Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١ =
٣- (فَضْلُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ) - حديث رقم ٢٦٢٢
لقوله في الحديث الآخر: ((من حجّ هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق ... )) الحديث،
إذ المعنى: ثم لم يفعل شيئًا من ذلك، ولهذا عطفه بالفاء المشعرة بالتعقيب، وإذا فسّر
بذلك كان الحديثان بمعنى واحد، وتفسير الحديث بالحديث أولى، ويكون الرجوع بلا
ذنب كناية عن دخول الجنّة مع السابقين انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن العربي، واستظهره الأبيّ هو الأرجح
عندي، لكن بإبدال قوله: ((بعده)) بلفظ ((فيه))، يعني أن الحجّ المبرور هو الذي ليس فيه
رفثٌ، ولا فسوقٌ، بمعنى أنه لا معصية في حال إيقاعه، بل اجتنب فيه المحظورات
الشرعية حال أدائه.
والحاصل أن معنی الحدیثین واحدٌ، فیکون حديث ((من حجّ هذا البيت، فلم يرفث،
ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) تفسيرًا لمعنى قوله: ((الحجّ المبرور ليس له جزاء إلا
الجنّة))، فإنه إذا رجع كيوم ولدته أمّه، أي ليس عليه شيء من الذنوب كان من أهل
الجنّة السابقين إليها. والله تعالى أعلم.
(لَيْسَ لَهَا جَزَاءٌ) أي ثوابٌ (إِلَّا الْجَنَّةُ) بالرفع، أو النصب، وهو نحو ((ليس الطيب إلا
المسك)) بالرفع، فإن بني تميم يرفعونه حملاً لها على ((ما)) في الإهمال عند انتقاض
النفي، كما حمل أهلُ الحجاز ((ما)) على ((ليس)) في الإعمال عند استيفاء شروطها، كذا
قاله ابن هشام الأنصاريّ في ((مغني اللبيب))(٢) .
قال النوويّ رحمه الله تعالى: ((ليس له جزاء إلا الجنة)) معناه: أنه لا يقتصر لصاحبه
من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بدّ أن يدخل الجنّة انتهى(٣).
وقال السنديّ: ((ليس له جزاء إلا الجنّة)): أي دخولُها أوّلًا، وإلا فمطلق الدخول
يكفي فيه الإيمان، وعلى هذا فهذا الحديث من أدلّة أن الحجّ تغفر به الكبائر أيضًا؛
الحديث: (( رجع كيوم ولدته أمه))، بل هذا الحديث يفيد مغفرة ما تقدّم من الذنوب،
وما تأخّر. والله تعالى أعلم انتهى (٤) .
(وَالْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ) أي منتهية إلى العمرة. قال القاري: أي العمرة المنضمّة إلى
العمرة، أو العمرة الموصولة، أو المنتهية إلى العمرة. وقال المناويّ: أي العمرة حال
كون الزمن بعدها ينتهي إلى العمرة، ف((إلى)) للانتهاء على أصلها. وقال الباجيّ، وتبعه
(١) - شرح الأبيّ ج٣ ص ٤٤٥.
(٢) -راجع ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ج١ ص٢٩٤، وذكر فيه قصّة جرت بين أبي عمرو بن
العلاء، وعيسى بن عمر الثقفيّ.
(٣) - ((شرح مسلم)) ج٩ ص١٢٢ .
(٤) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص ١١٢ .

٣٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
ابن التين: إن ((إلى)) يحتمل أن تكون بمعنى ((مع))، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُّواْ أَمْوَهُمْ إِلَ
أَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، فيكون التقدير:
العمرة مع العمرة مكفّرة لما بينهما، فإذا كانت للغاية كان المكفّر هو العمرة الأولى،
وإذا كانت بمعنى ((مع)) كان المكفّر العمرتين. ويدلّ للثاني حديث: ((العمرتان تكفّران
ما بينهما)). أخرجه البيهقيّ في ((شعب الإيمان)) من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى
عنه. قال المناويّ: فيه من لم أعرفهم، ولم أرهم في كتب الرجال.
وقال السنديّ: قيل: يحتمل أن تكون ((إلى)) بمعنى ((مع))، أي العمرة مع العمرة. أو
بمعناها متعلّقة بـ((كفّارة))، أي تكفّر إلى العمرة، ولازمه أنها تكفّر الذنوب المتأخّرة.
انتھی .
(كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) هذا ظاهر في فضل العمرة، وأنها مكفّرة للخطايا الواقعة بين
العمرتين .
قال الحافظ ابن العبد البرّ: ((كفّارة لما بينهما)) من الذنوب الصغائر، دون الكبائر،
قال: وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه. قال
الزرقاني: وكأنه يعني الباجيّ، فإنه قال: ((ما)) من ألفاظ العموم، فتقتضي من جهة اللفظ
تكفير جميع ما يقع بينهما إلا ما خصّه الدليل.
واستشكل بعضهم كون العمرة كفّارة مع أن اجتناب الكبائر يكفّر، فما ذا تكفّره
العمرة .
وأجيب بأن تكفير العمرة مقيّد بزمنها، وتكفير الاجتناب عامّ لجميع عمر العبد ،
فتغايرا من هذه الحيثيّة. ذكره الزرقانيّ(١).
وقال العينيّ: ظاهر الحديث أن الأولى هي المكفّرة؛ لأنها التي وقع الخبر عنها أنها
تكفّر، ولكن الظاهر من جهة المعنى أن العمرة الثانية هي التي تكفّر ما قبلها إلى العمرة
التي قبلها، فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر انتهى (٢).
وقال الأبيّ: الأظهر أن الحديث خرج مخرج الحثّ على تكرير العمرة والإكثار
منها؛ لأنه إذا حُمل على غير ذلك يُشكل بما إذا اعتمر مرّة واحدة، فإنه يلزم عليه أن لا
فائدة لها؛ لأن فائدتها، وهو التكفير مشروطة بفعلها ثانية؛ إلا أن يقال: لم تنحصر فائدة
العبادة في تكفير السيئات، بل يكون فيها، وفي ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، كما
ورد في بعض الأحاديث: من فعل كذا كتب له كذا كذا حسنة، ومحيت عنه كذا كذا
(١) - شرح الزرقاني على الموطأ)) ج ٢ ص٢٦٨.
(٢) - ((عمدة القاري)) ج ١٠ ص١٠٨- ١٠٩ .

