Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٦١- (صدقةُ البخيل) - حديث رقم ٢٥٤٧
(إِلَى تَرَاقِيهِمَا) بفتح المثنّة الفوقيّة، وقاف، جمع تَرْقُوة -بفتح المثنّة، وسكون الراء،
وفتح الواو -: هما العظمان المشرفان في أعلى الصدر.
قال في ((المصباح)): التَّرْقُوَة: وزنُهَا فَعْلُولَةٌ - بفتح الفاء، وضمّ اللام- وهو العظم
الذي بين ثُغْرَة النَّخر والعاتق من الجانبين، والجمع التّرَاقِي. قال بعضهم: ولا تكون
التَّرْقُوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان انتهى.
وهذا إشارة إلى ما جُبل عليه الإنسان من الشحّ، ولذا جمع بين البخيل، والجواد فيه
(فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ أَنْ يُثْفِقَ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الدِّرْعُ) - بكسر، فسكون -: قال الفيّوميّ رحمه
اللَّه تعالى: دِرْعُ الحديد مؤنثةٌ في الأكثر، وتُصغّر على دُريع، بغير هاء على غير قياس،
وجاز أن يكون التصغير على لغة من ذكّر، وربّما قيل: دُريعةٌ بالهاء، وجمعها أَذرُعٌ،
ودُرُوعٌ، وأدراعٌ. قال ابن الأثير: وهي الزَّرَدِيّة. ودرع المرأة: قميصها مذكّر انتهى.
وفيه إشارة إلى ما يُفيض اللَّه تعالى على من يشاء من التوفيق للخير، فيشرح لذلك
صدره (أَوْ مَرَّتْ) أي جازت ذلك المحلّ. و((أو)) للشكّ من بعض الراوة (حَتَّى تُجِنَّ) -
بضمّ أوّله، وكسر الجيم، وتشديد النون- من أجنّ الشيءَ: إذا ستره، أي تستر (بَنَانَهُ)
بالنصب مفعول ((تجنّ)) وهو-بفتح الموحّدة، ونونين خفيفتين- قال الفيّوميّ رحمه الله
تعالى: البَنَانُ: الأصابع. وقيل: أطرافها، الواحدة بَنَانَةٌ. قيل: سمّيت بَنَانًا؛ لأنّ بها
صلاحَ الأحوال التي يستقرّ بها الإنسان؛ لأنه يقال: أَبَنَّ بالمكان: إذا استقرّ به. انتهى.
(وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ) أي تمحوَ أثر مشيه بسبوغها، وكمالها. يقال: عفا المنزلُ عَفْوًا، وعَفَاءً
-بالفتح، والمدّ: دَرَسَ، وعَفَتْهُ الريحُ، يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، ومنه: ﴿عَفَا اللَّهُ
عَنكَ﴾: أي محا ذنوبك، وعفوتُ الحقّ: أسقطته، كأنّك محوته عن الذي هو عليه،
وعافاه اللَّه: محا عنه الأسقام. قاله الفيّوميّ.
والمناسب هنا المتعدّي، ولذا نَصَبَ ((أثرَهُ)). والمعنى: أن الصدقة تستر خطاياه،
كما يغطّي الثوبُ الذي يُجَرُّ على الأرض أثرَ صاحبه، إذا مشى بمرور الذيل عليه. قاله
في ((الفتح)).
وقال النوويّ نقلًا عن القاضي عياض رحمهما اللَّه تعالى: هو تمثيلٌ لنماء المال
بالصدقة، والإنفاق، والبخل بضدّ ذلك. وقيل: هو تمثيلٌ لكثرة الجود والبخل، وأنّ
المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، وتعوّد ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادةً له.
وقيل: معنى («تعفو أثره)) أي تَذْهَبَ بخطاياه، وتمحوها. وقيل في البخيل: ((قلَصَت،
ولَزِمَت كلُّ حلقة مكانها)): أي يُحمَى عليه يوم القيامة، فيكوى بها. والصواب الأوّل،
والحديث جاء على التمثيل، لا على الخبر عن كائن. وقيل: ضرب المثل بهما؛ لأنّ

٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
المنفق يستره الله تعالى بنفقته، ويستر عورته في الدنيا والآخرة، كستر هذه الْجُنّة
لابسها، والبخيل كمن لبس جُبّة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفًا، بادي العورة، مُفتَضَحًا في
الدنيا والآخرة انتهى(١) .
(وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ، قَلَصَتْ) -بفتح القاف، واللام، والصاد المهملة -: أي
انقبضت. يقال: قَلَصَت شَفَتُهُ تَقْلِصُ، من باب ضرب: انزَوَتْ، وتقلَّصَت مثله،
وقَلَصَ الظلُّ: ارتفع، وقَلَصَ الثوبُ: انزوَى بعد غَسْلِهِ. قاله الفيّوميّ (وَلَزِمَتْ) وفي
لفظ: ((لَزِقَت)) (كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا) يعني اشتدّت، والتصقت الحلقة بعضها ببعض. قال
الفيّوميّ رحمه الله تعالى: حَلْقَةُ البابِ بسكون اللام، من حديد وغيره، وحَلْقَةُ القوم
الذين يجتمعون مستديرين، والْحَلْقَة السّلاحُ كلُّهُ بالسكون، والجمعُ حَلَقٌ بفتحتين،
على غير قياس. وقال الأصمعيّ: والجمع حِلَقْ بكسر، ففتح، مثلُ قَصْعَة وقِصَعِ،
وبَذْرَةٍ وبِدَرٍ. وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء أنّ الحَلَقَّة بفتحِ اللام لغة فَي
السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياسٌ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبٍ. وجَمعَ ابنُ السّرّاج
بينهما، وقال: فقالوا: حَلَقْ بفتحتين، ثمّ حقَّقُوا الواحد حين ألَحقوه الزيادة، وغيِّرَ
المعنى، قال: وهذا لفظ سيبويه انتهى كلام الفيّوميّ ببعض تصرّف(٢).
وقال المجد اللغويّ: وحَلْقَةُ الباب، والقوم، وقد تُفتحُ لامهما، وتُكسرُ، أو ليس
في الكلام حَلَقَةٌ، محرَّكَةً، إلّا جَمْعَ حالق، أو لغةٌ ضعيفة، جمعه حَلَقٌ، محرَّكَةٌ،
وكَبِدَرٍ، وحَلَقَاتٌ، محرّكةً، وتكسر الحاء انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل من مجموع ما ذُكر أن ((الْحَلْقَة)) يجوز في
حائه الفتح، والكسر، وفي لامه السكون، وهو الأفصح، والفتح، وهو قليل، وذكر في
(تاج العروس)) عن ((العُباب)) كسر اللام، قال: نقله الفرّاء، والأمويّ، وقالا: هي لغة
لبلحرث بن كعب.
وأما جمعه فحَلَقْ محرّكةً، وحِلَق، بكسر، ففتح، وحَلَقَات، محرّكةً، وتكسر حاؤه.
والله تعالى أعلم.
(حَتَّى إِذَا أَخَذَتْهُ بِتَرْقُوَتِهِ) تقدّم معناها قريبًا (أَوْ بِرَقَبَتِهِ) شكّ من الراوي، وجواب ((إذا))
محذوفٌ دلّ عليه ما بعده، تقديره: أخذ يوسّعها، فلا تتّسع. والله تعالى أعلم.
(يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ) فيه التفات؛ لأنّ الظاهر أن يقول: ((أنّي رأيت الخ))
(١) - راجع ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ج٧ ص١٠٩ . طبعة دار الريان للتراث.
(٢) - راجع ((المصباح المنير)).
(٣) - راجع ((القاموس المحيط)).

