Indexed OCR Text

Pages 321-340

٦- (فَضْلُ الْمُتَبَعَةِ بَيْنَ الْحَجُ وَالْعُمْرَةِ) - حديث رقم ٢٦٣٠
٣٢١ =
الزيادة انتهى (ومنها): أن الأمر بالقرار في البيوت في قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِی بُيُوتِكُنّ﴾ لیس
على سبيل الوجوب. كذا قيل، لكن الذي يظهر أن الأمر للوجوب، لكن المراد به عدم
الخروج متبرجات تبرج الجاهلية، بدليل قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّحْنَ تَبَرُّجَ الْجَِهِلِيَّةِ
اُلْأُولَى﴾، فإذا خرجن محتجبات، غير متبرّجات بزينتهنّ، فلا منع عليهنّ. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنه يدلّ على جواز خروجهنّ للجهاد مع محارمهنّ؛ لقوله: ((لكنّ أفضل
الجهاد»، فإنه يدلّ على جواز الجهاد لهن، لأن ثبوت الأفضلية للشيء على الشيء يستلزم
ثبوت الفضل لعكسه. ويؤيّد ذلك حديث أم عطيّة رضي اللّه تعالى عنها المتّفق عليه: ((كنا
نُداوي الكَلْمَى، ونقوم على المرضى)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٥- (فَضْلُ الْعُمْرَةِ)
٢٦٢٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَّا، وَالْحَجِّ
الْمَبْرُورُ، لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّ الْجَنَّةُ»).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف قبل
باب -٢٦٢٢/٣- وقد استوفيت شرحه، والكلام على مسائله هناك، وبالله تعالى
التوفيق.
ودلالته على الترجمة واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٦- (فَضْلُ الْمُتَابَعَةِ بَيْنَ الْحَجِّ
وَالْعُمْرَةِ)
٢٦٣٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَنَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ،

٣٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
فَإِّمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه أبي
داود سليمان بن سيف الحرّانيّ، فإنه من أفراده، وهوثقة حافظ [١١]١٣٦/١٠٣.
وكلهم تقدّموا غير:
١- (عزرة بن ثابت) بن أبي زيد بن أخطب الأنصاريّ البصريّ، ثقة [٧].
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات))، وقال: ثقة متقنّ. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. روى له
الجماعة، سوى أبي داود، فروى له في ((القدر)) وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط
برقم ٢٦٣٠ و٥٢٤٢ و ٥٢٥٨ ..
و((أبو عتّاب)): هو سهل بن حمّاد الدّلّال البصريّ، صدوق [٩]١٣٦/١٠٣. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أبي محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم المكيّ الثقة الثبت [٤]
١٥٤/١١٢ أنه (َقَالَ: قَالَ أَبْنُ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ:
(تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجْ وَالْعُمْرَةِ) أي أوقعوا المتابعة بينهما، بأن تجعلوا كُلَّ منهما تابعًا للآخر.
وقال السنديّ: أي اجعلوا أحدهما تابعًا للآخر واقعًا على عقبه، أي إذا حججتم،
فاعتمروا، وإذا اعتمرتم، فحُجُّوا، فإنهما متتابعان(١).
وقال الحفنيّ: أي ائتوا بهما متتابعين من غير طول فصل جدًّا، وليس المراد بالمتابعة
تعاقبهما من غير فاصل، بل المراد كون الثاني بعد الأول بدون فاصل كبير، بحيث
يُنسب للأول عرفًا.
وقال المحبّ الطبريّ: يجوز أن يراد به التتابع المشار إليه في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ﴾، فيأتَى بكل من النسكين عقب الآخر، بحيث لا يتخلّل بينهما زمان
يصحّ إيقاع الثاني فيه، وهو الظاهر من لفظ المتابعة.
ويحتمل أن يراد إتباع أحدهما الآخرَ، ولو تخلّل بينهما زمان، بحيث يظهر مع ذلك
الاهتمامُ بهما، ويُطلق عليه عرفًا أنه رَدِفَه، وتَبِعه. وهذا الاحتمال أظهر؛ إذ القصد
الاهتمام بهما، وعدم الإهمال، وذلك يحصل بما ذكرناه، وسواء تقدّمت العمرة، أو
(٢)
تأخرت؛ لأن اللفظ يصدق على الحالين انتهى
.
(١) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص١١٥.
(٢) -راجع ((المرعاة)) ج٩ ص٣٨٩ .

٦- (فَضْلُ الْمُتَبَعَةِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) - حديث رقم ٢٦٣٠
٣٢٣
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني هو الأرجح عندي، كما
استظهره المحب الطبري رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
(فَإِنَّهُمَا) أي الحجّ والعمرة المتتابعين (يَتْفِيَانِ الْفَقْرَ) أي يزيلان الفقر الظاهر بحصول
غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب (وَالذُّنُوبَ،) أي يمحوانه، وفي حديث
عامر بن ربيعة عند أحمد: ((فإن متابعةٌ بينهما تنفي الفقر والذنوب))، وفي سنده عاصم
ابن عبيدالله، وهو ضعيف. وفي أخرى له، وللطبرانيّ في ((الكبير)): ((فإن متابعة بينهما
تزيد في العمر، والرزق، وتنفيان الفقر، والذنوب))، وفي السند عاصم المذكور أيضًا.
قيل: المراد بالذنوب الصغائر، لكن يأباه قوله (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بكسر الكاف: زِقٌّ،
أو جلد غليظ ذوحافات. وقال ابن سيده: الكير: الزقّ الذي ينفخ فيه الحدّاد، والجمع
أَكْيار، وكِيَّرة. أفاده في ((اللسان)).
وقال في ((المرعاة)): هو ما يَنفُخُ فيه الحدّاد من الزّقّ، أو الجلد؛ لإشعال النار
للتصفية، وأما الموضع الذي يوقد فيه الفحم من حانوت الحدّاد فهو الكُور بضم
الكاف. وقيل: بالعكس. وقيل: لا فرق بينهما(١)
وقال السنديّ: كِير الحدّاد المبنيّ من الطين. وقيل: زقّ ينفخ به النار، فالمبنيّ من
الطين كُور. والظاهر أن المراد ههنا نفس النار على الأول، ونفخها على الثاني انتهى "
(خَبَثَ الْحَدِيدِ) بفتحتين، ويُروى بضمٌ، فسكون: هو الوسخ، والرديء الخبيث. وفي
حديث ابن مسعود الآتي بعد هذا: ((كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضّة)).
شبّه متابعة الحج والعمرة في إزالة الذنوب بإزالة النار خبث الحديد؛ لأن الإنسان
مركوز في جِبِلّته القوّة الشهويّة، والغضبيّة، محتاج لرياضةٍ تزيلها، والحجُ جامع لأنواع
الرياضات، من إنفاق المال، وجهد النفس بالجوع، والظمأ، والسهر، واقتحام
المهالك، ومفارقة الوطن، ومهاجرة الإخوان، والخلّان، وغير ذلك.
والحديث استدلّ به من قال بوجوب العمرة، فإن ظاهره التسوية بينهما. وفيه أن هذا
استدلال بمجرّد اقتران العمرة بالحجّ، وهو لا يكون دليلاً على وجوبها، لما تقرّر في
الأصول من ضعف دلالة الاقتران.
لكن تقدّم أن أدلّة وجوب العمرة أقوى، فالقول بوجوبها هو الأرجح، فراجع ما تقدّم
في باب ((وجوب العمرة)) -٢٦٢١/٢ -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا
(١) -راجع («المرعاةج ٩ ص٣٩٠.
(٢) - ((شرح السندي» ج٥ص١١٥ .