٣٠٣
٣- (فَضْلُ الحَجِ المَبْرُورِ) - حديث رقم ٢٦٢٢
سيئة، ورفعت له كذا كذا درجة، فتكون فائدتها إذا لم تكرّر ثبوت الحسنات، ورفع
الدرجات. وقال شيخنا أبو عبد الله -يعني ابن عرفة -: إذا لم تكرّر كفّر بعض ما وقع
بعدها، لا كلّه - والله أعلم- بقدر ذلك البعض(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٢٢/٣ و٢٦٢٣ و٢٦٢٩/٥- وفي ((الكبرى)) ٣٦٠١/٣ و٣٦٠٢
و٣٦٠٨/٥. وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٧٧٣ (م) في ((الحجّ)) ١٣٤٩ (ت) في ((الحج))
٩٣٣ (ق) في ((المناسك)) ٢٨٨٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٣٠٧ و٩٦٢٥
و٩٦٣٢ و(الموطأ) في ((الحجّ)) ٧٧٦ (الدارمي) في ((المناسك)) ١٧٩٥. واللَّه تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الحج المبرور
(ومنها): بيان فضل المتابعة بين العمرتين (ومنها): مشروعية الاستكثار من الاعتمار؛
خلافًا لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرّة، كالمالكيّة، ولمن قال: مرّة
في الشهر، من غيرهم، وسيأتي الكلام عليه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى.
(ومنها): أن قضيّة جعل العمرة مكفّرة، والحجّ جزاءه الجنّة أن الحجّ أكمل (ومنها):
ما قاله الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى: في الحديث دليل على التفريق بين الحجّ
والعمرة في التكرار، إذ لو كانت العمرة كالحجّ لا يُفعَل في السنة إلا مرّة لسوّى بينهما،
ولم يفرّق. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعيّة تكرار العمرة:
ذهب الجمهور إلى استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مرارًا، وهو المذهب
الصحيح؛ الأحاديث الصحيحة الكثيرة في الترغيب في الاستكثار منها، كحديث
الباب.
(١) - شرح الأبيّ ج٣ ص ٤٤٤.
(٢) -نقله في ((المرعاة)) ج٩ ص٣٠٦.

٣٠٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
وذهب مالك، وأصحابه إلى أنه يكره أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة. وقال
آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة (١).
قال الحافظ: واستدلّ لهم بأنه وَلهر لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله على
الوجوب أو الندب.
وتُعُقّب بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله، فقد كان يترك الشيء، وهو يستحبّ فعله
لرفع المشقّة عن أمّته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، فثبت الاستحباب من غير تقييد
انتھی(٢).
وقد حقّق المسألة الإمام ابن حزم رحمه اللّه تعالى ورد على القائلين بكراهة التكرار
في كتابه «المحلّی»، ودونك عبارته:
[مسألة]: والحجّ لا يجوز إلا مرّة في السنة، وأما العمرة فنحبّ الإكثار منها؛ لما
ذكرنا من فضلها، فأما الحجّ فلا خلاف فيه، وأما العمرة، فإننا روينا من طريق مجاهد،
قال عليّ بن أبي طالب: في كلّ شهر عمرة. وعن القاسم بن محمد أنه كره عمرتين في
شهر واحد. وعن عائشة أم المؤمنين أنها اعتمرت ثلاث مرّات في عام واحد. وعن
سعيد بن جبير، والحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ كراهة العمرة
أكثر من مرّة في السنة، وهو قول مالك. وروينا عن طاوس: إذا مضت أيام التشريق،
فاعتَمِر متى شئت. وعن عكرمة اعتَمِرْ متى أمكنك الموسَى. وعن عطاء إجازة العمرة
مرّتين في الشهر. وعن ابن عمر أنه اعتمر مرّتين في عام واحد مرّة في رجب، ومرّةً في
شوّال. وعن أنس بن مالك أنه أقام مدّة بمكّة، فكلما جمّ رأسه(٣) خرج فاعتمر. وهو
قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وبه نأخذ؛ لأن رسول
اللَّه وَ له قد أعمر عائشة مرّتين في الشهر الواحد، ولم يكره ◌َلََّلامُ ذلك، بل حضّ
عليها، وأخبر أنها تكفّر ما بينها، وبين العمرة الثانية فالإكثار منها أفضل، وباللَّه تعالى
التوفيق.
واحتجّ من كره ذلك بأن رسول الله و لو لم يعتمر في عام إلا مرّة واحدة.
قلنا: لا حجة في هذا؛ لأنه إنما يُکره ما حَضَّ علی ترکه، وهو علیه السلام لم يحجّ
مذ هاجر إلا حجة واحدة، ولا اعتمر مذ هاجر إلا ثلاث عُمَر، فيلزمكم أن تكرهوا
الحجّ إلا مرّة في العمر، وأن تكرهوا العمر إلا ثلاث مرّات في الدهر، وهذا خلاف
(١) -راجع ((شرح صحيح مسلم)) للنوويّ ج٩ ص ١٢٢ .
(٢) - ((فتح)) ج٤ ص ٤٣٣ .
(٣) - أي طال شعر رأسه، وتجمّع.

٣٠٥ -
٣- (فَضْلُ الحَجِّ المَبْرُورِ) - حدیث رقم ٢٦٢٢
قولكم. وقد صحّ أنه كان عليه السلام يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمل به، مخافة أن
يشقّ على أمته، أو أن يُفْرَضَ عليهم.
والعجب أنهم يستحبّون أن يصوم المرء أكثر من نصف الدهر، وأن يقوم أكثر من
ثلث الليل، وقد صحّ أن رسول اللّه وَلي لم يصم قط شهرًا كاملا، ولا أكثر من نصف
الدهر، ولا قام بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، ولا أكثر من ثلث الليل، فلم يروا فعله عليه
السلام ههنا حجة في كراهة ما زاد على صحّة نهيه عن الزيادة في الصوم، ومقدار ما يقام
من الليل على أكثر من ذلك، وجعلوا فعله عليه السلام في أنه لم يعتمر في العام إلا مرّة
مع حضّه على العمرة، والإكثار منها حجة في كراهة الزيادة على عمرة من العام، وهذا
عجبٌ جدًّا انتهى كلام ابن حزم رحمه اللّه تعالى(١). وهو بَحثّ نفيسٌ جدًّا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في وقت العمرة:
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: واعلم أن جميع السنة وقت للعمرة، فتصحّ في كلّ
وقت منها، إلا في حقّ من هو متلبّسٌ بالحجّ، فلا يصحّ اعتماره حتى يفرغ من الحجّ،
ولا تكره عندنا لغير الحاجّ في يوم عرفة، والأضحى، والتشريق، وسائر السنة، وبهذا
قال مالك، وأحمد، وجماهير العلماء.
وقال أبو حنيفة: تكره في خمسة أيام: يوم عرفة، والنحر، وأيام التشريق. وقال أبو
يوسف: تكره في أربعة أيام: وهي عرفة، والتشريق انتهى كلام النوويّ(٢).
وقال الحافظ رحمه اللّه تعالى: واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن
متلبّسًا بأعمال الحجّ، إلا ما نُقل عن الحنفيّة أنه يكره في يوم عرفة، ويوم النحر، وأيّام
التشريق. ونقل الأثرم عن أحمد: إذا اعتمر فلا بدّ أن يحلق، أو يقصّر، فلا يعتمر بعد
ذلك إلى عشرة أيام؛ ليتمكّن من حلق الرأس فيها. قال ابن قدامة: هذا يدلّ على كراهة
الاعتمار عنده في دون عشرة أيام. انتهى كلام الحافظ(٣).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي في استثناء الأيام التي ذكروا أن العمرة تكره
فيها نظر، فالذي يظهر أنها تجوز في كلّ أيام السنة؛ إذ لا نصّ ، ولا إجماع في استثناء
بعض الأيام المذكورة، حتى نعتمد عليه في كراهتها فيه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) ((المحلَّى)) جـ ٧ ص ٦٨ - ٦٩.
(٢) - ((شرح صحيح مسلم)) ج٩ ص ١٢٢ .
(٣) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص٤٣٣ .