٢٣
٦١ - (صدقةُ البخيل) - حديث رقم ٢٥٤٧
(رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُوَسِّعُهَا، فَلَا تَتَّسِعُ) وفي الرواية التالية:
((وسمعت رسول اللّه وَله يقول: ((فيجتهد أن يوسّعها، فلا تتّسع)). وفي رواية عند
الشيخين: «فأنا رأيت رسول اللّه وَ ل يقول بأصبعه هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسّعها،
ولا تتّسع)). ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق، عن أبي الزناد في الحديث: ((وأما
البخيل، فإنها لا تزداد عليه إلا استحكامًا)).
(قَالَ طَاوُسٌ) يعني أن ما تقدّم هو رواية الأعرج، عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى
عنه، وأما طاوس، فقال في روايته (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي اللّه تعالى عنه (يُشِيرُ بِيَدِهِ)
وفي نسخة: ((بيديه)). والظاهر أن هذه الجملة حال من محذوف، تقديره: يقول: رأيت
رسول اللّه وَل، يشير بيده)). يوضّح ذلك رواية مسلم من طريق إبراهيم بن نافع، عن
الحسن بن مسلم، عن طاوس، بلفظ: ((قال: فأنا رأيت رسول اللّه وَّه، يقول بإصبعه
في جيبه، فلو رأيته يوسّعها، ولا تَوَسّع)) (وَهُوَ يُوَسِّعُهَا) جملة في محلّ نصب على
الحال، والواو حاليّة، فهو من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة، ويجوز أن تكون الواو
عاطفة، فيكون معطوفًا على الحال الأولى (وَلَا تَتَوَسَّعُ) يعني أنه يحاول في توسيعها،
ولكنّها لا تقبل التوسيع؛ لاستحكام تقلّصها، وثبوتها في مكانها.
قال التوربشتيّ رحمه الله تعالى: معنى الحديث أنّ الجواد الموفّق إذا همّ بالصدقة
اتسع لذلك صدره، وطاوعته نفسه، وانبسطت بالبذل والعطاء یداه، کالذي لبس درعًا،
فاسترسلت عليه، وأخرج منها يديه، فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه، فأجبته،
وحصنته. وأنّ البخيل إذا أراد الإنفاق حَرِجَ به صدره، واشمأزّت عنه نفسه، وانقبضت
عنه يداه، كالذي أراد أن يستجنّ بالدرع، وقد غُلّت يداه إلى عنقه، فحال ما ابتُلي به بينه
وبين ما يبتغيه، فلا يزيده لبسها إلا ثقلًا، ووبالًا، والتزامًا في العنق، والتواءً، وأَخْذَا
بالترقوة انتهى.
وقال في ((الفتح)): قال الخطّابيّ وغيره: وهذا مثلٌ ضربه النبيّ وَّ للبخيل
والمتصدّق، فشبّههما برجلين أراد كلّ واحد منهما أن يلبس درعًا، يستتر به من سلاح
عدوّه، فصبّها على رأسه ليلبسها، والدرعُ أول ما تقع على الصدر، والثديين إلى أن
يُدخل الإنسان يديه في كمّيها، فجَعَلَ المنفقَ كمن لبس درعًا سابغةً، فاستَرسَلَت عليه،
حتّى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: ((حتّى تعفوَ أثره)): أي تستر جميع بدنه. وجَعَلَ
البخيلَ كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه، كلّما أراد لبسها، اجتمعت في عنقه، فلزمت
ترقوتَهُ، وهذا معنى قوله: ((قلَصَت)): أي تضامّت، واجتمعت.
والمراد أنّ الجواد إذا هَمَّ بالصدقة انفسح لها صدره، وطابت نفسه، فتوسّعت في

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الإنفاق -أي وطاوعت يداه بالعطاء -. والبخيل إذا حدّث نفسه بالصدقة شحّت نفسه،
فضاق صدره، وانقبضت يداه: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]
انتھی .
وقال الطيبيّ: أوقع المتصدّق مقابل البخيل، والمقابل الحقيقيّ السخيّ، إيذانًا بأنّ
السخاء ما أَمَرَ به الشرع، وندب إليه من الإنفاق، لا ما يتعاناه المبذّرون، وخصّ المشبّه
بهما بلبس الجبّتين من الحديد، إعلامًا بأنّ الشّخّ، والقبض من جبلّة الإنسان، وخلقته،
وأنّ السخاء من عطاء الله تعالى، وتوفيقه، يمنحه من يشاء من عباده المفلحين، وخصّ
اليد بالذكر؛ لأنّ السخيّ، والبخيل يوصفان ببسط اليد وقبضها، فإذا أريد المبالغة في
البخل قيل: مغلولة يده إلى عنقه، وثديه، وتراقيه. وإنما عدل عن الغُلّ إلى الدرع
لتصوّر معنى الانبساط والتقلّص، والأسلوبُ من التشبيه المفرّق، شبّه السخيّ الموفّق،
إذا قصد التصدّق، يسهل عليه، ويطاوعه قلبه بمن عليه الدرع، ويده تحت الدرع، فإذا
أراد أن يُخرجها منها، وينزعها يسهل عليه، والبخيل على عكسه انتهى.
وقال المنذريّ: شبّهِ وَهَ نِعَمَ اللَّه تعالى، ورزقه بالْجُنَّة، وفي رواية بالْجُبَّة، فالمنفق
كلّما أنفق اتّسعت عليه النعم، وسَبَغَت، ووَفَرَت حتّى تستره سَتْرًا كاملًا شاملًا.
والبخيل كلّما أراد أن يُنفق منعه الشخ، والحرص، وخوف النقص، فهو بمنعه يطلب أن
يزيد ما عنده، وأن تتّسع عليه النعم، فلا تتّسع، ولا تستر منه ما يروم ستره. انتهى(١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦١/ ٢٥٤٧ و٢٥٤٨ - وفي («الكبرى» ٢٣٢٧/٦٣ و٢٣٢٨ . وأخرجه (خ)
في ((الزكاة)) ١٢٥٢ وفي ((الجهاد والسير)) ٢٧٠١ وفي ((اللباس)) ٥٣٥١ (م) في ((الزكاة))
١٦٩٥ و١٦٩٦ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين)) ٧١٧١ و٨٦٩٦ و١٠٣٥٢. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان صفة البخيل في الصدقة،
(١) - راجع ((الترغيب والترهيب)) ج٤ ص٣٩. و((مرعاة المفاتيح)) ج٦ ص٢٨٧-٢٨٨.

