Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
٤٨. (باب الصّدقةِ مِنْ غُلُولِ) - حديث رقم ٢٥٢٥
نصّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات
من الصفات، ونزول الربّ تبارك وتعالى، كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت
الروايات في هذا، ويُؤمَن بها، ولا يُتَوَهَّم، ولا يقال: كيفَ. هكذا رُوي عن مالك بن
أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا
((كيف)). وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهميّة، فأنكرت هذه الرويات، وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر اللَّه تبارك تعالى
في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهميّة هذه الآيات،
وفسّروها على غير ما فسّر به أهلُ العلم، وقالوا: إن اللَّه لم يخلق آدم بيده، وقالوا:
إنما معنى اليد القوّة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه، إذا قال: يدٌّ كيدٍ، أو مثلُ يدٍ، أو سمع
كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمعٌ كسمع، أو مثلُ سمع، فهذا تشبيه، وأما إذا قال
كما قال الله: يدٌّ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول: كيفَ، وَلا يقول: مثلُ سمعٍ، ولا
كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ انتهى كلام الترمذيّ رحمه اللّه تعالى (١).
وأخرج الإمام البيهقيّ رحمه الله تعالى: في ((السنن الكبرى)) -بعد أن أخرج
حديث: ((ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا ... )) الحديث- عن الوليد بن
مسلم، أنه قال: سئل الأوزاعيّ، ومالكٌ، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، عن هذه
الأحاديث التي جاءت في التشبيه؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيفيّة.
وأخرج أيضًا عن أبي داود الطيالسيّ، أنه قال: كان سفيان الثوريّ، وشعبة، وحماد
ابن زيد، وحماد بن سلمة، وشريك، وأبو عوانة لا يَحِدُون، ولا يُشبّهون، ولا
يمثّلون، يَزْوُون الحديث، ولا يقولون: كيفَ، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر.
قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزنيّ،
يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول اللَّه ◌َ له من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل
ما يصدّقه، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًا﴾، والنزول، والمجيء
صفتان منفيّتان عن اللّه تعالى من طريق الحركة، والانتقال من حال إلى حال، بل هما
صفتان من صفات الله تعالى، بلا تشبيه، جلّ اللّه تعالى عمّا تقول المعطّلة لصفاته،
والمشبهة بها علوًّا كبيرًا انتهى كلام البيهقيّ رحمه الله تعالى (٢).
(١) - ((الجامع)) ج٣ص٣٣١-٣٣٢.
(٢) - ((السنن الكبرى)) ج٢-٣ ص ٣ .

٣٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال الإمام الفسّر المحدّث البغويّ في ((شرح السنّة)) بعد أن أخرج حديث النار،
وفيه: ((حتى يضع ربّ العزّة قدمه))، وفي لفظ: ((رجله)): ما نصّه: قلت: والقدم،
والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات اللَّه عز وجل المنزه عن التكييف
والتشبيه، وكذلك كلّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب والسنّة، كاليد، والإصبع،
والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجبٌ،
فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغٌ، والمنكر معطّلٌ،
والمكتّفُ مشبّةٌ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ انتهى كلام البغويّ رحمه اللّه تعالى (١) .
وقال الحافظ الذهبيّ رحمه اللّه تعالى في كتابه ((العلوّ للعليّ الغفّار)) بعد أن ذكر عدّة
آيات من آيات الاستواء والعلوّ: ما نصّه: فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فقف مع
نصوص القرآن والسنّة، ثم انظر ما قاله الصحابة، والتابعون، وأئمّة التفسير في هذه
الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف ... إلى أن قال: فإننا على اعتقادٍ صحيح،
وعقدٍ متينٍ من أن اللَّه تعالى، تقدّس اسمه، لا مثل له، وأن إيماننا بما ثبت من نعوّته
كإيماننا بذاته المقدّسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري، ونميّز ذاته
المقدّسة عن الأشباه، من غير أن نعقل الماهيّة، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها،
ونتعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نكيّفها، أو نمثّلها بصفات
خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا انتهى المقصود من كلام الحافظ الذهبيّ رحمه الله
تعالى (٢).
وقال الحافظ رحمه اللّه تعالى في ((الفتح)): قال شهاب الدين السهرورديّ في كتاب
العقيدة له: أخبر الله في كتابه، وثبت عن رسوله وَ ير الاستواء، والنزول، والنفس،
واليد، والعين، فلا يُتصرّف فيها بتشبيه، ولا تعطيل، إذ لو لا إخبار اللَّه، ورسوله ما
تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى.
قال الطيبيّ: هذا هو المذهب المعتمد، وبه يقول السلف الصالح.
وقال غيره: لم ينقل عن النبيّ وَل﴿، ولا عن أحد من أصحابه، من طريق صحيح
التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك، ولا المنع من ذكره، ومن المحال أن يأمر الله
نَبَيْهِوَ ﴿ بَتَبَيّعُ مَا أَنزل إليه من ربّه، ويُنْزِل عليه: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية
[المائدة: ٣]، ثم يترك هذا الباب، فلا يميّز ما يجوز نسبته إليه مما لا يجوز، مع حضّه
(١) - ((شرح السنة)) ج١٦ ص٢٥٧-٢٥٨.
(٢) - راجع ((تحفة الأحوذيّ)) ج٣ ص٣٣١.