٣٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٢٦٢٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((الْحَجَّةُ
الْمَبْرُورَةُ، لَيْسَ لَهَا ثَوَابٌ، إِلَّا الْجَنَّةُ))، مِثْلَهُ سَوَاءَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَّ: ((تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُمَا))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا طريق ثان لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى
عنه .
و((عمرو بن منصور)): هو أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١]١٤٧/١٠٨ من أفراد
المصنّف .
و(حجّاج)): هو ابن المنهال الأنماطيّ، أبو محمد البصريّ الحافظ الثبت الفاضل
[٩] ٩٠١/١٩ .
وقوله: ((مثله)) يحتمل النصب على الحال، أي حال كونه مثل رواية زهير السابق.
ويحتمل الرفع خبرًا لمقدّر، أي هو مثله. وقوله: ((سواء)) منصوب على الحال، أي
حال كون الحديثين متساويين في اللفظ، إلا في القدر المستثى، كما أشار إليه بقوله:
((إلا أنه قال: تكفّر ما بينهما))، والظاهر أن الضمير لشعبة. يعني أن شعبة قال في
روايته: ((تكفّر ما بينهما)) بدل قول زهير: ((كفّارة لما بينهما)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٤- (فَضْلُ الْحَجْ)
٢٦٢٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلُ النَّبِيِّ نَِّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولٌ
اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟، قَالَ: ((الْإِيمَانُ بِاللَّهِ)، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ))، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟، قَالَ: (ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ))).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (محمد بن رافع) القشيريّ النيسابوري، ثقة عابد [١١] ١١٤/٩٢.
٢- (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة حافظ عمي بآخره فتغير، وكان يتشيع [٩]
(١) -وفي نسخة: ((حدثنا))، وفي أخرى: ((أخبرنا)).

٣٠٧ ==
٤- (فَضْلُ الحَجّ) - حدیث رقم ٢٦٢٤
٧٧/٦١ .
٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت من كبار [٧] ١٠/ ١٠.
٤- (الزهري) محمد بن مسلم المدني الإمام الحجة [٤] ١/١ .
٥- (ابن المسيب) هو: سعيد الإمام الفقيه الحجة المدني، من كبار [٣] ٩/ ٩.
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مما قيل فيه: إنه أصخ
أسانيد أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، الزهريّ، عن
سعيد، وفيه أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وهو سعيد، وفيه أبو هريرة رضي
اللَّه تعالى عنه أكثر من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنه (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ نَّهِ) ذكر الحافظ في ((الفتح)) أنّ السائل
هو أبو ذرّ رضي اللّه تعالى عنه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فيه نظر؛ لا يخفى؛ لأن حديث أبي ذرّ رضي الله
تعالى عنه مخالف لهذا الحديث، فقد أخرج حديث أبي ذرّ رضي اللَّه تعالى عنه
الشيخان، والمصنّف، وغيرهما، ونصّ البخاريّ، في ((كتاب العتق)):
٢٥١٨ - حدثنا عبيدالله بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مُرَاوح،
عن أبي ذر تَظّيه، قال: سألت النبي وَ لزل، أي العمل أفضل؟، قال: ((إيمان بالله
، وجهاد في سبيله))، قلت: فأي الرقاب أفضل؟، قال: ((أعلاها ثمنا، وأنفسها عند
أهلها))، قلت: فإن لم أفعل؟، قال: ((تعين ضائعا، أو تصنع لأخرق))، قال: فإن لم
أفعل؟، قال: ((تدع الناس من الشر، فإنها صدقة، تصدق بها على نفسك)).
فهذا الحديث لا يصلح أن يكون مفسّرًا للمبهم الواقع في حديث أبي هريرة رضي
الله تعالى عنه هنا؛ للاختلاف الواضح بينهما، فتأمل. والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ) وفي رواية: ((أيّ العمل)) بالإفراد (أَفْضَلُ؟) أي
أكثر ثوابا عند اللَّه تعالى (قَالَ) وَ (الْإِيمَانُ بِاللَّهِ))) وفي رواية البخاريّ: («إيمان بالله
ورسوله)) بالتنكير، وكذا في الحجّ. قيل: عرّف الجهاد، دون الإيمان والحجّ؛ لأن
المعرّف بلام الجنس كالنكرة في المعنى فيوافق تنكير قسيمية. وقيل: لأن الإيمان
والحجّ لا يتكرّر وجوبهما، فناسبهما التنكير ليدلّ على الأفراد الشخصيّ، بخلاف

