبيه سالم، ونافع مولى ابن عمر. وعنه أخوه عمر، وابن
أخيه عثمان بن واقد، وشعبة، وعطّاف بن خالد.
قال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، لا يسمّى. قال الواقديّ: مات بعد خروج محمد بن
عبد الله بن حسن. وقيل: سنة (١٥٠). تفرّد به المصنّف بحديث الباب فقط.
والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى وليّ
(١) -: ((فتح٤٩ /١٩٤.

٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْخَجْ
التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ:
تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الَّحَمْدَ وَالتّعْمَةَ
لَكَّ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وهو أصح
الأسانيد مطلقًا على ما نقل عن الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى، وإذا روى أحمد، عن
الشافعي، عن مالك به يسمّى سلسلة الذهب، وهو أعلى الأسانيد للمصنف؛ لأنه من
رباعياته، وهو (١٤٢) من رباعيات الكتاب.
وقوله: ((تلبية الخ)) مبتدأ، خبره قوله: ((لبيك الخ)) لقصد لفظه، ويجوز العكس.
والحديث متفق عليه، وقد سبق البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٥٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَنْبَأْنَا أَبُو بِشْرِ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ: (لَّيْكَ اللَّهُمَّ
◌َبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَا شَرِيكَ لَّكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنَّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))، وَزَادَ
فِيهِ ابْنُ عُمَرَ: ((لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ، وَالْعَمَلُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدّموا، وشيخه أحد شيوخ الأئمة الستة دون واسطة، و((أبو بشر)): هو جعفر بن أبي
وحشية إياس.
وقوله: ((والرغباء إليك)) فيه ثلاثة أوجه: فتح الراء، والمدّ، وهو أشهرها. وضمّ
الراء مع القصر، وهو مشهور أيضًا. وفتح الراء، مع القصر، وهو غريب. حكاه أبو
عليّ الجبائيّ، وغيره، ونظير الوجهين الأولين العلياء، والعليا، والنعماء، والنعمى،
ومعنى اللفظة: الطلب، والمسألة، أي إنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه، فبيده جميع
الأمور. قال شمر: رَغَبُ النفس: سَعَة الأمل، وطلب الكثير. ذكره وليّ الدين(١).
وقوله: ((والعمل)): أي إن العمل كله لله تعالى؛ لأنه المستحقّ للعبادة وحده، وفيه
حذف يحتمل أن يقدر كالذي قبله: أي والعمل إليك، إي إليك القصد به، والانتهاء به
إليك؛ لتجازي عليه. ويحتمل أن يقدّر: والعمل لك.
والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه، وفي مسائله قريبًا. والله تعالى
(١) - ((طرح التثريب)) ٩٢/٥.

٢٢٧
٥٤- (کفُّ التلبية) - حديث رقم ٢٧٥١
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٥١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ
النَّبِيِّ وََّ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَّا شَرِيكَ لَكَ لَيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدموان غیر:
١- (أبا بن تغلب) -بفتح المثنّة، وسكون المعجمة، وكسر اللام- الرَّبَعِيّ، أبي
سَعْد الكوفي، ثقة تُكلّم فيه للتشيع[٧].
قال أحمد، ويحيى، والنسائيّ: ثقة. وزاد أبو حاتم: صالح. وقال ابن عجلان:
حدثنا أبان بن تغلب، رجل من أهل العراق، من النسّاك ثقة. ولما خرّج الحاكم حديث
أبان في ((مستدركه)) قال: كان قاصّ الشيعة، وهو ثقة. ومدحه ابن عيينة بالفصاحة
والبيان. وقال العقيليّ: سمعت أبا عبد الله يذكر عنه عقلًا وأدبًا، وصحة حديث، إلا
أنه كان غاليًا في التشيّع. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الأزديّ: كان غاليًا في التشيع،
وما أعلم به في الحديث بأسًا. وقال الجوزجانيّ: زائغ مذموم المذهب، مجاهر. وقال
ابن عديّ: له نسخ عامتها مستقيمة، إذا روى عنه ثقة، وهو من أهل الصدق في
الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة، وهو في الرواية صالح، لا بأس به.
قال الحافظ: هذا قول منصف، وأما الْجُوزَجانيّ، فلا عبرة بحطّه على الكوفيين،
فالتشيّع في عرف المتقدّمين هو اعتقاد تفضيل عليّ على عثمان، وأن عليًّا كان مصيبًا في
حروبه، وأن مخالفه مخطىء، مع تقديم الشيخين، وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أن
عليًّا أفضل الخلق بعد رسول اللّه وَلّه، وإذا كان معتقد ذلك ورعًا، ديّنًا، صادقًا،
مجتهدًا، فلا تردّ روايته بهذا، لا سيما إن كان غير داعية. وأما التشيع في عرف
المتأخّرين، فهو الرفض المحض، فلا تقبل رواية الرافضيّ الغالي، ولا كرامة انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ من التفصيل فيمن يطعن
بالتشيع حسن جدًّا. والله تعالى أعلم.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وأرخ وفاته سنة (١٤١) وكذا ابن منجويه. وقال أبو
نعيم في ((تاريخه)): مات سنة (١٤٠) وكان غاية من الغايات. وقال أحمد بن سيّار:
مات بعد سنة (١٤١).
روى له الجماعة سوى البخاريّ، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
و((أبو إسحاق)): هو السبيعيّ.
وشرح الحديث يُعلم مما سبق، وهو صحيح، ولا يضرّه عنعنة أبي إسحاق؛ لأنه

