Indexed OCR Text
Pages 181-200
٨٥- (الاستعقافُ عن المسألةِ) - حدیث رقم ٢٥٨٨
١٨١ ==
أو يقدّر ((هو خير، وأوسع بعد الإيمان)). والله تعالى أعلم.
قال الطبيّ رحمه اللّه تعالى: يريد أن من طلب من نفسه العفّة عن السؤال، ولم يُظهر
الاستغناء يعفّه الله، أي يصيّره عفيفًا، ومن ترقّى عن هذه المرتبة إلى ما هو أعلى، من
إظهار الاستغناء عن الخلق، لكن إذا أُعطي شيئًا لم يردّه، يملأ الله تعالى قلبه غنى،
ومن فاز بالقَدَح المعَلَّى ، وتصبّر، ولم يسأل، وإن أُعطي لم يقبل، فهذا هو الصبر
الجامع لمكارم الأخلاق انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((وإن أُعطِي لم يقبل)) فيه نظر؛ إذ فيه مخالفة
أمر النبيّ وَل بقوله: ((ما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف، ولا سائل، فخذه،
فتموّله، وتصدّق به))، فكيف يكون من ردّ ما أُمر بأخذه أعلى المرتبة؟، هذا غريب،
فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وقال ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى: إنما جُعل الصبر خير العطاء؛ لأنه حبس النفس
عن فعل ما تحبّه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل مما لو فعله، أو تركه لتأذِّى به في
الآجل.
وقال القاريّ رحمه الله تعالى: وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع
لمكارم الصفات والحالات، ولذا قُدّم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوَةْ﴾ [البقرة: ٤٥]، ومعنى كونه أوسع أنه تتّسع به المعارف، والمشاهد،
والأعمال، والمقاصد انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا٢٥٨٨/٨٥ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٦٩/٨٧. وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
١٤٦٩ وفي ((الرقاق)) ٦٤٧٠ (م) في ((الزكاة)) ١٠٥٣ (د) في ((الزكاة)) ١٦٤٤ (ت) في
((البرّ والصلة)) ٢٠٢٤ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٦٠٦ و١٠٦٧٦ و١٠٧٠٧
و١١٠٠٧ (الموطأ) في ((كتاب الجامع)) ١٨٨٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) - ((شرح الزرقاني على الموطًا)) ج ٤ ص٤٢٢.
(٢) -راجع ((المرعاة)) ج٦ ص٢٦٢ -٢٦٣.
١٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل الاستعفاف عن مسألة
الناس أموالَهُم (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَّر من السخاء والجود والكرم وإنفاذ أمر الله
تعالى، حيث قال له: ﴿وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾ (ومنها): إعطاء السائل مرّتين (ومنها):
الاعتذار إلى السائل (ومنها): الحضّ على التعفّف (ومنها): جواز السؤال للحاجة، وإن
كان الأولى تركه، والصبر على الفاقة حتى يرزقه الله تعالى بغير مسألة (ومنها): الحضّ
على الصبر، وأنه أفضل ما يعطاه المرأ؛ لكون الجزاء عليه غير مقدّر، ولا محدود، قال
اللَّه تعالى: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٨٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْنٌّ، قَالَ أَنْبَأَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ،
عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَِّ، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَّأَنْ يَأْخُذَ
أَحَدُكُمْ حَبَّلَهُ، فَيَخْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ
فَضْلِهِ، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدّم في -٢٥٨٤/٨٣ -
وتقدم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
و((عليّ بن شعيب)) بن عديّ السمسار البزاز البغداديّ، فارسيّ الأصل، ثقة، من
كبار [١١] ٢٧٨/١٧٦ من أفراد المصنّف، روى عنه في ((المجتبى)) في ثلاثة مواضع،
هذا، وفي ٢٧٨/١٧٦ - ٥٣٤٩/١١١.
و((معن)) بن عيسى القزّاز الحافظ الثبت المدنيّ، من كبار [١٠]٥٠/ ٦٢، والسند كلّه
من رجال الجماعة، غير شيخه.
وقوله: ((لأن يحتطب)) أي يجمع الحطب. وقوله: ((فيسأله)) بالنصب عطفًا على
((يأتي)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٨٦- (فَضْلُ مَن لَا يَسْأَلُ النَّاسَ
شَيْئًا)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد بسؤال الناس هنا السؤال المتعلّق بالدنيا، فلا
١٨٣
٨٦- (فَضْلُ مَن لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ شَيئًا) - حديث رقم ٢٥٩٠
يتناول المسألة المتعلّقة بالدين، كأن يسأل ما يجهله من أمر دينه، فإنه واجب، فضلًا
عن أن يكون مذمومًا، ولا يتناول أيضا سؤال ما ثبت له من الحقوق عند الناس،
كالودائع، وضمان المتلفات، وثمن المبيعات، ونحو ذلك، فإن هذا لا يدخل فيه
قطعًا، للأدلّة الأخرى. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٩٠- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ،
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لّهِ: ((مَنْ يَضْمَنْ لِي وَاحِدَةً؟، وَلَهُ الْجَنَّةُ))، قَالَ يَخْتَى: هَاهُنَا كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا:
((أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي البصري، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤.
٢- (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/٤.
٣- (ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب
القرشي العامري، أبو الحارث.
٤ - (محمد بن قيس) القاصّ المدني، [٦] ٥١/ ٩٦٢ .
٥- (عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية) بن أبي سُفيان، صدوق [٣].
قال مصعبٌ الزبيريّ: كان رجلاً صالحًا. وقال أبو زرعة: معاوية، وعبد الرحمن،
وخالد، بنو يزيد بن معاوية كانوا صالحي القوم. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال
البخاريّ: حديثه عن النبيّ أپار مرسل. وقال الوليد بن مسلم: قَدِم عبد الرحمن بن يزيد
على عمر بن عبد العزيز يرفع إليه دينًا. روى له المصنّف، وابن ماجه حديث الباب
فقط .
٦- (ثوبان) بن بُجْدُد مولى النبي ◌َلّ صحبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات
بحمص سنة (٥٤) ١٢/١١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير
عبد الرحمن كما سبق آنفًا، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه ويحيى فبصريان، وأن
شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَوْبَانَ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَنْ يَضْمَنْ لِي وَاحِدَةً؟) وفي نسخة
١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(بواحدة)) بالباء الموحّدة، وهو لغة، يقال: ضَمنتُ المالَ، وبه، ضَمَانًا، فأنا ضامن،
وضَمينٌ: التزمتُهُ، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: ضَمَّنتُهُ المالَ: ألزمته إياه. قاله في
((المصباح)).