٣٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
الجهاد، فإنه قد يتكرّر، فعُرّف، والتعريف للكمال؛ إذ الجهاد لو أتى به مرّة مع
الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل كذا قيل.
وقد تعقّبه الحافظ في ((الفتح))، واعترضه العينيّ على عادته بما لا طائل تحته.
قال الحافظ: وقع في مسند الحارث بن أبي أسامة: ((ثم جهاد)) أي بالتنكير، فقد
ظهر من هذه الرواية أن التنكير والتعريف من تصرّف الرواة؛ لأن مخرجه واحد فطلب
الفرق في مثل هذا غير طائلة انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: وقع في رواية المصنّف بتعريف الثلاثة، فصحّ ما قاله
الحافظ رحمه الله تعالى من أن ذلك من تصرّفات الرواة، لا من لفظ الرسول وَلّ، حتى
يبحث عن نكتة التنكير والتعريف. فتفطّن. والله تعالى أعلم.
قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه تصريح بأن العمل يطلق على الإيمان، والمراد به
- والله اعلم- الإيمان الذي يُدخل به في ملة الإسلام، وهو التصديق بقلبه، والنطق
بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب، والنطق عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان هنا
الأعمال بسائر الجوارح، كالصوم، والصلاة، والحجّ، والجهاد، وغيرها؛ لكونه جُعل
قسيمًا للجهاد والحجّ؛ ولقوله وَلّى: ((إيمان بالله ورسوله))، ولا يقال هذا في الأعمال،
ولا يمنع من تسمية الأعمال المذكورة إيمانًا، فقد قدّمنا دلائله انتهى كلام النوويّ (١).
(قَالَ) الرجل السائل (ثُمَّ مَاذَا؟) كلمة ((ثمّ)) للعطف الترتيبيّ، و((ما)) مبتدأ، و((ذا))
خبره، ثم أيّ شيءٍ أفضل بعد الإيمان باللّه؟ (قَالَ) وَّرِ (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) مبتدأ
خبره محذوف، أي أفضل، يعني أن قتال الكفّار لإعلاء كلمة اللَّه أفضل الأعمال بعد
الإيمان (قَالَ) السائل أيضًا (ثُمَّ مَاذَا؟) أي ثمّ أيّ شيء أفضل بعد الجهاد في سبيل الله؟
(قَالَ) بِهِ (ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ) وفي نسخة: ((ثم حجّ مبرور)). أي أفضل من غيره.
[تنبيه]: إنما قدّم الجهاد على الحجّ مع أنه فرض كفاية، والحجّ فرض عين، لأنه
كان أول الإسلام، ومحاربةِ أعدائه، والجدِّ في إظهاره. وقيل: هو محمول على الجهاد
في وقت الزحف الملجىء، والنفير العامّ، فإنه حينئذ يجب الجهاد على الجميع، وإذا
کان هكذا فالجهاد أولی بالتحريض، والتقدیم من الحجّ؛ لأنه یکون حينئذ فرض عين،
ووقوعه فرضَ عين إذ ذاك متكرّر، فكان أهمّ منه. وقيل: قُدّم لأن نفع الجهاد متعدّ؛
لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين، مع بذل النفس فيه بخلاف الحجّ فيهما؛ لأن
نفعه قاصر، ولا يكون فيه بذل النفس. وقيل: ((ثُمّ)) ههنا للترتيب في الذكر، كقوله
(١) - (شرح صحيح مسلم)) ج٢ ص ٢٦٥.
-

٣٠٩
٤- (فَضْلُ الحَجْ) - حدیث رقم ٢٦٢٤
تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية [البلد: ١٧]، فإنه من المعلوم أنه ليس المراد
ههنا الترتيب في الفعل(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٢٤/٤ و ((الجهاد)) ٣١٣٠/١٧ و((الإيمان وشرائعه))١ / ٤٩٨٥- وفي
((الكبرى)) ٣٦٠٣/٤ و((الجهاد))٤٣٣٨/١٤ و((الإيمان وشرائعه)) ١١٧١٦/١.
وأخرجه(خ) في ((الإيمان)) ٢٦ (م) في ((الإيمان)) ٨٣ (ت) في ((الجهاد)) ١٦٥٨
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)» ٧٥٣٦ و٧٥٨٥ و٧٨٠٣ و٨٣٧٤ و٨٨٠٥ و ٩٤٠٧
(الدارمي) في ((الجهاد))٢٣٩٣. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الحج المبرور، حيث
جُعل تاليًا لدرجة الجهاد في سبيل اللَّه عزّ وجلّ (ومنها): أنه يدلّ على أن الإيمان من
جملة الأعمال، وهو داخل فيها، وهو إطلاق صحيح لغة وشرعًا (ومنها): أن الأعمال
تتفاوت في الدرجات، فأفضلها على الإطلاق الإيمان بالله تعالى (ومنها): بيان فضل
الجهاد في سبيل الله عز وجل . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في الجمع بين الأحاديث المختلفة في بيان أفضل الأعمال:
قال الإمام النوويّ رحمه اللّه تعالى: أما معاني الأحاديث وفقهها، فقد يثستَشكل
الجمع بينها، مع ما جاء في معناها، من حيث إنه جعل في حديث أبي هريرة تَطاليه أن
الأفضل الإيمان باللّه، ثم الجهاد، ثم الحجّ. وفي حديث أبي ذرّ رَّه الإيمان
والجهاد، وفي حديث ابن مسعود تظلّه الصلاة، ثم برّ الوالدين، ثم الجهاد، وفي
حديث عبد الله بن عمرو: أيّ الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على
من عرفت، ومن لم تعرف)). وفي حديث أبي موسى، وعبد الله عمرو: أيّ المسلمين
خير؟، قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)). وصحّ في حديث عثمان: ((خيركم
من تعلّم القرآن، وعلّمه))، وأمثال هذا في الصحيح كثيرة.
(١) -راجع ((المرعاة)) ج٩ص ٣٠٠-٣٠١ .

٣١٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
واختلف العلماء في الجمع بينها، فذكر الإمام الجليل أبو عبد الله الْحَلِيميّ
الشافعيّ، عن شيخه الإمام العلامة المتقن أبي بكر القفّال الشاشيّ الكبير - وهو غير
القفّال الصغير المروزيّ المذكور في كتب متأخري أصحابنا الخراسانيين، قال
الْحَليميّ: وكان القفّال أعلم من لقيته من علماء عصره- أنه جمع بينها بوجهين:
(أحدهما): أن ذلك اختلاف جواب جرى على حسب اختلاف الأحوال
والأشخاص، فإنه قد يقال: خير الأشياء كذا، ولا يراد به خير جميع الأشياء من جميع
الوجوه، وفي جميع الأحوال، والأشخاص، بل في حال دون حال، أو نحو ذلك،
واستشهد في ذلك بأخبار، منها عن ابن عبّاس رضي اللَّه تعالى عنهما، أن رسول اللَّه
وَالر قال: ((حجة لمن لم يحجّ أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حجّ أفضل من
أربعين حجة))(١).
(الوجه الثاني): أنه يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا، أو من خيرها، أو
من خيركم من فعل كذا، فحذفت ((من))، وهي مرادة، كما يقال: فلان أعقل الناس،
وأفضلهم، ويراد أنه من أعقلهم، وأفضلهم.
ومن ذلك قول رسول اللّه ◌َ له: ((خيركم خيركم لأهله))، ومعلوم أنه لا يصير بذلك
خير الناس مطلقًا، ومن ذلك قولهم: أزهد الناس في العالم جيرانه، وقد يوجد في
غيرهم من هو أزهد منهم فيه. هذا كلام القفّال رحمه الله تعالى.
وعلى هذا الوجه الثاني يكون الإيمان أفضلها مطلقًا، والباقيات متساويةٌ في كونها من
أفضل الأعمال والأحوال، ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل تدلّ عليها،
وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص.
[فإن قيل]: فقد جاء في بعض هذه الروايات أفضلها كذا، ثم كذا بحرف ((ثمّ))، وهي
موضوعة للترتيب.
١٢
[فالجواب]: أن ((ثمّ)) هنا للترتيب في الذكر، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اٌلْعَقَبَةُ
فَكُّ رَقَّبَةٍ ﴿١َ أَوْ إِطْعٌَّ فِي يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَكِ (١٤) يَتِيِمَا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةِ (١) ثُؤَّ كَانَ مِنَ
اُلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية [البلد: ١٢-١٧]، ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب في الفعل، وكما
قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَثْلُ مَا حَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً
وَلَا تَقْتُلُواْ﴾ - إلى قوله: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُوا لِلَدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١١]. ونظائر
(١) -رواه البزار من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو حديث ضعيف. راجع ضعيف
الجامع الصغير للشيخ الألباني ص٣٩٨ .