٣٤٣
٤٨. (بابَ الصَّدَقةِ مِنْ غُلُولٍ) - حديث رقم ٢٥٢٥
على التبليغ عنه بقوله: ((ليبلّغ الشاهد الغائب))، حتى نقلوا أقواله، وأفعاله، وأحواله،
وصفاته، وما فُعل بحضرته، فدلّ على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي
أراده الله منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ.
شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم، فقد خالف سبيلهم،
وبالله تعالى التوفيق انتهى ما ذكره الحافظ في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من نصوص هؤلاء الأئمة الأعلام أن
الحقّ هو إثبات صفات الله عز وجل على ما جاءت به نصوص الكتاب، والسنّة
الصحيحة، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله
عز وجل، وهذا هو الذي أجمع عليه السلف، ومن سار على طريقتهم، وسلك سبيلهم،
من أهل العلم بالكتاب والسنّة في جميع الأعصار والأمصار.
وأما ما نقله في ((الفتح)) عن المازريّ، والقاضي عياض، والزين ابن المنير، وغيرهم
من تأويلهم حديث الباب بالتأويلات التي يأباها ظاهر النصّ، وتخالف ما عليه السلف،
مما تقدم من إثباتهم الصفات كما وردت على المعنى اللائق به عز وجل، وعدم الخوض
بالتأويل فأقوال لا يُلْتَفَتُ إليها؛ لكونها مما أحدثه المتأخّرون، مخالفين لهدي سلفهم
الذي هو الحقّ الحقيق بالقبول والاتباع ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ﴾، ولقد أحسن من
قال :
وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتْبَاعِ مَنْ سَلَفْ وَكُلُّ شَرِّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ
﴿رَّنَا لَا تُرْ قُوَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ﴾، اللّهمّ أرنا الحقّ
حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، اللَّهمّ فاطر السموات
والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا
لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم اللهم آمين،
آمين، آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
(١) - ((الفتح) ج ٤ ص٣٤٥.

٣٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٤٩- (جُهْدُ الْمُقِلّ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أي هذا باب ذكر الحديث الدّال على فضل الصدقة
مع قلّة المال، فـ(الجهد)) بالفتح، والضمّ: الطاقة، تقول اجهد جَهْدك، وقيل: بالفتح:
المشقّة، وبالضمّ: الطاقة،. وقال الليث: الجَهْد -بالفتح -: ما جَهَدَ الإنسانَ من
مرضٍ، أو أمر شاقّ، فهو مجهودٌ، قال: والْجُهْد - بالضمّ - لغةٌ بهذا المعنى. وقال ابن
الأثير: قد تكرّر لفظ الْجَهْد -بالفتح، والضمّ- في الحديث، وهو -بالفتح-المشقّة،
وقيل: المبالغة والغاية، و-بالضمّ -: الوُسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع
والطاقة، فأما في المشقّة والغاية فالفتح لا غير، قال: ومن المضموم حديث الصدقةِ،
أُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: ((جُهْد المقلّ)): أي قدر ما يحتمله حال القليل المال. ذكره في
((لسان العرب)). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٢٦- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ حَجَّاجِ (١)، قَالَ ابْنُ جُرَئِج،
أَخْبَرَنِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِّ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بَّنِ
حُبْشِيِّ الْخَثْعَمِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ، سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانْ لَا شَكَّ فِيهِ،
وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ»، قِيلَ: فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((طُولُ الْقُنُوتِ))،
قِيلَ: ((فَأَّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((جُهْدُ الْمُقِلُ))، قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ
هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)، قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ
بِمَالِهِ، وَنَفْسِهِ))، قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَّ: ((مَنْ أَهَرِيقَ دَمُهُ، وَعُقِرَ جَوَادُهُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَم) أبو الحسن الورّاق البغداديّ، ويقال له: ابن
الحكم ، ثقة [١١] ٤٢/ ١٢٨٢ من رجال أبي داود، والترمذيّ، والمصنّف.
٢- (حَجَّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ الحافظ الثبت، وهو أثبت مَن روى عن
ابن جُريج [٩]٣٢/٢٨.
٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الفقيه الثقة الفاضل المكيّ
[٦]٣٢/٢٨.
٤- (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) بن جُبير بن مطعم القرشيّ النوفليّ المكيّ، قاضيها، ثقة
(١) - وفي نسخة: ((الحجّاج)).

٣٤٥ ==
٤٩- (جُهْدُ الْمُقِل) - حديث رقم ٢٥٢٦
[٦] ١٢٠٥/١٣ .
٥- (عَلِيِّ الْأَزْدِيّ) بن عبد اللّه البارقيّ أبو عبد الله بن أبي الوليد، صدوق [٣]٢٦/
١٦٦٦ .
٦- (عُبَيْد بْن عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكّيّ، ولد على عهد النبيّ وَّ، من
كبار التابعيين، وكان قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته ، مات قبل ابن عمر [٢]٤١٦/١٢.
٧- (عبد الله بن حُبْشيّ الْخَثْعَميّ) - بضمّ المهملة، وسكون الموحدة، بعدها معجمة،
ثم ياء ثقيلة - أبو قُتيلة. روى عن النبيّ وَل. وعنه عُبيد بن عُمير، وسعيد بن محمد بن جُبير
ابن مُطعم، إن كان محفوظًا. قال ابن سعد: نزل مكة. انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله
عندهما حديث الباب، وحديث النهي عن قطع السدر فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، والصحابيّ كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن
جريج، إلى آخره،. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيّه من
المقلّين من الرواية، فإنه ليس له في الكتب الستّة، بل ولا في غيرها غير هذين الحديثين
عند أبي داود، والمصنف. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن حُبْشِيِّ الْخَثْعَمِيَّ) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الثاء المثلّثة،
بعدها عين مهملةٍ، فميم -: نسبة إلى خَثْعَم بوزنِ جَعْفر، اسم قبيلة، سمّيت باسم أبيها
خثعم بن أنمارِ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ، سُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟) أي أيّ أعمال العباد أكثر ثوابًا؟
(قَالَ: ((إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ) قال السنديّ: أي في مُتعلّقه، والمراد تصديقٌ بلغ حدّ اليقين،
بحيث لا يبقى معه أدنى توهّم لخلافه، وإلا فمع بقاء الشكّ لا يحصل الإيمان، أو
إيمانٌ لا يشكّ المرء في حصوله له، بأن يتردّد هل حصل له الإيمان، أم لا. والوجه
الأول أولى، والله تعالى أعلم انتهى (١) (وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ) بضمّ الغين، أي لا خيانة
منه في غنائمه (وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ) قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: الحجّ المبرور: هو الذي
لا يخالطه شيءٌ من المآثم. وقيل: هو المقبولُ الْمُقابَلُ بالبر، وهو الثواب، يقال: بَرَّ
حَجُّهُ، وِبُرَّ حِجُّهُ، وبرَّ اللَّهُ حِجَّهُ، وأبرَّه بِرًّا - بالكسر - وإبرارًا انتهى (٢) (قِيلَ: فَأَيّ
الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((طُولُ الْقُنُوتِ))) أي القيام، وفيه أن طول القيام أفضل من كثرة
(١) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص٥٨.
(٢) - ((النهاية)) ج١ ص١١٧ .