والمعنى: من يلزم لي خصلة واحدةً، ويدوم على هذه الخصلة؟.
و((من)) هنا استفهاميّة، وهي مبتدأ، خبرها جملة ((يضمنُ الخ (وَلَهُ الْجَنَّةُ) أي مضمون
له الجنّة في مقابلة ضمانه تلك الخصلة. وفي لفظ لأحمد: ((من يضمنُ لي خَلَّةٌ،
وأضمنُ له الجنة)).
(قَالَ يَخْتَى) بن سعيد القطّان الراوي عن ابن أبي ذئب (هَاهُنَا كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا: ((أَنْ لَا
يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا) يعني أن في هذا الموضع كلمة، وهي الكلمة التي طلب النبيّ وَل
ضمانها حتى يضمن له الجنّة، ولكن يحيى لم يحفظ لفظها، وإنما حفظ معناها، وهو:
((أن لا يسأل الناس شيئًا)).
وقد حفظ لفظها وكيع عند أحمد، وابن ماجه، ويزيد بن هارون، وأبو النضر عند
أحمد.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في («مسنده))-٢١٩١٧ -: حدثنا يزيد بن هارون،
وأبو النضر، قالا: حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن
معاوية، عن ثوبان مولى رسول اللّه وَله، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((من يتقبلُ لي
بواحدة، أتقبل له بالجنة))، قال: قلت: أنا يا رسول الله، قال: ((لا تسأل الناس شيئا)).
قال: فربما سقط سوط ثوبان، وهو على بعيره، فما يسأل أحدا، أن يناوله، حتى
ينزل إليه، فيأخذه.
وقال الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى -١٨٣٧ -: حدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا
وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ثوبان،
قال: قال رسول اللَّه وَله: ((مَنْ يتقبلُ لي بواحدة، وأتقبل له بالجنة؟، قلت: أنا، قال:
((لا تسأل الناس شيئا)).
قال: فكان ثوبان يقع سوطه، وهو راكب، فلا يقول لأحد: ناولنيه، حتى ينزل، فيأخذه.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
٨٦- (فَضْلُ مَن لاَ يَسْأَلَُ النَّاسَ شَيْئًا) - حديث رقم ٢٥٩١
١٨٥ ==
أخرجه هنا -٢٥٩٠/٨٦- وفي ((الكبرى))٢٣٧١/٨٨. وأخرجه (ق) في
((الزكاة)) ١٨٣٧ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ١٨٩٩ و٢١٩١٧ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو بيان فضل من لا يسأل الناس
شيئًا من أموالهم، تعفّفًا، حيث يُجَازَى بالجنّة التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذّ
الأعين، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (ومنها):
بيان دناءة سؤال الناس، فإنه مَذلّة، ومَذمّة، وإراقة لماء الوجه (ومنها): بيان فضل ثوبان
رضي الله تعالى عنه، حيث وعده رسول اللّه وَ له بالجنّة، وقد وفى هو بما التزمه، كما
بيّنته روايتا أحمد، وابن ماجه السابقتان. (ومنها): ما كان عليه الصحابة رضي اللَّه تعالى
عنهم من الالتزام بوفاء ما عاهدوا عليه رسول اللَّه وَله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٩١ - أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى- وَهُوَ ابْنُ حَمْزَةَ- قَالَ: حَدَّثَنِي
الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَّ، يَقُولُ: ((لَا تَضْلُحُ الْمَسْأَلَةُ، إِلَّا لِئَلَاثَةِ: رَجَّلِ أَصَابَتْ مَالَهُ
جَائِحَةٌ، فَيَسْأَلُ، حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً،
فَيَسْأَلُ، حَتَّى يُؤَدِّيَ إِلَيْهِمْ حَمَالَتَهُمْ، ثُمَّ يُمْسِكَُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، وَرَجُلٍ يَخْلِفُ ثَلَاثَةُ نَفَرِ،
مِنْ قَوْمِهِ، مِنْ ذَوِي الْحِجَا بِاللَّهِ، لَّقَدْ حَلَّتِ الْمَسْأَلَةُ لِفُلَانٍ، فَيَسْأَلُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا
مِنْ مَعِيشَةٍ، ثُمَّ يُمْسِكُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ سُحْتٌ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم للمصنّف في
-٢٥٧٩/٨٠ و٢٥٨٠- وتقدّم هناك شرحه، والكلام على مسائله، فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق.
و((هشام بن عمار)): هو السلميّ الدمشقيّ الخطيب، صدوق كَبِرَ، فصار يتلقّن،
فحديثه القديم أصحّ، من كبار [١٠] ٢٠٢/١٣٤. و((يحيى بن حمزة)): هو
أبو عبد الرحمن الدمشقيّ القاضي ثقة، رُمي بالقدر [٨] ١٧٦٨/٦٠. و((الأوزاعي)):
هو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقيّ الإمام الحجة الثبت المشهور [٧] ٥٦/٤٥ .
والباقون تقدّموا في الباب المذكور. و((أبو بكر)): هو كنانة بن نُعيم المذكور باسمه
هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٨٧ - (حَدُّ الْغِنَى)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مقدار الغنى الذي يمنع السؤال من الناس.
٢٥٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَكِيمٌ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ یَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَّسُولُ اللَّهِ بَّهِ: (مَنْ سَأَلَ، وَلَّهُ مَّا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ خُمُوشًا))،
أَوْ «كُذُوحًا فِي وَجْهِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَاذَا يُغْنِيهِ؟، أَوْ مَاذَا أَغْنَاهُ؟ ،
قَالَ: ((خَمْسُونَ دِرْهَمَا، أَوْ حِسَابَهَا مِنَ الذَّهَبِ».
قَالَ يَخْيَى: قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
يَزِيدَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاويّ الحافظ الثبت [١١]٤٢/٣٨ من أفراد
المصنّف .
٢- (يحيى بن آدم) أبو زكريّا الكوفيّ الحافظ الثبت الفاضل [٩] ٤٥١/١.
٣- (سفيان الثوري) ابن سعيد، أبو عبد الله الكوفي الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/
٣٧ .
٤- (حكيم بن جُبير) الأسديّ الكوفيّ، ضعيف رمي بالتشيع [٥] ٢٤٢٦/٨٤.
٥- (محمد بن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو جعفر الكوفيّ، ثقة [٦].
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: كان رَفيع القدر من
الجلّة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال حسين بن عليّ الجعفيّ: كان يقال
له: الكيس؛ لعبادته. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكر ابن إدريس، عن ليث، عن
مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة، فذكره فيهم. روى له البخاريّ في ((الأدب
المفرد)»، والأربعة، وله عند المصنّف حديث الباب فقط.