٤- (فَضْلُ الحَجّ) - حديث رقم ٢٦٢٥
٣١١ =
ذلك كثيرة، وأنشدوا فيه:
قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ثُمَّ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ
وذكر القاضي عياض في الجمع بينها وجهين:
(أحدهما): نحو الأول من الوجهين اللذين حكيناهما، قال: قيل: اختلف الجواب
لاختلاف الأحوال، فأعلم كلّ قوم بما بهم حاجة إليه، أو بما لم يكمّلوه بعدُ من دعائم
الإسلام، ولا بلغهم علمه.
(الثاني): أنه قدّم الجهاد على الحجّ؛ لأنه كان أول الإسلام، ومحاربة أعدائه،
والجدّ في إظهاره.
وذكر صاحب (التحرير)) هذا الوجه الثاني، ووجها آخر أن ((ثم)) لا تقتضي ترتيبًا،
وهذا شاذّ عند أهل العربيّة والأصول، ثم قال صاحب ((التحرير)): والصحيح أنه محمولٌ
على الجهاد وقت الزحف الملجىء، والنفير العامّ، فإنه حينئذ يجب الجهاد على
الجميع، وإذا كان هكذا، فالجهاد أولى بالتحريض، والتقديم؛ لما في الجهاد من
المصلحة العامة، مع أنه متعيّنٌ متضيّق في هذا الحال، بخلاف الحجّ. والله أعلم انتهى
کلام النوويّ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: خلاصة الجواب أنه لا اختلاف بين هذه الأحاديث؛
لإمكان الجمع بينها، إما بالحمل على اختلاف الأشخاص السائلين، والأحوال المناسبة
لهم، وإما على أن ((من)) مقدّرة في الكلام، أي من أفضل الأعمال، ولا يشكل رواية
(ثم) لأنها تأتي في الاستعمال العربيّ للترتيب الذكريّ، كالآيات السابقة. وقد تقدّم هذا
البحث في ((كتاب الصلاة)) في باب ((فضل الصلاة لوقتها)) -٦١٠/٥١- فراجعه تزدد
علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٢٥ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَثْرُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَقْدُ اللَّهِ ثَلاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
((عيسى بن إبراهيم بن مثرود(١)) الغافقيّ، أبي موسى المصريّ، ثقة، من صغار
[١٠]٨١٩/٣١ فإنه ممن انفرد به هو وأبو داود.
و((ابن وهب)): هو عبد الله الحافظ الفقيه الحجة المصريّ [٩] ٩/٩.
(١) -بفتح الميم، وسكون الثاء الثلّثة، بعدها راء، آخره دال مهملة.

٣١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
و((مَخْرَمة)): هو ابن بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، صدوق [٧] ٤٣٨/٢٨.
و ((بُكير بن عبد الله بن الأشجّ)) المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] ٢١١/١٣٥. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال (رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَقْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ) مبتدأ
وخبره، و ((الوفد) -بفتح، فسکون-قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: قد تكرّر ذكر الوفد
في الحديث، وهم القوم يجتمعون، ويَرِدون البلاد، واحدهم وافدٌ، وكذلك يقصدون
الأمراء لزيارة، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك، تقول: وَفَدَ يَقِد، فهو وافد، وأوفدته،
فَوَفَدَ، وأوفَدَ على الشيء، فهو مُوفِدٌ: إذا أشرف انتهى(١). وفي ((الصحاح)) وَفَد فلان
على الأمير: أي ورد رسولًا، فهو وافد، والجمع وَفْدٌ، مثلُ صاحب وصَخْب. وفي
((المصباح)): وَفَد على القوم وَفْدًا، من باب وَعَد، ووُفُودًا، فهو وافد، وقد يُجمع على
وُفّاد، ووُفّد، وعلى وَقْد، مثلُ صاحب وصَحْب. ومنه الحاجّ وَفد الله، وجمع الوَقْدِ
أَوفاد، ووُفُود انتھی.
قال السنديّ رحمه الله تعالى: فالمعنى السائرون إلى اللَّه تعالى القادمون عليه من
المسافرين ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين لاختصاص السفر بهم
عادةً، والحديث إما بعد انقطاع الهجرة، أو قبلها، لكن ترك ذكرها لعدم دوامها،
والسفرُ للعلم لا يطول غالبًا، فلم يُذكَر، والسفر إلى المساجد الثلاثة المذكورة في
حديث: ((لا تُشدّ الرحال، إلا إلى ثلاثة مساجد)) ليس بمثابة السفر إلى الحجّ ونحوه،
فتُرك. ويحتمل أن لا يراد بالعدد الحصر. والله تعالى أعلم انتهى(٢).
(الْغَازِي) بدل من ((ثلاثة))، ويجوز قطعه بتقدير مبتدإ، أو فعل، وكذا قوله (وَالْحَاجُّ،
وَالْمُعْتَمِرُ) وفيه فضل هؤلاء الثلاثة، وتشبيههم بالوفد الذين يَقدَمون على الملوك
والأمراء، فيُتحفونهم بالجوائز العظيمة، والعطيّات الجسيمة، فالله سبحانه، وتعالى
أولى وأكرم، فيكرم هؤلاء الثلاثة بكرامة ليس بعدها كرامة، بجنّات عدن، فيها ما
تشتهيه الأنفس، وتلذّ الأعين، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على
قلب بشر، فهم الفائزن الفوز الأبديّ، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ
اُلْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥]، وقال:
(١) - ((النهاية)) ج٥ ص٢٠٩.
(٢) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص١١٢ .