٣٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الركوع والسجود، وبه قالت الشافعيّة، والحنفيّة، وهو الحقّ، لهذا الحديث، ولما رواه
مسلم في (صحيحه))، من حديث جابر رَّه: أن رسول اللَّه وَال قال: ((أفضل الصلاة
طول القنوت)). يعني القيام. وقد تقدّم تمام البحث في هذا في ((كتاب الصلاة)) - في
باب ((أقربُ ما يكون العبد من اللّه وَلَ))، فراجعه تستفد.
(قِيلَ: ((فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((جُهْدُ الْمُقِلُ) ((الجهد)) -بالضمّ -: الوسع والطاقة،
-وبالفتح -: المشقّة والغاية، والمراد هنا الأول. و((المقلّ)) -بضمّ الميم، وكسر القاف،
وتشديد اللام -: الفقير الذي معه شيء قليل من المال: أي إن أفضل الصدقة هو الذي
يتصدّق به قليل المال على قدر طاقته، ووسعه. وإنما كانت صدقة المقلّ أفضل من
صدقة الغنيّ؛ لأن الفقير يتصدّق بما هو محتاجٌ إليه، بخلاف الغنيّ، فإنه يتصدّق بفضول
ماله. وهذا نظير الحديث التالي: ((سبق درهم مائة ألف درهم ... )) الحديث.
ولا تنافي بينه وبين حديث أبي هريرة الآتي في-٢٥٣٤/٥٣ - مرفوعًا: ((خير الصدقة
ما كان عن ظهر غنى ... )) الحديث. فإن حديث الباب محمول على قويّ الإيمان الذي
يصبر على الفاقة، ويكتفي بأقلّ الكفاية. والحديث الآتي محمول على ضعيف الإيمان.
ويحتمل أن يكون المراد بالغنى غنى القلب الذي يصبر صاحبه على الجوع، والشدّة،
وهو المراد بالمقلّ في حديث الباب، فيكون المعنى: أن تصدّق الفقير الغنيّ القلب،
ولو كان قليلًا، أفضل من تصدّق الغنيّ بكثير من ماله، فهو يدلّ على أن الفقير الصابر
أفضل من الغنيّ الشاكر، وأنّ عبادة الأول مع قلّتها أفضل من عبادة الثاني، مع
كثرتها(١). وسيأتي تمام البحث في هذا في الباب المذكور، إن شاء الله تعالى.
(قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟) أي أيّ أنواع الهجرة أفضل. و((الهجرة)) في الأصل
مأخوذة من الْهَجْر -بفتح، فسكون- ضدِّ الوصل، ثمّ غلبت على الخروج من أرض إلى
أرض، فإن كان خرج للَّه، فهي الهجرة الشرعيّة، وتطلق أيضًا على ترك المحرّمات،
وهي المرادة هنا، کما أشار إليها
بقوله (قَالَ) بَّهِ (مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ))) الكلام على حذف مضاف، أي
هجرة من هجر الخ، يعني أن ترك الشخص الأمر الذي حرّمه الله عز وجل هو أفضل
أنواع الهجرة.
د.
وقال في ((الفتح)) عند شرح حديث عبد الله بن عَمْرو ◌َها، مرفوعًا: ((والمهاجر من
هجر ما نهى الله عنه)): ما نصّه: وهذه الهجرة ضربان، ظاهرة، وباطنة، فالباطنة ترك ما
(١) - راجع ((المنهل)) ج٨ص ٩٥ - ٩٦ .