٢٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
يشهد له ما تقدّم، وانفرد به المصنّف رحمه الله تعالى من بين أصحاب الأصول،
أخرجه هنا-٢٧٥١/٥٤ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٣٢/٥٤. وأخرجه (أحمد) في ((مسند
المكثرين)» ٣٨٨٨٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٧٥٢ - أَخْبَرَنَا قُتَبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ
وَلِ﴾: (لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ».
قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْتَدَ هَذَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، إِلَّا عَبْدَ
الْعَزِيزِ، رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنِ الأعرج(١) مُرْسَلًا).
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير:
١- (عبد الله بن الفضل) بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم
الهاشميّ المدنيّ، ثقة [٤].
قال حرب عن أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين، وأبو حاتم، وابن المدينيّ،
والنسائيّ، والعجليّ، وابن البرقيّ: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يروي
عن ابن عمر، وأنس، إن كان سمع منهما. قال الحافظ: كذا قال، وقد صرّح بالسماع
من أنس عند البخاريّ في ((سورة المنافقين)). وقال ابن عبد البرّ: لم يسمع من عبيدالله
ابن أبي رافع. روى له الجماعة. وله عند المصنف في خمسة مواضع برقم - ٢٧٥٢
و ٣٢٦٠ و٣٢٦١ و٣٢٦٢ و٣٢٦٤ .
و((حميد بن عبد الرحمن)): هو الرؤاسيّ الكوفيّ. و((عبد العزيز بن أبي سلمة)): هو
الماجشون .
وقوله: ((إله الحقّ)) يحتمل أن يكون منادى حذف منه حرف النداء، أي يا إله الحقّ.
ويحتمل أن يكون منصوبًا على الاختصاص، أي أخصّ إله الحقّ.
والحديث صحيح، أخرجه المصنّف هنا - ٢٧٥٢/٥٤ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٣٣/٥٤ .
وأخرجه (ق) في ((المناسك)) ٢٩٢٠ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))٨٤١٥ و٩٨١٥.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
(١) -وفي نسخة: ((عنه مرسلًا)).

٢٢٩
٥٥- (رفعُ الصَّوْتِ بالإِهلال) - حدیث رقم ٢٧٥٣
٥٥- (رَفْعُ الصَّوْتِ بِالإِهْلَالِ)
٢٧٥٣- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ،
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بِ، قَالَّ:
جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، مُزَ أَصْحَابَكَ، أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتُهُمْ بِالتَّلْبِيَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) بن رهويه المروزي نزيل نيسابور، ثقة ثبت إمام. [١٠] ٢/
٢ .
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت المكي [٨] ١/١.
٣- (عبد الله بن أبي بكر) بن محمد ابن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي
الثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣ .
٤- عبد الملك بن أبي بكر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ
المدنيّ، ثقة [٥]١٧٩/١٢٢ .
٥- (خلاد بن السائب) بن خلاد بن سُويد الأنصاريّ الخزجيّ، ثقة [٣].
ذكره جماعة في الصحابة، منهم ابن حبّان، ولم يرفع نسبه، وقال: له صحبة، ثم
أعاده في التابعين. وذكره ابن منده، وأبو نعيم، وغيرهما، وشبهتهم في ذلك الحديث
الذي رواه عنه عبد الملك بن أبي بكر ، فقال: عن خلاد، عن أبيه، رفعه. وقيل: خلاد
ابن السائب، عن النبيّ وَّط 9. وقال الترمذيّ: والسائب بن خلاد أصحّ. وقال ابن
عبد البر: مختلف في صحبته. وقال ابن أبي حاتم: خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد
له صحبة. وقال بعضهم: السائب بن خلاد. وقال العجليّ: خلاد بن السائب مدني ما
نعرفه .
وفي ((التقريب)): ووهم من ذكره في الصحابة. روى له الأربعة، وله عند المصنّف
حديث الباب فقط.
٦- (أبوه) السائب بن خلاد بن سُويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرىء القيس
الخزرجيّ، أبو سهلة المدنيّ. روى عن النبيّ ◌َّارِ. وعنه ابنه خلاد، وصالح بن خَيْوان،
وعطاء بن يسار، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، وعبد الرحمن بن الحارث بن أبي
صَعْصَعة، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، على اختلاف فيهما.
وقيل: إنهما اثنان، وإن والد خلّاد ما روى عنه سوى ابنه. قال ابن عبد البرّ: لم يرو عنه