٦- (أبوه) عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار
[٣]٤١/٣٧ .
٧- (عبد الله بن مسعود) الصحابي المشهور رضي تعالى عنه ٣٩/٣٥. والله تعالى
أعلم.
١٨٧
٨٧ - (حّدُّ الغِنَى) - حديث رقم ٢٥٩٢
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (مَنْ
سَأَلَ) أي من الناس أموالهم (وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل،
أي والحال أن عنده ما يغنيه عن مسألة الناس (جَاءَتْ) الفاعل ضمير المسألة المفهومة
من ((سأل))، أي جاءت مسألته (خُمُوشًا) جمع خَمْش، كَفَلْس وفُلُوس، وهو الأثر في
الوجه، يقال: خَمَشت المرأةُ وجهها بظفرها خَمْشًا، من باب ضرب: جَرَحت ظاهر
البشرة، ثمّ أطلق الخمش على الأثر. أفاده في ((المصباح)). وهو منصوب على الحال.
ولفظ أبي داود: ((جاء يوم القيامة، ومسألته خُموش، أو خُدُوش، أو كُدُوح)) (أَوْ
((گُدوخا) ((أو)) هنا للشكّ من بعض الرواة، و((الكُدوح» جمع گذح، کفلس وفلوس، وهو
-كما في ((القاموس)) بمعنى الْخَذْش. وقال في مادة خدش: خَدَشَهُ يخدِشُه -أي من
باب ضرب -: خَمَشَه، والجلدَ مزقه، قَلّ، أو كثُرَ، أو قَشَره بعُود ونحوه. والْخَذْشُ
اسم لذلك الأثر أيضًا، وجمعه خُدُوش انتهى.
وقال في ((المرعاة)): ((خُمُوش، أو خُدُوش، أو كُدوح)) بضم أوائلها ألفاظ متقاربة
المعاني، جمع خَمْش، وخَذْش، وكَذْح.
فـ(أو)) هنا لشكّ الراوي، إذ الكلّ يُغْرِب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم، من
ملاقاة الجسد ما يقشر، أو يجرح، ولعلّ المراد بها آثار مستنكرة في وجهه حقيقةً، أو
أمارات ليُعرَف، ويُشهَر بذلك بين أهل الموقف.
أو لتقسيم منازل السائل، فإنه مقلّ، أو مكثر، أو مُفْرِطْ في المسألة، فذكر الأقسام
على حسب ذلك. والخمش أبلغ في معناه من الخدش، وهو أبلغ من الكدح، إذ
الخمشُ في الوجه، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد. وقيل: الخدش قَشْرُ
الجلد بعود، والخمش قشره بالأظفار، والكدحُ العضّ، وهي في أصلها مصادر، لكنّها
لما جُعلت أسماء الآثار جُمعت. كذا في ((المرقات))(١).
(فِي وَجْهِهِ) متعلّق بمحذوف صفة ((خموش))، أي كائنةٌ في وجهه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
متعلّق بـ((جاءت)) (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَاذَا يُغْنِیهِ؟) أي أيّ شيء یغنیه غنّی یمنعه عن
السؤال، وليس المراد بيان الغنى الموجب للزكاة، أو المحرّم لأخذها من غير سؤال (أَوْ
مَاذَا أَغْنَاهُ؟) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي (قَالَ) ◌ِّ (خَمْسُونَ دِرْهَمًا) خبر لمحذوف، أي
هو خمسون درهمًا (أَوْ حِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ) ((أو)) هنا للتنويع. يعني أن الغنى المانع من
(١) -راجع ((المرعاة)) ج٦ ص٢٦٧ .
١٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
السؤال أن يملك الشخص خمسين درهمًا، أو يملك قيمتها من الذهب.
وفيه دليل على أن من ملك خمسين درهمًا، أو قيمتها من الذهب يحرم عليه
السؤال، وهذا فرد من أفراد الغنى المانع عن السؤال، إذ لا عبرة للمفهوم، فلا دليل فيه
على إباحة السؤال لمن كان عنده أقلّ من خمسين درهمًا مما بيّه النبيّ وَّ في أحاديث
أُخَر.
وقيل: هذا الحديث منسوخٌ بحديث الأُوقيّة، وهو منسوخ بـ«ما يُغدّيه، ويُعشيه)).
وقيل: يُجمع بين هذه الأحاديث بأنّ القدر الذي يَحرُم السؤال عنده هو أكثرها،
وهي الخمسون عملًا بالزيادة.
وقال في ((حُجّة اللَّه البالغة)) جـ٢ ص٣٥: جاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال أنها
أوقيّة، أو خمسون درهمًا. وجاء أيضًا أنها ما يُغدّيه ويُعشّيه، وهذه الأحاديث ليست
متخالفة عندنا؛ لأن الناس على منازل شتّى، ولكلّ واحد كسبٌ، لا يمكن أن يتحوّل
عنه، أعني الإمكان المأخوذ في العلوم الباحثة عن سياسة المُدُن، لا المأخوذ في علم
تهذيب النفوس.
فمن كان كاسبًا بالحرفة، فهو معذورٌ حتى يجد آلات الحرفة، ومن كان زارعًا حتى
يجد الزرع، ومن كان تاجرًا حتى يجد البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقًا بما
يروح ويغدو من الغنائم، كما كان أصحاب رسول اللَّه وَ له، فالضابط فيه أوقيّة، أو
خمسون درهمًا، ومن كان كاسبًا بحمل الأثقال في الأسواق، أو احتطاب الحطب
وبيعه، وأمثال ذلك، فالضابط فيه ما يغذّيه، ويعشّيه. والله تعالى أعلم انتهى.
وقد استدلّ بهذا الحديث لأحمد، وإسحاق، ومن وافقهما على أن الغنى المانع من
أخذ الصدقة هو ملك خمسين درهمًا.
وتُعقّب بأنه ليس في الحديث أن من ملك خمسين درهمًا لم تحلّ له الصدقة، وإنما
فيه أنه كره المسألة فقط، فلا يحلّ له أخذ الزكاة بالسؤال، وأما الأخذ من غير سؤال فلا
دليل فيه على منعه. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، إن شاء اللّه تعالى.