٣٤٧
٤٩- (جُهْدُ المُقِل) - حدیث رقم ٢٥٢٦
تدعو إليه النفس الأمّارة بالسوء، والشيطانُ، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن، وكأنّ
المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرّد التحوّل من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر
الشرع، ونواهيه.
ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة، لَمّا فُتحت مكّة؛ تطييبًا لقلوب من
لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه انتهى (١).
(قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟) أي أيّ أنواع الجهاد أفضل؟ (قَالَ) وَِّ (مَنْ جَاهَدَ
الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ، وَنَفْسِهِ) هو على حذف مضاف أيضًا، أي جهادُ مَن جاهد الخ. يعني
أن جهاد من جاهد المشركين بماله ونفسه أفضل من غيره.
ولا تنافي بينه وبين حديث أبي سعيد الخدريّ رَوثه، مرفوعًا: ((أفضل الجهاد كلمة
حقّ عند سلطان جائر)). رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه. وهو حديث حسنٌ
بشواهده، لأن الأفضلية نسبيّةٌ، أي بالنسبة للكلام، فإن المؤمن يجاهد بلسانه، كما
يجاهد بيده، فتكون كلمة الحقّ عند سلطان جائر أفضل جهاد المؤمن المتعلّق بلسانه .
ويحتمل أن تكون ((من)) مقدّرة، أي من أفضل الجهاد.
والحاصل أن جهاد المؤمن للمشركين بنفسه وماله أفضل أنواع الجهاد على
الإطلاق. والله تعالى أعلم.
(قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟) أي أيّ أنواع القتل أشرف؟. وفي نسخة: ((فأيّ القتل
أفضل؟)) (قَالَ) بَلِّ (مَنْ أَهَرِيقَ دَمُهُ) هو على حذف مضاف أيضًا، أي قتل من أهريق
الخ. و((أهريق)) بالبناء للمفعول، بمعنى ((أَريق))، أي صّبّ. قال الفيّوميّ: راق الماءُ
والدمُ رَيقًا، من باب باع: انصب، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل
مُرِيقٌ، والمفعولُ مُراقٌ، وتبدل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصل هَرْيَقَه، وزان
دحرجه، ولهذا تفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَريقه، كما تُفتح الدّال من يُدَحرجه،
وتفتح من الفاعل، والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَراقٌ، قال امرؤ القيس [من
الطويل]:
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ فَهَلْ عِنْدَ رَسْمَ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
والأمرُ هَرِقْ ماءَكَ، والأصل هَرْيِقْ، وزان دَخْرِجْ. وقد يُجمع بين الهاء والهمزة،
فيقال: أهراقه يُرِيقه، ساكن الهاء، تشبيهًا له بـ((أسطاع يُسْطِيع))، كأنّ الهمزة زيدت
عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا. انتهى
(١) - ((فتح)) ج١ ص٧٨ .

٣٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
كلام الفيّومي(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى هذا يحتمل ((أُهريق)) هنا أن يُضبط بفتح الهاء،
وهو الأصل، وسكونها. والله تعالى أعلم.
(وَعُقِرَ جَوَادُهُ) بالبناء للمفعول أيضا: أي ضُربت قوائم جواده بالسيف، يقال: عَقَرَ
البعيرَ بالسيف عَقْرًا، من باب ضرب: إذا ضرب قوائمه به، ولا يطلق العَقْرُ في غير
القوائم، وربّما قيل: عقره: إذا نحره، فهو عَقِيرٌ. أفاده في ((المصباح)). و((الجواد)) -
بفتح الجيم، وتخفيف الواو-الخيل، يُطلق على الذكر والأنثى. قال في ((اللسان)): وجاد
الفرسُ: أي صار رائعًا، يَجُود جُودَةٌ - بالضمّ-، فهو جَوَادٌ للذكر والأنثى، والجمع
چِیّاد، وأَجْیَادٌ، وأجاوید انتھی بتصرّف یسیر.
والمراد قتلُ مَن صَرَفَ نفسه وماله في سبيل اللّه تعالى، وقتل فرسه معه، وإنما كان
هذا أشرف أنواع القتل؛ لأنه بذل أنفس ما عنده للَّه تعالى، وهما نفسه، وماله. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن حُبْشيّ رضي الله عنه هذا صحيح.
[تنبيه]: قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الإصابة)) بعد أن ذكر أن إسناد هذا
الحديث قويٍّ: ما نصّه: لكن ذكر البخاريّ في ((التاريخ)) (٢) له علّة، وهي الاختلاف
على عُبيد بن عُمير في سنده، فقال عليٍّ الأزديّ عنه هكذا، وقال عبد الله بن عُبيد بن
عمير، عن أبيه عن جدّه، واسم جدّه قتادة بن النعمان الليثيّ، ولكن لفظ المتن قال:
(السماحة والصبر)). فمن هنا يمكن أن يقال: ليست العلّة بقادحة. وقد أخرجه هكذا
موصولا، من وجهين، في كلّ منهما مقال، ثم أورده من طريق الزهريّ، عن عبد الله
ابن عبيد، عن أبيه، مرسلًا، وهذا أقوى انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذه العلّة غير قادحة في صحة الحديث، كما
أشار إليه الحافظ في كلامه المذكور آنفًا، بدليل اختلاف متني الحديثين، فيحمل على أن
عبيد بن عُمير روى الحديثين جميعًا، روى عن عبد الله بن حبشيّ حديث الباب، وعن أبيه
عن جدّه الحديث المذكور، فلا يُعَلّ أحدهما بالآخر. والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) - ((المصباح)) المنير.
(٢) - انظر ((التاريخ الكبير)) ج٥ص٢٥-٢٦ .
(٣) - ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ج٦ ص ٥٠.

