Indexed OCR Text

Pages 221-240

٩٤- (مَنْ آَتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالاَ مِنْ ... - حديث رقم ٢٦٠٥
٢٢١ =
١٥/ ١٣٩٢ .
٥- (حُويطب بن عبد العزّى) بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن
عامر بن لؤيّ العامريّ، أبو محمد، ويقال: أبو الأصبغ، مكيّ من مسلمة الفتح، وشهد
حُنينًا، وكان من المؤلّفة، وجدّد أنصاب الحرم في عهد عمر.
روى عن عبد الله بن السعديّ. وعنه السائب بن يزيد، وابنه أبو سفيان بن حُويطب،
وعبد الله بن بريدة، وغيرهم. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: لا أحفظ عنه، عن النبيّ
وَلجر شيئًا ثابتًا. وقال الزبير بن بكّار: هو الذي افتدت أمه يمينه. وقال أحمد: بلغني عن
الشافعيّ، قال: كان حويطب حَميد الإسلام(١).
وقال الواقديّ: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد الله بن أبي بكر بن
حزم: وكان حويطب يقول: انصرفت من صلح الحديبية، وأنا مستيقن أن محمدًا وَلـ
سيظهر، فذكر قصّة طويلة. وروى ابن سعد في ((الطبقات)) من طريق المنذر بن جَهم
وغيره، عن حويطب، قال: لما دخل رسول اللّه وَليهِ مكّة خِفْتُ خوفًا شديدًا، فذكر
قصّة طويلة، فَفَرَّقْتُ أهلي بحيث يأمنون، وانتهيت إلى حائط عوف، فأقمت فيه، فإذا
بأبي ذرّ، وكانت لي به معرفة - والمعرفة أبداً نافعة- فسلمت عليه، فذكرت له، فقال:
اجمع عيالك، وأنت آمن، وذهب إلى رسول اللّه وَ له، فأخبره، فاطمأننتُ، فقال لي أبو
ذرّ: حتى متى يا أبا محمد، قد سُبِقتَ، وفاتك خير كثير، ورسول اللَّه ◌َل أبرّ الناس،
وأحلم الناس، وشرفه شرفك، وعزّه عزّك، فقلت: أنا أخرج معك، فقال: إذا رأيته،
فقل: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله، فقلتها، فقال: ((وعليك السلام))، فتشهدتُ،
فسُرّ بذلك، وقال: ((الحمد لله الذي هداك))، قال: واستقرضني مالًا، فأقرضته أربعين
ألفًا، وشهدتُ معه حُنينًا، وأعطاني من الغنائم، ثم قدم حُويطب المدينة، فنزلها إلى أن
مات، وباع داره بمكة من معاوية بأربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض الناس، فقال
حويطب: وما هي لمن عنده خمس من العيال؟. وروى عبد الرزاق من طريق أبي نَجِيح،
عن حويطب: أن امرأة جذبت أمتها، وقد عاذت منها بالبيت، فشُلّت يدها، فلقد جاء
الإسلام، وإن يدها شلّاء. ورواه الطبرانيّ من وجه آخر من طريق ابن أبي نجيح، عن أبيه،
عن حُويطب، لكن قال: إن العائذة امرأة، وإن الذي جذبها زوجها(٢).
قال الواقديّ: كان قد بلغ عشرين ومائة سنة، ستين في الإسلام، وستين في
الجاهليّة. قال خليفة: مات سنة (٥٤).
(١) -راجه ((تهذيب التهذيب)) ج١ ص ٥٠٧ .
(٢) - راجع ((الإصابة ((ج٢ ص ٣٠٤-٣٠٥ .

٢٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وذكر في ((الفتح)) أنه كان من أعيان قريش، وأسلم في االفتح، وكان حَمِيد الإسلام،
وكانت وفاته بالمدينة سنة (٥٤) من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وهو ممن
أُطلق عليه أنه عاش ستين في الجاهليّة، وستين في الإسلام تجوّزًا، ولا يتمّ ذلك تحقيقًا؛
لأنه إن أريد بزمان الإسلام أول البعثة، فيكون عاش سبعًا وستين، أو الهجرة، فيكون
عاش فيه أربعًا وخمسين، أو زمن إسلامه هو، فيكون ستًّا وأربعين، والأول أقرب إلى
الإطلاق على طريقة جبر الكسر تارةً، وإلغائه أخرى انتهى(١).
روى له الشيخان، والنسائيّ حديث الباب فقط (٢).
٦- (عبد الله بن السعدي) هو ابن الساعدي المذكور في السند الماضي.
٧- (عمر بن الخطاب) رضي اللّه تعالى عنه تقدم في. ٦/ ٧٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى؛ ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من
الزهري، والباقيان مكيان. ومنها: أنه اجتمع فيه أربعة من الصحابة، يروي بعضهم عن
بعض: السائب، وحويطب، وابن السعديّ، وعمر رضي اللّه تعالى عنهم. وقد ذكر
بعضهم السند المذكور في بيتين، فقال [من البسيط]:
وَفِي الْعُمَالَةِ إِسْنَادٌ بِأَرْبَعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ عَنْهُمُ ظَهَرَا
السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُوَّيْطِبٍ عَبْ بِدُ اللَّهِ حَدَّثَهُ بِذَاكَ عَنْ عُمَرًا(٣)
[تنبيه]: وقع للإمام مسلم رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه))، في هذا الإسناد خطأ،
حيث أخرجه بسنده عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن عبد الله بن السعديّ،
عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه، فأسقط حويطبًا.
قال النوويّ في ((شرحه): واعلم أن هذا الحديث مما استُدرك على مسلم، قال
القاضي عياض: قال أبو عليّ بن السكن: بين السائب بن يزيد، وعبد الله بن السعديّ
رجلٌ، وهو حُويطب بن عبد العزى، قال النسائيّ: لم يسمعه السائب من ابن السعديّ،
بل إنما رواه عن حويطب عنه. وقال غيره: هو محفوظ من طريق عمرو بن الحارث،
رواه أصحاب شُعيب، والزبيديّ، وغيرهما، عن الزهريّ، قال: أخبرني السائب بن
يزيد أن حويطبًا أخبره أن عبد الله بن السعديّ أخبره، أن عمر أخبره. وكذلك رواه
(١) -راجع ((الفتح)) ج١٥ ص٥٢ .
(٢) - ((تهذيب التهذيب)) ج١ ص ٥٠٧ .
(٣) - ((الفتح)) ج١٥ ص ٥٤- ٥٥ .