٣١٣
٤- (فَضْلُ الحَجْ) - حديث رقم ٢٦٢٦
◌َ لَا يَشَّمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
فِي مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِّدُونَ (٦َ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اُلْأَكْبَرُ وَنَذَلَقَّئُهُمُ الْمَلَتَبِكَةُ هَئِذَا
يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنياء: ١٠١-١٠٣]. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح،
وهو من أفراد المصنّف رحمه اللَّه تعالى، أخرجه هنا- ٢٦٢٥/٤ وفي ((الجهاد)) ١٣/
٣١٢١- وفي ((الكبرى)) ٣٦٠٤/٤ وفي ((الجهاد))٤٣٢٩/١١. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٢٦ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكِم، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنٍ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((جِهَادُ الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ، وَالضَّعِيفِ،
وَالْمَزْأَةِ، الْحَجِّ وَالْعُمْرَةُ»).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
من أفراده، وهو مصريّ ثقة فقيه. و((شعيب)): هو ابن الليث بن سعد، شيخِهِ هنا.
و((خالد)): هو ابن يزيد الجمحيّ المصريّ الثقة. و((ابن أبي هلال)): هو سعيد المصريّ
الثقة. ويزيد بن عبد الله)): هو ابن الهاد المدنيّ الثقة. فأول السند مصريّون إلى ابن أبي
هلال، ومن بعده مدنيّون، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وكلهم
مدنيون: يزيد، ومحمد بن إبراهيم، وأبو سلمة، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على
بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه أحد المكثرين السبعة، وقد تقدم كلّ
هذا غير مرّة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه (عَنْ) وفي نسخة: ((أن)) (رَسُولِ اللَّهِ وَةِ) أنه
(قَالَ: ((جِهَادُ الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ) سقط من ((الكبرى)) لفظ ((الصغير)) (وَالضَّعِيفِ،
وَالْمَزْأَةِ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) أي هما بمنزلة الجهاد لفاعلهما، وكلّ هؤلاء المذكورين يمكن
لهم الوصول إليهما، بخلاف الجهاد، فإنه شاقّ عليهم. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا إسناده
صحيح، وهو من أفراد المصنّف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا-
٤٢٦٢٦ - وفي ((الكبرى)) ٣٦٠٥/٤. وأخرجه أحمد في باقي ((مسند المكثرين)) ٩١٦٣.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

٣١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
٢٦٢٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمَّارِ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَزْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ -وَهُوَ
ابْنُ عِيَاضٍ- عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (مَنْ
حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (أبو عمار الحسين بن حريث) الخزاعي مولاهم المروزي، ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢.
٢- (الفضيل بن عياض) بن مسعود التيمي، أبو علي الزاهد المشهور، خراساني
الأصل، وسكن مكة، ثقة عابد إمام [٨] ٣٨٨/٢١.
٣- (منصور) بن المعتمر السلمي، أبو عَتَّب الكوفي، ثقة ثبت [٦] ٢/٢.
٤- (أبو حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقة [٣] ١٤٩/١١٠.
٥- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وإن رجاله كلهم رجال
الصحيح، وأن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة، وكلها من صيغ الإتصال على الأصح
في ((عن)) من غير المدلس، وفيه أبو هريرة ◌َّه أحفظ من روى الحديث في دهره.
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى: صرّح منصور بسماعه له عن أبي حازم في
رواية شعبة، فانتفى بذلك تعليل من أعلّه بالاختلاف على منصور؛ لأن البيهقيّ أورده
من طريق إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي حازم، زاد فيه
رجلًا، فإن كان إبراهيم حفظه، فلعلّه حمله منصور عن هلال، ثمّ لقي أبا حازم،
فسمعه منه، فحدّث به على الوجهين، وصرّح أبو حازم بسماعه له من أبي هريرة عند
البخاريّ من طريق شعبة. انتهى (١). والله تعلى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: ((مَنْ حَجَّ هَذَا
الْبَيْتَ) في رواية البخاريّ من طريق سيّار، عن أبي حازم: ((من حجّ لله)). أي لابتغاء
وجه الله تعالى، والمراد به الإخلاص.
ولمسلم من طريق ابن جرير، عن منصور: ((من أتى هذا البيت))، وهو يشمل الحجّ
(١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص٤٨٨ .
-

٣١٥ ==
٤- (فَضْلُ الحَجّ) - حدیث رقم ٢٦٢٧
والعمرة، وقد أخرجه الدار قطنيّ من طريق الأعمش، عن أبي حازم، بلفظ: ((من حجّ،
أو اعتمر))، لكن في الإسناد إلى الأعمش ضعف. قاله في ((الفتح))(١). وقال في موضع
آخر: ويجوز حمل لفظ ((حجّ)) على ما هو أعمّ من الحجّ والعمرة، فتساوي رواية ((من
أتى)) من حيث إن الغالب أن إتيانه إنما هو للحجّ، أو العمرة انتهى(٢) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا تساوي بين الحجّ والعمرة في
هذا الفضل، فالأولى حمل رواية ((من أتى)) على رواية ((من حجّ))، فيكون المعنى: من
أتى هذا البيت للحجّ، والدليل على ذلك التفريق الذي تقدّم في حديث: ((العمرةُ إلى
العمرة كفّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))، فهذا التفريق يرشد
إلى زيادة فضل الحجّ على العمرة. والله تعالى أعلم.
(فَلَمْ يَرْفُثْ) بتثليث الفاء في الماضي، والضمّ، والفتح في المضارع. والرفث:
الجماع، ويُطلق على التعريض به، وعلى الفحش من القول. وقال الأزهريّ: الرفث
اسم جامع لكلّ ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر(٣) يخصّه بما خوطب به
النساء. وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة:
١٩٣]، والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعمّ من ذلك، وإليه نحا
القرطبيّ، وهو المراد بقوله في ((الصيام)): ((فإذا كان صوم أحدكم، فلا يرفث))
انتھی (٤).
وفي ((المصباح)): رَفَث في منطقه رَفْئًا، من باب طلب، ويَزْفِث بالكسر لغة: أفحش
فيه، أو صرّح بما يكنى عنه من ذكر النكاح، وأرفث بالألف لغة، والرفث: النكاح،
فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ﴾ المراد الجماع، وقوله تعالى: ﴿فَلَاَ
رَفَثَ﴾ قيل: فلا جماع. وقيل: فلا فُحش من القول. وقيل: الرفث يكون في الفرج
بالجماع، وفي العين بالغمز للجماع، وفي اللسان للمواعدة به انتهى.
وفي ((القاموس)): الرفَتُ محرّكةً: الجماع، والفحش، كالرُّفُوث، وكلام النساء في
الجماع، أو ما وُوجِهِنَ به من الفحش. وقد رفث، كنَصَر، وفَرِحَ، وكَرُم، وأرفث
انتھی .
(١) - ((فتح)) ج٤ ص١٥٨ .
(٢) - ((فتح)) ج٤ ص ٤٨٨ .
(٣) -وفي شرح النووي على مسلم ج٩ ص١٢٣: وكان ابن عبّاس. فليحرّر.
(٤) - ((الفتح)) ج ٤ ص ١٥٨ .