٢٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
غير ابنه خلّاد فيما علمت، وحديثه في رفع الصوت بالتلبية مختلف فيه، استعمله عمر
على اليمن. وقال أبو نعيم: السائب بن خلاد بن سُويد أبو سهلة توفي سنة (٧١) فيما
قال الواقديّ. وقال أبو عبيد: شهد بدرًا، وولي اليمن لمعاوية. وقال قبل ذلك:
السائب بن خلّاد الجهنيّ والد خلاد حدّث عنه ابنه.
وقال البخاريّ: السائب بن خلاد، أبو سهلة بن بلحارث بن الخزرج. قاله مالك،
وابن جريج، وابن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن
خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد، عن أبيه. ثم قال: السائب الجهنيّ. قال لي هُدبة
عن حماد بن الجعد، عن قتادة، عن خلاد ابن السائب الجهنيّ، عن أبيه، عن النبيّ
وَالر: ((الاستنجاء بثلاثة أحجار)).
قال الحافظ: وكذا فرّق بينهما جماعة من المصنّقين. والله أعلم.
روى له الأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ◌َخّْثهُ، وأن رجاله رجال الصحيح إلى عبد
الملك، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عبد اللَّه عن عبد الملك عن
خلاد، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ) السائب بن خلاد بن سُويد رضي الله تعالى عنه
(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِهَ) أنه (قَالَ: جَاءَنِي جِبْرِيلُ) ◌َّلُ. وفي رواية الترمذيّ: ((أتاني
جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي ... )) الحديث (فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، مُز) بضم الميم،
سكون الراء، فعل أمر من أمر يأمر، من باب قتل، والأصل اؤمر، فخفّف بالحذف؛
لكثرة الاستعمال، وقد يستعمل أيضًا على الأصل إذا تقدّمه عاطف، كقوله تعالى:
﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ الآية، ومثله في الحذف المذكور كلمة (خُذ))، أمر من الأخذ،
و(كُلْ))، أمر من الأكل، وإلى هذا أشار ابن مالك في ((لاميّته)) حيث قال:
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ مُزْ وَخُذْ وَكُلْ وَفَشَا وَأْمُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ خُذْ وَكُلَا
(أَصْحَابَكَ) بالنصب على المفعولية. واستدلّ بهذا من قال: إن المرأة لا ترفع صوتها
بالتلبية؛ لأن الأمر خاصّ بالصحابة، فلم تدخل الصحابيات، وهو قول الجمهور،
وروي عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما: لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية. وعن ابن