٩٤- (مَنْ آَتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالاً مِنْ ... - حديث رقم ٢٦٠٥
٢٢٣ =
يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب. هذا كلام القاضي.
قال: وقد رواه النسائيّ في ((سننه)) كما ذكر عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن
السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر رضي اللّه تعالى عنه . -يعني السند
المذكور هنا - .
قال: ورويناه عن الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ في كتابه ((الرباعيّات))، قال: وقد رواه
هكذا عن الزهريّ: محمدُ بن الوليد الزبيديّ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصيّان،
وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد الأيليان، وعمرو بن الحارث المصريّ، والحكم بن
نافع الحمصيّ، ثم ذكر طرقهم بأسانيدها مطوّلةً مطرّقة، كلهم عن الزهريّ، عن
السائب، عن حُويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. وكذا رواه البخاريّ من طريق
شعيب. قال عبد القادر: ورواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، فأسقط حويطبًا. ورواه
معمر، عن الزهريّ، واختلف عنه فيه، فرواه عنه سفيان بن عيينة، وموسى بن أعين،
كما رواه الجماعة، عن الزهريّ. ورواه ابن المبارك، عن معمر، فأسقط حويطبًا، كما
رواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ. ورواه عبد الرزّاق، عن معمر، فأسقط حويطبًا،
وابن السعديّ. ثم ذكر الحافظ عبد القادر طرقهم كذلك. قال: فهذا ما انتهى من طرق
هذا الحديث. قال: والصحيح ما اتفق عليه الجماعة -يعني عن الزهريّ، عن السائب،
عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. انتهى كلام النوويّ(١).
قال الحافظ: ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وَهَمًا منه، أو من
شيخه، وإلا فذِكْرُه ثابت من رواية غيره كما تقدّم، والله أعلم. انتهى (٢).
شرح الحديث
(عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) زاد في رواية البخاريّ: ((ابن أخت نَمِر)) -أي بفتح النون،
وكسر الميم، بعدها راء- صحابيّ أدرك من زمن النبيّ وَلّ ست سنين، وحفظ عنه،
وهو من أواخر الصحابة موتًا، وآخر من مات منهم بالمدينة. وقيل: محمود بن الربيع.
وقيل: محمود بن لَبِيد. وتقدمت ترجمته في ١٥/ ١٣٩٢ - (عَنْ حُوَيْطِبٍ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى)
رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّغْدِيِّ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ
قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) زاد في رواية شعيب: ((في خلافته)) (مِنَ
الشَّامِ، فَقَالَ: أَلَّمْ أَخْبَزْ) وفي رواية الزبيديّ: ((ألم أَحدَّث)).
(١) - ((شرح صحيح مسلم)) ج٧ ص١٣٦ - ١٣٧.
(٢) - «الفتح» ج١٥ ص٥٥ .

٢٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: [فإن قلت]: تقدم في رواية بُسْر بن سعيد أن عمر هو
الذي استعمله، ولفظه: ((استعملني عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه على الصدقة،
فلما فرغت منها، فأذيتها إليه، أمر لي بعُمالة، فقلت له: إنما عَملت لله عزّ
وجلّ ... ))، فكيف يُجمع بينه، وبين قوله هنا: ((ألم أُخبر))؟.
[قلت]: يجاب عنه - والله تعالى أعلم- بأنّ عمر هو الذي استعمله على الشام لجمع
الصدقات، فلما جمعها، وقدم بها عليه، أمر له أن يُعطَى عُمالته، فلم يقبلها، فأُخبر
بذلك عمر رضي الله تعالى عنه، فاستدعاه، فقال له: ألم أخبر الخ . والله تعالى
أعلم.
(أَنَّكَ تَعْمَلُ عَلَى عَمَلِ، مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ) قد تبيّن من رواية بُسْر بن سعيد
المذكورة نوع العمل الذي تولّاه، وهو السعي على الصدقة (فَتُعْطَى عَلَيْهِ عُمَالَةً) -بضمّ
العين المهملة، وتخفيف الميم- اسم لأجرة العمل، وأما العَمَالة - بفتح العين- فهي
نفس العمل (فَلَا تَقْبَلُهَا؟) وفي رواية الزبيديّ الآتية: ((رددتها)). وفي رواية شعيب الآتية:
((كرهتها)) (قَالَ) ابن السعديّ (أَجَلْ) بفتحتين، كـ(نعم)) وزنًا ومعنَى. وفي الرواية الآتية:
((قلت: بلى)). زاد في الرواية الآتية: ((فما تريد إلى ذلك؟))، أي ما غاية قصدك بهذا
الرد؟، فبيّن قصده بقوله (إِنَّ لِي أَفْرَاسَا، وَأَعْبُدًا، وَأَنَا بِخَيْرٍ) والأفراس بالفاء جمع فرس،
والأعبد بالباء الموحدة جمع عبد. قال الحافظ: وللكشميهنيّ ((أعتُد)) - بمثناة بدل
الموحّدة، جمع عَتيد، وهو المال المدخر. ووقع عند ابن حبّان في «صحيحه)) من طريق
قبيصة بن ذؤيب أن عمر أعطى ابن السعديّ ألف دينار، فذكر بقيّة الحديث نحو الذي
هنا. ورويناه في الجزء الثالث من ((فوائد أبي بكر النيسابوريّ)) الزيادات من طريق عطاء
الخراسانيّ، عن عبد الله بن السعديّ، قال: قدمت على عمر، فأرسل إليّ ألف دينار،
فرددتها، وقلت: أنا عنها غنيّ))، فذكره أيضًا بنحوه، واستفيد منه قدر العمال المذكورة
انتهى كلام الحافظ (١).
(وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) أراد ابن السعديّ رضي اللَّه تعالى عنه
بهذا بيان سبب تركه قبول العُمَالة، وذلك كونه غير محتاج إليها، وإرادته التصدّق بها
على المسلمين.
(فَقَالَ عُمَرُ رَّهِ: إِنِّي أَرَدْتُ) بضم التاء على التكلّم (الَّذِي أَرَدْتَ) بفتح التاء على
الخطاب (وَكَانَ النَّبِيُّ وََّ، يُعْطِينِي الْمَالَ) وفي الرواية الآتية: ((يعطني العطاء))
(١) - ((الفتح)) ج١٥ ص ٥٣ .
-