(قَالَ يَخْيَى) هو ابن سعيد القطّان (قَالَ سُفْيَانُ) هو الثوريّ الراوي عن حكيم بن جُبير
في السند السابق (وَسَمِعْتُ زُبَيْدًا) هو ابن الحارث اليماميّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ،
الثقة الثبت العابد، من الطبقة السادسة، تقدّمت ترجمته في ٣٧/ ١٤٢٠ (يُحَدِّثُ) جملة
حاليّة من المفعول (عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدٌ) المذكور في السند السابق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض سفيان بهذا الكلام بيان أن ضعف حكيم بن
جبير لا يضرّ بصحّة الحديث، إذلم ينفرد به، بل تابعه عليه من الثقات زبيد بن الحارث
١٨٩
٨٧ - (خدُ الغِنی) - حدیث رقم ٢٥٩٢
الياميّ، فرواه عن محمد بن عبد الرحمن بن یزید.
وسبب قوله هذا أن حكيم بن جُبير تكلّموا فيه، قال الدارقطنيّ: متروك. وقال
الجوزجانيّ: كذّاب. وقال ابن معين، وأبو داود: ليس بشيء. وقال أحمد، وأبو
حاتم: ضعيف منكر الحديث. وقال البخاريّ في ((التاريخ)): كان يحيى، وعبد الرحمن
لا يحدّثان عنه، وتكلّم فيه شعبة، وتركه من أجل هذا الحديث.
وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال أيضًا: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث
حكيم بن جُبير، وحكيم ضعيف، وسئل شعبة عن حكيم بن جبير، فقال: أخاف النار،
وقد روى عنه قديمًا انتهى(١).
وما ذكره المصنف هنا عن سفيان ذكره أيضًا غيره، فقد رواه أبو داود من طريق يحيى
ابن آدم، عن سفيان، وفي آخره: قال يحيى -هو ابن آدم- فقال عبد اللَّه بن عثمان
لسفيان حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير؟، فقال سفيان: فقد حدّثناه زُبيد،
عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد انتهى.
وراه الترمذيّ من طريق شريك، عن حكيم بن جُبير، ثم قال: حديث حسن، وقد
تكلّم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. ثم روى من طريق يحيى بن آدم:
حدّثنا سفيان، عن حكيم بن جُبير بهذا الحديث، فقال له عبد الله بن عثمان صاحب
شعبة: لو غيرُ حكيم حدّث بهذا، فقال سفيان: وما لحكيم؟ لا يحدّث عنه شعبة؟،
قال: نعم، قال سفيان: سمعت زبيدًا يُحدّث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد
انتھی .
وظاهر ما أشار إليه سفيان رحمه الله تعالى أن الحديث صحيح من رواية زُبيد، عن
محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، فلا يضرّه رواية حكيم بن جبير.
لكن مع ذلك فقد ضعف الحديث جماعة من الحفّاظ، فقد ذكر الحافظ في ((الفتح))
بعد ذكر رواية سفيان عن زبيد، نقلاً عن الترمذيّ: ما لفظه: ونصَّ أحمد في ((علل
الخلال)) وغيرها على أن رواية زبيد موقوفة انتهى.
وقال ابن معين: يرويه سفيان، عن زُبيد، ولا أعلم أحدًا يرويه عنه غير يحيى بن
آدم، وهذا وَهَمّ، لو كان كذا لحدّث به الناس عن سفيان، ولكنه حديث منكر -يعني
وإنما المعروف بروايته حكيم. ذكره الذهبيّ والمنذريّ.
(١) - نقله عن المصنّف الحافظ المزيّ في ((تحفة الأشراف)) ج٧ ص ٨٥ ولم أره لا في ((المجتبى))،
ولا في («الكبرى»، فالله تعالى أعلم.
١٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وذکر البيهقي عن يعقوب بن سفيان ، قال: هذه حکایة بعیدة، لو کان حدیث حكيم
ابن جبير عند زبيد ما خفي على أهل العلم انتهى.
لكن نقل الحافظ أبو عمر، عن أبي بكر الأثرم، عن الإمام أحمد أنه قوّی حديث ابن
مسعود هذا، فقال في ((التمهيد)): قال: حديث عبد الله بن مسعود في هذا حسنٌ، وإليه
نذهب في الصدقة. قلت له(١): ورواه زبيد، وهو لحكيم بن جبير فقط؟ فقال: رواه
زبيد فيما قال يحيى بن آدم: سمعت سفيان يقول: فحدّثنا زبيد، عن محمد بن
عبد الرحمن بن يزيد. قلت لأبي عبد الله: لم يخبر به محمد بن عبد الرحمن؟ فقال:
لا. قال: وسمعته، وذكر حديث أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ وَّ: ((من سأل وله
أوقيّة، أو قيمة أوقيّة، فهو مُلحِف)). فقال: هذا يقوّي حديث عبد الله بن مسعود
انتهى. كلام ابن عبد البرّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه هذا ضعيف؛ لضعف حكيم بن
جبير، ولا يقال: رواه زبيد، وهو ثقة؛ لأنه رواه موقوفًا، كما قاله الإمام أحمد، فلا
تقوي روايته روايته، والحاصل أن الحديث ضعيف؛ لضعف حكيم، ومخالفته لزبید.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٩٢/٨٧ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٧٣/٨٩. وأخرجه (د) في
((الزكاة)» ١٦٢٦ (ت) في ((الزكاة)) ٦٥٠ (ق) في ((الزكاة)) ١٨٤٠ (أحمد) في ((مسند
المكثرين)) ٣٦٦٦ و٤١٩٥ و٤٢٤٩ و٤٤٢٦ (الدارمي) ١٦٤٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الغنى:
قال الإمام الترمذيّ رحمه اللَّه تعالى بعد أن أخرج الحديثَ: ما نصُهُ: والعمل على
هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوريّ، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق،
قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهمًا لم تحلّ له الصدقة.
ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جُبير، ووسّعوا في هذا، وقالوا:
(١) - القائل هو أبو بكر الأثرم.
١٩١
٨٧ - (خّدُّ الغِنی) - حدیث رقم ٢٥٩٢
إذا كان عنده خمسون درهمًا، أو أكثر، وهو محتاج، له أن يأخذ من الزكاة، وهو قول
الشافعيّ، وغيره من أهل الفقه والعلم انتهى(١).
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: وهذا باب اختلف العلماء فيه،
ونحن نذكره ههنا - وباللَّه توفقينا - فأما مالك رحمه الله تعالى، فروى عنه ابن القاسم
أنه سئل هل يُعطَى من الزكاة من له أربعون درهمًا؟ فقال: نعم، وهو المشهور من
مذهب مالك. وروى الواقديّ عن مالك أنه قال: لا يُعطى من الزكاة من له أربعون
درهمًا .
قال أبو عمر: هذا يحتمل أن يكون قويًّا مكتسبًا، حسن التصرّف في هذه المسألة،
وفي الأولى ضعيفًا عن الاكتساب، أو من له عيال. والله أعلم.