٣١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
فيستفاد من عبارة ((القاموس)) أن ماضيه مثلث العين، ومضارعه فيه الضمّ، والفتح
فقط،. فقول الحافظ في ((الفتح)): فاء الرفث مثلثة في الماضي والمضارع، والأفصح
الفتح في الماضي، والضمّ في المستقبل، يحتاج إلى نظر. والله تعالى أعلم.
(وَلَمْ يَفْسُقْ) أي لم يأت بسيّئة، ولا معصية. وأغرب ابن الأعرابيّ، فقال: إن لفظ
الفسق لم يسمع في الجاهليّة، ولا في أشعارهم، وإنما هو إسلاميّ. وتُعُقّب بأنه كثُر
استعماله في القرآن، وحكايته عمن قبل الإسلام. وقال غيره: أصله انفسقت الرُّطَبَة:
إذا خرجت، فسمي الخارج عن الطاعة فاسقًا. قاله في ((الفتح))(١).
وقال في ((القاموس)): الفِسْق بالكسر: الترك لأمر الله تعالى، والعصيان، والخروج
عن طريق الحقّ، أو الفجور، كالفسوق، فسق، كنصر، وضرب، وكرم، فِسقًا،
وفسوقًا، وإنه لفسق: خروج عن الحقّ، وفَسَقَ عن أمر ربّه: جار، والرُّطَبَة عن قشرها:
خرجت، كانفسقت. قيل: ومنه الفاسق؛ لانسلاحه عن الخير، والفويسقة: الفأرة؛
لخروجها من جُخرها على الناس انتهى (٢).
وإنما صرّح بنفي الفسق في الحجّ، مع كونه ممنوعًا في كلّ حال، وفي كلّ حین؛
لزيادة التقبيح، والتشنيع، ولزيادة تأكيد النهي عنه في الحجّ، وللتنبيه على أن الحجّ أبعد
الأعمال عن الفسق. والله تعالى أعلم.
(رَجَعَ) أي صار، أو رجع من ذنوبه، أو حجته، أو فرغ من أعمال الحجّ، وحَملُهُ
على معنى رجع إلى بيته بعيد. قاله السنديّ (كَمَا وَلَدَتْهُ أَمُّهُ) ((ما)» مصدريّة، فيكون
المعنى على حذف مضاف، أي كحال ولادة أمه له، يعني أنه لا شيء عليه من الذنوب.
وفي نسخة: ((كيوم ولدته أمه)). وفي رواية أحمد، والدارقطنيّ: ((رجع كهيئته يوم
ولدته أمه)). أي بغير ذنب مشابها لنفسه يوم ولدته أمه، إذ لا معنى لتشبيه الشخص
باليوم. أفاده السنديّ.
وظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، والتَِّعَات، وهو من أقوى الشواهد لحديث
العبّاس بن مِزْداس المصرّح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر في ((تفسير الطبريّ)).
وإليه ذهب القرطبيّ، وعياضٌ، لكن قال الطبريّ: هو محمول بالنسبة إلى المظالم على
من تاب، وعجز عن وفائها.
وقوله: ((فلم يرفث))، والواو في قوله: ((ولم يفسق)) عطف على الشرط في قوله:
((من حجّ))، وجوابه ((رجع))، والجارّ والمجرور خبر له. ويحتمل أن يكون حالًا، أي
(١) - ((الفتح) ج ٤ ص١٥٨.
(٢) -راجع ((القاموس)) في مادّة فسق.

٤- (فَضْلُ الحَجّ) - حدیث رقم ٢٦٢٨
٣١٧ ==
صار مشابها لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه.
وقوله: ((كيوم ولدته)) يجوز بناء (يوم)) على الفتح؛ لإضافته إلى جملة، ويجوز
إعرابه، فيكون مجرورًا بالكسرة، كما قال ابن مالك في ((خلاصته)) :
وَابْنِ أَوَ اغْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيَا وَاخْتَرْ بِنَا مَثْلُوْ فِعْلٍ بُنِيَا
أَغْرِبْ وَمَنْ بَتَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا
قال الحافظ: وذكر لنا بعض الناس أن الطيبيّ أفاد أن الحديث إنما لم يُذكر فيه
الجدال كما ذُكر في الآية على طريقة الاكتفاء بذكر البعض، وترك ما دلّ عليه ما ذُكر.
ويحتمل أن يقال: إن ذلك يختلف بالقصد؛ لأن وجوده لا يؤثّر في ترك مغفرة ذنوب
الحاجّ إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحجّ فيما يظهر من الأدلّة، أو المجادلة
بطريق التعميم، فلا يؤثّر أيضًا، فإن الفاحش منها داخل في عموم الرفث، والحسن منها
ظاهر في عدم التأثير، والمستوي الطرفين لا يؤثّر أيضًا انتهى (١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٤٢٦٢٧ - وفي ((الكبرى)) ٣٦٠٦/٤. وأخرجه (خ) في ((الحج))
١٥٢١ و١٨١٩ و١٨٢٠ (م) ١٣٥٠ (ت) في ((الحجّ)) ٨١١ (ق) في ((المناسك)) ٢٨٨٩
(أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧٠٩٦ و٧٣٣٤ و٩٠٥٦ و٩٩٠٤ و١٠٠٣٧
(الدارمي) في ((المناسك))١٧٩٦ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الحجّ (ومنها): أن الحجّ
المستوفي للشروط المذكورة في هذا الحديث مكفّرٌ للذنوب، كبائرها، وصغائرها
(ومنها): أن الفسوق، وإن كانت ممنوعة في جميع حالات العبد ، إلا أن ذلك يتأكّد في حالة
الحجّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٢٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبِأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَبِيبٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي
عَمْرَةَ- عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ الْمُؤَمِنِينَ عَائِشَةُ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا
(١) - ((الفتح)) ج٤ ص١٥٨ .

٣١٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَخْرُجُ، فَتُجَاهِدَ مَعَكَ؟، فَإِنِّي لَا أَرَى عَمَلًا فِي الْقُرْآنِ، أَفْضَلَ مِنَ
الْجِهَادِ، قَالَ: ((لَا وَلَكُنَّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ، وَأَجَلُهُ حَجُّ الْبَيْتِ، حَجِّ مَبْرُورٌ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت إمام [١٠]
٢/ ٢ .
٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، أبو عبد اللَّه الكوفي، نزيل الري
وقاضيها، ثقة ثبت صحيح الكتاب [٨] ٢/٢.
٣- (حبيب بن أبي عمرة) القَصّاب ، بيّاع القصب، ويقال: اللخّام، أبي عبد الله
الْحِمّانيّ -بكسر المهملة- مولاهم، الكوفيّ، ثقة [٦].
قال يحيى بن المغيرة الرازيّ، عن جرير بن عبد الحميد: كان ثقة، وكان من
اللحامين. وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أحمد: شيخٌ ثقة. وقال أبو حاتم:
صالح. وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.
وقال البخاريّ، عن علي: له نحو خمسة عشر حديثًا. مات سنة (١٤٢). روى له
الجماعة، سوى أبي داود، فروى له في ((الناسخ والمنسوخ)). وله في هذا الكتاب أربعة
أحادیث فقط برقم ٢٦٢٨ و٥٥٤٨ وأعاده برقم ٥٥٤٩ وحديث ٥٥٥٩ وحديث ٥٥٧٥
وأعاده برقم ٥٥٧٦ .
٤- (عائشة بنت طلحة) بن عبيد اللَّه التمية، عمران، كانت فائقة الجمال، ثقة [٣]
١٩٤٧/٥٦ .
٥- (عائشة أم المؤمنين) رضي اللّه تعالى عنها ٥٠/٥ والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ◌َخْدَثُ، وأن رجاله رجال الجماعة، وفيه عائشة
رَّتها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ) بن عبيد اللّه التيميّة أنها (قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ) رضي
اللَّه تعالى عنها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَخْرُجُ) أي إلى الجهاد (فَتُجَاهِدَ مَعَكَ؟)
بالنصب بـ((أن)) مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية في جواب العرض، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ نَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَخْضَيْنِ (أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
(فَإِنِّي لَا أَرَى عَمَلًا فِي الْقُرْآنِ، أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ) أي لكثرة ما يُذكر فيه من الثواب