٢٢٥ ==
٩٤- (مَنْ آتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالاَ مِنْ ... - حديث رقم ٢٦٠٥
و((العطاء)): هو المال الذي يقسمه الإمام في المصالح.
ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم: («فإني عملت على عهد رسول اللّه وَلَتِه
فَعَمَّلني، فقلت مثل ذلك)). فقوله: ((عَمّلني)) - بتشديد الميم، أي أعطاني أجرة عملي.
(فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) قال الكرمانيّ: جاز الفصل بين أفعل التفضيل،
وبين كلمة ((من)) لأن الفاصل ليس أجنبيًّا، بل هو ألصق به من الصلة؛ لأنه يحتاج إليه
بحسب جوهر اللفظ، والصلة محتاجٌ إليها بحسب الصيغة انتهى.
(وَإِنَّةُ ) ◌َِ (أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَخْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ) ◌ِِّ ())مَا
آتَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ هَذَا الْمَالِ، مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ) أي من غير طلب منك له.
قال النوويّ: فيه النهي عن السؤال. وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة.
واختلف في مسألة القادر على الكسب، والأصح التحريم. وقيل: يباح بثلاثة شروط:
أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلحَ في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقد شرط من هذه
الشروط، فهي حرام بالاتفاق انتهى. وقد تقدم تمام البحث في هذه المسألة قريبًا،
وبالله تعالى التوفيق.
(وَلَا إِشْرَافٍ) أي تطلّع إليه. والإشراف - بالمعجمة -: التعرّض للشيء، والحرص
عليه، من قولهم أشرف على كذا: إذا تطاول له. وقيل للمكان المرتفع: شَرَفٌ لذلك.
قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس؟ فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن
محمد: سألت أحمد عنه؟ فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إليّ فلان بكذا. وقال
الأثرم: يضيق عليه أن يردّه إذا كان كذلك. قاله في ((الفتح))(١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: إشراف النفس: تطلّعها، وتشوّفها، وشَرَهُهَا لأخذ
المال، ولا شكّ أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال؛ كان ذلك من
أدلّ دليل على شدّة الرغبة في الدنيا، والحبّ لها، وعدم الزهد فيها، والركون إليها،
والتوسّع فيها، وكلّ ذلك أحوالٌ مذمومة، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة؛ اجتنابًا
للمذموم، وقَمْعًا لدواعي النفس، ومخالفةً لها في هواها، فإن لم يكن كذلك جاز له
الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة .
قال الطحاويّ: وليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي
يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم انتهى كلام القرطبيّ(٢).
(فَخُذْهُ) أي وجوبًا على ما قاله بعضهم؛ عملًا بظاهر الأمر، وهو الأقرب، أو
(١) - ((الفتح)) ج١٥ ص٥٤ في ((كتاب الأحكام)). وج ٤ ص ١٠٠ في ((الزكاة)).
(٢) - راجع ((المفهم» ج٣ ص ٩٠ .

٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
استحبابًا على ما عليه الجمهور، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء الله
تعالی .
(فَتَمَوَّلْهُ) أي اتخذه مالًا (أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ) وفي رواية: ((وتصدّق)) بالواو. أي إذا أخذته،
فإن شئت أبقه عندك، وإن شئت تصدّق به. قال في ((الفتح)): وهو أمر إرشاد على
الصحيح. قال ابن بطّال: أشار ﴿ على عمر بالأفضل؛ لأنه وإن كان مأجورًا بإيثاره
لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه، فإنّ أخذه للعطاء، ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم
لأجره، وهذا يدلّ على عظيم فضل الصدقة بعد التموّل؛ لما في النفوس من الشخ على
المال انتهى(١).
(وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) من أَتْبع مخفّفًا، أي ما لم يؤتيك اللَّه بالشرط المذكور،
فلا تجعل نفسك تابعةً له، ناظرةً إليه؛ لأجل أن يحصل عندك.
وقال النوويّ: معناه: ما لم يوجد فيه هذا الشرط لا تُعلّق النفس به انتهى.
وقال القرطبيّ: أي لا تعلّقها، ولا تُطمعها في ذلك، فإذا فعلت ذلك بها سكنت،
ویئست انتهى.
وفيه إشارة إلى أن المدار على عدم تعلّق النفس بالمال، لا على عدم أخذه وردّه على
المعطي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عمر رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٦٠٤/٩٤ و٢٦٠٥ و٢٥٠٦ و٢٦٠٧ و٢٦٠٨ - وفي («الكبرى» ٩٦/
٢٣٨٥ و٢٣٨٦ و٢٣٨٧ و٢٣٨٨ و٢٣٨٩. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٧٣ وفي
((كتاب الأحكام)) ٧١٦٤ (م) في ((الزكاة)) ١٠٤٥ (د) في ((الزكاة)) ١٦٤٧ وفي ((الخراج))
٢٩٤٤ (أحمد) في ((مسند العشرة)) ١٠١ و١٣٧ و٢٨١ و٣٧٣ (الدارمي) في ((الزكاة))
١٦٤٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم من رزقه الله تعالى
(١) - ((الفتح)) ج١٥ ص٥٤ .

٩٤- (مَنْ آتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مالاً مِنْ
.
٠
. - حديث رقم ٢٦٠٥
٢٢٧
مالًا من غير مسألة، وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم فيه، والجمهور على استحباب أخذه
على تفصيل في المسألة، لكن القول بالوجوب هو الأقرب؛ لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر
النصوص، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء اللّه تعالى (ومنها): أن للإمام أن
يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا، وإن كان غيره أحوج إليه منه (ومنها): أن رد
عطيّة الإمام ليس من الأدب، ولا سيّما من الرسول وَليهِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه،
وبيانَ فضله، وزُهده، وإيثاره، وكذا لابن السعديّ رضي اللّه تعالى عنه، فقد طابق فعلُه
فعلَه (ومنها): أنّ أخذ ما جاء من المال من غير سؤال، ولا إشراف نفس أفضل من
ردّه؛ لأن أخذه يكون أعون على العمل، وألزم للنصيحة، لأنه إذا لم يأخذ كان عند
نفسه متطوّعًا بالعمل، فقد لا يجدّ جدّ من أخذ، ركونًا إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذي
يأخذ، فإنه يكون مستشعرًا بأن العمل واجبٌ عليه، فيجدّ جدَّه فيه (ومنها): أن التصدّق
بالمال بعد قبضه أفضل من التصدّق قبله، لأن الإنسان إذا دخل المال في يده يكون
أحرص عليه، فإذا تصدّق به، طيّبة نفسه، كان أدلّ على حبه للخير، وقوة إيمانه،
بخلاف ما إذا تصدّق قبل قبضه، فإن النفس لا تطمع إليه كثيرًا. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الشخص ما جاءه من المال،
من غير مسألة، ولا إشراف، وفي عطيّة السلطان:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء فيمن جاءه مالٌ، هل يجب قبوله، أم
يُندبُ؟ على ثلاثة مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وآخرون،
والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحبّ في غير عطيّة السلطان، أما عطيّة
السلطان، فحرّمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما
في يد السلطان حرمت، وكذا إن أُعطَى من لا يستحقّ، وإن لم يغلب الحرام، فمباحٌ،
إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجبٌ من
السلطان وغيره.
وقال آخرون: هو مندوبٌ في عطيّة السلطان، دون غيره، والله أعلم انتهى كلام
النوويّ(١).
وقال الحافظ: والتحقيق في المسألة أن من عُلِمَ كون ماله حلالًا، فلا ترذ عطيته،
(١) - ((شرح صحيح مسلم) ج ٧ ١ / ١٣٥.