٣٤٩
٤٩- (جُهْدُ الْمُقِل) - حديث رقم ٢٥٢٧
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٥٢٦/٤٩- و((كتاب الإيمان)) ٤٩٨٦/١- وفي ((الكبرى)) ٢٣٠٥/٥١
وفي «كتاب الإيمان)) ١١٧١٧/١. وأخرجه (د) في في ((الصلاة)) ١٤٤٩ (أحمد) في
((مسند المكيين)) ١٤٩٧٥ (الدارميّ) في ((الصلاة)) ١٤٢٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل صدقة قليل المال
بقدر طاقته (ومنها): أن الأعمال تتفاوت ثوابًا، فيكون بعضها مع قلّته يفضل على بعضٍ
مع كثرته، وذلك فضل الله تعالى يعطي الكثير على القليل لمن يشاء ﴿ذُو الْفَضْلِ
اُلْعَظِيمِ﴾ (ومنها): أن طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود، وهذا
هو المذهب الراجح، وقد خالف فيه بعض أهل العلم، كما أشرت إليه قريبًا، وتقدّم
تحقيق ذلك في ((كتاب الصلاة)) (ومنها): أن هَجْر المعاصي أفضل أنواع الهجرة
(ومنها): أن جهاد المشركين بالمال والنفس أفضل الجهاد (ومنها): أن أشرف أنواع
القتل في سبيل الله تعالى أن يُقتل الشخص، ويُعقر فرسه معه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٢٧- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي
سَعِيدٍ، وَالْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((سَبَقَ دِرْهَمْ مِائَةَ أَلْفِ
دِرْهَم))، قَالُوا: وَكَيْفَ؟(١)، قَالَ: ((كَانَ لِرَجُلِ دِرْهَمَانٍ، تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ
إِلَى عُرْضٍ مَالِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَم،َ فَتَصَدَّقَ بِهَا»).
رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدموا في الباب الماضي غير:
١- (ابن عجلان) محمد المدني، مولى فاطمة بنت الوليد، صدوقٌ، إلا أنه اختلطت
عليه أحاديث أبي هريرة تَظفيه [٥]٤٠/٣٦.
٢- (القعقاع) بن حكيم الكنانيّ المدنيّ ثقة [٤]٤٠/٣٦. والله تعالى أعلم.
٣- (أبو هريرة) تتنوّه ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمديين غير شيخه فبغلاني، والليث، فمصري.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن فيه أبا هريرة رَظمه أحفظ من
روی الحدیث في دهره، روی (٥٣٧٤) حديثًا.
(١) -وفي نسخة: ((کیف» بدون الواو.

٣٥٠ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
[تنبيه]: قوله: ((والقعقاع)) بالجزّ عطفًا على ((سعيد))، فمحمد بن عجلان يروي
عنهما جميعًا، وكلاهما يرويان عن أبي هريرة رضي . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، قَالَ: ((سَبَقَ دِرْهَمْ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَم) أي
تقدّمها في الأجر والثواب (قَالُوا: وَكَيْفَ؟) أي قال الصحابة الحاضرون مجلس رّسول
اللَّهِ وَ له حينما حَدَّث بهذا الحديث: وكيف يسبق درهم واحد مع قلّته مائةَ ألف درهم
مع كثرتها؟ (قَالَ) وَلّ مبِيّنًا وجه أسبقية الدرهم الواحد على هذه الدراهم الكثيرة (كَانَ
لِرَجُلِ دِرْهَمَانٍ، تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا) أي وأبقى الآخر لأهله، حتى لا يقع في إضاعة نفسه،
وإضاعة من تجب عليه نفقته، أو لئلا يقع في ذلّ مسألة الناس (وَانْطَلَقَ) أي ذهب (رَجُلٌ
إِلَى عُرْضٍ مَالِهِ) بضم العين المهملة، وسكون الراء: أي جانبه، وفيه إشارة إلى كثرة
ماله، بحيث إن الذي تصدّق به من المبلغ المذكورلم يكن إلا جانبًا من جوانبه (فَأَخَذَ
مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَم، فَتَصَدَّقَ بِهَا) قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: ظاهر الحديث أن الأجر
على قدر حال المعطي، لا على قدر المال الْمُعْطَى، فصاحب الدرهمين حيث أعطَى
نصف ماله، في حال لا يُعطِي فيها إلا الأقوياء، يكون أجره على قدر همّته، بخلاف
الغنيّ، فإنه ما أعطى نصف ماله، ولا في حال لا يُعطَى فيها عادةً.
ويحتمل أن يقال: لعلّ الكلام فيما إذا صار إعطاء الفقيرِ الدرهمَ سببًا لإعطاء الغنيّ
تلك الدراهم، وحينئذ يزيد أجر الفقير، فإن له مثل أجر الغنيّ، وأجر زيادة درهم. لكن
لفظ الحديث لا يدلّ على هذا المعنى، ولا يناسبه. انتهى كلام السنديّ (١). واللَّه تعالى
أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصح وفيه ابن عجلان، وقد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة دتني؟.
[قلت]: إن الاختلاطه خاص بما رواه عن سعيد المقبري(٢)، وهذا مما رواه أيضًا عن
القعقاع عن أبي هريرة، وعن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وهذان
الطريقان ليس فيهما كلام، فتنبّه .
والحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٥٢٧/٤٩ و٢٥٢٨-
وفي ((الكبرى)) ٢٣٠٦/٥١ و٢٣٠٧ . وأخرجه (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٨٧١٠
(وابن خزيمة) في ((صحيحه)) جـ٤ص٩٩ رقم ٢٤٤٣ . والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) - راجع ((شرح السنديّ)) ج٥ص٥٩ - ٦٠.
(٢) راجع ((تهذيب التهذيب)) جـ ٣ ص ٦٤٦ - ٦٤٧ .