٦١- (صدقة البخيل) - حديث رقم ٢٥٤٨
٢٥
فقد مثّله في الحديث بالمثل السوء، والمراد منه التنفير عن البخل، وأنه صفة اللؤماء
(ومنها): بيان صفة السخيّ في الصدقة، وأن السخاء من صفات الكرماء المفلحين الذين
عناهم اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ. فَأَوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]
(ومنها): مشروعيّة ضرب الأمثال لتوضيح المقال، حتّى يتّضح للسامع أتمّ الاتضاح،
فيحصُرَه، ويستقرّ في ذهنه غاية الاستقرار، فيسحتضره (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه
الله تعالى: وفي هذا دليل على لباس القميص، وكذا ترجم عليه البخاريّ («باب جيب
القميص من عند الصدر))؛ لأنه المفهوم من لباس النبيّ وَّر في هذه القصّة، مع أحاديث
أخرى صحيحة، وردت في ذلك انتهى(١) .
قال ابن بطّال رحمه الله تعالى: وموضع الدلالة منه أنّ البخيل إذا أراد إخراج يده
أمسكت في الموضع الذي ضاق عليها، وهو الثدي، والتراقي، وذلك في الصدر،
قال: فبان أنّ جيبه كان في صدره؛ لأنه لو كان في يده لم تضطرّ يداه إلى ثدييه، وتراقيه
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٤٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَقَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ، قَالَ: ((مَثَلُ الْبَخِيل
وَالْمُتَصَدْقِ، مَثَلُ رَجُلَيْنٍ، عَلَيْهِمَا جُثَّتَانٍ، مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطَرَّتْ أَيْدِيَهُمَا إِلَىَ
تَرَاقِيهِمَا، فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدُقُ بِصَدَقَةٍ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ، وَكُلَّمَا هَمَّ
الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ، تَقَبَّضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا، وَتَقَلِّصَتْ عَلَيْهِ، وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى
تَرَاقِيهِ))، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا، فَلَا تَتَّسِعُ))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه
من أفراده، وهو ثقة. و((عفّان)): هو ابن مسلم الصفّار البصريّ. و((وُهيب)): هو ابن
خالد الباهليّ البصريّ.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله.
وقوله: ((قد اضطرّت أيديهما إلى تراقيهما)) قال القسطلانيّ: بفتح الطاء، ونصب
التحتانيّة الثانية، من ((أيديهما)) عند أبي ذرّ على المفعوليّة، ولغيره بضمّ الطاء، وسكون
التحتيّة، مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل. وقال القاري: بضمّ الطاء: أي شُدّت، وضُمّت،
والتصقت. وفي نسخة بفتح الطاء، ونصب ((أيديهما)) على أنّ ضمير الفعل إلى جنس
الْجُنّة المفهوم من التثنية انتهى (٢).
(١) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص ١١٠.
(٢) - راجع ((المرعاة)) ج ٦ ص ٢٨٧ .
/

٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنّ في ((اضطرّت)) ضبطين: أحدهما: البناء
للفاعل، وعليه فالفاعل ضمير يعود إلى الجنّة المفهومة من ذكر الجنتين، و((أيديَهُما))
منصوب على المفعوليّة. والثاني البناء للمفعول، وعليه فـ((أيديهما)) نائب عن الفاعل.
وقوله: ((اتسعت)) الضمير فيه أيضًا يعود إلى ما عاد عليه الضمير الفاعل، أي اتسعت
الجبّة .
وقوله: ((حتّى تُعفّي أثره)) بتشديد الفاء للمبالغة، من التعفية، وهو التغطية، والستر،
أي حتّى تغطّي، وتستر أثر مشيه. وهو بمعنى قوله في الرواية السابقة: ((حتّى تَعفُوَ
أثره)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٦٤- (الإِخْصَاءُ فِي الصَّدَقَةِ)
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالّة على حكم الإحصاء في الصدقة، وهو النهي.
و((الإحصاء)): مصدر أحصيتُ الشيءَ أُحصيه: إذا علمته، أو عَدَدته، أو أطقته،
والمناسب المعنى الأول والثاني. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٤٩- أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِي(١) اللَّيْثُ،
قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ هِنْدٍ، عَنْ أَبِّي أَمَامَةَ بْنِ سَفِلٍ بْنِ
حُنَيْفٍ، قَالَ: كُنَّا يَوْمَا فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسا، وَنَفَرَّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْنَا
رَجُلًا إِلَى عَائِشَةَ؛ لِيَسْتَأْذِنَ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ سَائِلٌ مَرَّةٌ، وَعِنْدِي رَسُولُ
اللَّهِ وَهِ، فَأَمَرْتُ لَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ دَعَوْتُ بِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَمَا
تُرِيدِينَ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَكِ شَيْءٌ، وَلَا يَخْرُجَ إِلَّا بِعِلْمِكَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((مَهْلَا يَا
عَائِشَةُ لَا تُحُصِي فَيُخْصِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكِ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١- (مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَم) المصري الفقيه، ثقة [١١]١٦٦/١٢٠.
٢- (شُعيب) بن الليث الفهمي مولاهَمَ، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه،
(١) -وفي نسخة: ((حدّثنا)).

=
٢٧
٦٤ - (الإِخْصَاءُ فِي الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٤٩
من كبار [١٠]١٢٠ / ١٦٦ .
٣- (الليث) بن سعد، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه [٧]٣٥/٣١.
٤ - (خالد) بن يزيد الجمحيّ المصريّ الفقيه الثقة ٤١[٦] / ٦٨٦.
٥- (ابن أبي هلال) هو: سعيد بن أبي هلال الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ
الثقة [٦]/ ٦٨٦ .
٦- (أُميّة بن هند) المزنيّ الحجازيّ، ويقال: إنه ابن هند بن سعد بن سهل بن
حُنيف، مقبول [٥].
روى عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعروة بن الزبير،
وغيرهم. وعنه سعيد بن أبي هلال، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: لا أعرفه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) في
التابعين، فقال: أميّة بن هند، عن أبي أمامة، وعنه سعيد بن أبي هلال. ثم ذكره في
أتباع التابعين، فقال: أميّة بن هند بن سهل بن حُنيف، يروي عن عبد الله بن عامر، إن
كان سمع منه، وعنه عبد الله بن عيسى انتهى. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عند
المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧- (أَبِوِ أَمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيف) الأنصاريّ، معروف بكنيته، واسمه أسعد،
معدود في الصحابة للرؤية، مات سنة (١٠٠) وله (٩٢) سنة، تقدّم في ٥٠٩/٨ .
٨- (عائشة) رضي اللَّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده، وأمية فإنه من أفراد وابن ماجه. (ومنها): أنه
مسلسل بالمصريين، إلى ابن أبي هلال، والباقون مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية الابن
عن أبيه، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة رضي اللَّه تعالى عنها من المكثرين
السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) أسعد (بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: كُنَّا يَؤْما فِي
الْمَسْجِدِ) أي النبويّ (جُلُوسا) جمع جالس (وَتَفَرْ) بالرفع عطفًا على اسم ((كان))؛ لوجود
الفصل، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعٍ مُتَّصِلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ

شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ فِي النَّظُمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِذْ
و(النفر)) -بفتحتين -: جماعة الرجال، من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا
يقال: نَفَرٌ فيما زاد على العشرة. قاله الفيوميّ. والظاهر أن عطفه على ضمير المتكلّم
من باب عطف التفسير؛ لأن المتكلّم من جملتهم. والله تعالى أعلم.
وقوله (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ) بيان للنفر (فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى عَائِشَةَ) رضي اللَّه
تعالى عنها (لِيَسْتَأْذِنَ فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ سائِلٌ مَرَّةً، وَعِنْدِي رَسُولُ اللَّهِ
وَِّ، فَأَمَرْتُ لَهُ بِشَيْءٍ) أي بإعطائه شيئًا من المال (ثُمَّ دَعَوْتُ بِهِ) أي بذلك الشيء الذي
أَمرتُ به للسائل (فَتَظَرْتُ إِلَيْهِ) أي نظرت إلى ذلك الشيء؛ لأعرف قلّته وكثرته (فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: أَمَا) الهمزة للاستفهام التقريريّ، و((ما)) نافية، وذكر ابن هشام
الأنصاريّ في ((مغنيه)) عن المالِقِيَ(١) أن ((أما)) حرف عَرْض، بمنزلة ((أَلَا))، فتختصّ
بالفعل، نحو: ((أما تقومُ))، و((أما تقعدُ)). قال ابن هشام: وقد يُدَّعَى في ذلك أن الهمزة
للاستفهام التقريريّ، مثلها في ((ألم))، وألا))، وأنّ ((ما)) نافية، وقد تحذف هذه الهمزة،
كقوله [من الخفيف]:
مَا تَرَى الدَّهرَ قَدْ أَبَادَ مَعَدًّا وَأَبَادَ السَّرَاةَ مِنْ عَذْنَانِ
انتهى كلام ابن هشام بتصرّف(٢). والمعنى الثاني هو المناسب هنا.
(تُرِيدِينَ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَكِ شَيْءٌ، وَلَا يَخْرُجَ إِلَّا بِعِلْمِكِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ) قال السنديّ
رحمه الله تعالى: تصديق، وتقريرٌ لما بعد الاستفهام من النفي، أي ما أريد ذلك، بل
أريد أن يعطيني اللَّه تعالى من غير علمي بذلك، ضرورةً أنّ الذي يدخل بعلم الإنسان
محصورٌ، ورزق الله أوسع من ذلك، فيطلب منه تعالى أن يُعطي بلا حصرٍ، ولا عَدّ.
وحاصل الاستفهام أما تريدين تقليل الصدقة ورزق اللَّه؟(٣)،. وحاصل الجواب أنها
ما تريد ذلك، بل تريد التكثير فيهما انتهى كلام السنديّ (٤).
(قال لها: ((مَهْلًا يَا عَائِشَةُ) ((المهل)) -بسكون الهاء، ويجوز فتحها -: الاتّتاد في
(١) - ((المالقيّ)) بكسر اللام، بعدها قافٌ: نسبة إلى مالِقَةً، بلدٌ بالأندلس. أفاده في ((لبّ اللباب))
ج٢ ص ٢٣١ .
(٢) - راجع ((مغني اللبيب)) ج١ ص ٥٥ .
(٣) - هكذا في نسخة ((شرح السنديّ)) ((أما تريدين تقليل الصدقة، ورزق الله))، ولعلّ الصواب: ((أنها
تريد تقليل الصدقة، ورزق الله)). والله تعالى أعلم.
(٤) - راجع (شرح السندي» ج٥ص٧٣ .

=
٢٩
٦٤- (الإِخْصَاءُ فِي الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٤٩
الأمر، والرفق، والسكينة. قال المجد اللغويّ: الْمَهْل، ويُحرّك، والْمُهْلَة - بالضمّ -:
السكينة، والرفق. وأمهله: رَفَقَ به، ومَهَّلَه تمهيلًا: أجْله. وتَمَهَّلَ: اتّأَد. ويقال: مهلًا
يارجلُ، وكذا للأنثى، والجمع، بمعنى أَمْهِلْ انتهى(١) . ونصبه على أنه مفعولٌ مطلق
لفعل مقدّر، أي أَمْهِلِي مَهْلًا.
وقال السنديّ: ((مهلًا)) أي استعملي الرفق، والتأنّي في الأمور، واتركي الاستعجال
المؤدّي إلى أن تطلبي علمَ ما لا فائدة في علمه انتهى (٢).
(لَا تُحصِي) صيغة نهي للمؤنّث، من الإحصاء، مجزوم بـ(لا)) الناهية، وجزمه بحذف
النون، والياء ضمير المخاطبة، أي لا تَعُدِّي ما تعطينه (فَيُخْصِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكِ")
بالنصب بـ((أن)) مقدّرةً بعد الفاء السببيّة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَخْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
أي لا يوجد منك إحصاء، فيوجد إحصاء اللّه تعالى عليك.
قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: الإحصاء العدّ، قالوا: المراد منه عَدّ الشيء للتبقية،
والادخار، وترك الإنفاق في سبيل اللَّه، وإحصاء الله تعالى يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يَحبس عنك مادة الرزق، ويُقلّله بقطع البركة حتى يصير كالشيء
المعدود. والآخر: أنه يناقشك في الآخرة عليه. انتهى.
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا من مقابلة اللفظ باللفظ للتجنيس، كما قال الله
تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ٥٤]. ومعناه: يمنعك كما منعت،
ويُقتّر عليك كما قتّرت، ويُمسك فضله عنك كما أمسكته. وقيل: معنى ((لا تحصي)) أي
لا تعدّيه، فتستكثريه، فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك انتهى (٣).
وقال في ((الفتح)): الإحصاء معرفة قدر الشيء وزنًا، أو عددًا، وهو من باب
المقابلة، والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النَّفَاد، فإنّ ذلك أعظم الأسباب لقطع
مادة البركة؛ لأنّ اللَّه يثيب على العطاء بغير حساب، ومن لا يحاسبُ عند الجزاء لا
يحسب عليه عند العطاء، ومن علم أنّ الله يرزقه من حيث لا يحتسب، فحقّه أن
يُعطي، ولا يحسُب. وقيل: المراد بالإحصاء عَدُّ الشيء لأن يُدَّخَر، ولا يُنفَق منه،
وإحصاءُ اللَّه قطع البركة عنه، أو حبس مادة الرزق، أو المحاسبة عليه في الآخرة
(١) - راجع ((القاموس المحيط)).
(٢) - راجع ((شرح السنديّ) ج٥ص٧٣ .
(٣) - راجع ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ج٧ص١١٩ .

٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا حديث صحيح.
[فإن قلت]: کیف یصخ، وفي إسناده ، اُميّة بن هند، ولم یوثّقه إلا ابن حبان، بل
قال ابن معين: لا أعرفه؟
[قلت]: الحديث له شاهد، أخرجه أبو داود في ((سننه))، فقال:
١٧٠٠ حدثنا مسدد، حدثنا إسمعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن
عائشة، أنها ذكرت عِدَّةً من مساكين، قال أبو داود: وقال غيره: أو عِدَّةً من صدقة،
فقال لها رسول اللّه وَله: ((أعطي، ولا تحصي، فيحصى عليك)). انتهى. وهذا إسناد
صحيح. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٤٩/٦٢ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٣٠/٦٤. وأخرجه (د) في ((الزكاة))
١٧٠٠ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو النهي عن الإحصاء في الصدقة
(ومنها): أن إحصاء الصدقة سبب للبخل؛ لأن النفس تستكثر ما تتصدّق به (ومنها): أن
الإحصاء سبب لحبس الرزق، وقطع فضل الله تعالى (ومنها): أن الجزاء من جنس
العمل (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَله من تعليم أهل بيته السخاء والجود، حتى يفيض
اللَّه تعالى عليهنّ بركاته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٥٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامَ بْنِ عُزوَةَ(١)، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ
أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ النّبِيِّ نِ قَالَ: ((لَا تُحْصِي فَيَخْصِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكِ)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه :
((محمد بن آدم)): هو الْجُهَنيّ المصّيصيّ، وهو صدوق [١٠]١١٥/٩٣ فإنه من أفراده هو
وأبي داود.
(١) -سقط من بعض النسخ ((ابن عروة)).

٣١
٦٤- (الإِخْصَاءُ فِي الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٥١
و((عبدة)): هو ابن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن،
ثقة ثبت، من صغار [٨]٣٣٩/٧.
وشرح الحديث يعلم مما قبله وبعده، وهو متفق عليه، وسيأتي تخريجه في الحديث
التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٥١- أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَجَّاجٍ، قَالَ: قَالَ اِبْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِ ابْنُ
أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ،: أَنَّهَا جَاءَتِ
النَّبِيَّ وَّهِ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٍ، إِلَّا مَا أُدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَهَلْ عَلَيَّ
جُنَاحْ، فِي أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: ((ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتٍ، وَلَا تُوكِي فَيُوكِيَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (الحسن بن محمد) الزعفرانيّ، أبو عليّ البغداديّ، صاحب الشافعيّ
الثقة [١٠]٤٢٧/٢١.
٢- (حجّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ الحافظ الثبت [٩]٣٢/٢٨.
٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز الفقيه الثبت الفاضل المكيّ، كان يدلّس
ويرسل [٦]٣٢/٢٨.
٤- (ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبيدالله بن عبد الله بن أبي مليكة، واسمه زهير بن
عبد الله التيميّ المكيّ الثقة الفقيه [٣]١٣٢/١٠١.
٥- (عبّاد بن عبد الله بن الزير) بن العوّام، كان قاضي مكّة زمن أبيه، وخليفته إذا
حجّ، ثقة [٣]٧٠ / ١٩٦٧.
٦- (أسماء) بنت أبي بكر، زوج الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنهم، من كبار
الصحابيّات، عاشت مائة سنة، وماتت سنة ثلاث، أو أربع وسبعين من الهجرة،
وتقدّمت ترجمتها في ٢٩٣/١٨٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحیح. (ومنها): أنه مسلسل بالمکیین من ابن جريج، وشيخه بغدادي، وحجاج
مصيصي .. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، ورواية الراوي عن جدته. والله
تعالى أعلم.

٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
شرح الحديث
(عَنْ أَسْمَاءَ بِئْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيِّ وَلِّ)
بالنصب مفعولًا لـ((جاء))؛ لأنّه يتعدّى بنفسه، يقال: جئتُ زيدًا: إذا أتيت إليه، ويتعدّى
بـ((إلى)) أيضًا، فيقال: جئت إليه على معنى ذهبتُ إليه. أفاده في ((المصباح)) (فَقَالَتْ: يَا
نَبِيَّ اللَّهِ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ، إلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ) بن العوام بن خُوَيلد بن أسد بن
عبد العزى بن قصيّ بن كلاب، أبو عبد الله القرشيّ الأسديّ، أحد العشرة المبشرين
بالجنّة، قُتل سنة (٣٦) بعد مُنصَرَفه من وقعة الْجَمَّل.
والمعنى: ليس لي مالٌ أتصدّق به على المساكين، إلا الذي أعطاني زوجي الزبير
قوتًا، أو أعمّ من ذلك.
(فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ) بضمّ الجيم، أي إثمّ (فِي أَنْ أَرْضَخَ) بفتح الضاد المعجمة: أي
أعطي قليلًا. يقال: رَضَختُ له رَضْخًا، من باب نَفَعَ، ورَضِيخًا: أعطيته شيئًا ليس
بالكثير، والمال رَضْخٌ، تسميةٌ بالمصدر، أو فَعْلٌ بمعنى مفعول، مثلُ ضَرْبِ الأمير،
وعنده رَضْخٌ من خيرٍ: أي شيءٌ منه. قاله الفيّوميّ (مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟) أي من المال الذي
يدخله الزبير عليّ، فحُذف عائد الموصول؛ لكونه فضلة، كما قال في ((الخلاصة)):
.. وَالْخَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
٠٠٠
٠٠٠
فِي عَائِدِ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ بِفِعْلِ اوْ وِصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَبْ
(فَقَالَ: ((ازْضَخِي) بفتح الضاد المعجمة، والهمزة فيه همزة وصل؛ لكونه ثلاثيًّا.
وهذا محمولٌ على ما أعطاها الزبير لنفسها بسبب نفقة وغيرها، أو مما هو ملك للزبير،
ولا يَكرَه الصدقةَ منه، بل يرضى به على عادة غالب الناس. وقد سبق بيان المسألة
قريبًا. أفاده النوويّ(١) ((مَا اسْتَطَعْتِ) قال النوويّ: معناه مما يَرضَى به الزبير، وتقديره:
إنّ لكِ في الرضخ مراتبَ مباحة، بعضها فوق بعض، وكلّها يرضاها الزبير، فافعلي
أعلاها. أو يكون معناه: ما استطعت مما هو ملك لك. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الاحتمال الأخير بعيدٌ، يردّه سياق الحديث، فتنبّه.
والله تعالى أعلم.
(وَلَا تُوكِي) من الإيكاء، وهو شدّ رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يُربط به.
وفي رواية: ((لا توعي)) بالعين المهملة بدل الكاف، وهو بمعناه، يقال: أوعيتُ المتاع
في الوعاء أُوعِيهِ: إذا جعلته فيه (فَيُوكِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكِ") أي يمعنك كما منعت،
(١) - راجع ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ج٧ص ١٢٠.