٣٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا-٦/ ٢٦٣٠- وفي
((الكبرى)) ٣٦٠٩/٥. وفوئده تأتي في مسائل الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٣١ - أَخبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتِى بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، أَبُو خَالِدٍ،
عَنْ عَمْرِو ابْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ:
(تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَتْفِيَانِ الْقَّقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ
وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجْ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه،
((محمد بن يحيى بن أيوب)) بن إبراهيم الثقفيّ، أبي يحيى المروزيّ القصريّ المعلّم،
ثقة حافظ [١٠]١٦٢/ ٢٥٤، فقد انفرد به هو والترمذيّ.
و((سليمان بن حيان، أبو خالد)»: هو الأحمر الكوفيّ، صدوق يخطىء[٨]٩٢١/٣٠.
و((عمرو بن قيس)): هو الْمُلائيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة متقن عابد[٦]١٣٤٩/٩٢.
و((عاصم)): هو ابن بُهْدَلة، المعروف بابن أبي النَّجُود المقرىء المشهور الكوفيّ،
صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في (الصحيحين)) مقرون بغيره [٦]٢٠/
١٢٢١ .
و((شقيق)): هو ابن سلمة أبو وائل التابعي الكبير الحجة المشهور.
و((عبد الله)): هو ابن مسعود الصحابيّ الجليل رضي الله تعالى عنه.
وشرح الحديث تقدم في الذي قبله.
وقوله: ((وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة)) -أي سوى الجنّة- تقدّم شرحه في
-٢٦٢٢/٣ - فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٢٦٣١/٦ - وفي ((الكبرى)) ٦/ ٣٦١٠. وأخرجه (ت) في (الحجّ)) ٨١٠
(أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٣٦٦٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو فضل المتابعة بين الحجّ
والعمرة (ومنها): أن المتابعة بينهما سبب لإزالة الفقر الظاهر والباطن (ومنها): أنه سبب

٧- (الْحَجُّ عَنِ الْمَيْتِ الذِّي نذَرَ أَنْ يَحُجَّ) - حديث رقم ٢٦٣٢
٣٢٥ ==
لمحو الذنوب جميعًا (ومنها): جواز تشبيه الشيء الغائب المعقول بالشاهد المحسوس؛
زيادة في البيان والتوضيح (ومنها): بيان فضل الحجّ المبرورٍ، وهو دخول الجنّة، وهو
الفوز العظيم، ﴿فَمَن زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ اللَّهم اجعلنا ممن يفوز
بدخول الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٧- (الْحَجُّ عَنِ الْمَيْتِ الَّذِي نَذَرَ أَنْ
يَحُجّ)
٢٦٣٢- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
بِشْر، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَحْجَّ،
فَمَاتَتْ، فَتَى أَخُوِهَا النَّبِيَّ وَِّ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؟، فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ
دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَاقْضُوا اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمد بن بشار) بُنْدَار، أبو بكر العبدي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤.
٢- (محمد) بن جعفر غُنْدَر، أبو عبد الله البصري، ثقة صحيح الكتاب [٩] ٢١/
٢٢ .
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية إياس البصري، ثم الواسطي، ثقة من أثبت
الناس في سعيد بن جبير [٥] ٥٢٠/١٣.
٥- (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨ .
٦- (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر رَوَهَا ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى، وأن رجاله كلهم رجال
الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وأن فيه رواية تابعي عن
تابعي، وفيه ابن عباس رَؤيبًا من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، والله تعالى أعلم.

٣٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَحِجَّ) ولفظ البخاريّ في
((الأيمان والنذور)) من رواية آدم بن أبي إياس، عن شعبة: ((أتى رجلٌ النبيّ وَّر، فقال:
إن أختي تذرت أن تحجّ، وإنها ماتت ... )). هكذا رواية شعبة، عن أبي بشر أن السائل
رجل، وأن التي نذرت أخته، وخالفه في ذلك أبو عوانة، عن أبي بشر، فجعل السائلة
امرأة من جهينة، والتي نذرت أمها، ولفظه عند البخاريّ في ((الحجّ)): ((أن امرأة من
جهينة، جاءت إلى النبيّ وَّل، فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ، فلم تحجّ حتى ماتت،
أفأحجّ عنها؟ ... )).
قال في ((الفتح)): كذا رواه أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، من رواية
أبي عوانة، عنه، وسيأتي في ((النذور)) من طريق شعبة، عن أبي بشر، بلفظ: ((أتى رجل
النبيّ وَّه، فقال له: إن أختي نذرت أن تحجّ، وأنها ماتت))، فإن كان محفوظًا احتمل أن
يكون كلٌّ منهما سأل، الأخ سأل عن أخته، والبنت سألت عن أمها، وثبت في ((الصيام))
من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، بلفظ: ((قالت امرأة: إن أمي ماتت، وعليها صوم
شهر ... )). قال: وزعم بعض المخالفين أنه اضطرابٌ، يُعَلّ به الحديث، وليس كما
قال، فإنه محمولٌ على أن المرأة سألت عن كلّ من الصوم، والحجّ،، ويدلّ عليه ما
رواه مسلم عن بُريدة: أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إني تصدّقت على أمي بجارية،
وإنها ماتت؟، قال: ((وجب أجرك، ورذها عليك الميراث))، قالت: إنه كان عليها صوم
شهر، أفأصوم عنها؟، قال: ((صومي عنها))، قالت: إنها لم تحجّ، أفأحج عنها؟، قال:
«حجي عنها)).
وللسؤال عن قصّة الحجّ من حديث ابن عبّاس أصلٌ آخر، أخرجه النسائيّ، من طريق
سليمان بن يسار، عنه . -يعني الحديث الثاني في الباب التالي -. وله شاهد من حديث
أنس، عند البزار، والطبرانيّ، والدارقطنيّ انتهى ما في ((الفتح)) ببعض تصرّف(١).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)) عند قوله: ((أن امرأة من جهينة)): ما نصّه: لم أقف على
اسمها، ولا على اسم أبيها، لكن روى ابن وهب، عن عثمان بن عطاء الخراسانيّ، عن
أبيه: أن غايثة، أو غائية، أتت النبيّ وَّ، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها نذر أن تمشي
إلى الكعبة، فقال: ((اقض عنها)). أخرجه ابن منده في حرف الغين المعجمة من
الصحابيّات، وتردّد هل هي بتقديم المثناة التحتانيّة على المثلثة، أو بالعكس. وجزم ابن
(١) - ((الفتح) ج٤ ص ٥٤٤ .