=
=
٣٥١
٤٩- (جُهْدُ المُقِل) - حديث رقم ٢٥٢٩
٢٥٢٨ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ:
(سَبَقَ دِرْهَمْ مِائَةَ أَلْفَ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ؟، قَالَ: ((رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَانٍ، فَأَخَذَ
أَحَدَهُمَا، فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ، مِائَةَ أَلْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهَا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((عبيدالله بن سعيد)): هو أبو قُدامة السرخسيّ الحافظ الثبت [١٠].
و((صفوان بن عيسى)): هو أبو محمد القَسّام البصريّ الثقة [٩]. و((أبو صالح)): هو
ذكوان السمّان الزيات المدني ثقة ثبت [٣].
والحديث صحيح، وقد تقدم البحث عنه مستوفّى في الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٢٩- (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ،
عَنْ(١) مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، يَأْمُرْنَا .
بِالصَّدَقَةِ، فَمَا يَجِدُ أَحَدُنَا شَيْئًا، يَتَصَدَّقُ بِهِ، حَتَّى يَنْطَلِقَ إِلَى السُّوقِ، فَيَحْمِلَ عَلَى
ظَهْرِهِ، فَيَجِيءَ بِالْمُدْ، فَيُعْطِيَهُ رَسُولَ اللَّهِ لَهَ إِنِّي لَأَغْرِفُ الْيَوْمَ، رَجُلًا لَهُ مِائَةُ أَلْفٍ، مَا
كَانَ لَهُ یَوْمَئِذٍ دِرْهَمٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (الحسين بن حريث) أبو عمار المروزين ثقة [١٠]٥٢/٤٤ .
٢- (الفضل بن موسى) السينانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت ربما أغرب، من
كبار [٩]١٠٠/٨٣ .
٣- (الحسين) بن واقد المروزيّ، أبو عبد الله القاضي، ثقة له أوهام[٧]٥/ ٤٦٣.
٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتاب الكوفي، ثقة ثبت [٦]٢/٢.
٥- (شقيق) بن سلمة المشهور بـ((أبي وائل)) الأسدي الكوفي، مخضرم ثقة [٢]٢/٢.
٦- (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدري الصحابي الشهير رضي
اللَّه تعالى عنه، تقدم في ٦/ ٤٩٤ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمروزيين إلى الحسين، والباقون كوفيون. (ومنها):
(١) - ووقع في نسخة (بن)) بدل ((عن))، أي عن الحسن بن منصور))، وهو غلطّ، فاحش، فإنّ
الحسين هذا ليس ابن منصور، بل هو حسين بن واقد، فينبغي التنبه له.

=== ٣٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أن فيه رواية تابعي، عن تابعي عند من قال: إن منصورًا من صغار التابعين. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو رَبِّه أنه (قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لِهِ، يَأْمُرُنَا
بِالصَّدَقَةِ) أي بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية؛ لما في
رواية البخاريّ من طريق سليمان الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي مسعود رَّ ، قال:
لما نزلت آية الصدقة، كنّا نُحامل ... )) الحديث (فَمَا يَجِدُ أَحَدُنَا شَيْئًا، يَتَصَدَّقُ بِهِ) أي
الفقره (حَتَّى يَنْطَلِقَ إِلَى السُّوقِ، فَيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ) أي يحمل أمتعة الناس بالأجرة؛
لأجل أن يتصدّق، فينالَ الأجر الموعود للمتصدّقين من أموالهم القليلة، حيث إن أجرها
أعظم من أجر صدقة كثير المال، كما سبق في الأحاديث الماضية (فَيَجِيءَ بِالْمُدِّ) أي
مما أصابه من أجرة حمله (فَيُعْطِيَهُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ﴾ أي ليتصدّق به على المستحقّين (إِنِّي
لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ، رَجُلًا لَهُ مِائَةُ أَلْفٍ) قال في ((الفتح)): ولم يذكر مميّز مائة ألف، فيحتمل
أن يريد الدراهم، أو الدنانير، أو الأمداد انتهى (١) (مَا كَانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ) أي في عهد النبيّ
وَلِر (دِرْهَمْ) زاد في رواية البخاريّ في ((التفسير)): ((كأنه يُعرّض بنفسه)). وأخرجه ابن
مردويه، من وجه آخر، فقال في آخره: ((وإن لأحدهم اليوم لمائة ألف، قال شقيق:
كأنه يعرّض بنفسه)). وأخرجه الإسماعيليّ، من وجه آخر، وزاد في آخر الحديث: ((قال
الأعمش: وكان أبو مسعود قد كثر ماله)).
قال ابن بطال: يريد أنهم كانوا في زمن الرسول وَله يتصدّقون بما يجدون، وهؤلاء
مكثرون، ولا يتصدّقون. قال الحافظ: كذا قال، وهو بعيد. وقال الزين ابن المنيّر:
مراده أنهم كانوا يتصدّقون مع قلّة الشيء، ويتكلّفون ذلك، ثم وسّع اللَّه عليهم، فصاروا
يتصدّقون من يسر، ومع عدم خشية عسر.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون مراده أن الحرص على الصدقة الآن لسهولة مأخذها
بالتوسّع الذي وُسّع عليهم أولى من الحرص عليها مع تكلّفهم، أو أراد الإشارة إلى
ضيق العيش في زمن الرسول وَله، وذلك لقّة ما وقع من الفتوح والغنائم في زمانه،
وإلى سعة عيشهم بعده؛ لكثرة الفتوح والغنائم انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) - ((فتح)) ج٩ ص٢٣١ .
(٢) - المصدر السابق.