١ ٢٣
٥٥- (رَفْعُ الصَّوْتِ بالإهلال) - حديث رقم ٢٧٥٣
عمر رضي الله تعالى عنهما: ليس على النساء أن يرفعن أصواتهنّ بالتلبية(١). وقال
مالك: ترفع المرأة صوتها قدر ما تسمع نفسها. وخالف فيه ابن حزم، فأوجب عليها
رفع الصوت كالرجل؛ لدخولها في هذا الحديث، وسيأتي ترجيح ما ذهب إليه في
المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى ..
(أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَّةِ) إظهارًا لشعار الإحرام، وتعليمًا للجاهل ما يُستحبّ له
في ذلك المقام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث السائب بن خلّاد رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح.
[تنبيه]: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: وروى بعضهم هذا الحديث عن خالد
ابن السائب، عن زيد بن خالد، عن النبي وَّر، ولا يصح، والصحيح هو خلاد بن
السائب، عن أبيه، وهو خلاد بن السائب بن خلاد بن سُوَيد الأنصاري. انتهى. وقال
ابن عبد البر: هذا حديث اختُلِفَ في إسناده اختلافًا كثيرًا، وأرجو أن تكون رواية مالك
أصح، يعني عن خلاد بن السائب، عن أبيه.
وذكر الحافظ في ((الفتح)) هذا الحديث في رواية خالد بن السائب، عن أبيه، وذكر من
أخرجه، وصححه، ثم قال: ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف على التابعي في صحابيه. انتهى.
وقال في ((التلخيص الحبير)) بعد ذكر تصحيح الترمذي، ونقل كلامه: وقال البيهقي
أيضًا: الأول، أي خلاد بن السائب عن أبيه هو الصحيح، وأما بن حبان فصححهما،
وتبعه الحاكم، وزاد رواية ثالثة من طريق المطلب بن عبد الله، عن أبي هريرة انتهى (٢).
وقال الحاكم ١/ ٤٥٠ بعد رواية الحديث من طريق عبد الملك، عن خلاد، عن
أبيه، ومن طريق المطلب بن عبد الله، عن خلاد، عن زيد، ومن طريق المطلب بن عبد
اللَّه بسماعه، عن أبي هريرة رَّ: ما لفظه: وهذه الأسانيد كلها صحيحة، وليس يُعَلِّل
* كان يجتمع عندهم الأسانيد لمتن واحد، كما
يجتمع عندنا الآن. انتهى، ووافقه الذهبي.
واحد منها الآخرَ، فإن السلف .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ذُكِرَ أن حديث الباب صحيح، لا تؤثر فيه
الاختلافات المذكورة، إما لترجيح رواية خلاد، عن أبيه التي أخرجها المصنف هنا،
(١) سيأتي أن أثري ابن عباس، وابن عمر *** ضعيفان.
(٢) راجع ((التلخيص)) ٤٥٦/٢ - ٤٥٧.

٢٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
كما هو رأي الترمذي، والبيهقي، وغيرهما، وهو الراجح عندي، أو لتصحيح كل
الطرق، كما ذهب إليه ابن حبان، والحاكم. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٧٥٤/٥٥ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٣٤/٥٥. وأخرجه (ت) في ((الحجّ))
٨٢٩ (ق) في ((المناسك)) ٢٩٢٢ (أحمد) في ((مسند المدنيين)) ١٦١٢٢ و١٦١٣١
(الموطأ) في ((الحج))٧٤٤ (الدارمي) في ((المناسك))١٨٠٩. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم رفع الصوت بالتلبية:
ذهب الجمهور إلى أن رفع الصوت بالتلبية مستحب، وليس بواجب، وذهب
الظاهرية إلى أنه واجب؛ لظاهر الأمر، وهو الحقّ؛ لما ثبت في الأصول من أن الأمر
يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه، وليس هنا صارف، قال العلامة الشوكاني
◌َّْلهُ: وهو ظاهر قوله: ((فأمرني أن آحر أصحابي))، ولاسيما وأفعال الحج، وأقواله
بيان لمجمل واجب هو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ اٌلْبَيْتِ﴾ الآية، وقوله
وَلثر: ((خذوا عني مناسككم))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه الظاهرية من أن رفع
الصوت بالتلبية من واجبات الحج والعمرة؛ لظاهر حديث الباب؛ إذ ورد بصيغة الأمر،
وهي للوجوب إذا لم يوجد صارف، ولا صارف هنا، بل النصوص تؤيده كما في الآية
والحديث المذكورين في كلام الشوكاني ◌َخّْلهُ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في رفع المرأة صوتها بالتلبية:
ذهب بعضهم إلى أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية، قال النووي في ((شرح
المهذب)): ولا تجهر المرأة، بل تقتصر على سماع نفسها، قال الروياني: فإن رفعت
صوتها لم يحرم؛ لأنه ليس بعورة على الصحیح، وكذا قال غيره: لا يحرم، لكن يكره
صرح به الدارمي، والقاضي أبو الطيب، والبندنيجي. انتهى (٢).
وقال أبو محمد ابن حزم: ويرفع الرجل والمرأة صوتهما بها، ولابد، وهو فرض ولو
مرة .
قال: وقال بعض الناس: يكره رفع الصوت، وهذا خلاف للسنة، وقال بعضهم: لا
ترفع المرأة، هذا خطأ، وتخصيص بلا دليل، وقد كان الناس يسمعون كلام أمهات
(١) ((نيل الأوطار)) جـ ٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
(٢) ((المجموع)) ٢٥٩/٧.