وقد قال مالك في صاحب الدار التي ليس فيها فضلٌ عن سكناه، ولا في ثمنها فضلٌ
إن بيعت فيه بعد دار تحمله: إنه يُعطى من الزكاة، قال: وإن كانت الدار في ثمنها ما
يشترى له به مسكن، ويفضل له فضلٌ يعيش به: إنه لا يعطى من الزكاة، والخادمُ عنده
کذلك.
وقوله أيضًا هذا في الدار والخادم يحتمل التأويلين جميعًا، إلا أن المعروف من مذهبه
أنه لا يحدّ في الغنى حدًّا لا يجاوزه إلا على قدر الاجتهاد، والمعروفِ من أحوال
الناس، وكذلك يَرُدّ ما يعطى المسكين الواحد من الزكاة أيضًا إلى الاجتهاد من غير
توقيف .
فأما الثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل،
والطبريّ، فكلّهم يقولون فيمن له الدار، والخادم، وهو لا يستغني عنهما: إنه يأخذ من
الزكاة، وتحلّ له، ولم يفسّروا هذا التفسير الذي فسّره مالك.
إلا أن الشافعيّ قال في ((كتاب الكفّارات)): من كان له مسكنٌ، لا يستغني عنه هو
وأهله، وخادم، أعطي من كفّارة اليمين، والزكاةِ، وصدقة الفطر، قال: وإن كان
مسكنه يفضل عن حاجته، وحاجة أهله الفضل الذي يكون بمثله غنيًّا، لم يُعطَّ من
ذلك شيئًا، فهذا القول ضارع قول مالك، إلا أن مالكًا قال: يفضل له من ذلك فضلٌ
يعيش به، ولم يقل: كم يعيش به، والشافعيّ قال: يفضل له من ذلك فضلٌ يكون به
غنيًا .
وروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: يُعطَى من الزكاة من له
(١) -راجع ((جامع الترمذيّ)) ج٣ ص٣١٥-٣١٦. بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)).
١٩٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
المسكن والخادم، ورواه الربيع عن الحسن. وفسره أبو عبيد على نحو ما قال
الشافعيّ. وعن إبراهيم النخعيّ نحو قول الحسن في ذلك. وعن سعيد بن جبير
مثله .
واختلفوا في المقدار الذي تحرم به الصدقة لمن ملكه من الذهب، والفضّة، وسائر
العروض .
فأما مالك فقد ذكرنا قوله في الأربعين درهمًا، ولا اختلاف عنه في ذلك. وكان
الحسن البصريّ يقول: من له أربعون درهمًا فهو غنيّ، وحجة من ذهب إلى أن يُحدد
في هذا في أربعين درهمًا حديث الأسديّ -يعني الحديث الآتي بعد بابين- وهو حديث
ثابت، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه - يعني الآتي بعد باب-، وحديث
أبي سعيد الخدريّ -يعني الآتي بعد باب أيضًا -.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تحلّ الصدقة لمن له مائتا درهم، ولا بأس أن يأخذ
من له أقلّ منها، ويَكرهون أن يُعطَّى إنسانٌ واحدٌ من الزكاة مائتي درهم، فإن أعطيها
أجزأت عن المعطي عندهم، ولا بأس أن يُعطى أقلّ من مائتي درهم، وهو قول ابن
شُبْرُمة. ورَوَى هشام عن أبي يوسف في رجل له على رجل مائة وتسعة وتسعون
درهمًا، فيتصدّق عليه من الزكاة بدرهمين أنه يقبل واحدًا، ويردّ واحدًا، ففي هذا إجازة
أن يقبل تمام المائتين، وكراهة أن يقبل ما فوقها.
وحجّتهم في ذلك قول رسول اللّه وَ له: ((أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم،
وأردّها في فقرائكم)). والغنيّ من له مائتا درهم؛ لوجوب الزكاة عليه فيها؛ لأنها لا
تؤخذ إلا من غنيّ.
وكان الثوريّ، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن
راهويه يقولون: لا يُعطى من الزكاة من له خمسون درهمًا، أو عدلها من الذهب.
واحتجّوا في ذلك بحديث عبد الله بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه في ذلك -يعني
حديث الباب- قال: وهذا الحديث إنما يدور على حكيم بن جُبير، وهو متروك
الحديث. هكذا رواه جماعة من أصحاب الثوريّ، منهم ابن المبارك، وغيره، عن
الثوريّ، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود
رضي اللّه تعالى عنه. إلا يحيى بن آدم، فإنه جعل فيه مع حكيم بن جبير زبيدًا الأياميّ.
ولا يجوز عند الثوريّ، وأحمد بن حنبل، والحسن بن صالح، ومن قال بقولهم أن
يُعطى أحدٌ من الزكاة أكثر من خمسين درهمًا؛ لأنه الحدّ بين الغنيّ والفقير عندهم،
والزكاة إنما جعلها الله للفقراء، والمساكين، وحرّمها على الأغنياء، إلا الخمسة الذين
١٩٣
٨٧ - (حّدُّ الغِنی) - حدیث رقم ٢٥٩٢
ذكرهم رسول اللَّه ◌َلْ﴾(١).
وقال عبيدالله بن الحسن: من لا يكون له ما يقيمه، ويكفيه سنةً، فإنه يُعطى من
الزكاة، وما أعلم لهذا القول وجهًا، إلا أن یکون صاحبه عساه أخذه من حديث ابن
شهاب، عن مالك بن أوس بن الْحَدَثَان، عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه، أنّ
رسول اللَّه ◌َله كان يدّخر مما أفاء الله عليه قوت سنة، ثم يجعل ما سوى ذلك في
الكُرَاعِ، والسلاح، مع قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَوَجَدَكَ عَابِلًا فَغْفَ﴾ .
وقال الشافعيّ: يعطى الرجل على قدر حاجته حتى يُخرجه ذلك من حدّ الفقر إلى
حدّ الغنى، كان ذلك تجب فيه الزكاة، أو لا تجب فيه الزكاة، ولا أَحَدَ حَدّ في ذلك
حدًّا. ذكره المزنيّ، والربيع جميعًا عنه، ولا خلاف عنه في ذلك. وكان الشافعيّ يقول
أيضًا: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًّا مع كسبه، ولا يُغنيه الألف مع ضعفه في نفسه،
و کثرة عياله.
وقال الطبريّ: لا يأخذ من الزكاة من له خمسون درهمًا، أو عدلها ذهبًا، إذا كان
على التصرّف بها قادرًا، حتى يستغني عن الناس، فإذا كان كذلك حرُمت عليه الصدقة.