٣٥٣
٤٩- (جُهْدُ الْمُقِل) - حديث رقم ٢٥٣٠
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث أبي مسعود رَّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥٢٩/٤٩ و٢٥٣٠ - وفي ((الكبرى)) ٢٣٠٨/٥١ و٢٣٠٩ . وأخرجه
(خ) في ((الزكاة)) ١٤١٥ و١٤١٦ و((الإجارة)»٢٢٧٣ و((التفسير)) ٤٦٦٨ و٤٦٦٩ (م) ي
في ((الزكاة)) ١٠١٨ (ق) في ((الزهد)) ٤١٥٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده :
(منها): الأمر بالصدقة، والحثّ عليها بما تيسّر (ومنها): ما كان عليه الصحابة
* من الحرص على فعل الخير، حتى يؤاجرون أنفسهم (ومنها): جواز إيجار
الحرّ نفسه لحمل شيء على ظهره حتى يتصدّق من أجرته (ومنها): ما كان عليه
الصحابة * من قلة العيش، وصبرهم على ذلك (ومنها): بيان ما فتح اللَّه على
المؤمنين بعد الرسول والقر، حتى يملك بعضهم مائة ألف؛ وفاء بما وعدهم الله تعالى
بقوله: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى ◌ٌرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمَّنَا﴾ الآية
[النور: ٥٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٢٥٣٠ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: ((لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ بِالصَّدَقَةِ، فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلِ،
بِنِصْفِ ضَاعٍ، وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ، أَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَغَنِيٌّ عَنْ
صَدَقَةٍ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءٌ، فَتَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُعَّوْعِينَ مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (بشر بن خالد) العسكريّ، أبو محمد الفرائضي، نزيل البصرة، ثقة يُغرب
[١٠]٨١٢/٢٦ .
٢- (غندر) محمد بن جعفر، أبو عبد الله البصري، ربيب شعبة، ثقة، صحيح
الكتاب [٩]٢٢/٢١.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور[٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (سليمان) بن مهران الأعمش الكوفي، ثقة ثبت يدلس [٥] ١٨/١٧. والباقيان

٣٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
تقدما في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريّون، والباقون كوفيّون. (ومنها): أن فيه
رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو رَّ، أنه (قَالَ: ((لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِالصَّدَقَةِ)
ولفظ البخاريّ في ((الزكاة)): ((لما نزلت آية الصدقة، كنّا نُحامل ... )). قال في ((الفتح)):
كأنه يشير إلى قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً﴾ الآية (فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ، بِنِصْفِ صَاعٍ) اسم
أبي عَقيل هذا -وهو بفتح أوّله- حَبْحَاب -بمهملتين، بينهما موحّدة ساكنة، وآخره
مثلها -. ذكر عبد بن حُميد، والطبريّ، وابن منده من طريق أبي عروبة، عن قتادة، قال
في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَفَتِ﴾ قال: (جاء
رجل من الأنصار، يقال له: الحبحاب، أبو عَقِيلِ، فقال: يا نبيّ اللَّه بِتُّ أجُرُّ الجرير(١)
على صاعين من تمر، فأما صاعٌ، فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا، فقال
المنافقون: إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عَقيل، فنزلت)). وهذا مرسل.
ووصله الطبرانيّ، والباورديّ، والطبريّ من طريق موسى بن عُبيدة، عن خالد بن يسار،
عن ابن أبي عَقيل، عن أبيه بهذا، ولكن لم يسمّوه. وذكر السهيليّ أنه رآه بخطّ بعض
الحفّاظ مضبوطًا بجيمين. وروى الطبرانيّ في «الأوسط)»، وابن منده من طريق سعيد بن
عثمان البلويّ، عن جدّته بنت عديّ، أن أمها عميرة بنت سهل بن رافع، صاحب الصاع
الذي لمزه المنافقون خرج بزكاته، صاع تمر، وبابنته عميرة إلى النبيّ وَّر، فدعا لهما
بالبركة. وكذا ذكر ابن الكلبيّ أن سهل بن رافع، هو صاحب الصاع الذي لمزه
المنافقون. وروى عبد بن حميد من طريق عكرمة، قال في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾ هو رفاعة بن سهل. ووقع عند ابن أبي حاتم رفاعة بن سعد،
فيحتمل أن يكون تصحيفًا. ويحتمل أن يكون اسم أبي عَقيل سهل، ولقبه حبحاب، أو
هما اثنان. وفي الصحابة أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة البلويّ بدريّ، لم يسمّه موسى
ابن عقبة، ولا ابن إسحاق، وسماه الواقديّ عبد الرحمن، قال: واستُشهِد باليمامة.
وكلام الطبريّ يدلّ على أنه هو صاحب الصاع عنده، وتبعه بعض المتأخّرين. قال
(١) -الجرير بالفتح: حبل يُجعل في عنق الناقة. قاله في ((المصباح)).

٣٥٥
٤٩- (جُهْدُ المُقِل) - حديث رقم ٢٥٣٠
الحافظ: والأول أولى.
وقيل: هو عبد الرحمن بن سمحان(١) ، وقد ثبت في حديث كعب بن مالك في قصّة
توبته، قال: ((وجاء رجل يزول به السراب، فقال النبيّ وَّر: ((كن أبا خيثمة))، فإذا هو
أبو خيثمة))، وهو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، واسم أبي خيثمة هذا عبد الله بن
خيثمة، من بني سالم، من الأنصار.
قال الحافظ: فهذا يدلّ على تعدّد من جاء بالصاع، ويؤيّد ذلك أن أكثر الرويات فيها
أنه جاء بصاع. وكذا وقع عند البخاريّ في ((الزكاة)): ((فجاء رجل، فتصدّق بصاع))،
وفي حديث الباب: ((فجاء أبو عقيل بنصف صاع)).
وجزم الواقديّ بأن الذي جاء بصدقة ماله هو زيد بن أسلم العجلانيّ، والذي جاء
بالصاع هو علية بن زيد المحاربيّ.
وسمّي من الذين قالوا: إن هذا مُرَاءٍ، وإن اللَّه غنيّ عن صدقة هذا معتّب بن قشیر،
وعبد الله بن نبتل. وأورده الخطيب في ((المبهمات)) من طريق الواقديّ، وفيه:
عبد الرحمن بن نبتل -وهو بنون، ثمّ موحّدة، ثمّ مثنّة، ثم لام بوزن جعفر - وسيأتي
أيضًا ما يدلّ على تعدّد من جاء بأكثر من ذلك.
(وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ، أَكْثَرَ مِنْهُ) أي مما جاء به أبو عقيل. وفي رواية البخاريّ في
((الزكاة)): ((وجاء رجل بشيء كثير)). وروى البزار من طريق عُمر بن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رَزّيه، قال: قال رسول اللَّه وَله: «تصدّقوا،
فإني أريد أن أبعث بعثًا)). فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا رسول اللّه عندي أربعة
آلاف، ألفين أقرضهما ربّي، وألفين أمسكهما لعيالي، فقال: ((بارك اللَّه لك فيما
أعطيت، وفيما أمسكت)). قال: وبات رجلٌ من الأنصار، فأصاب صاعين من
تمر ... )) الحديث. قال البزار: لم يسنده إلا طالوت بن عبّاد، عن أبي عوانة، عن
عمر. قال: وحدّثناه أبو كامل، عن أبي عوانة، فلم يذكر أبا هريرة فيه، وكذلك أخرجه
عبد بن حُميد، عن يونس بن محمد، عن أبي عوانة. وأخرجه ابن أبي حاتم،
والطبريّ، وابن مردويه من طرق أخرى، عن أبي عوانة، مرسلًا. وذكره ابن إسحاق في
((المغازي)) بغير إسناد. وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق
سعيد، عن قتادة، وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، والمعنى
واحد، قال: ((وحثّ رسول اللّه ◌َل على الصدقة - يعني في غزوة تبوك- فجاء
عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، فقال: يا رسول اللَّه مالي ثمانية آلاف، جئتك
(١) - في هامش طبعة بولاق: كذا في بعض النسخ، وفي بعضها ((سحان)) بغير ميم.