٥٥۔ (رفعُ الصَّوْتِ بالإهلال) - حديث رقم ٢٧٥٣
٢٣٣ =
المؤمنين ، ولا حرج في ذلك. ثم أخرج من طريق ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن
مهدي، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه، قال: خرج
معاوية ليلة النفر، فسمع صوت تلبية، فقال: من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت
من التنعيم، فذكر ذلك لعائشة، فقالت: لو سألني لأخبرته، فهذه أم المؤمنين ترفع
صوتها حتى يسمعها معاوية في حاله التي كان فيها.
[فإن قيل]: قد رُوِيَ عن ابن عباس: لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية، وعن ابن عمر:
ليس على النساء أن يرفعن أصواتهنّ بالتلبية.
[قلنا]: رواية ابن عمر هي من طريق عيسى بن أبي عيسى الخياط، وهو ضعيف،
ورواية ابن عباس هي من طريق إبراهيم بن أبي حبيبة، وهو ضعيف، ولو صحتا لكانت
رواية عائشة موافقة للنص. انتهى كلام ابن حزم تَخْذّثهُ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن حزم ◌َثْلَتمُ هو الأرجح؛
لظواهر النصوص.
فأما القائلون: لا ترفع المرأة صوتها فلم يأتوا بحجة مُقنِعة، وأما دعوى بعضهم الإجماع
على أنها لا ترفع صوتها بالتلبية فغير صحيحة؛ إذليس فيها إجماع كما سمعته في كلام النووي،
وابن حزم، فتبصّر بالإنصاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في رفع الصوت بالتلبية في المساجد:
قال المحب الطبري ◌َخّْلهُ: رفع الصوت بالتلبية عند الشافعية مشروع في المساجد
وغيرها، وقال مالك: لا يرفع صوته بها في مساجر الجماعة، بل يُسمِع نفسه ومن يليه،
إلا في مسجد منى، والمسجد الحرام، فإنه يرفع صوته بها، وهو قول قديم للشافعي،
وزاد مسجد عرفة؛ لأن هذه المساجد تختص بالنسك. انتهى.
وقال ابن قدامة ◌َكّْلهُ: لا يستحب رفع الصوت في الأمصار، ولا في مساجدها إلا
مكة ومسجد الحرام، وهو قول مالك، وقال الشافعي: يلبي في المساجد كلها. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعي تَخّْتُ هو الأرجح؛
لإطلاق النصّ من غير تفريق بين مكان ومكان، لكن إن كان هناك من يتضرر برفع
الصوت، كمصل ونحوه لا يرفع؛ لحديث: ((لا ضرر ولا ضرار))(٢). والله تعالى أعلم
بالصواب وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
(١) ((المحلّى)) جـ ٧ / ٩٣ - ٩٥ .
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد وابن ماجه.

٢٣٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٥٦- (الْعَمَلُ فِي الإِهْلَالِ)
٢٧٥٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، أَهَلَّ فِي دُبَّرِ الصَّلَاةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٢- (عبد السلام) بن حَرْب بن سَلْم النَّهْديّ - بالنون- الْمُلَائيّ -بضم الميم، وتخفيف
اللام- أبو بكر الكوفيّ، بصريّ الأصل، ثقة حافظ، له مناكير، من صغار[٨].
قال الحسن بن عيسى: سألت عبد الله بن المبارك عنه؟ فقال: قد عرفته. وكان إذا
قال: قد عرفته، فقد أهلكه. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كنا ننكر من عبد السلام
شيئًا، كان لا يقول: حدثنا، إلا في حديث واحد، أو حديثين. وقال أحمد: وقيل لابن
المبارك في عبد السلام بن حرب، فقال: ما تحملني رِجْلِي إليه. وقال عثمان الدارمي،
عن ابن معين: صدوق. وقال غيره، عن يحيى: ليس به بأس، يُكتب حديثه. وقال أبو
حاتم: ثقة صدوق. وقال الترمذيّ: ثقة حافظ. وقال النسائيّ في ((التمييز)): ليس به
بأس. وقال الدار قطنيّ: ثقة حجة. وقال العجليّ: قدم الكوفة يوم مات أبو إسحاق
السبيعيّ، وهو عند الكوفيين ثقة ثبت، والبغداديون يستنكرون بعض حديثه، والكوفيون
أعلم به. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة في حديثه لين. وقال ابن سعد: كان به ضعف في
الحديث، وكان عَسِرًا. وذكره الدارقطنيّ، والحاكم، وأبو إسحاق الحبّال، وغير واحد
في أفراد البخاريّ، وحديثه في مسلم قليل. قال محمد بن الحجاج الضبّيّ: ولد سنة
(٩١) ومات سنة (١٨٧) وفيها أرّخه ابن نمير، وغيره. روى له الجماعة. وله عند
المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ٢٧٥٤ و٢٨٧٩ .
٣- (خُصَيف) بن عبد الرحمن الجزريّ، أبو عون صدوق، سيء الحفظ، خلط
بآخره، ورمي بالإرجاء [٥]١٣٥٣/٥٩.
٤- (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه فاضل [٣]٤٣٦/٢٨.
٥- (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر رضي اللّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى
أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال

٢٣٥
٥٦- (الْعَمَلُ فِي الإهلال) - حدیث رقم ٢٧٥٤
الصحيح، غير خصيف، وهو ضعيف. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
(ومنها): أن فيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة المجموعين في
قول السيوطيّ رحمه اللّه تعالى في ((ألفية الحديث)):
وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
وَالْبَخْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرٍ
وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهُ
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهُ
وهو أحد المكثرين السبعة المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرِ مَّقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقْ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُزْوَةُ قَاسِمٌ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
وقد تقدّم هذا كلّه، وإنما أعدته تذكيرًا لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، أَهَلَّ) أي رفع صوته
بالتلبية (فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ) بضم الدال المهملة، والموحدة أيضًا: أي عقبها.
والحديث يدلّ على استحباب الإهل عقب الصلاة. قال الإمام الترمذيّ رحمه الله
تعالى بعد أن أخرج الحديث: وهو الذي يستحبّه أهل العلم أن يُحرم الرجل في دُبُر
الصلاة انتهى.
وبهذا أخذ الحنفية، فقالوا: المستحبّ أن يحرم عقب الصلاة، وهو جالس قبل
ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قول ضعيف للشافعيّ. واحتجوا بحديث ابن عبّاس
رضي اللَّه تعالى عنهما هذا، لكنه ضعيف؛ كما سيأتي.
وذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور إلى أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته؛
لما في ((الصحيحين))، وغيرهما من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((أنه وَالخيل
أهلّ حين استوت به راحلته)). وفي لفظ لمسلم: ((كان ◌َّ إذا وضع رجله في الغرز،
وانبعثت به راحلته قائمة أهلّ)). وفي لفظ: ((لم أره يُهُلّ حتى تنبعث به راحلته)).
وللبخاريّ من حديث أنس ◌َّه: ((فلما ركب راحلته، واستوت به أهلّ)). وله من
حديث جابر ◌َّه: ((إن إهلال رسول اللَّه بِّليل من ذي الحليفة حين استوت به راحلته)).
ولمسلم من حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: ((ثم ركب راحلته، فلما استوت
به على البيداء أهلٌ)). وقد تقدم ما يجمع بين هذه الأحاديث من حديث ابن عباس رضي
اللَّه تعالى عنهما عند أحمد، وأبي داود، والحاكم، قال الحافظ: لو ثبت لرجح ابتداء
الإهلال عقب الصلاة، إلا أنه من رواية خُصيف بن عبد الرحمن الجزريّ، وفيه

٢٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ضعف. قال: وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في
الأفضل انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما ضعيف؛ لأن في سنده خصيف بن
عبد الرحمن الجزريّ، وهو سيء الحفظ مختلط. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٧٥٤/٥٦ - وفي («الكبرى» ٣٧٣٥/٥٦. وأخرجه (ت) في ((الحجّ))
٨١٩ (الدارميّ) في ((المناسك)) ١٨٠٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٥٥ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ،
عَنْ أَنَسِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، صَلَّى الظُّهْرَ بِالْبَيْدَاءِ، ثُمَّ رَكِبَ، وَصَعِدَ جَبَلَ الْبَيْدَاءِ،
وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، و((النضر)): هو
ابن شُميل. و((أشعث)): هو ابن عبد الملك الْحُمْرَانيّ. و((الحسن)): هو ابن أبي الحسن
يسار البصريّ.
والحديث ضعيفٌ؛ لأن الحسن مدلّسٌ، وقد عنعنه، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في ٢٥/
٢٦٦٢- وتقدم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٥٦ - أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِ ابْنُ جُرَيْجِ،
قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ وَِّ: «فَلَّمَّا
أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ صَلَّى، وَهُوَ صَامِتٌ، حَتَّى أَتَّى الْبَيْدَاءَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وهو طرف من حديث جابر
رَم ◌َّه الطويل، وقد تقدّم طرف منه في ٢٧٤٠/٥١ - وتقدّم تخريجه والكلام على بعض
مسائله هناك، واستدلّ به هنا على ابتداء وقت الإهلال، وهو موافق لحديث أنس الذي
قبله في أن أول الإهلال على البيداء، لكن حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما فيه
زيادة على حديثهما، فإنه يدلّ على أن أول الإهلال حين تنبعث به راحلته، والزيادة من
الثقة مقبولة، فيكون العمل عليه، كما تقدّم تمام البحث فيه.