٣٢٧
٧- (الْحَجُّ عَنِ الْمَيْتِ الذِّي نذَرَ أَنْ يَحُجّ) - حديث رقم ٢٦٣٢
طاهر في ((المبهمات)) بأنه اسم الجهنيّة المذكورة في حديث الباب.
وقد روى النسائيّ، وابن خزيمة، وأحمد من طريق موسى بن سلمة الْهُذليّ، عن ابن
عباس، قال: ((أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهنيّ أن يسأل رسول اللّه وَليل عن أمها
توفيت، ولم تُحجّ ... )) الحديث، لفظ أحمد. ووقع عند النسائيّ ((سنان بن سلمة))،
والأول أصحّ. وهذا لا يفسّر به المبهم في حديث الباب أن المرأة سألت بنفسها، وفي
هذا أن زوجها سأل لها. ويمكن الجمع بأن يكون نسبة السؤال إليها مجازيّة، وإنما
الذي تولّى لها السؤال زوجها، وغايته أنه في هذه الرواية لم يصرّح بأن الحجة المسؤول
عنها کانت نذرًا.
وأما ما روى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن
سنان بن عبد الله الجهنيّ أن عمّته حدّثته أنها أتت النبيّ وَّر، فقالت: إن أمي توفّيت،
وعليها مشي إلى الكعبة نذرًا ... )) الحديث. فإن كان محفوظًا حُمل على واقعتين بأن
تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة، وبأن تكون عمته سألت
بنفسها عن حجة أمها المنذورة، ويفسّر من في حديث الباب بأنها عمة سنان، واسمها
غايثة، كما تقدّم، ولم تسمّ المرأة، ولا العمّة، ولا أمّ واحدة منهما انتهى ما في
((الفتح))(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ظاهر تصرّف المصنّف رحمه اللّه تعالى أنه يرى تعدد
القصّتین، حیث ترجم بقوله: «الحجّ عن الميت الذي نذر أن یحجّ)»، وأورد حديث ابن
عبّاس في قصّة المرأة التي نذرت، ثم ترجم بقوله: ((الحجّ عن الذي لم يحجّ))، فأورد
حديثه في التي ماتت، ولم تُحجّ))، فجعل الباب الأول للحجّ عمن مات بعد النذر،
والباب الثاني عمن مات، ولم ينذر، وصنيعه هو الظاهر. والحاصل أن القصّتين
مختلفتان، ولا مانع من ذلك. والله تعالى أعلم.
(فَمَاتَتْ، فَأَتَى أَخُوهَا النَّبِيِّ بَِّ، فَسَأَلَهُ) أشار الحافظ إلى ترجيح كون السائل
امرأة، في ((كتاب الأيمان والنذور)) من ((الفتح))، فراجعه في ٤٤٥/١٣. والله تعالى
أعلم.
(عَنْ ذَلِكَ؟) أي عن قضاء ما نذرت به، وماتت قبل الوفاء بنذهار (فَقَالَ) وَلِّ (أَرَأَيْتَ
لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ) فيه مشروعيّة القياس، وضرب المثل؛ ليكون أوضح، وأوقع
في نفس السامع، وأقرب إلى سرعة فهمه (أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟) أي الدين (قَالَ) الرجل (نَعَمْ)
(١) - ((فتح)) ج ٤ ص٥٤٣ -٥٤٤ .

٣٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أي أقضيه (قَالَ) وَّرِ (فَاقْضُوا اللَّهَ) أي أدوا إليه ما وجب علكيم من حقّه (فَهُوَ أَحَقُّ
بِالْوَفَاءِ) الفاء تعليليّة؛ لأنه أحقّ بالوفاء من غيره.
قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: في الحديث إشعارٌ بأن المسؤول عنه خلف مالًا،
فأخبره النبيّ وَلِّ أن حقّ اللّه مقدّم على حقّ العباد، وأوجب عليه الحجّ عنه، والجامع
علّة المالية.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولم يتحتّم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالًاً
كما زعم؛ لأن قوله: ((أكنت قاضيه)) أعمّ من أن يكون المراد مما خلفه، أو تبرّعًا
انتهى(١). وهو تعقُّبٌ جيّد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٣٢/٧ و٢٦٣٣/٨ - وفي ((الكبرى)) ٣٦١٢/٧ و٣٦١٣/٨ .
وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٨٥٢ و((الأيمان والنذور)) ٦٦٩٩ و((الاعتصام بالكتاب
والسنّة)) ٧٣١٥ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ٢١٤١ و٢٥١٤ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جواز الحجّ عن الميت الذي
نذر أن يحجّ، ثم مات قبل الوفاء بنذره، وفيه اختلاف بين أهل العلم، فروى سعيد بن
منصور وغيره، عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما بإسناد صحيح: لا يحجّ أحد عن
أحد، ونحوه عن مالك، والليث، وعن مالك أيضًا إن أوصى بذلك، فليحج عنه، وإلا
فلا، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): صحّة نذر الحجّ ممن لم يحجّ، فإذا حجّ أجزأه عن حجة الإسلام عند
الجمهور، وعليه الحجّ عن النذر. وقيل: يجزىء عن النذر، ويحجّ حجة الإسلام.
وقيل: يُجزىء عنهما(٢).
(ومنها): إثبات القياس (ومنها): تشبيه ما اختُلف فيه، وأشكل بما اتُّفِقَ عليه
(١) - (فتح) ج٤ ص ٥٤٥ .
(٢) - (فتح) ج٤ ص ٥٤٤ .