وأما إذا صرف الخمسين درهمًا في مسكن، أو خادم، أو ما لا يجد منه بُدًّا، وليس له
سواها، وكان على التصرّف بها غير قادر حلّت له الزكاة بحديث ابن مسعود رضي الله
تعالى عنه، عن النبيّ ◌َلّ في الخمسين درهمًا -يعني حديث الباب -. وذكر حديث
قبيصة بن المخارق: لا تحلّ المسألة لمن له سداد من عيش، أو قوام من عيش. فكأنه
جعل السداد الخمسين درهمًا المذكورة في حديث ابن مسعود. والله تعالى أعلم بهذا
الظاهر من معنى قوله هذا.
قال أبو عمر: ليس عن النبيّ وَله، ولا عن أصحابه في هذا الباب شيء يرفع
الإشكال، ولا ذكر أحدٌ عنه، ولا عنهم في ذلك نصًّا، غير ما جاء عن النبيّ وَّ من
كراهية السؤال، وتحريمه لمن ملك مقدارًا ما، في آثار كثيرة، مختلفة الألفاظ والمعاني،
فجعلها قومٌ من أهل العلم حدًّا بين الغنيّ والفقير.
وأبى ذلك آخرون، وقالوا: إنما فيها تحريم السؤال، أو كراهيته، فأما من جاءه شيء
من الصدقات عن غير مسألة، فجائزٌ له أخذه، وأكله، ما لم يكن غنيًّا الغنى المعروف
(١) -وهو الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، بإسناد صحيح، ولفظ أحمد:
١١١٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبِرَنَا مَعْمَرْ، عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي
سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسِّولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ، إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٌ عَلَيْهَا، أَوْ
رَجُلِ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصَّدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا
لِغَنِيّ)).
١٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
عند الناس، فتحرم عليه حينئذ الزكاة، دون التطوّع.
ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحلّ لغنيّ، إلا ما ذُكر في
حديث أبي سعيد الخدريّ(١).
واختلفوا في صدقة التطوّع، هل تحلّ للغنيّ؟، فمنهم من يرى التنزّه عنها، ومنهم من
لم ير بها بأسّا، إذا جاءت من غير مسألة؛ لقوله {وَ ر لعمر: ((ما جاءك من غير مسألة،
فكله، وتموّله، فإنما هو رزق ساقه الله إليك)). مع إجماعهم على أن السؤال لا يحلّ
لغنيّ معروف الغنى.
وأكثر من كره صدقة التطوّع إنما كرهها من أجل الامتنان، ورأوا التنزه عن التطوّع
من الصدقات؛ لما يلحق قابضها من ذلّ النفس، والخضوع لمعطيها، ونزعوا، أو
بعضهم بالحديث: ((إن الصدقة أوساخ الناس، يغسلونها عنهم))، فرأوا التنزه عنها، ولم
يُجيزوا أخذها لمن استغنى عنها بالكفاف، ما لم يضطرّ إليها، حتى قال سفيان رحمه
الله تعالى: جوائز السلطان أحبّ إليّ من صلات الإخوان؛ لأنهم يمنّون.
قال أبو عمر: أما من حدّ في الغنى حدًّا خمسين درهمًا، أو أربعين درهمًا، أو مائتي
درهم، وزعموا أن المرء غنيّ بملكه هذا المقدار، على اختلافهم فيه، ومن قال: لا
يُعطى أحدٌ من الفقراء أكثر من مائتي درهم، أو أكثر من خمسين درهمًا من الزكاة، فإنه
يدخل على كلّ واحد منهم ما يردّ قولَه من حديث سهل بن أبي حثْمَة أن رسول اللّه وَله
وَدَى الأنصاريّ المقتول بخيبر بمائة ناقة من إبل الصدقة، ودفعها إلى أخيه عبد الله بن
سهل، قد نزع لهذا بعض أصحابنا، وفي ذلك عندي نظر.
فأما من جعل المرء بملكه ما تجب فيه الصدقة غنيًّا؛ لقوله وَاليه: ((أمرت أن آخذ
الصدقة من أغنيائكم))، فإنه يدخل عليه الإجماع على أن من ملك خمسة أوسق من
شعير، قيمتها خمسة دراهم، أو نحوها، مما لا یکون غنی عند أحد، وکان ملكه إياها
بزرعه لها في أرضه، ولم يملك من حصاده غيرها أن الصدقة عليه فيها، وإن لم يملك
شيئًا سواها، وهذا عند جميعهم فقير مسكين، غير غنيّ، وقد وجبت عليه الصدقة، وهذا
ينقض ما أصّلوه. وما ذهب إليه مالك، والشافعيّ أولى بالصواب في هذا الباب، والله
أعلم انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه اللَّه تعالى(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه الحافظ أبو عمر رحمه الله
تعالى، من ترجيح مذهب الإمامين: مالك، والشافعيّ، وهي إحدى الروايتين عن
(١) - هو الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، كما سبق قريبًا.
(٢) - راجع ((التمهيد)) ج٤ ◌َ﴾ ٩٧-١١٩ .
١٩٥
٨٨- (بَأَبُ الإِلْحَافِ فِي الْمَسْأَةَ) - حديث رقم ٢٥٩٣
أحمد، واختارها أبو الخطّاب-كما قال ابن قدامة- رحمهم الله تعالى هو الأرجح
عندي .
وحاصله أن الغنى المانع من أخذ الزكاة هو الكفاية، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت
عليه الزكاة، وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له، وإن ملك نصابًا، أو أكثر
من أيّ نوع كان، فتقدّر الكفاية بسدّ الحاجة، لا بخمسين درهمًا، أو نحوها، لأن الله
تعالى جعلها للفقراء والمساكين، فكلّ من له حاجة فهو فقير، وذلك يختلف باختلاف
الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، فيقدّر فقر كلّ أحد على حسب حاله، فيجوز له أخذ
الزكاة بقدر ما يسدّ حاجته، فربّ شخص يكون عنده ألف أو أكثر، ولا يكفيه؛ لكثرة
عياله، فتحلّ له الزكاة، وآخر عنده عشرة دراهم، ولا يحتاج إلى غيرها، فلا تحلّ له.
وأما النصوص التي اعتمدوا عليها من تقدير الغنى بالخمسين، أو أربعين، أو بما
يغذّيه، ويعشّيه، فإنما هي للنهي عن السؤال، لا لأخذ الصدقة من غير سؤال، على أن
بعضها لا يصح كحديث الخمسين، كما قدمته قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٨٨- (بَابُ الإِلْحَافِ فِي الْمَسْأَلَة)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على النهي عن الإلحاف، أي شدّة الإلحاح في
المسألة.
٢٥٩٣- أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ وَهْبٍ بُنِ
مُنَيِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ: ((قَالَ لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَّا
يَسْأَلْنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا، وَأَنَا لَهُ كَارِهِ، فَيَبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ)).