٢٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ومن عُلم كون ماله حرامًا، فتحرم عطيّته، ومن شُكّ فيه، فالاحتياط ردّه، وهو الورع،
ومن أباحه أَخَذَ بالأصل.
قال ابن المنذر: واحتجّ من رخّص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿سَنَّعُونَ
لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ﴾، وقد رهن الشارع درعه عند يهوديّ، مع علمه بذلك،
وكذلك أَخَذَ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير،
والمعاملات الفاسدة انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي في مسألة القبول القولُ
بالوجوب؛ لظواهر النصوص، إذ هي بصيغة الأمر، ولا صارف له إلى الندب، وما
ادعاه بعضهم من الإجماع على الندب غير صحيح؛ لما عرفت من الخلاف.
وأما عطيّة السلطان، فالتفصيل الذي ذكره الحافظ رحمه الله تعالى، هو الصواب.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم أخذ الراتب لمن يقوم بمصالح المسلمين:
قال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)): (باب رزق(٢) الحاكم،
والعاملين عليها، وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرًا. وقالت عائشة: يأكل
الوصيّ بقدر عُمالته. وأكل أبو بكر، وعمر. ثم أورد حديث عمر رضي اللّه تعالى عنه
المذکور في الباب محتجًّا به على جواز ذلك.
قال الطبريّ رحمه الله تعالى: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شُغِل
بشيء من أعمال المسلمين أَخْذَ الرزق على عمله ذلك، كالولاة، والقضاة، وجُبَاة
الفيء، وعُمّال الصدقة، وشبههم؛ لإعطاء رسول اللَّه وَلّ عمر العُمَالةَ على عمله.
وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه، كان يأخذ الأجر على القضاء.
واحتجّ أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض اللّه للعاملين على الصدقة، وجعل لهم منها
حقًّا؛ لقيامهم، وسعيهم فيها. وقال ابن المنذر: وحديث ابن السعديّ حجة في جواز
أرزاق القضاة من وجهها .
وقال النوويّ: في هذا الحديث جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين، سواء
كانت لدين، أو لدنيا، كالقضاء، والحسبة، وغيرهما انتهى (٣).
(١) - راجع ((الفتح)) ج١٥ ص ١٠١.
(٢) - الرزق: ما يرتّبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. وقال المطرّزيّ: الرزق ما
يخرجه الإمام كلّ شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما يُخرجه كلّ عام. ذكره في ((الفتح))
ج١٥ ص٥١ .
(٣) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص١٣٨.

٩٤- (مَنْ آتَاَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالاَ مِنْ ... - حديث رقم ٢٦٠٦
٢٢٩ ==
وقال الطبريّ: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم؛ لكونه
يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك، ولم يحرّموه
مع ذلك.
وقال أبو عليّ الكرابيسيّ: لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل
العلم قاطبةً، من الصحابة، ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم بينهم
اختلافًا، وقد كره ذلك قوم، منهم مسروق، ولا أعلم أحدًا منهم حرّمه .
وقال المهلّب: وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب؛ لقوله تعالى:
﴿قُل لَّ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، فأرادوا أن يجري الأمر على الأصل الذي وضعه الله
لنبيّه وَّله، ولئلا يدخل فيه من لا يستحقّه، فيتحيّل على أموال الناس.
وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء، إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائز إجماعًا،
ومن تركه إنما تركه تورُّعًا، وأما إذا كانت هناك شبهة، فالأولى الترك جزمًا، ويحرم إذا
كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختُلِف إذا كان الغالب حرامًا. وأما من
غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتحاكمين خلاف، ومن أجازه شرط فيه شروطًا،
لا بدّ منها.
قال الحافظ: وقد جرّ القول بالجواز إلى إلغاء الشروط، وفشا ذلك في هذه الأعصار
بحيث تعذّر إزالة ذلك، والله المستعان انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أن أخذ الراتب على العمل جائزٌ مطلقًا،
على الوجه الذي سبق تقريره آنفًا، ولا ينافي ذلك إخلاص العمل لله تعالى، كما اتّضح
ذلك من حديث عمر رضي اللّه تعالى عنه المذكور في الباب. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠٦- أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَخَبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ
أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ رَدَدْتَهَا؟، فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ عُمَرُ
رَمثلُ: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟، فَقُلْتُ: لِي أَفْرَاسٌ، وَأَعْبُدٌ، وَأَنَا بِخَيْرِ، وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ
عَمَلِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي كُنْتْ أَرَدْتُ مِثْلَ الَّذِي
أَرَدْتَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَّيْهِ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(١) -راجع ((الفتح)) ج١٥ ص ٥١ -٥٦ .

٢٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وَهِ: ((خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا
سَائِلِ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ))).
قَال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، و((كثير بن عبيد)): هو
أبو الحسن الْمَذحِجيّ الحمصيّ الحذّاء المقرىء، ثقة [١٠]٤٨٦/٥.
و((مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ)): هو الخولانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩]١٧٢/١٢٢ .
و((الزُّبَيْدِيِّ)): هو محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت، من كبار
أصحاب الزهريّ [٧]٤٥/ ٥٦.
وقوله: ((ألم أُحَدّث)) بالبناء للمفعول. وقوله: ((تلي)) مضارع وَلي، من الولاية.
وقوله: ((فما تريد إلى ذلك)) أي أيَّ شيء تريد من فعلك هذا؟، ف((إلى)) بمعنى ((من))،
كما في قول الشاعر [من الطويل]:
تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا أَيُسْقَى فَلَا يَزْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَخمَرَا
أي منّي(١).
وقوله: ((غير مشرف)): من الإشراف: أي غير طامع. وتمام شرح الحديث، والكلام
على مسائله تقدم في الذي قبله. وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ:
أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ حُوَيْطِبُّ بْنَ عَبَدِ الْعُزَّى
أَخَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ
عُمَرُ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَلِي مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا، فَإِذَا أُعَطِيتَ الْعُمَّالَّةَ كَرِهْتَهَا؟، قَالَ:
فَقُلْتُ: بَلَّى، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ؟، فَقُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا، وَأَعْبُدًا، وَأَنَا بِخَيْرِ، وَأُرِيدُ
أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِيْ أَرَدْتَ،
فَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ، أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنْي، حَتَّى أَعْطَانِ مَرَّةً مَالًا،
فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا
الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ))).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه و((عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ)): هو
أبو سعيد النسائيّ، ثقة [١٠] ١٤٧/١٠٨ من أفراد المصنّف. و((إِسْحَاقُ ابْنُ مَنْصُورٍ)):
هو الكوسج المروزيّ، ثقة ثبت [١١] ٨٨/٧٢. و((الْحَكَم بْنِ نَافِع)): هو أبو اليمان
الحمصيّ المشهور بكنيته، ثقة ثبت [١٠] ٢١٣٢/١٤. و(شُعَيْبَ)): هو ابن أبي
(١) -راجع ((مغني اللبيب)) ج١ ص ٧٥ . تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