٧- (الْحَجُّ عَنِ الْمَيْتِ الذِّي نذَرَ أَنْ يَحُجّ) - حديث رقم ٢٦٣٢
٣٢٩ =
(ومنها): أنه يستحبّ للمفتي التنبيه على وجه الدليل، إذا ترتّب على ذلك مصلحة،
وهو أطيب لنفس المستفتي، وأدعى لإذعانه (ومنها): أن وفاء الدين الماليّ كان معلومًا
عندهم، مقرّرًا، ولهذا حَسُن الإلحاق به (ومنها): أن من مات، وعليه حجّ وجب على
وليّه أن يجهّز من يحُجّ عنه من رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، فقد أجمعوا على أن
دين الآدميّ من رأس المال، فكذلك ما شُبّه به في القضاء. ويلتحق بالحجّ كلّ حقّ ثبت
في ذمّته، من كفّارة، أو نذر، أو زكاة، أو غير ذلك (ومنها): أن في قوله: «فالله أحقّ
بالوفاء» دليلٌ على أنه مقدّم على دين الآدميّ، وهو أحد أقوال الشافعيّ. وقيل:
بالعكس. وقيل: هما سواء.
(ومنها): أن الحديث دليلٌ لقول الجمهور بأن من ترك الصلاة عامدًا يجب عليه
قضاؤها، ووجه ذلك أن ذلك التارك عليه دين للَّه تعالى، يطالبه به، ويعاقبه عليه، فإذا
كان دينًا وجب الوفاء به، كسائر الديون التي تلزمه للآدمين، كما إذا أتلف مالًا، أو
غصب، أو أودعه شخصٌ، فأفرط فيه، ونحو ذلك، بل هذا ألزم بالوفاء، لصريح قوله
وَهُ: «فالله أحقّ بالوفاء»، وفي رواية أخرى: «فدين اللَّه أحقّ بالوفاء)).
والحاصل أن وجوب قضاء الصلاة على من تركها عامدًا هو الأرجح، وقد تقدّم تمام
البحث فيه في ((كتاب الصلاة)) في باب ((فيمن نسي صلاة)) - ٦١٣/٥٢ - فراجعه تستفد.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحجّ عن الميت:
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى في ((شرح المهذب)): مذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى
المشهور أنه إذا مات، وعليه حجّ الإسلام، أو قضاء، أو نذر، وجب قضاؤها من
تركته، أوصى بها، أم لم يوص. قال ابن المنذر: وبه قال عطاء، وابن سيرين، وروي
عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور، وابن المنذر.
وقال النخعيّ، وابن أبي ذئب: لا يحُجّ أحدٌ عن أحد. وقال مالك: إذا لم يوص
به يتطوّع عنه بغير الحجّ، ويُهُدى عنه، أو يتصدّق، أو يُعتق عنه انتهى كلام
النوويّ(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المذهب الأول هو الأرحج؛ لقوّة دليله، كحديث
الباب، وغيره. وقد تكلّم ابن حزم في هذه المسألة، ورجّح القول بالوجوب، وفتّد
(١) - راجع ((المجموع)) ج٧ص ١٠١ .

٣٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
القول الثاني بما لا تراه في كتب غيره، فراجع ((المحلّى)) -٥٣/٧-٦٢. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أُنيب)).
٨- (الْحَجْ عَنِ الْمَيْتِ الَّذِي لَمْ
يَحُجَّ)
٢٦٣٣ - أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُوِ النَّاحِ،
قَالَ حَدَّثَنِي(١) مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ قَالَ: أَمَرَتِ امْرَأَةٌ سِنَانَ بْنَ سَلِّمَةَ
الْجُهَنِيَّ، أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ، وَلُمْ تَحَجِّ، أَفَيُجْزِئُ عَنْ أُمَّهَا، أَنْ تَحَّ
عَنْهَا؟، قَالَ: (نَعَمْ، لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ، فَقَضَتْهُ عَنْهَا، أَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْهَا؟،
فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمُّهَا)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
((عمران بن موسى)) القزّاز البصريّ، وهو ثقة، فإنه من رجال الأربعة، غير أبي داود.
و((عبدُالوارث)): هو ابن سعيد البصريّ. و((أبو التيّاح)): هو يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ
البصريّ. و((موسى بن سلمة الْهُذليّ)): هو البصريّ الثقة [٤]١٤٤٣/٢. والسند
مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، أبو التيّاح، عن موسى بن سلمة.
[تنبيه]: قوله: ((امرأة سنان بن سلمة الجهنيّ))، هكذا هو في رواية المصنف هنا،
وفي ((الكبرى))، وهو غلط، والصواب: ((سنان بن عبد الله الجهنيّ))، كما هو عند
أحمد، وابن خزيمة، ولفظ أحمد في («مسنده)) :
٢٥١٤ -حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو التَّيَّاحِ، عن موسى بن
سلمة، قال: حججت أنا، وسنان بن سلمة، ومع سنان بدنة، فأزْحَفَت عليه، فَعَيَّ
بشأنها، فقلت: لئن قدمت مكة، لأستَبحِثَنَّ عن هذا، قال: فلما قدمنا مكة، قلت:
انطلق بنا إلى ابن عباس، فدخلنا عليه، وعنده جارية، وكان لي حاجتان، ولصاحبي
(١) -وفي نسخة: ((حدثنا)).

٨- (الْحَجُّ عَنِ الْمَيْتِ الذِّي لَمْ يَحُجّ) - حديث رقم ٢٦٣٣
٣٣١
حاجة، فقال: ألا أُخليك، قلت: لا، فقلت: كانت معي بدنة، فأَزحَفت علينا،
فقلت: لئن قدمت مكة، لأستبحثن عن هذا، فقال ابن عباس: بعث رسول اللّه وَلتر
بالبدن، مع فلان، وأمره فيها بأمره، فلما قَفّا رجع، فقال: يا رسول الله، ما أصنع بما
أَزحف علي منها؟، قال: انحرها، واصبُغْ نعلها في دمها، واضربه على صفحتها، ولا
تأكل منها أنت، ولا أحد من رفقتك))، قال: فقلت له: أكون في هذه المغازي، فأغنم،
فأعتق عن أمي، أفيجزئ عنها أن أعتق؟، فقال ابن عباس: أمرت امرأة سنان(١) بن
عبد الله الجهني، أن يسأل رسول اللّه ◌َلّز، عن أمها توفيت، ولم تحجج، أيجزئ عنها
أن تحج عنها؟، فقال النبي وَّر: ((أرأيت لو كان على أمها دين، فقضته عنها، أكان
يجزئ عن أمها؟))، قال: نعم، قال: ((فلتحجّ عن أمها)»، وسأله عن ماء البحر؟، فقال:
((ماء البحر طهور)).
وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) مختصرًا بنحوه.
ولعله وقع في رواية المصنّف اشتباه سنان بن سلمة الذي انطلق مع موسى بن سلمة
إلى ابن عبّاس، ليسأله، عن إزحاف بدنته، بسنان بن عبد الله الجهني الذي سأل النبيّ
وَلجر لامرأته، فوقع التصحيف، ولا سيما مع عدم ذكر المصنف قصّة انطلاق الأول إلى
ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
والحاصل أن سنان بن سلمة هو الذي انطلق مع موسى بن سلمة الجهني إلى ابن
عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما، ليسأله عن إزحاف بدنته، والذي سأل النبيّ وَلير لا مرأته
عن أمها التي ماتت، ولم تحجّ، هو سنان بن عبد اللَّه الجهنيّ، وقد نبّه الحافظ على ذلك
في كلامه الذي قدمناه عن ((الفتح))، حيث قال: ووقع عند النسائيّ: سنان بن سلمة،
والأول أصح انتهى، فتفطّن لهذا التنبيه، فإنه دقيق.
وشرح الحديث يعلم مما سبق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
(١) - وقع في النسخة المطبوعة من المسند ((سلمان بن عبدالله))، والصواب ((سنان بن عبدالله، كما
هو في ((إطراف المسند المعتلي بأطراف مسند الحنبلي)) للحافظ ابن حجر ج٣ ص ٢٧٧ . وهو
الموافق لما ((صحيح ابن خزيمة)) ج٤ ص ٣٤٣. والله أعلم.