٥٦- (العملُ فِي الإِهلال) - حديث رقم ٢٧٥٦
٢٣٧ =
و((شعيب)): هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ الدمشقيّ.
وقوله: ((وهو صامت حتى أتى البيداء»: يعني أنه لم يُلّ بعد الصلاة، بل سكت إلى
أن أتى البيداء، فأهل هناك.
وهذا محمول على علم جابر تظنّه ، وإلا فقد صحّ أن ابن عمر رضي اللّه تعالى
عنهما في أحاديثه الآتية بعدُ، وتقدّمت أيضًا أثبت الإهلال قبل البيداء عند مسجد ذي
الحليفة، حينما انبعثت به راحلته، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٥٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ، أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَاهُ، يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ، الَّتِّي تَكْذِبُونَ فِيهَا، عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ، مَا أَهَلَّ رُسُولُ
اللَّهِ وَلِّ، إِلَّ مِنْ مَسْجِدٍ ذِي الْحُلَيْفَةِ) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (قتيبة) بن سعید المذکور قريبًا .
٢- (حاتم بن إسماعيل) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل،
صدوق بهم، صحيح الكتاب [٨]٥٤٣/٢٤.
٣- (موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقة فقيه، إمام في
المغازي [٥]١٢٢/٩٦.
٤- (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدنيّ، ثقة ثبت فقيه
عابد [٣]٤٩٠/٢٣ .
٥- (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما١٢ / ١٢. والله تعالى
أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والظاهر أنه دخلها للأخذ
عن أهلها. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم من
الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِم) ابن عبد الله (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) عبد الله بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما

٢٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
(يَقُولُ: بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ، الَّتِي تَكْذِبُونَ فِیھا) ووقع في ((شرح السنديّ)) ((الذي تكذبون فيها»
قال السنديّ: هكذا في النسخة التي كانت عندي بتذكير الموصول، وكأنه لاعتبار أنه
المكان، وأما التأنيث، فهو الأصل، ثم رأيت أن التأنيث في غالب النسخ، فلعه المعتمد.
ومعنى ((تكذبون فيها)): في شأنها، ونسبة الإحرام إليها بأنه كان من عندها انتهى (١). وفي
رواية مسلم: ((كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرام من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون
فيها ... )) (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِ لِهِ، مَا أَهَلَّ) أي ما رفع صوته بالتلبية (رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، إِلَّ مِنْ
مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ) أي حين ركب، لا حين فرغ من الركعتين، فإن ابن عمر كان يرى
الإهلال عند الركوب. وفي رواية مسلم: ((من عند الشجرة حين قام به بعيره)). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٧٥٧/٥٦ و٢٧٥٨ و٢٧٥٩ و٢٧٦٠ - وفي ((الكبرى)) ٣٧٣٨/٥٦
و٣٧٣٩ و٣٧٤٠ و٣٧٤١ . وأخرجه (خ) في ((الوضوء)) ١٦٦ و((الحج)) ١٥٤١
و((الجهاد والسير)) ٢٨٦٥ (م)١١٨٦ و١١٨٧ (د) في ((المناسك))١٧٧١ و١٧٧٢
و ١٨٠٥ (ت) في ((الحجّ))٨١٨ (ق) في ((المناسك))٢٩١٦ (أحمد) في ((مسند المكثرين))
٤٨٢٧ و٥٨٥٨ (الموطأ) ٧٤٠ و٧٤١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٥٨ - أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبِرَنِ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ غَمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ،
يَرْكَبْ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يِهِلُّ، حِينَ تَسْتَوِي بِهِ قَائِمَةً) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه عيسى
ابن إبراهيم بن عيسى بن مَثْرُود الغافقيّ المصريّ، فقد انفرد به هو، وأبو داود.
وقوله: ((قائمة)) نصب على الحال.
والحديث متّفق عليه، وشرحه واضح، وتقدم تمام البحث فيه في الذي قبله. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) - (شرح السنديّ)) ١٦٣/٥.