رجال هذا الإسناد : ستة:
١ - (الحسين بن حُرَيث) الخُزَاعِيُّ، أبو عمار المروزيُّ، ثقة [١٠] ٢٢١٦/٨.
٢- (سفيان) بن عيينة المكي الحافظ الثبت الحجة [٨] ١/١.
٣- (عمرو) بن دينار الجُمَحيُّ الأثرم، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٤]١١٢ / ١٥٤.
٤- (وهب بن مُنَبِّه) بن كامل الأبْنَاويّ، أبو عبد اللَّه اليماني، ثقة [٣] ٦٥/ ٢٥٥٧.
٥- (أخوه) همام بن مُنَبِّه بن كامل، أبو عقبة الصنعاني، ثقة [٤] ١/ ٣٩٧.
==
١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٦- (معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، الخليفة الصحابي ابن
الصحابي تَّا تقدم ٢٨٦/ ٢٩٤ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ◌َخْذّثهُ. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعضهم: عمرو عن وهب عن همام،
وفيه رواية الأخ عن أخيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ: ((قَالَ لَا
تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ) بضم حرف المضارعة، من ألحف رباعيّا. وذكر السنديّ أنه من
ألحف، أو لحف بالتشديد، ولم أر في كتب اللغة التشديد، فليُنظر. قال ابن منظور:
الإلحاف: شدّة الإلحاح في المسألة، وألحف السائلُ: ألحّ، قال ابن بَرّيّ: ومنه قول
بشّار بن بُرْد [من الرجز]:
الْحُرُّ يُلْحِي والْعَصَا لِلْعَبْدِ وَلَيْسَ لِلْمُلْحِفِ مِثْلُ الرَّدُ
ونقل الأزهريّ، عن الزجاج أن معنى ألحف شَمِلَ بالمسألة، وهو مستغنٍ عنها، قال:
واللّحَاف من هذا اشتقاقه؛ لأنه يَشمّل الإنسان في التغطية، قال: والمعنى في قوله تعالى:
﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَانَأْ﴾ أي ليس منهم سؤالٌ، فيكون إلحاح، كما قال امرؤ القيس:
عَلَى لَاحِبٍ لَا يُتَدَى بِمَثَارِهِ
المعنى: ليس به منارٌ، فيُهتَدَى به. انتهى كلام ابن منظور بتصرّف(١). وقد تقدّم تمام
الكلام في معنى الآية في ٧٦/ ٢٥٧١ وبالله تعالى التوفيق.
(وَلَّا يَسْأَلِنِي) بالرفع على أن ((لا)) نافية، ويحتمل أن تكون ناهية، والفعل بعدها
مجزوم بها (أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا) أي من المال (وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ) جملة في مَحَلِّ نصب على الحال
من مقدّر، أي فأعطيه، والحال أنا كاره لعطائه، يوضّح التقدير المذكور ما في صحيح
مسلم، ولفظه: ((فتُخرج له مسألته منّي شيئًا، وأنا له كاره)) (فَيُبَارَكَ لَهُ) بالنصب بـ(أن))
مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب النفي، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ نَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَخْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
(فِيمَا أَعْطَيْتُهُ) يعني أن المال الذي أعطاه وَلّ للسائل، وهو كاره لعطائه لا يبارك الله
تعالى فيه. وفيه تحريم الإلحاح في السؤال؛ لأنه ورد بصيغة النهي، وهي للتحريم ما لم
(١) - راجع ((لسان العرب)) في مادة لحف.
١٩٧
٨٩- (مَنِ الْمُلْحِفُ؟) - حديث رقم ٢٥٩٤
يصرفها صارف، ولا صارف هنا، وأن ما أُخذ عن إلحاح لا بركة فيه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث معاوية رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٩٣/٨٨- وفي («الكبرى»٢٣٧٤/٩٠. وأخرجه (م) في ((الزكاة))
١٠٣٨ (أحمد) في ((مسند الشاميين)) ١٦٤٥٠ (الدارمي) في ((الزكاة)) ١٦٤٤.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم الإلحاف، وهو النهي عنه،
والظاهر أنه للتحريم؛ إذ لا صارف له (ومنها): بيان نزع البركة عما أخذ بالإلحاف (ومنها):
أنه يستفاد منه أن ما أخذ بدون إلحاف يبارك الله تعالى فيه، وذلك كأن يسأل لحاجة، بدون
إلحاح، أو يُعطَى بغير سؤال، ويوضّح ذلك حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه الآتي
-٢٦٠١/٩٣ -: ((فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له
فيه ... )) الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أُنيب)).
٨٩- (مَنِ الْمُلْحِفُ؟)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على جواب سؤال من سأل عن الملحف، بقوله:
((من الملحف))، فـ(من)) هنا استفهاميّة مبتدأ، و((الملحف بصيغة اسم الفاعل خبر
المبتدإ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٩٤- أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةً،
عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلَّهِ: ((مَنْ سَأَلَ، وَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمَا، فَهُوَ الْمُلْحِفُ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((داود بن شابور)) -بالمعجمة، والموحّدة- أبو
سليمان المكيّ [٦].
قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال إبراهيم الحربيّ: مكيّ
ثقة. وذكر البيهقيّ في ((المعرفة)) أنّ الشافعيّ قال: هو من الثقات. وذكره ابن حبّان في
١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
((الثقات))، وقال: قيل: إنه داود بن عبد الرحمن بن شابور. روى له البخاريّ في
(الأدب المفرد))، وأبو داود، والمصنّف. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون كلهم ثقات، وقد تقدّموا في الباب الماضي والذي قبله. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَیْبٍ، عَن أپِیهِ) شعیب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص (عَنْ
جَدِّهِ) الصحيح أن الضمير يعود إلى شعيب، لا إلى عمرو، وجدّه هو عبد الله بن عمرو بن
العاصِ رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((مَنْ سَأَلَ) أي من الناس مالًا
(وَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَهُوَ الْمُلْحِفُ) أي فهو
الملحّ في المسألة الذي بين حكمه -وهو التحريم- في حديث الباب المتقدّم بقوله: ((لا
تلحفوا في المسألة)). والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى
عنهما هذا صحيح، انفرد به المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٥٩٤/٨٩ - وفي
(«الكبرى»٢٣٧٥/٩١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٩٥ - أَخْبَرَنَا قُتَنِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اِبْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبْد
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: سَرَّحَثْنِي أَمِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَرِ،
فَأَتَيْتُهُ، وَقَعَدْتُ فَاسْتَقْبَلَنِي، وَقَالَ: ((مَنِ اسْتَغْتَى أَغْنَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ سَأَلَ، وَلَهُ قِيمَّةُ أُوقِيَّةٍ، فَقَدْ
أَلْحَفَ))، فَقُلْتُ: نَاقَّتِي الْيَاقُوتَةُ خَيْرٌ مِنْ أُوقِيئَةٍ، فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَسْأَلْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] ١/١.