٦٥- (القُكِيلُ فِي الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٥٢
٣٣ ==
ويقتّر عليك كما قتّرت، ويمسك فضله عنك، كما أمسكت فضلك عن الفقراء
والمساكين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أسماء رضي اللّه تعالى عنها هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٦٢/ ٢٥٥٠ و٢٥٥١ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٣١/٦٤ و٢٣٣٢. وأخرجه
(خ) في ((الزكاة)) ١٤٣٣ و١٤٣٤ وفي ((الهبة)) ٢٥٩٠ و٢٥٩١ (م) في ((الزكاة)) ١٠٢٩
(د) في ((الزكاة)) ١٦٩٩ (ت) في ((البرّ والصلة)) ١٩٦٠ . وفوائد الحديث تقدمت قبل
حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٦٥- (الْقَلِيلُ فِي الصَّدَقَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعيّة إعطاء القليل في الصدقة.
٢٥٥٢- أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُحِلِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ
حَاتِم (١)، عَنِ النَِّيِّ نَّهِ، قَالَ: ((اتّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقْ تَمْرَةٍ)) .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (نصر بن عليّ) الْجَهْضَميّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠]٣٨٦/٢٠.
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ الحافظ الثبت [٨]٤٧/٤٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور[٧]٢٧/٢٤.
٤- (الْمُحِلُّ) -بضم الميم، وكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام- ابن خليفة الطائيّ
الكوفيّ، ثقة [٤]٢٢٤/١٤٣. وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم
٢٢٤ و٣٠٤ و٢٥٥٢ .
(١) -سقط من بعض النسخ ((ابن حاتم)).

٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٥- (عدي بن حاتم) بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، أبو طَريف الطائي الحابي
الشهير، مات سنة (٦٨) وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: ثمانين، وتقدم في ٢٩/
٢١٦٩ . و((والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، والباقيان كوفيان. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِم) رضي اللّه تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ) أنه (قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ) أي
اجعلوا بينكم وبين النّار وقاية، من الصدقة (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) - بكسر المعجمة -: أي
نصفها، أو جانبها، أي ولو كان الاتّقاء بالتصدّق بشِقّ تمرة واحدة، فإنه يفيد.
وفي الطبرانيّ من حديث فضالة بن عُبيد رضي اللَّه تعالى عنه، مرفوعًا: ((اجعلوا
بينكم وبين النار حجابًا، ولو بشِقّ تمرة)). ولأحمد من حديث ابن مسعود رضي الله
تعالى عنه، مرفوعًا أيضًا بإسناد صحيح: ((لِيَتَّقِ أحدكم وجهه النار، ولو بشقّ تمرة)).
وله من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، بإسناد حسن: ((يا عائشة استتري من النار،
ولو بشقّ تمرة، فإنها تَسُدُّ من الجائع مَسدَّها من الشبعان)). ولأبي يعلى من حديث أبي
بكر رضي اللَّه تعالى عنه نحوه، وأتمّ منه، بلفظ: «تقع من الجائع موقعها من
الشبعان)). وكأنّ الجامع بينهما في ذلك حلاوتها. قاله في ((الفتح))(١).
[تنبيه]: هذا الحديث مختصرٌ من حديث عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه
الطويل، وقد ساقه البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) بطوله، فقال:
٣٥٩٥ حدثني محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعد
الطائي، أخبرنا مُحِلّ بن خليفة، عن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي وَلتر، إذ أتاه
رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: ((يا عدي هل رأيت
الْحِيرَة؟)) قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال: ((فإن طالت بك حياة، لَتَرَيَنَّ الظعينةَ
ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا اللَّه)) -قلت فيما بيني وبين
نفسي: فأين دُعَّار طَيِّئِ الذين قد سَعّرُوا البلاد - ((ولئن طالت بك حياة، لتُفْتَحَنّ كنوز
كسرى))، قلت: كسرى بن هرمز؟، قال: ((كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة،
(١) - راجع ((الفتح)) ج٤ ص٣٢-٣٣.
-

٣٥
٦٥ - (الفكِيلُ فِي الصَّدقةِ) - حدیث رقم ٢٥٥٣
لترين الرجل يُخرِج مِلْءَ كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا
يقبله منه، ولَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أحدُكُم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان، يترجم له، فليقولن
له: ألم أَبْعَث إليك رسولا، فيبلغك، فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا، وأَفْضِل
عليك، فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره، فلا يرى
إلا جهنم))، قال عدي: سمعت النبي ◌َّ، يقول: ((اتقوا النار ولو بشقة تمرة، فمن لم
يجد شقة تمرة، فبكلمة طيبة))، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى
تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا اللّه، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت
بكم حياة، لَتَرَوُنَّ ما قال النبي أبو القاسم بَّر: ((يخرج ملء كفه)). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، والمسائل المتعلّقة به ستأتي
في الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٥٣- أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنَّ
عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِ النَّارَ،
فَأَشَاحَ بِوَجِهِهِ، وَتَعَوَّذَ مِنْهَا، ذَكَرَ شُعْبَةُ أَنَّهُ فَعَلَهُ ثَلاثَّ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ((اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ
بِشِقُ الثَّمْرَةِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيَِّةٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحدَريّ البصريّ ثقة [١٠]٤٧/٤٢، من أفراد المصنف.
٢ - (عمرو بن مُرّة) الْجَمَليّ الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد، رمي بالإرجاء [٥]١٧١/ ٢٦٥.
٣- (خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة الْجُعفيّ الكوفيّ، ثقة، يرسل [٣]١١٤/
٢٠٥٦ . والباقون تقدموا في السند الذي قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة،
وبالكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ النَّارَ،
فَأَشَاحَ بِوَجِهِهِ) بشين معجمة، وحاء مهملة: أي أظهر الحذر منها. قال الخليل: أشاح
بوجهه عن الشيء: نَخَّاه عنه. وقال الفرّاء: الْمُشِيحِ: الْحَذِرُ، والْجادّ في الأمر.