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
أخرجه هنا-٨/ ٢٦٣٣ - وفي (الكبرى)) ٣٦١٣/٨. وأخرجه (أحمد) ٢٥١٤ (ابن
خزيمة) ٣٠٣٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٦٣٤ - أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمِ الْأَوْدِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا
حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَثُّوبَ السَّخْتِيَانِّ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ، عَنْ أَبِيهَا
مَاتَ، وَلَمْ يَحُجّ؟، قَالَ: (حُجِّي عَنْ أَبِيكِ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، غير شيخه
((عثمان بن عبد اللَّه)) بن محمد بن خُرَّزاد، أبي عمرو الشاميّ، ثقة، من
صغار[١١]١٥٥/١١٢. فإنه من أفراد المصنّف. و((عليّ بن حكيم))، فقد انفرد به
هو، ومسلم. وكلهم تقدّموا، غير واحد، وهو:
١- (عليّ بن حكيم) بن ذُبيان -بمعجمة، بعدها موحّدة ساكنة، ثم تحتانيّة-
الأوديّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقة [١٠].
قال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال
الآجريّ، عن أبي داود: صدوق، خرج مع أبي السرايا. وقال ابن قانع: كان ثقة صالحًا.
وقال النسائيّ، ومحمد بن عبد الله الحضرميّ: ثقة، مات سنة (٢٣١) في رمضان.
روى عنه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، ومسلم حديثين، وروى له المصنّف،
حديث الباب فقط .
و((حميد بن عبد الرحمن الرُّؤاسيّ)): هو أبو عوف الكوفيّ، ثقة [٨] ٢/ ٤٩٧.
وفي السند ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم، عن بعض: أيوب، عن الزهريّ، عن
سليمان بن يسار. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ امْرَأَةً) الظاهر أن هذه المرأة غير امرأة
سنان عبد الله الجهنيّ السابقة، فإنها سألت عن أمها، وهذه سألت عن أبيها. والله تعالى
أعلم (سَأَلَتِ النَّبِيِّ وََّ، عَنْ أَبِيهَا) أي عن حكم الحجّ عن أبيها، وقوله (مَاتَ) جملة في
محلّ نصب على الحال، وكذا قوله (وَلَمْ يَحُجّ؟، قَالَ) بَطِّ (حُجِّي عَنْ أَبِيكِ) فيه جواز
حجّ المرأة عن الرجل، كعكسه المتقدّم في الباب الماضي، وسيأتي في باب مفرد، إن
شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،

٨- (الْحَجُّ عَنِ الْمَيْتِ الذِّي لَمْ يَحُجّ) - حديث رقم ٢٦٣٤
-٣ ٣٣
وعليه التكلان .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث ابن عباس رَّه هذا صحيح الإسناد، وهو
من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٦٣٤/٨ - وفي ((الكبرى)) ٨/
٣٦١٤ . والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ظاهر صنيع المصنف رحمه الله تعالى أن هذا الحديث غير الحديث الآتي
في الباب التالي، حيث أورده تحت ترجمة ((الحجّ عن الميت الذي لم يحجّ))، وأورد
الثاني تحت ترجمة ((الحجّ عن الحيّ الذي لا يستمسك على الرحل))، فقول الشيخ الألباني
في ((صحيح النسائيّ)) جـ٥٥٩/٢: وهو مختصر الحديث الآتي. فيه نظر، لا يخفى،
لأمرين:
(الأول): أن سياقه مختلف، فإن سؤال المرأة هنا عن أبيها مات، ولم يحجّ، وهناك
عن أبيها الحيّ الذي لا يستطيع الحج.
(الثاني): صنيع المصنّف رحمه الله تعالى، كما بينته آنفًا.
وقد أشار الحافظ رحمه الله تعالى في ((النكت الظراف)) إلى هذا الاختلاف، وأنهما
قضيّتان، غير أنه قال: ((عن أمها ماتت الخ))، ولعله وقع له هكذا في نسخته، ونصّ
کلا مه :
((حديث: كان الفضل رديف رسول اللَّه وَالجزر، فجاءت امرأة، من خثعم، فقالت: إن
فريضة الله في الحجّ أدركت أبي شيخًا كبيرا ... إلى أن قال: س عن عثمان بن
عبد الله، عن عليّ بن حكيم، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسيّ، عن حماد بن زيد،
عن أيوب، عن الزهريّ نحوه.
قلت: حديث أيوب هذا حديث آخر، لا يطابق الأول، لا في لفظه، ولا في معناه،
وسياقه هكذا: أن امرأة سألت النبيّ وَ ل ◌ّر عن أمها ماتت، ولم تحجّ؟، قال: ((حجي عن
أمك)). قال حمزة الكنانيّ، أحد الرواة عن النسائيّ: هذا حديث غريبٌ، تفرّد به عليّ
ابن حكيم. انتهى كلام الحافظ في نكته (١).
والحاصل أن الحديثين مختلفان، فإن كان علي بن حكيم حفظه، فهما قصّتان،
ويكون الحديث من أفراد المصنّف، كما أسلفته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
(١) - راجع ((النكت الظراف على الأطراف)) ج٤ ص٤٦٦-٤٦٧.