٢- (ابن أبي الرجال) هو: عبد الرحمن بن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن
الأنصاريّ المدنيّ، نزيل الثُّغُور، صدوق ربّما أخطأ [٨]٩٤٩/٤٣ من رجال الأربعة.
٣- (عمارة بن غزية) الأنصاري المدني، لا بأس به [٦] ١٦٨/ ١١٣٧.
٤- (عبد الرحمن بن أبي سعيد) الخدري الأنصاري المدني، ثقة [٣] ٣٢٦/١.
٥- (أبوه) سعد بن مالك بن سنان الخدري، أبو سعيد الأنصاري تافهتا ١٦٩/ ٢٦٢.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ويَقّْالمُ، وأن رجاله رجال الصحيح غير ابن أبي
،
١٩٩
٨٩- (مَن المُلحِفُ؟) - حديث رقم ٢٥٩٥
الرجال كما مرّ آنفًا، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو سعيد ◌َّه من المكثرين السبعة
روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله
تعالى عنهما، أنه (قَالَ: سَرَّحَتْنِي أَمِّي) بتشديد الراء، من التسريح، وهو الإرسال، أي
أرسلتني (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مِ لُ﴾ أي ليسأله شيئًا من المال لحاجة ألمّت بهم، كما بيّنته
الرواية الآتية في المسألة الرابعة عن ((التمهيد)) لابن عبد البرّ رحمه اللَّه تعالى (فَأَتَيْتُهُ،
وَقَعَدْتُ، فَاسْتَقْبَلَنِي) يقال: استقبلت الشيءَ: إذا واجهته (وَقَالَ) وَِّ (مَنِ) هي في
المواضع الثلاثة يحتمل أن تكون موصولة مبتدأ، ويحتمل أن تكون شرطيّة (اسْتَغْنَى
أَغْنَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) أي من طلب من الله تعالى أن يُغنيه عن مسألة الناس رزقه الغنى
عنهم، إما بأن يرزقه مالًا كثيرًا، أو يرزقه القناعة بما لديه، وإن قلّ (وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) أي من طلب من الله تعالى أن يرزقه العفاف من الحرام رزقه الله تعالى
الحلال الذي يمنعه من الوقوع في الحرام، أو يرزقه العفّة منه (وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ) أي من طلب من الله تعالى الكفاية رزقه ما يكفيه عن التعرّض لما عند الناس
بالسؤال أو غيره (وَمَنْ) هي هنا شرطيّة؛ لاقتران جوابها بالفاء (سَأَلَ، وَلَهُ قِيمَةُ أُوْقِيَّةٍ) -
بضمّ الهمزة، وتشديد الياء- قال الفيّوميّ: هي عند العرب أربعون درهمًا، وهي في
تقدير أُفعولة، كالأُعجوبة، والأُحدُوثة، والجمع الأواقيّ بالتشديد، والتخفيف. وقال
ثعلبٌ في باب المضموم أوّلُهُ: وهي الأُوقيّة، والْوُقيّة لغة، وهي بضمّ الواو، هكذا هي
مضبوطة في كتاب ابن السّكّيت. وقال الأزهريّ: قال الليث: الوُقيّة سبعة مثاقيل، وهي
مضبوطة بالضمّ أيضًا. قال المطّرّزيّ: وهكذا هي مضبوطةٌ في شرح السنّة في عدّة
مواضع، وجرى على ألسنة الناس بالفتح، وهي لغة حكاها بعضهم، وجمعُها وَقَاياً، مثلُ
عَطيّة وعَطَّيَا انتهى كلام الفيّوميّ(١).
سمّيت أوقيّة من الوقاية؛ لأن المال مخزون مصون، أو لأنه يقي الشخص من
الضرورة.
قال الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: والأوقيّة إذا أطلقت، فإنما يراد بها الفضّة،
دون الذهب وغيره، هذا قول العلماء، ألا ترى إلى حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله
تعالى عنه: ((ليس فيما دون خمس أوق صدقة)) فلم يختلف العلماء أنه لم يَعنِ بذلك إلا
(١) - ((المصباح المنير)) في مادّة وقى.
٢٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الفضّة، دون غيرها، وما علمت أن أحدًا قال في الأوقيّة المذكورة في هذا الحديث أنه
أريد بها غير الفضّة، وفي ذلك كفاية انتهى(١).
وقال الباجي رحمه اللّه تعالى: هذا إنما هو في السؤال دون الأخذ، فيحلّ أخذ
الصدقة لمن له خمس أواق، وإن كان تجب عليه زكاتها، إذا كان ذاعيال. انتهى (٢).
(فَقَدْ أَلْحَفَ) أي سأل بالإلحاح المنهيّ عنه. قال أبو سعيد (فَقُلْتُ) أي في نفسي
(نَاقَتِي الْيَاقُوتَةُ) أي المسمّاة بهذا الاسم (خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ، فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَسْأَلْهُ) أي لم
أسأل النبيّ وَّ شيئًا من المال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٩٥/٨٩- وفي ((الكبرى)) ٢٣٧٦/٩١. وأخرجه (د) في
((الزكاة) ١٦٢٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ١٠٦٠٦ و١٠٦٧٦ و١١٠٠٠٧ .
والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان معنى الْمُلْحِف، وهو الذي
يسأل، وعنده من المال أوقيّة، وهو أربعون درهمًا (ومنها): أن هذا الحديث، والذي
قبله فيه بيان معنى قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ الآية (ومنها): ما كان
عليه النبيّ ◌َّر من بيان الأحكام للناس، ولو لم يسأله أحد؛ حيث إن الله تعالى وكل
إليه البيان بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (ومنها): فضل
أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، حيث ترك السؤال، وقد جاء من أجله لَمّا سمع من
النبيّ وََّ ما يُنَفّر عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): ذكر الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى أن حديث أبي سعيد رضي
اللَّه تعالى عنه المذكور في الباب روي بغير هذا اللفظ، فقال في ((التمهيد)» - بعد أن أورد
حديث رجل من بني أسد الآتي في الباب التالي -: ما لفظه:
(١) - ((التمهيد)) ج ٤ ص٩٦.
(٢) - ((شرح الزرقانيّ)) على ((الموطأ)) ج٤ ص٤٢٦ .