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
والْمُقبِلُ في خطابه، المانع لما وراء ظهره. فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني:
أي حَذِرَ النارَ، كأنه ينظر إليها، أو جَدَّ على الوصيّة باتقائها، أو أقبل على أصحابه في
خطابه بعد أن أعرض عن النار لَمَّا ذكرها. انتهى(١).
وحكى ابن التين: أنّ معنى ((أشاح)) صدّ، وانكمش. وقيل: صرف وجهه كالخائف
أن تناله . انتھی.
(وَتَعَوَّذَ مِنْهَا) أي التجأ إلى اللَّه تعالى ليعصمه من النار (ذَكَرَ شُعْبَةُ أَنَّهُ فَعَلَهُ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ) يعني أن شعبة رحمه الله تعالى ذكر في روايته أن النبيّ وَّ فعل ما ذُكر من
الإشاحة، والقول ثلاث مرّات. وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعمش، عن عمرو بن
مُرّة: قال النبيّ وَّرَ: ((اتّقوا النار))، ثمّ أعرض، وأشاح، ثم قال: ((اتّقوا النار))، ثمّ
أعرض، وأشاح، ثلاثًا، حتّى ظننا أنه ينظر إليها ... )) (ثُمَّ قَالَ: ((اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقْ
التَّمْرَةِ) أي اجعلوا بينكم وبين النار وِقَايَةً، من الصدقة، وعَمَلِ البرّ، ولو بشيء يسير
(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) ما تتصدّقون به من المال اليسير (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ))) أي فتصدّقوا بكلمة
طيّبة .
قال ابن هُبيرة: المراد بـ((الكلمة الطيّبة)) هنا ما يدلّ على هُدّى، أو يردُّ عن ردّى،
أو يُصلح بين اثنين، أو يَفصِل بين متنازعين، أو يَحُلُّ مشكلا، أو يكشف غامضا، أو
يدفع ثائرًا، أو يسكّن غضبًا. ذكره في ((الفتح)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عديّ بن حاتم رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٥٥٢ و ٢٥٥٣- وفي ((الكبرى)) ٢٣٣٣/٦٥ و٢٣٣٤. وأخرجه (خ)
في ((الزكاة)) ١٤١٣ و١٤١٧ و(المناقب)) ٣٥٩٥ و((الأدب)) ٦٠٢٣ و((الرقاق)) ٦٥٣٩
و٧٥١٣ و((التوحيد)» ٧٥١٢ (م) في ((الزكاة)) ١٠١٦ (أحمد) في ((مسند الكوفيين))
١٧٧٨٢ و١٧٨١٠ و١٨٨٣ (الدارميّ) ١٦٥٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الحثّ على الصدقة، ولو
(١) - راجع ((النهاية في غريب الحديث)) ج٢ ص ٥ بزيادة من ((فتح الباري)) ج٢٢١/١٣-٢٢٢.

٦٦- (بابُ التّخریض على الصَّدقة) - حديث رقم ٢٥٥٤
٣٧
بالقليل (ومنها): أن الصدقة تُقبَل، ولو قلّت، لكن بشرط أن تكون طيّبة، لحديث أبي
هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((أيها الناس، إن اللَّه طيب، لا
يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ
الَِّيَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث،
أغبر، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه
حرام، وغذي بالحرام، فَأَنَّى يستجاب لذلك)). رواه مسلم.
(ومنها): عدم احتقار القليل من الصدقة، وغيرها؛ لأنها تربو عند اللَّه حتى تكون
كالجبل، كما دلّ عليه حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّه وَ لَهُ: ((من
تصدق بعدل تمرة، من كسبٍ طيّبٍ، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، وإن اللَّه يتقبلها بيمينه،
ثم يربيها لصاحبه، كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل)). متفق عليه، وقد
تقدّم للمصنّف رحمه اللّه تعالى نحوه برقم ٢٥٢٥/٤٨.
(ومنها): أن الكلمة الطيّبة تكون وقايةً عن النار كصدقة المال، وقد ثبت كونها
صدقة، فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه، قال: قال
رسول اللّه وَّ: ((كلُّ سُلامَى من الناس، عليه صدقة، كلَّ يوم تطلع فيه الشمس، يعدل
بين الاثنين صدقة، ويُعين الرجل على دابته، فيحمله عليها، أو يرفع عليها متاعه
صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويُمِيط الأذى
عن الطريق صدقة)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنيب)).
٦٦- (بَابُ التَّخْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على التحريض على الصدقة. و((التحريض)):
مصدر حرّضه على الشيء: إذا حضّه، وحثّه عليه. قال الجوهريّ: التحريض على
القتال: الحثّ، والإحماء عليه. قال اللّه تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى
اَلْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. وقال الزجّاج: تأويله: حُثَّهم على القتال، قال: وتأويل
التحريض في اللغة أن تَحَثَّ الإنسانَ حَثأُ يَعلم منه أنه حارضٌ إن تخلّف عنه، قال:

٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
والحارض الذي قد قارب الهلاك. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٥٤ - أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
قَالَ: وَذَكَرَ عَوْنَ بْنَ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، فَجَاءَ قَوْمٌ عُرَاةٌ، حُفَّةٌ، مُتَقَلِّدِي(٢) السُّيُوفِ،
عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلَّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَغَيّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ؛ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ
الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا، فَأَذَّنَ، فَأَقَامَ (٣) الصَّلَاةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ،
فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءٍ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، وَ﴿أَثَّقُواْ اللَّهُ
وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ﴾ [الحشر: ١٨]، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِيَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ
ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ»، حَتَّى قَالَ: ((وَلَوْ بِشِقْ تَمْرَةٍ))، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ
الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ،َ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عِنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ
كَوْمَيْنِ، مِنْ طَعَامِ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَِّ: أَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ
غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيْئَةً، فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ
مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (أزهر بن جَميل) بن جَنَاح الهاشميّ مولاهم، أبو محمد البصريّ الشَّطْيّ - بفتح
الشين المعجمة، وتشديد الطاء المهملة-، صدوقٌ يُغرِبُ [١٠].
قال النسائيّ: لا بأس به. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
وقال الكلاباذيّ: مات سنة (٢٥١). روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وله في هذا
الكتاب (٥) أحاديث فقط برقم ٢٥٥٤ و٣٤٦٣ و٤٠٠٠ و٤٨٦٤ و ٥٤٩٨ .
٢- (عون بن أبي جحيفة) وهب بن عبد الله السُّوَائيّ الكوفيّ، ثقة [٤]١٣٧/١٠٣.
٣- (المنذر بن جرير) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، مقبول [٣].
روى عن أبيه. وعنه عبد الملك بن عُمير، وعون بن أبي جُحَيفة، وأبو إسحاق
السبيعيّ، والضحاك بن المنذر، وأبو حيّان التيميّ، على خلاف فيه. ذكره ابن حبّان في
((الثقات)). روى له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف
(١) -راجع ((لسان العرب)) في مادة حرض.
(٢) -وفي بعض النسخ: ((متقلدين)).
(٣) -وفي نسخة: ((وأقام)).