٢٣٩
٥٦- (العملُ فِي الإهلالِ) - حديث رقم ٢٧٥٨
٢٧٥٩ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ح وأَخْبَرَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ -يَعْنِ ابْنَ يُوسُفَ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ أَهَلَّ، حِينَ اسْتَوَتَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((شعيب)): هو ابن إسحاق. و((محمد بن إسماعيل)):
هو المعروف أبو بابن عليّة. و((إسحاق بن يوسف)): هو الأزرق الواسطيّ الحافظ.
والحديث متفق عليه، وشرحه واضح، وقد سبق الكلام عليه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٧٦٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَابْنٍ
جُرَيْجِ، وَابْنِ إِسْحَاقَ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ
لِابْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ ثُهُلُّ إِذَا اسْتَوَتْ بِكَ نَاقَتُكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ كَانَ يُهِلُ إِذَا
اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، وَانْبَعَثَتْ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و((محمد
ابن العلاء)): هو أبو كريب، أحد مشايخ الأئمة الستة دون واسطة. و((ابن إدريس)): هو
عبد اللَّه الأوديّ الكوفيّ. و((عبيدالله): هو ابن عمر العمريّ المدنيّ الثبت. و((ابن
إسحاق)): هو محمد المطلبيّ صاحب المغازيّ. و((المقبريّ)): هو سعيد بن كيسان.
و((عبيد بن جُريج)): هو التيميّ مولاهم المدنيّ الثقة [٣]١١٧/٩٥.
وقوله: ((وابن جريج الخ)) بالجرّ عطفًا على عبيدالله، فابن إدريس يروي عن
الأربعة: عبيدالله، وابن جريج، وابن إسحاق، ومالك، وكلهم يروون عن سعيد
المقبريّ، وما وقع في النسخ المطوعة من ((المجتبى)) من ضبطه بالقلم برفع ((ابن
جريج))، وما بعده، فغلط فاحش، فليتنبه. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ((ابن جريج)) هذا غير ((عبيد بن جريج)) المذكور بعده، واسمه عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، وإنما نبهت عليه وإن كان واضحا؛ لأن
بعض من لا إلمام له بعلم الرجال ربما لبّس عليه. والله تعالى أعلم .
وقوله: ((انبعثت)) أي سارت، ومضت ذاهبة.
والحديث متّفقٌ عليه، وأخرجه المصنّف من طريق ابن جريج مقطّعًا في مواضع،
وقد ساقه البخاريّ في ((صحيحه)) مطولاً، فقال:
١٦٦ - حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن سعيد المقبري، عن عبيد
ابن جريج، أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تصنع أربعا، لم أر

٢٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أحدا، من أصحابك يصنعها، قال: وما هي، يا ابن جريج، قال: رأيتك لا تمس من
الأركان، إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك
إذا كنت بمكة، أهلّ الناس إذا رأوا الهلال، ولم تهلّ أنت حتى كان يوم التروية، قال
عبد اللَّه: ((أما الأركان، فإني لم أر رسول اللَّه ◌َله يمس إلا اليمانيين، وأما النعال
السبتية، فإني رأيت رسول اللّه وَلهزله يلبس النعل التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا
أحب أن ألبسها، وأما الصفرة، فإني رأيت رسول اللّه وَ لقوله يصبغ بها، فأنا أحب أن
أصبغ بها، وأما الإهلال، فإني لم أر رسول اللَّه وَ له يهلّ حتى تنبعث به راحلته))(١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٥٧- (إِهْلَالُ النُّفَسَاءِ)
٢٧٦١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَم، عَنْ شُعَيْبٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ
الْهَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالُ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ،
تِسْعَ سِنِينٍ، لَمْ يَحُجّ، ثُمَّ أَذْنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ، يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ رَاكِبًا، أَوْ
رَاجِلاً، إِلَّا قَدِمَ، فَتَدَارَكَ النَّاسُ، لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، حَتَّى جَاءَ ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَّدَتْ أَسْمَاءُ
بِثْتُ عُمَيْسٍ، مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِّهَ، فَقَالَ: ((اغْتَسِلِي،
وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، ثُمَّ أَهِلْي))، فَفَعَّلَتْ، مُخْتَصَرٌ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
من أفراده، وهو مصريّ، فقيه ثقة. ((وشعيب)): هو ابن الليث بن سعد المصريّ الفقيه
الثقة. و((ابن الهاد)): هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ الفقيه الثقة.
وقوله: ((أقام رسول اللّه وَلا) أي بالمدينة بعد الهجرة. وقوله: ((فتدارك الناس)): أي
لَحِق آخرهم أولهم، يعني أنهم اجتمعوا في المدينة حتى يحجوا معه وَله .
وقوله: ((واستثفري بثوب)): أي شُدِي محلّ الدم بثوب.
وقوله: ((مختصر)): خبر لمحذوف: أي هذا الحديث مختصر من حديث جابر
الطويل، وقد ذكرته بطوله في هذا الشرح في باب ((ترك التسمية)) - ٢٧٤٠/٥١ - من
رواية مسلم في ((صحيحه))، وكذلك تقدم تخريج الحديث هناك، فراجعه تستفد.
(١) - راجع ((صحيح البخاريّ)) ٣٥٩/١ بنسخة ((الفتح)).