٢٣١
٩٤- (مَنْ آتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالاَ مِنْ ... - حديث رقم ٢٦٠٨
حمزة، أبو بشر الحمصيّ، ثقة عابد، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] ٨٥/٦٩.
وقوله: ((ألم أُخبر)) بالبناء للمفعول. وكذا قوله: ((فإذا أُعطيتَ)). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٦٠٨- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ،
عَنِ الزُّهرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمِّرَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ
رَّهُ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ، يُعْطِيْنِي الْعَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَغْطَانِي
مَرَّةٌ مَالًا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: ((خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، وَتَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ
مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَّا سَائِلٍ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، و((سالم بن عبد الله)): هو
ولد عبد الله بن عمر شيخه في السند، وكان ثقة ثبتًا، عابدًا، فاضلًا، وهو أحد الفقهاء
السبعة المشهورين بالمدينة على بعض الأقوال، وكان يُشَبّه بأبيه في هديه، وسَمْته [٣]
٤٩٠/٢٣ .
زاد في رواية مسلم في هذه الرواية من طريق عمرو بن الحارث، عن الزهريّ: ((قال
سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيه)).
قال في ((الفتح)): وهذا بعمومه ظاهر في أنه كان لا يردّ ما فيه شبهة، وقد ثبت أنه
كان يقبل هدايا المختار بن أبي عُبيد الثقفيّ، وهو أخو صفيّة بنت أبي عبيد زوج ابن
عمر، وكان المختار غلب على الكوفة، وطرد عُمّال عبد الله بن الزبير، وأقام أميرًا
عليها مدّةً في غير طاعة خليفة، وتصرّف فيما يتحصّل منها من المال على ما يراه، ومع
ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه، وكأن مستنده أن له حقًّا في بيت المال، فلا يضرّه على
أيّ كيفيّة وصل إليه، أو كان يرى أن التَّبِعة في ذلك على الآخذ الأول، أو أن للمعطي
المذكور مالًا آخر في الجملة، وحقّا مّا في المال المذكور، فلما لم يتميّز، وأعطاه له
عن طيب نفس دخل في عموم قوله: ((ما أتاك من هذا المال من غير سؤال، ولا
استشراف، فخذه))، فرأى أنه لا يُستَثنَى من ذلك إلا ما عَلِمَهُ حرامًا محضًا انتهى (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أُنیب)» .
(١) -راجع ((الفتح)) ج١٥ ص ٥٥ .

٢٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٩٥- (بَابُ اسْتِعْمَالِ آلٍ بَيْتِ النَّبِيِّ
مَِّ عَلَى الصَّدَقَةِ)
٢٦٠٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بَنِ الْحَارِثِ بْنِ تَوْفَّلِ الْهَاشِمِيَّ، أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ
رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ، قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَِّبِ
بْنِ رَبِيعَةً بْنِ الْحَارِثِ، وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، اثْنِيَا رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَقُولًا
لَهُ: اسْتَعْمِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ
الْحَالِ، فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، لَا يَسْتَعْمِلُ مِنْكُمْ أَحَدًا عَلَى الصَّدَقَةِ، قَالَ عَبْدُ
الْمُطَّلِبِ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا، وَالْفَضْلُ، حَتَّى أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ لَنَا: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ
إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاعُ النَّاسِ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآَلٍ مُحَمَّدٍ وَه))).
رجال هذا الإسناد : : ستة:
١- (عمرو بن سواد -بتشديد الواو - ابن الأسود بن عمرو) العامريّ، أبو محمد
المصريّ، ثقة [١١] ٤٥/ ٥٩٤ .
٢- (ابْنٍ وَهْبٍ) هو: عبد الله، أبو محمد المصريّ الحافظ الثبت [٩]٩/٩.
٣- (يُونُسُ) هو ابن يزيد الأيليّ الحافظ الثبت [٧]٩/٩.
٤- (ابْنُ شِهَاب) هو محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المشهور [٤]١/١.
٥- (عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ الْهَاشِمِيّ): هو عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن
نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشميّ، نُسب لجدّه، أبو يحيى المدنيّ، ثقة
[٣]١٦٣٨/١٦ .
٦- (عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ) بن هاشم الهاشميّ، أمه أم
الحَكَم بنت الزبير بن عبد المطّلب. رَوَى عن النبيّ وَّ، وعن عليّ. وعنه ابنه عبد الله،
وعبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، على خلاف في ذلك كله. قال ابن عبد البرّ:
كان على عهد رسول اللّه وَّه رجلًا، ولم يُغيّر رسول اللَّه وَّل اسمه فيما عَلِمتُ، سكن
المدينة، ثم انتقل إلى الشام في خلافة عمر، ومات في إِمْرَة يزيد بن معاوية سنة (٦٢).
وقال العسكريّ: هو المطلب بن ربيعة، هكذا يقول أهل البيت، وأصحاب الحديث
يختلفون، فمنهم من يقول: المطلب بن ربيعة، ومنهم من يقول: عبد المطلب. وقال
أبو القاسم البغويّ: عبد المطّلب، ويقال: المطّلب. وقال أبو القاسم الطبرانيّ:

٩٥- (بَأَبُ اسْتِعْمَالِ آلٍ بَيْتِ النَِّيِّ ◌َّم - ... - حديث رقم ٢٦٠٩
٢٣٣
الصواب: المطّلب، وذكر أنه توفّي سنة (٦١) وفيها أرّخه ابن أبي عاصم.
روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. ومنها: أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ومنها: أن
فيه رواية تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ الْهَاشِمِيِّ) هكذا في رواية يونس، عن ابن شهاب،
عند مسلم، والمصنّف، ووقع عند مسلم من رواية جويرية، عن مالك، عن الزهريّ:
((أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه)). قال النوويّ،
وكلاهما صحيح، والأصل هو رواية مالك، ونسبه في رواية يونس إلى جدّه، ولا يمتنع
ذلك. قال النسائيّ: ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن مالك إلا جويرية بن أسماء
انتھی(١).
(أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ بْنَ
الْحَارِثِ) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، ابن عم النبيّ ◌َّ، له صحبة. روى عن
ابن عمه الفضل بن العبّاس. وعنه عبد الله بن نافع بن عمياء، على خلاف فيه، وابنه
عبد المطّلب بن ربيعة، وفي إسناد حديثه اختلاف. قال أبو القاسم الطبرانيّ: توفّي سنة
(٢٣). وقال ابن سعد: هاجر مع العبّاس، ونوفل بن الحارث، وشهد الفتح،
والطائف، وثبت يوم حنين، وتوفّي بعد أخويه: نوفل، وأبي سفيان. وقال خليفة،
والعسكريّ، وغيرهما: مات بالمدينة في أول خلافة عمر. وأرّخه ابن حبّان مثل
الطبرانيّ. روى له الترمذيّ، والمصنّف حديثًا واحدًا(٢).
(قَالَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) أي لابنه، وفيه التفات، إذ الظاهر أن
يقول: قال لي الخ (وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ) أي لابن عمه رضي اللّه تعالى
عنهم.
(١) - ((شرح مسلم)» ج٧ص١٧٨ .
(٢) هو حديث ((الصلاة مثنى مثنى، وتشهد في كل ركعتين ... )) الحديث أخرجه الترمذي رقم (٣٨٥)
والنسائي في ((الكبرى)). راجع ((تحفة الأشراف)) جـ ٨ ص ١١٠ - ١١١.