٣٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٩- (الْحَجُّ عَنِ الْحَيِّ الَّذِي لَا
يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّخْلِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((الرحل)) -بفتح، فسكون -: مَرْكبٌ للبعير،
كالراحُول، جمعه أرحُلٌ، ورِحَالٌ. ومسكنك، وما تستصحبه من الأثاث. قاله في
((القاموس)). والمناسب هنا المعنى الأوّل.
وفي ((المصباح)): الرَّحْلُ: شيء يُعدّ للرَّحِيلِ، من وعاء للمتاع، ومَزكب للبعير،
وحِلْسٍ، ورَسَنٍ، وجمعه أرحُلٌ، ورِحَالٌ، مثلُ أَفْلُس، وسِهَام. انتهى.
وفي نسخة: ((على الراحلة))، وهي: المركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم
يقول: الراحلة التي تصلح أن تُرْحَلَ، وجمعها رَوَاحِلُ. قاله في ((المصباح)) أيضًا. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٢٦٣٥ - أَخْبَرَنَا قُتَنِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ، سَأَلَتِ النَّبِيِّ ◌ََّ، غَدَاةً تجمع، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجْ، عَلَى عِبَادِهِ، أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّخْلِ،
أَفَأَحُجُ عَنْهُ؟، قَالَ: ((نَعَمْ)).
٢٦٣٦- أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد اللَّه المخزومي) المكي، ثقة، من صغار [١٠]
١٢٧٧/٤١ .
٣- (سفيان) بن عيينة الحافط الثبت المكي [٨] ١/١.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة [٤] ١/١ .
٥- (سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم المدني، ثقة فقيه فاضل من كبار [٣] ١٢٢/
١٥٦ .
٦ - (ابن طاوس) هو: عبد الله، أبو محمد اليماني، ثقة فاضل عابد [٦] ٥١٤/١١.
٧- (أبوه) طاوس بن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن، ثقة فاضل [٣] ٣١/٢٧.
٨- (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما ٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.

٣٣٥ =
٩- (الْحَجُّ عَنِ الْحَيِّ الذِّي لاَ يَسْتَمْسِكُ ... - حديث رقم ٢٦٣٦
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح غير
شيخه الثاني، فقد تفرد به هو والترمذي، وفيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الابن عن
أبيه، وفيه سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) وفي رواية الترمذيّ: حدثني سليمان بن يسار
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللّه تعالى عنهما. وفي رواية للبخاريّ، من طريق شعيب، عن
ابن شهاب، أخبرني سليمان، أخبرني عبد الله بن عباس.
هذه الرواية صريحة في أن هذا الحديث من مسند عبد الله بن عبّاس رضي اللّه تعالى
عنهما، وهكذا رواه ابن عيينة هنا، ومالك، في-٢٦٤١/١٢ - وصالح بن كيسان
في ١٢ / ٢٦٤٢- كلهم عن الزهريّ، وكذا هو عند أكثر الرواة، عن الزهريّ، عن
سليمان، عند الشيخين، وغيرهما.
وخالفهم ابن جريج، عن الزهريّ في ((الصحيحين)) أيضًا، فقال: عن ابن عبّاس،
عن الفضل، أن امرأة، فذكره، فجعله من مسند الفضل، وتابعه معمر .
وروى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبّاس، أخبرني
حصين بن عوف الخثعميّ، قال: قلت: يا رسول اللّه، إن أبي أدركه الحجّ، ولا
يستطيع أن يحجّ ... الحديث. قال الترمذيّ: سألت محمدًا -يعني البخاريّ- عن
هذا؟ فقال: أصحّ شيء فيه ما رُوي عن ابن عبّاس، عن الفضل. قال: فيحتمل أن
يكون ابن عبّاس سمعه من الفضل، ومن غيره، ثم رواه بغير واسطة انتهى.
قال الحافظ: وإنما رجّح البخاريّ الرواية عن الفضل؛ لأنه كان رِذف النبيّ وَالـ
حينئذ، وكان عبد الله بن عبّاس قد تقدّم من المزدلفة إلى منى مع الضَّعَفَة.
وأخرج البخاريّ في ((باب التلبية، والتكبير)) من طريق عطاء، عن ابن عبّاس: أن
النبيّ وَلّ أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يُلبّي حتى رمى الجمرة. فكأنّ الفضل
حدّث أخاه بما شاهده في تلك الحالة.
ويحتمل أن يكون سؤال الخثعميّة وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره ابن عبّاس،
فنقله تارة عن أخيه؛ لكونه صاحب القصّة، وتارة عما شاهده، ويؤيّد ذلك ما وقع عند
الترمذيّ، وأحمد، وابنه عبد اللّه، والطبريّ، من حديث عليّ مما يدلّ على أن السؤال
المذكور وقع عند الْمَنْحَر بعد الفراغ من الرمي، وأن العبّاس كان شاهدًا، ولفظ أحمد
عندهم، من طريق عبيدالله بن أبي رافع، عن عليّ رَطّه قال: وقف رسول اللَّه وَله
بعرفة، فقال: ((هذا الموقف، وعرفة كلها موقف ... ))، فذكر الحديث، وفيه: ثم أتى

٣٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الْمَنْحَر، فقال: ((هذا المنحر، ومنى كلّها منحر)). قال: واستفتته، وفي رواية ابنه
عبد الله: ثم جاءته امرأة شابةٌ، من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبيرٌ، قد أفند، وقد
أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزىء عنه أن أذي عنه؟، قال: ((نعم، فأدي عن
أبيك))، قال: ولَوَى عنق الفضل، فقال العبّاس: يا رسول اللَّه، لِمَ لويت عنق ابن
عمّك؟، قال: ((رأيت شابًّا، وشابّةً، فلم آمن عليهما الشيطان)).
وظاهر هذا أن العبّاس كان حاضرًا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد اللَّه أيضًا كان
معه انتهى كلام الحافظ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الحديث صحيح من مسند عبد الله بن
عباس، ومن مسند الفضل بن عباس ، لكن كونه من مسند الفضل أرجح كما قال
البخاريّ رحمه الله تعالى؛ لأنه صاحب القصّة. والله تعالى أعلم.
(أَنَّ امْرَأَةً) قال الحافظ: لم تسمّ (مِنْ خَثْعَمَ) قال القسطلانيّ : -بفتح الخاء
المعجمة، وسكون المثلّثة، وفتح العين المهملة- غير مصروف للعلميّة والتأنيث باعتبار
القبيلة، لا العلميّة، ووزن الفعل، وهي قبيلة مشهورة، أي من اليمن. وقال السنديّ:
غير منصرف للعلميّة ووزن الفعل (٢)، أو التأنيث؛ لكونه اسم قبيلة.
وقال القاري: أبو قبيلة من اليمن، سمّوا به، ويجوز صرفه، ومنعه. وقال الرزقانيّ:
قبيلة مشهورة، سميت باسم جدّها، واسمه أفتل بن أنمار. قال الكلبيّ: إنما سمي
خثعم بجمل، يقال له: خثعم. ويقال: إنه لما تحالف ولد أفتل على إخوته نحروا بعيرًا،
ثم تختعموا بدمه، أي تلطّخوا به بلغتهم. انتهى (٣).
[تنبيه]: اتفقت الروايات كلها، عن ابن شهاب على أن السائلة، كانت امرأة، وأنها
سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان، فاتفقت الرواة عنه على أن
السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه:
أما إسناده، فقال هشيم عنه: ((عن سليمان، عن عبد الله بن عباس)). وقال محمد بن
سيرين عنه: ((عن سليمان، عن الفضل)). أخرجهما المصنّف في - ٢٦٤٠/١١ و١٣/
٢٦٤٣. وقال ابن عليّة عنه: ((عن سليمان، حدّثني أحد ابني العبّاس: إما الفضل، وإما
عبد الله)). أخرجه أحمد.
وأما المتن، فقال هشيم: ((أن رجلا سأل، فقال: إن أبي مات)). وقال ابن سيرين:
((فجاء رجلٌ، فقال: إن أمي عجوز كبيرة)). وقال ابن عُليّة: ((فجاء رجلٌ، فقال: إن أبي
وأمي)).
(١) - ((فتح) ج ٤ ص٥٤٦ .
(٢) - وهكذا أيضًا في شرح السيوطيّ، لكن الظاهر أن منعه للعلميّة والتأنيث.
(٣) - شرح الزرقانيّ ج٢ ص ٢٩١ .