٦٦ - (بابُ التَّخریض عَلَى الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٥٥٤
٣٩
خمسة أحاديث برقم ٢٥٥٤ و٣٤٦٣ و٤٠٠٢ و٤٨٦٦ و٥٥٠٠ .
٤- (جرير) بن عبد الله بن جابر البجليّ الصحابي المشهور رضي اللّه تعالى عنه،
المتوفّى سنة (٥١هـ) وقيل: بعدها، تقدمت ترجمته في ٥١/٤٣ . والباقيان تقدما في
الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن نصفه الأول بصريون، والثاني كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية
الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عون بن أبي جُحَيفة أنه (قال: سَمِعْتُ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) جرير
ابن عبد اللَّه رَّه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فِي صَدْرِ النَّهَارِ) أي في أوّله (فَجَاءَ
قَوْمٌ) وفي رواية لمسلم من طريق عبد الرحمن بن هلال العبسيّ، عن جرير: ((جاء ناسٌ
من الأعراب إلى رسول اللَّه وَله، عليهم الصوف ... )).
(عُرَاة) جمع عارٍ، بالرفع صفة لـ((قوم))، والمراد أنهم لم يلبسوا الثيابَ المعتادَ لبسُهَا،
وإنما أولناه بهذا؛ لأن في رواية مسلم المذكورة أنّ عليهم الصوفَ، فهم لابسو الصوفِ
(حُفَاة) جمع حافٍ، اسم فاعل، منِ حَفِي الرجلُ يَخْفَى، من باب تَعِبَ حَفَاءٌ، مثل
سَلام: إذا مشى بغير نَعْلٍ، ولا خُفِّ، وهو بالرفع أيضًا صفة بعد صفه لـ ((قوم)) .
وزاد في رواية مسلم، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة: ((مُجتابي النِّمَار، أو
العباء)). و((مجتابي)): اسم فاعل من اجتابَ الشيءَ: إذا خَرَقه، ومنه قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِأَلْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]. أي خَرَقوا النمار، وقَوَّرُوا وسطها. و((النمار))
-بكسر النون- جمع نَمِرَة -بفتح النون: وهي ثياب من صوف، فيها تنمير.
و((العباء)) بفتح العين، والمدّ، جمع عباءة، وعَبَاية، لغتان. وهي أكسيةٌ غِلَاظٌ
مُخَطّطةٍ(١).
(مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) بالإضافةِ: أي معلّقي السيوف على أعناقهم. وفي نسخة:
((متقلّدين السيوفَ))، بلا إضافة، وعليه فـ((السيوفَ)) منصوبٌ على المفعوليّة (عَامَّتُهُمْ مِنْ
مُضَرَ) أي غالبهم من قبيلة مضر (بَلْ كُلُّهُمْ مِن مُضَرَ) هذا إضرابٌ إلى التحقيق، فقوله:
((عامّتهم)) كان عن عدم تحقيق، واحتمال أن يكون بعضهم من غير مضر، أوّلَ الوَهْلَة،
(١) - راجع ((شرح النوويّ على صحيح مسلم)) ج٧ص ١٠٤. و((المفهم)) للقرطبيّ ج٣ص٦٢.

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ثمّ تبيّن له أنّ كلهم من مضر، فأخبر به، فابل)) للإضراب الانتقاليّ، تجعل ما قبلها
كالمسكوت عنه، وتنقل الحكم إلى ما بعدها، كما هو مقرّرٌ في محلّه من كتب النحاة
(فَتَغَيَّرَ) وفي رواية مسلم: ((فتمعّر»، وهو بالعين المهملة، بمعنى تغيّر (وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ
وَهِ، لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ) أي الفقر والحاجة (فَدَخَلَ) أي دخل نَّ بيته، ولعلّه
لاحتمال أن يجد ما يدفع به فاقتهم (ثُمَّ خَرَجَ) لعله لم يجد في البيت شيئًا (فَأَمَرَ بِلَالًا)
رضي اللَّه تعالى عنه أن يؤذِّن (فَأَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) أي ثم أمره بالإقامة، فأقام. وفي
نسخة ((وأقام)) بالواو (فَصَلَّى) أي صلّى النبيّ وَّ إماما للناس (ثُمَّ خَطَبَ) فقرأ ◌َّ في
خطبته أول سورة النساء؛ تذكيرًا لهم أنهم كلهم من أصل واحد، فينبغي لهم أن يَعطِف
بعضُهم على بعض (فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم الَّذِي خَلَقَكُمْ) أمر اللَّه تعالى
خلقَهُ بتقواه، وهي عبادته وحده، لا شريك له، ونبّههم على قدرته التي خلقهم بها (مِنْ
نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وهي آدم عليه السلام (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وهي حوّاء عليها السلام،
خُلقَت من ضِلْعه الأيسر من خلفه، وهو نائمٌ، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها،
وأنست إليه.
وفي الحديث الصحيح: ((إن المرأة خُلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضلع
أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها، وفيها عوج)) (وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) أي وذَرَأَ من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشرهم في أقطار
العالم على اختلاف أصنافهم، وصفاتهم، وألوانهم، ولغاتهم (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي اتقوه
بطاعتكم إياه (الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ) حيث تقولون: أسألك بالله (وَالْأَرْحَامَ) بالنصب أي
واتقوا الأرحام أن تقطعوها، بل بِرّوها، وصِلُوها. وقرأ بعضهم: ﴿بالأرحام﴾ بالجرّ
عطفًا على الضمير في ((به))، أي تساءلون باللّه، وبالأرحام ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
[النساء: ١]) أي مراقب لجميع أحوالكم، وأعمالكم، كما قال تعالى: ﴿وَلَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] وفي الحديث الصحيح: اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن
تراه، فإنه يراك))، وهذا إرشاد، وأمر بمراقبة الرقيب، وإنما ذكر الله أنّ أصل الخلق من
أب واحد، وأمّ واحدة؛ لِيُعَطِّفَ بعضَهُم على بعض، ويحثّهم على ضعفائهم(١).
وهذاهو سبب قراءة النبيّ وَ ل﴿ لهذه الآية في هذه المناسبة، حيث إنها أبلغ في تثبيت
الأخوّة بين المؤمنين، وقوّة ترابطهم جنسًا، وعقيدةً، المقتضي لعطف بعضهم على
بعض. والله تعالى أعلم.
(١) -راجع ((تفسير ابن كثير)) رحمه الله تعالى أول ((سورة النساء)) بتغيير يسير.