٢٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ورواية المصنّف رحمه الله تعالى هنا ظاهرة في أن الآمر لهما هو ربيعة وحده، وفي
رواية مسلم أن الآمر هو والعباس بن عبد المطلب، وقد ساق مسلم رحمه الله تعالى
الحديث في ((صحيحه)) مطوّلًا، فقال:
١٠٧٢ -حدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضُّبَعي، حدثنا جُويرية، عن مالك،
عن الزهري، أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، أن
عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه، قال: اجتمع ربيعة بن الحارث، والعباس بن
عبد المطلب، فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين -قالا: لي، وللفضل بن عباس- إلى
رسول اللَّه وَليل، فكلماه، فأمّرهما على هذه الصدقات، فأديًا ما يؤدي الناس، وأصابا
مما يصيب الناس، قال: فبينما هما في ذلك، جاء علي بن أبي طالب، فوقف عليهما،
فذكرا له ذلك، فقال علي بن أبي طالب: لا تفعلا، فوالله ما هو بفاعل، فانتحاه(١)
ربيعة بن الحارث، فقال: والله ما تصنع هذا، إلا نَفَاسة (٢) منك علينا، فوالله لقد نِلْتَ
صِهْر رسول اللَّه وَلَرَ، فما نَفِسناه عليك(٣)، قال: عليٍّ: أرسلوهما، فانطلقا،
واضطجع عليٍّ، قال: فلما صلى رسول اللَّه وَالتر الظهر، سبقناه إلى الحجرة، فقمنا
عندها، حتى جاء، فأخذ بآذاننا، ثم قال: ((أخرجا ما تصرران))(٤)، ثم دخل، ودخلنا
عليه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا،
فقال: يا رسول الله، أنت أبرّ الناس، وأوصل الناس، وقد بَلَغْنا النكاح، فجئنا لتُؤَمِّرَنا
على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك، كما يؤدي الناس، ونُصيب كما يصيبون،
قال: فسكت طويلا، حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب، تَلمَع(٥) علينا، من
وراء الحجاب، أن لا تكلماه، قال: ثم قال: ((إن الصدقة، لا تنبغي لآل محمد، إنما
هي أوساخ الناس، اذْعُوَا لي مَحْمِيَةَ))، وكان على الخمس، ونوفلَ بنَ الحارث بن
عبد المطلب، قال: فجاءاه، فقال لمحمية: ((أنكح هذا الغلام، ابنتك)) -للفضل بن
عباس- فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: ((أنكح هذا الغلام ابنتك)) -لي- فأنكحني،
وقال لمحمية: ((أَصْدِقْ عنهما من الخمس، كذا وكذا))،- قال الزهري: ولم يسمه
لي -.
(١) - بالحاء المهملة: أي عرض له، وقصده.
(٢) - بفتح النون: أي حسدًا منك لنا.
(٣) - بكسر الفاء: أي ما حسدناك عليه.
(٤) -أي ما تجمعان في صدوركما من الكلام.
(٥) -بضم التاء، وسكون اللام، وكسر الميم، أو بفتح التاء والميم: أي تشير.
.

٩٥- (بَأَبُ اسْتِعْمَالِ آَلٍ بَيْتِ النَّبِيِّ لَله ... - حديث رقم ٢٦٠٩
٢٣٥ ===
ثم أخرجه من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: وساق الحديث بنحو حديث
مالك، وقال فيه: فألقى عليٍّ رداءه، ثم اضطجع عليه، وقال: أنا أبو حسنِ القَرْمُ(١)،
والله لا أَرِيمُ(٢) مكاني، حتى يرجع إليكما ابناكما، بِحَوْر (٣) ما بعثتما به إلى رسول الله
وَلجر، وقال في الحديث: ثم قال لنا: ((إن هذه الصدقات، إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا
تحل لمحمد، ولا لآل محمد)»، وقال أيضا: ثم قال رسول اللَّه وَ له: «ادعُوَا لي مَخْمِيَةً بن
جَزْء)) -وهو رجل من بني أسد، كان رسول اللَّه وَالخير، استعمله على الأخماس.
(اثْتِيَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَقُولَا لَهُ: اسْتَعْمِلْتَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الصَّدَقَاتِ) أي ولّنا على
جمع الصدقات، حتى نأخذ الأجرة منها، فنقضي حاجتنا (فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) رضي
اللَّه تعالى عنه (وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ) أي على التشاور في إتيان رسول اللَّه ◌َلّ لطلب
العمل منه (فَقَالَ) عليّ رضي اللَّه تعالى عنه (لَهُمَا) أي لعبد المطّلب، وللفضل بن عباس
(إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، لَا يَسْتَعْمِلُ مِنْكُمْ) أي من بني هاشم (أَحَدًا عَلَى الصَّدَقَةِ) الظاهر أن
عليًّا رضي اللَّه تعالى عنه سمع ذلك من النبيّ وََّ (قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: فَانْطَلَقْتُ أَنَّا،
وَالْفَضْلُ) مخالِفَينِ قول عليّ رضي اللّه تعالى عنه؛ لظنهما أنه قال ذلك لغرض نفسيّ،
كما تقدّم في رواية مسلم قول ربيعة له: ((والله ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا)) (حَتَّى
أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَ له) أي فكلمناه بذلك، كما تقدّم تفصيل ما قالاه في رواية مسلم
المذكورة (فَقَالَ لَنَا: إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ) أي أنواع الزكاة (إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاعُ النَّاسِ) فيه تنبيه
على علة تحريمها على بني هاشم، وبني المطّلب، وأن ذلك لكرامتهم، وتنزيههم عن
الأوساخ.
ومعنى أوساخ الناس أنها تطهيرٌ لأموالهم، ونفوسهم، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣] فهي كغسالة الأوساخ. قاله
النوويّ (وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ) وَلِ (وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ مِ﴿) هذا صريح في أنها محرّمة
عليهم، سواءً كان بسبب العمل، أو بسبب الفقر والمسكنة، وغيرهما، من الأسباب
الثمانية. قال النوويّ: وهذا هو الصحيح عند أصحابنا - يعني الشافعيّة- وجوّز بعض
أصحابنا لنبي هاشم، وبني المطّلب العمل عليها بسهم العامل؛ لأنه إجارةٌ. وهذا
ضعيف، أو باطل، وهذا الحديث صريحٌ في ردّه انتهى (٤).
(١) -أي السيّد.
(٢) -أي لا أفارقه.
(٣) -بفتح الحاء المهملة: أي بجوابه.
(٤) - شرح صحيح مسلم ج٧ ص١٧٨ .