٣٣٧
٩- (الْحَجُّ عَنِ الْحَيِّ الذِّي لَ يَسْتَمْسِكُ ... - حديث رقم ٢٦٣٥
وخالف الجميع معمرٌ، عن يحيى بن أبي إسحاق، فقال في روايته: ((إن امرأة سألت
عن أمّها)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا الاختلاف كلّه عن سليمان بن يسار، فأحببنا أن
ننظر في سياق غيره، فإذا كريب قد رواه عن ابن عبّاس، عن حصين بن عوف
الخثعميّ، قال: ((قلت: يا رسول الله إن أبي أدركه الحجّ)). وإذا عطاء الخراسانيّ، قد
روى عن أبي الغوث بن حصين الخثعميّ أنه استفتى النبيّ وَّر عن حجة كانت على
أبيه)). أخرجهما ابن ماجه، والرواية الأولى أقوى إسنادًا، وهذا يوافق رواية هشيم في
أن السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه، ويوافقه ما روى الطبرانيّ من طريق عبد الله بن
شدّاد، عن الفضل بن عباس ((أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير))،
ويوافقهما مرسل الحسن، عند ابن خزيمة، فإنه أخرجه من طريق عوف، عن الحسن،
قال: ((بلغني أن رسول اللّه وَليل أتاه رجل، فقال: إن أبي شيخ كبيرٌ، أدرك الإسلام، لم
يحُجّ ... )) الحديث، ثم ساقه من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة
، قال مثله، إلا أنه قال: إن السائل سأل عن أمّه. وهذا يوافق رواية ابن سيرين
أيضًا عن يحيى بن أبي إسحاق، كما تقدّم.
قال الحافظ: والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجلٌ، وكانت ابنته
معه، فسألت أيضًا، والمسؤول عنه أبو الرجل، وأمه جميعًا.
ويقرب من ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قويّ من طريق سعيد بن جبير، عن ابن
عبّاس، عن الفضل بن عبّاس، قال: ((كنت ردف النبيّ وَّر، وأعرابيّ معه بنت حسناء،
فجعل الأعرابيّ يَعرِضها لرسول اللّه وَالهول رجاء أن يتزوّجها، وجعلت ألتفت إليها،
ويأخذ النبيّ وَلَّ برأسي، فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة)).
فعلى هذا فقول الشابّة: إن أبي، لعلّها أرادت به جدّها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه
أمرها أن تسأل النبيّ وَلّ ليسمع كلامها، ويراها رجاء أن يتزوّجها، فلما لم يرضها،
سأل أبوها، عن أبيه، ولا مانع أن يسأل أيضًا عن أبويه.
وتحضّل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعميّ. وأما ما وقع في
الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين فإن إسنادها ضعيف، ولعلّه كان فيه عن أبي
الغوث حصين، فزيد في الرواية ((ابن))، أو أن أبا الغوث أيضًا كان مع أبيه حصين،
فسأل كما سأل أبوه وأخته، والله أعلم. انتهى(١).
(١) - (فتح)) ج٤ ص٥٤٧ - ٥٤٨ .

٣٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْخَجْ
وقيل: الأحسن في الجمع بين ذلك أن يقال: إن البنت المذكورة في رواية أبي يعلى
كانت مع عمّ لها، لا مع أبيها، فإن التجوّز في رواية أبي يعلى من لفظ ((معه بنت)) أهون
من التجوّز في جميع الروايات المختلفة الواردة بلفظ: ((إن أبي شيخ كبير))، فالابنة سألت
عن أبيها، والعمّ سأل عن أبيه. وأيضًا على ما أفاد الحافظ لم يبق الحاجة إلى سؤاله عن
أبيه، بعد ما سألت هي عنه. انتهى(١).
وذهب الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى إلى أن الأولى في الجمع أن يُحمل على
تعدّد القضيّة، قال: إن السؤال وقع مرّات، مرّة من امرأة عن أبيها، ومرّة من امرأة عن
أمها، ومرّة من رجل عن أبيه، ومرّة في السؤال عن الشيخ الكبير، ومرّة في الحجّ عن
المیت انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي جمع به الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى هو
أقرب أوجه الجمع عندي ، وأبعدها عن التكلّف. والله تعالى أعلم.
ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رَزِين الْعُقَيليّ، وقد تقدّم
للمصنف في -٢٦٢١/٢ . وهي قصّة أخرى. قال الحافظ: ومن وحّد بينها وبين
حديث الخثعميّة، فقد أبعد، وتكلّف. انتهى كلام الحافظ بتصرّف(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لكن في جعل الروايات المختلفة على يحيى بن أبي
إسحاق مفسّرة للروايات المختلفة على الزهريّ عندي نظر؛ لأن روايات يحيى أسانيدها
فيها كلامٌ؛ إذ هي مضطربة سندًا ومتنًا، كما سبق بيان ذلك، وكما سيأتي أيضًا قريبًا، إن
شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم.
(سَأَلَتِ النَّبِيَّ نَِّ، غَدَاةَ جمع) أي صباح مبيت الناس في جمع، وهي المزدلفة، سمّيت
بذلك؛ لاجتماع الناس بها. ويقال: لأن آدم،ّ الَّلهُ اجتمع هناك بحوّاء. أفاده الفيّوميّ
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجْ) أي في أمره، وشأنه، ويمكن أن تكون
((في)) بمعنى ((من)) البيانيّة. قاله القاري. وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان
- ١١/ ٢٦٤٠ -: ((إن أبي أدركه الحجّ)) (عَلَى عِبَادِهِ) متعلّقٌ بـ((فريضة))، أو بحال مقدّر
(أَذْرَكَتْ أَبِي) لم يسمّ أيضًا، وهو مفعول ((أدركت)). وقوله (شَيْخًا) منصوب على
الحال، أو بدلٌ من ((أبي)). وقوله (كَبِيرًا) نعت له. وفي نسخة: ((شيخٌ كبيرٌ)) بالرفع،
وعليه فهو خبر لمحذوف، أي وهو شيخٌ كبيرٌ، والجملة حال في محلّ نصب.
قال السنديّ: قوله: ((أدركت أبي شيخا كبيرًا)) يفيد أن افتراض الحج لا يشترط له
(١) -راجع ((المرعاة)) ج٩ ص٣٢١.
(٢) - (فتح) ج٤ ص ٥٤٧-٥٤٨ .