٣١٩
٤- (فَضْلُ الْحَج) - حديث رقم ٢٦٢٨
(قَالَ) وَلّ (لَا) أي لا تخرجن معي إلى الجهاد، وإن كان فضله أكثر من غيره من
الأعمال؛ لأن ذلك في حقّ الرجال، لا في حقّكنّ.
(وَلَكُنَّ أَفضلُ الْجِهَادِ) وفي نسخة: ((أحسن الجهاد)). قال في ((الفتح)): اختلف في
ضبط ((لكن))، فالأكثر بضم الكاف خطابًا للنسوة. قال القابسيّ: وهو الذي تميل إليه
نفسي. وفي رواية الحمّويّ: (لَكِن)) بكسر الكاف، وزيادة ألف قبلها، بلفظ
الاستدراك، والأول أكثر فائدة؛ لأنه يشتمل على إثبات فضل الحجّ، وعلى جواب
سؤالها عن الجهاد، وسمّاه جهادًا؛ لما فيه من مجاهدة النفس.
فقوله: (لكنّ)) على الأول جار ومجرور خبر مقدّم، و((أفضل الجهاد)) مبتدأ مؤخّر،
و(أجمله) عطف عليه، وعلى الثاني فهو بتخفيف النون، أو تشديدها حرف استدراك،
و((أفضل)) مبتدأ خبره قوله (حَجُّ الْبَيْتِ) وقوله (حَجِّ مَبْرُورٌ) بدل منه.
والحديث أخرجه البخاريُّ بألفاظ، ففي ((باب جهاد النساء))، من ((كتاب الجهاد
والسير)): قالت استأذنت النبيّ وَ ل في الجهاد، فقال: ((جهادكنّ الحجّ)). وفي رواية له في
الباب المذكور: سأله أزواجه عن الجهاد؟، فقال: ((نعم الجهاد الحج)). ورواه في ((باب
فضل الحجّ المبرور)) من أوائل ((كتاب الحجّ))، وأول ((الجهاد)) بلفظ: قالت: يا رسول
اللَّه نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: ((لكن أفضل الجهاد حج مبرور))،
ورواه بنحوه أيضًا في ((باب حجّ النساء))، وزاد: ((فقالت عائشة: فلا أدع الحجّ بعد إذ
سمعت هذا من رسول اللَّه مَل﴿). وراه ابن ماجه بلفظ: قلت: يا رسول اللّه على النساء
جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه، الحجّ والعمرة)). وفي رواية للبيهقيّ: قالت:
استأذنه نساؤه في الجهاد، فقال ◌َالتر: ((يكفيكنّ الحجّ، أو جهادكنّ الحج)).
قال ابن بطال: دلّ حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء، وأنهنّ غير
داخلات في قوله تعالى: ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، وهو إجماع، ولكن ليس
في قوله: ((جهادكنّ الحجّ)) أنه ليس لهنّ أن يتطوّعن بالجهاد، وإنما فيه أن الحجّ أفضل
لهنّ، وإنما لم يكن الجهاد عليهنّ واجبًا؛ لما فيه من مغايرة المطلوب منهنّ من الستر،
ومجانبة الرجال، والحجُ يمكنهنّ فيه مجانبة الرجال، والاستتار، فلذلك كان الحجّ
أفضل لهنّ من الجهاد.
قال: وزعم بعض من ينتقص عائشة في قصّة الجمل أن قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾
[الأحزاب: ٣٣] يقتضي تحريم السفر عليهنّ. قال: وهذا الحديث يردّ عليهم؛ لأنه قال:
((لكن أفضل الجهاد»، فدلّ على أن لهنّ جهادًا غير الحجّ، والحج أفضل منه انتهى.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ((لا)) في جواب قولهنّ ((ألا نخرج،
فنجاهد معك؟)) أي ليس واجبًا عليكنّ، كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه

٣٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجْ
عليهنّ، فقد ثبت في حديث أم عطيّة أنهنّ كنّ يخرجن، فيداوين الجرحى.
وفهمت عائشة، ومن وافقها من هذا الترغيب في الحجّ إباحة تكريره كما أبيح
للرجال تكرير الجهاد، وخصّ به عموم قوله في حديث أبي واقد عند أحمد، وأبي
داود، وغيرهما: ((هذه، ثم ظهور الحُصُر))، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وكان
عمر متوقّفًا في ذلك، ثم ظهر له قوّة دليلها، فأذن لهنّ في آخر خلافته، ثم كان عثمان
بعدُ يحجّ بهنّ في خلافته أيضًا، وقد وقف بعضهنّ عند ظاهر النهي. (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث أبي واقد الليثيّ المشار إليه أخرجه أحمد،
وغيره، ونصه عند أحمد:
حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن واقد بن أبي
واقد الليثي، عن أبيه، أن النبي ◌َِّ، قال لنسائه، في حجته: ((هذه، ثم ظُهُور الْحُصُر))(٢).
وأخرجه أيضًا من طريق صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه وَلقتله،
قال لنسائه، عام حجة الوداع: ((هذه، ثم ظهور الحصر))، قال: فكن كلهن يحججن،
إلا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، وكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة، بعد أن
سمعنا ذلك من النبي ◌َّله. وفي رواية: قالتا: والله لا تحركنا دابة، بعد قول رسول الله
وَالقر: ((هذه، ثم ظهور الحصر)) انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا ٢٦٢٨/٤ - وفي ((الكبرى)) ٣٦٠٧/٤. وأخرجه (خ) في ((الحجّ)) ١٥٢٠
و١٨٦١ (ق) في ((المناسك)) ٢٩٠١ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(ومنها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الحجّ (ومنها): أن الحجّ
للنساء أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى (ومنها): ما قاله البيهقيّ رحمه اللّه تعالى: هذا
دليل على أن المراد بحيث أبي واقد رضي اللّه تعالى عنه - يعني قوله: ((هذه، ثم ظهور
الحصر))- وجوب الحجّ عليهنّ مرّة واحدة كما بيّن وجوبه على الرجال مرّة، لا المنع من
(١) - «فتح» ج٤ ص ٥٥٥-٥٥٦ .
(٢) حديث حسن.