٢٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: إنما كانت الصدقة كذلك؛ لأنها تطهّرهم من
البخل، وأموالَهم من إثم الكنز، فصارت كماء الغُسالة التي تُعاب. ومساقُ الحديث
والتعليل يقتضي أنها لا تحلّ لأحد من آل النبيّ وَّر، وإن كانوا عاملين عليها، وهو رأي
الجمهور، وقد ذهب إلى جوازها لهم إذا كانوا عاملين عليها أبو يوسف، والطحاويّ،
والحديث ردّ عليهم. انتهى(١).
[فإن قيل]: كيف أباح النبيّ وَ لّ الصدقة لأمته، وقد أخبر أنها أوساخ الناس، ولذا
حرّمها عليه، وعلى آل بيته؟.
[أجيبب]: بأنه إنما أباحها للضرورة، فلذا جاءت النصوص الكثيرة في النهي عن
سؤالها، فينبغي للحازم أن لا يراها مباحة إلا للضرورة، فلا يتوسّع فيها، بل يتناول منها
للحاجة الملحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد المطلب بن ربيعة رضي اللّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٦٠٩/٩٥- وفي ((الكبرى))٢٣٩٠/٩٧. وأخرجه (م) في ((الزكاة))
١٠٧٢ (د) في ((الخراج)) ٢٩٨٥ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٧٠ ٦٤. واللَّه تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم استعمال آل النبيّ وَل
على الصدقة، وأخذ العُمَّالة عليه، وهو التحريم، فلا يجوز لاَل النبيّ وَ لّ أخذ العُمَالَةِ
على الصدقات، وهو رأي الجمهور، وهو الصواب؛ لأن حديث الباب نصّ صريح في
ذلك (ومنها): تحريم الصدقة على النبيّ ◌َ﴿، وآله، سواء كان صدقة الفرض، أم صدقة
التطوّع على الراجح؛ لإطلاق النّصّ، وسيأتي اختلاف أهل العلم فيه قريبًا، إن شاء الله
تعالى (ومنها): بيان فضيلة أهل بيت النبيّ وَّر، ومكانتهم الرفيعة، حيث حرّم الله تعالى
عليهم الصدقات؛ لكونها أوسخ الناس (ومنها): أن الصدقة أوساخ أرباب الأموال، فلا
ينبغي لعاقل أخذها، إلا إذا وقع في حاجةٍ مُلحَّةٍ، وضرورةٍ مُلجئةٍ. والله تعالى أعلم
(١) - راجع ((المفهم)) ج٣ ص١٢٨ .

٩٥- (بَأَبُ اسْتِعْمَالِ آَلٍ بَيْتِ النَّبِيِّ لَّر ... - حديث رقم ٢٦٠٩
٢٣٧ =
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المراد بآل النبيّ وَّ الذين تحرم عليهم
الصدقة :
ذهب الشافعيّ، وجماعة من العلماء إلى أنهم بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطّلب
ابن عبد مناف، واستدلّ الشافعيّ على ذلك بأن النبيّ وَّر أشرك بني المطّلب مع بني
هاشم في سهم ذوي القربى، ولم يُعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطيّة
عِوَضٌ عُوْضُوه بدلًا عمّا حُرِموه من الصدقة. كما أخرج البخاريّ من حديث جبير بن
مُطعِم، قال: مشيت أنا، وعثمان بن عفّان إلى النبيّ وَّه، فقلنا: يا رسول الله أعطيت
بني المطّلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله
وَالى: ((إنما بنو المطّلب، وبنو هاشم شيء واحد)).
وذهب أبو حنيفة، ومالك إلى أنهم بنو هاشم فقط(١).
وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وقيل: هم قريش كلّها. وقال أصبغ المالكيّ: هم
بنو قصيّ.
وقال العلّامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى: الأقرب في المراد بالآل ما فسرهم به زيد
ابن أرقم عند مسلم في ((المناقب)) في قصّة طويلة، بأنهم آل عليّ، وآل العبّاس، وآل
جعفر، وآل عقيل انتهى.
قال: يزيد آل الحارث بن عبد المطّلب؛ لحديث عبد المطّلب بن ربيعة - يعني
حديث الباب- فهذا تفسير الراوي، وهو مقدّم على تفسير غيره، فالرجوع إليه في تفسير
آل محمد رَّ هنا هو الظاهر؛ لأن لفظ الآل مشتركٌ، وتفسير روايه دليل على المراد
منه، وكذلك يدخل في تحريم الزكاة عليهم بنو المطّلب بن عبد مناف، كما يدخلون في
قسمة الخمس، كما يفيده حديث جُبير بن مطعم، يعني الذي تقدّم استدلال الشافعيّ
به. قال: هذا الحديث دليلٌ على أنّ بني المطّلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي
القربى، وتحريم الزكاة أيضًا، دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواء، وعلّله وَلّ
باستمرارهم على المولاة، كما في لفظ آخر عَلَّلَهُ بأنهم لم يفارقونا في جاهليّة، ولا
إسلام، فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام، وهو دليل واضحٌ في ذلك، وإليه ذهب
(١) -المراد ببني هاشم هم: آل عليّ، وآل عَقِيل، وآل جعفر، أولاد أبي طالب عمّ النبيّ وَّر، وآل
العباس، وآل الحارث ابني عبدالمطلب جدّ النبيّ وَلَّ، ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب؛ لأن
حرمة الصدقة أوّلًا في الآباء إكرامًا لهم، حيث نصروه ◌َّ في جاهليتهم، وإسلامهم، ثمّ سَرَت
إلی الأولاد، ولا إکرام لأبي لهب.