٣٣٩
٩- (الْحَجُّ عَنِ الْحَيّ الذِّي لَا يَسْتَمْسِكُ ... - حديث رقم ٢٦٣٥
القدرة على السفر، وقد قرّر ◌ّل# ذلك، فهو يؤيّد أن الاستطاعة المعتبرة في افتراض
الحجّ ليست بالبدن، وإنما هي بالزاد والراحلة. والله تعالى أعلم انتهى. وسيأتي تحقيق
القول في هذا قريبًا، إن شاء اللّه تعالى.
(لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّحْلِ) تعني أنه لا يثبت على الدّابّة، ولا يستقرّ؛ لكبر سنّه.
والجملة نعت لقوله: ((شيخا)). ويحتمل أن يكون حالًا أيضًا، فيكون من الأحوال
المتداخلة، أو المترادفة.
والمراد أنه وجب عليه الحجّ، بأن أسلم، وهو بهذه الصفة.
وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان ١١/ ٢٦٤٠: ((لا يثبت على راحلته،
فإن شددته خشيت أن يموت)). وفي رواية مالك، عن ابن شهاب ١٢/ ٢٦٤١: ((لا
يستطيع أن يثبت على الراحلة))، وفي رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب ١٢ /
٢٦٤٢: ((لا يستوي على الراحلة)). وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة: ((وإن
شددته بالحبل على الراحلة، خشيت أن أقتله)).
قال الحافظ: وهذا يفهم منه أنّ من قدر على غير هذين الأمرين، من الثبوت على
الراحلة، أو الأمن عليه من الأذى لو رُبط لم يُرخّص له في الحجّ عنه، كمن يقدر على
محلّ مُوَطَّإ، كالمِحَفّة(١) انتهى.
(أَفَأَحُجُ عَنْهُ؟) أي أيجوز لي أن أنوب عنه فأحجّ عنه؛ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها
الهمزة معطوف على مقدّر، وقيل: لا حاجة إلى التقدير، بل الهمزة مقدّمة من تأخير،
والأصل ((فأأحجَ عنه))، فقدّمت؛ لأن لها صدر الكلام.
وفي رواية عبد العزيز، وشعيب: ((فهل يقضي عنه)). وفي حديث عليّ ((هل يُجزىء
عنه)) (قَالَ) وَ (نَعَمْ) وفي حديث أبي هريرة رَمّه: ((احججي عن أبيك)).
زاد في رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب -١٢/ ٢٦٤٢ -: «فأخذ الفضل بن
عبّاس يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، وأخذ رسول اللَّه وَ له الفضل، فحوّل وجهه
من الشقّ الآخر)). وفي رواية عند البخاريّ: فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل
ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبيّ وَلهو يصرف وجه الفضل يصرف وجه الفضل إلى
الشقّ الآخر)). وفي رواية: ((وكان الفضل رجلًا وضيئًا، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة،
فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها)). وفي رواية: ((فالتفت النبيّ وَّر، والفضل
ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل، فدفع وجهه عن النظر إليها)). ووقع في
(١) -بكسر الميسم: مَرْكَبٌ من مراكب النساء، كالهودج. اهـ ((المصباح)).

٣٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
رواية الطبريّ في حديث عليّ: ((وكان الفضل غلامًا جميلًا، فإذا جاءت الجارية من هذا
الشقّ صرف رسول اللَّه وَ ◌ّله وجه الفضل إلى الشقّ الآخر، فإذا جاءت إلى الشقّ الآخر،
صرف وجهه عنه - وقال في آخره -: ((رأيتُ غلامًا وجاريةً، فخشيت أن يدخل بينهما
الشيطان)) .
وقوله: ٢٦٣٦ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ) المكيّ،
(قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة الإمام الحجة المشهور (عَنِ) عبد اللّه (ابْنِ طَاوُسٍ) أبي
محمد اليمانيّ (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان اليمانيّ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى
عنهما (مِثْلَهُ) أي مثل رواية قتيبة، عن سفيان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٣٤/٨ و٢٦٣٥/٩ و٢٦٣٦ و٢٦٣٩/١١ و٢٦٤٠ و٢٦٤١/١٢
و٢٦٤٢ و٢٦٤٣/١٣ وفي ((كتاب آداب القضاء)) ٥٣٨٩/٩ و٥٣٩٠ و٥٣٩١ و٥٣٩٢
و ٥٣٩٣/١٠ و٥٣٩٤ و٥٣٩٥ و٥٣٩٦- وفي ((الكبرى))٣٦١٤/٨ و٣٦١٥/٩ و٣٦١٦
٣٦١٨/١١ و٣٦١٩ و٣٦٢٠ و٣٦٢١/١٢ و٣٦٢٢ و٣٦٢٣/١٣ و((كتاب القضاء»١٦/
٥٩٤٧ و٥٩٤٨٥٩٤٩ و٥٩٥٠ و٥٩٥١ و٥٩٥٢ و٥٩٥٣ و٥٩٥٤ و٥٩٥٤٥ .
وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٥١٣ و١٨٥٤ و١٨٥٥ و((المغازي)) ٤٣٩٩
و(الاستئذان))٦٢٢٨ و(م) في ((الحجّ)) ١٣٣٤ (د) في ((المناسك))١٨٠٩ (ت) في
((الحج)) ٩٢٨ (ق) في ((المناسك)) ٢٩٠٧ و٢٩٠٩ (أحمد) في ((مسند بني هاشم)) ١٨١١
و١٨٢٤ و١٨٩٣ و٢١٩٠ و٢٢٦٦ و٣٠٣٣ و٣٢٢٨ و٣٣٦٥ (الموطأ) في ((الحجّ))
٨٠٦ (الدارميّ)) في ((المناسك)) ١٨٣٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان جواز الحج عن الحيّ
الذي لا يستمسك على الرحل (ومنها): جواز ركوب شخصين، فأكثر على دابة، وهذا
مما لا خلاف فيه إذا أطاقت الذّابّة ذلك (ومنها): إباحة الارتداف مع الأكابر ، قال
الحافظ ابن عبد البرّ: وذلك من التواضع، وأفعالُ رسول اللَّه وَلَّ كلها سننٌ مرغوبٌ