٢٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الشافعيّ، وخالفه الجمهور، وقالوا: إنه أعطى بني المطّلب على جهة التفضيل، لا
الاستحقاق، وهو خلاف الظاهر، بل قوله: ((شيء واحد)» دليلٌ على أنهم يشاركونهم في
استحقاق الخمس، وتحريم الزكاة انتهى كلام الصنعانيّ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الصنعانيّ رحمه الله تعالى، من
ترجيح ما ذهب إليه الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى، ومن تبعه، وهو أن آله ربَّز هم بنو
هاشم، وبنو المطّلب، هو الأرجح عندي؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الصدقة التي تحرم على النبيّ وَّ، هل
هي مطلق الصدقة، أو المفروضة فقط:
ذهب الجمهور إلى أنه ◌َّر كان يحرم عليه صدقة الفرض، والتطوّع، وقد ادّعى
الإجماع على ذلك جماعة، منهم الخطّابيّ، لكن فيه نظر، فقد حكى غير واحد عن
الشافعي في التطوّع قولًا، وكذا في رواية عن أحمد، ولفظه في رواية الميمونيّ: ((ولا
يحلّ للنبيّ وَّر، وأهل بيته صدقة الفطر، وزكاة الأموال، والصدقة يصرفها الرجل على
محتاج يريد بها وجه الله تعالى، فأما غير ذلك، فلا، أَلَيْسَ يقال: كلّ معروف صدقة؟،
وقد كان يُهُدى للنبيّ وَّر، ويستقرض، فليس ذلك من صدقة الأموال على الحقيقة،
كالقرض، والهديّة، وفعل المعروف غير محرّم عليه(١).
وقال الماورديّ: يحرم عليه كلّ ما كان من الأموال متقوّما. وقال غيره: لا تحرم عليه
الصدقة العامّة، كمياه الآبار، وكالمساجد، واختلف هل كان تحريم الصدقة من
خصائصه، دون الأنبياء، أو كلّهم سواء في ذلك(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الأرجح عندي أن كلّ ما كان باسم الصدقة محرّم
عليه وَّله، سواء كان فرضًا، أو تطوّعًا؛ لإطلاق النصوص، وأما ما ليس كذلك،
كالهديّة، وفعل المعروف له، فلا يحرم عليه؛ لأنه وَ ل﴿ كان يُهُدَى إليه، فيقبل الهديّة،
وكان يستقرض، وكان أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم يعملون له المعروف، فلا يردّ
ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): هل يلتحق به وعلي آله في تحريم الصدقة مطلقًا، أم لا؟:
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحلّ لهم الصدقة
المفروضة. وكذا حكى الإجماع ابن رسلان. وروى أبو عصمة عن أبي حنيفة جواز
(١) -راجع ((المغني)) ج٤ ص ١١٧ .
(٢) - ((فتح)) ج٤ ص١٢١- ١٢٢.

٩٦- (بابٌ ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ) - حديث رقم ٢٦١٠
٢٣٩=
دفعها إلى الهاشميّ في زمانه. قال الطحاويّ: هذه الرواية عن أبي حنيفة ليست
بالمشهورة. وروي عنه، وعن أبي يوسف: يحلّ من بعضهم لبعض، لا من غيرهم.
قال الحافظ: وعند المالكيّة في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع، جواز
التطوّع دون الفرض، عكسه. وأدلّة المنع ظاهرة من حديث الباب وغيره. ولقوله
تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧]، ولو أحلّها لآله لأوشك أن
يطعنوا فيه. ولقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وثبت
عن النبيّ وَله: ((الصدقة أوساخ الناس)) كما رواه مسلم.
ويؤخذ من هذا جواز التطوّع دون الفرض، وهو قول أكثر الحنفيّة، والمصحح عند
الشافعيّة، والحنابلة، وأما عكسه، فقالوا: إن الوجب حقّ لا زم، لا يلحق بأخذه ذلّة،
بخلاف التطوّع. ووجه التفرقة بين بني هاشم وغيرهم أن موجب المنع رفع يد الأدنى
على الأعلى، فأما الأعلى على مثله فلا. ولم أر لمن أجاز مطلقًا دليلًا، إلا ما تقدّم عن
أبي حنيفة انتهى كلام الحافظ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيّنَ مما تقدّم من الأدلّة أن الأرجح القول بتحريم
الصدقة مطلقًا، فرضًا كانت أو تطوّعًا على آله وَله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٩٦ - (بَابٌ ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا الاستدلال
بحديث الباب على منع من كانت أمه هاشميّة من الصدقة؛ لأنَّهُ منهم حكمًا، وهو
ظاهرٌ، فإن الحديث، وإن ورد على سبب خاصّ، كما سيأتي قريبًا، لكن العبرة بعموم
اللفظ، لا بخصوص السبب. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٦١٠- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعْ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
قُلْتُ لِأَبِي إِيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ(٢): أَسَمِعْتَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ:
(١) -راجع ((الفتح) ج٤ ص١٢١ - ١٢٢ .
(٢) - وقع في ((الكبرى)) هنا ((معاوية بن مرة)) بالميم، وهو تصحيف، والصواب بالقاف.

٢٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
((ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (١))؟، قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزي، نزيل نيسابور، ثقة ثبت إمام [١٠]
٢/٢ .
(وكيع) بن الجرّاح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة ثبت [٩] ٢٣/ ٢٥.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤ / ٢٧.
٤ - (إياس بن معاوية بن قرّة) بن هلال المزني البصري، ثقة فقيه [٣] ٢٢ / ١٨٧٠.
٥- (أنس بن مالك) ابن النضر الصحابي الشهير توميه ٦/٦. والله تعالى
أعلم .
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رَّثُ، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وهو
مسلسل بثقاة البصريين من شعبة، وفيه أنس رضيه من المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦)
حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة * بالبصرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعبة بن الحجاج أنه (قال: قُلْتُ لِأَبِي إِيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ) بجرّ ((معاوية)) بدل
من ((أبي إياس)). (أَسَمِعْتَ أَنَسَ بْنَ مَالِك يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ
مِنْ أَنْفُسِهِمْ))؟) أي أنه يُعدّ واحدًا منهم، فحكمه كحكمهم، فينبغي أن لا تحلّ الزكاة
لابن أخت هاشميّ، كما لا تحلّ لهاشميّ، ولإفادة هذا المعنى ذكر المصنف رحمه الله
تعالى هذا الحدیث هنا.
قال النوويّ رحمه اللَّه تعالى: اسستدلّ به من يورّث ذوي الأرحام. وأجاب
الجمهور بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطًا،
وقرابةً، ولم يتعرّض للإرث. وسياق الحديث يقتضي أن المراد أنه كالواحد منهم في
إفشاء سرهم بحضرته، ونحو ذلك انتھی.
وقال الحافظ في ((الفتح)): واستدلّ به من قال بأن ذوي الأرحام يرثون كما يرث
العصبات، وحمله من لم يقل بذلك على ما تقدّم، وكأن البخاريّ رمز إلى الجواب
(١) -وقع في ((الكبرى)) ((من القسمة)) بدل ((من أنفسهم))، وهو تصحيف فاحش.