٣٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
بنصفها، فقال: ((بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت)). وتصدّق يومئذ عاصم بن
عديّ بمائة وسقٍ من تمر. وجاء أبو عقيل بصاع من تمر ... )) الحديث. وكذا أخرجه
الطبريّ من طريق الْعَوْفيّ، عن ابن عبّاس نحوه، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة، عن
ابن عبّاس، قال: ((جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب)) بمعناه. وعند
عبد بن حميد، وابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس، قال: ((جاء عبد الرحمن بن
عوف بأربعمائة أوقيّة من ذهب، فقال: إن لي ثمانمائة أوقيّة من ذهب ... )) الحديث.
وأخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، فقال: ((ثمانية آلاف دينار))، ومثله لابن أبي
حاتم من طريق مجاهد. وحكى عياض في ((الشفا)) أنه جاء يومئذ بتسعمائة بعير.
وهذا اختلاف شديدٌ في القدر الذي أحضره عبد الرحمن بن عوف، وأصحّ الطرق
فيه ثمانية آلاف درهم. وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حمّاد بن سلمة، عن
ثابت، عن أنس، أو غيره. والله أعلم.
ووقع في ((معاني القرآن)) للفرّاء أن النبيّ وَلّ- حث على الصدقة، فجاء عمر بصدقة،
وعثمان بصدقة عظيمة، وبعض أصحاب النبيّ وَّ يعني عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء
أبو عَقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو
عقيل، فإنما جاء بصاعه ليذكّر بنفسه، فنزلت. ولابن مردويه من طريق أبي سعيد:
((فجاء عبد الرحمن بن عوف بصدقته، وجاء المطّوّعون من المؤمنين ... )) الحديث.
ذكر هذا كله في ((الفتح))(١) .
(فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَغَنِيٍّ عَنْ صَدَقَةٍ هَذَا) أي عن صدقة أبي عقيل (وَمَا
فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ) بالرفع بدلًا من اسم الإشارة، وعنوا به الإنسان الذي جاء بمال کثیر، وقد
تقدّم الخلاف فيه آنفًا (إِلَّا رِيَاءً) أي إلا إظهارًا لصدقته للناس، ليروه، ويظنّوا به خيرًا،
ويحمدوه عليها (فَتَزَلَتْ: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) أي يَعيبونهم (الْمُطَّوْعِينَ) قرأ الجمهور بتشديد
الطاء، والواو، وأصله المتطوّعين، فأدغمت التاء في الطاء، وهم الذين يغزون بغير
استعانة برزق من سلطان، أو غيره(٢) (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بيان (لمطَوّعين)) (فِي الصَّدَقَاتِ)
متعلّق ب(يلمزون)) (وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) معطوف على ((المطوّعين))، وأخطأ من
قال: إنه معطوف على ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾؛ لإستلزامه فساد المعنى، وكذا من قال:
معطوف على ﴿اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنه يفهم منه أن ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ ليسوا
بمؤمنين؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، فكأنه قيل: الذين يلزون المطوّعين من هذين
الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدون إلا جهدهم، فكأن الأولين مُطّوّعون مؤمنون،
(١) - ((فتح)) ج٩ ص ٢٣٠ -٢٣١ .
(٢) هذا أصل معناه، وأما في الآية هنا فالمراد المتطوع بصدقته. والله تعالى أعلم.

ـسيـ
٣٥٧
٥٠- (اليْدُ العُليا) - حديث رقم ٢٥٣١
والثاني مطّوّعون غير مؤمنين، وليس بصحيح، فالحقّ أنه معطوف على ﴿الْمُطَوِّعِينَ﴾،
ويكون من عطف الخاصّ على العامّ، والنكتة فيه التنويه بالخاصّ؛ لأن السخرية من
المقلّ أشدّ من المكثر غالبًا. والله أعلم. قاله في ((الفتح)). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي مسعود رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥٣٠/٤٩- وفي ((الكبرى)) ٢٣٠٩/٥١. وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
١٤١٥ و١٤١٦ و((الإجارة)) ٢٢٧٣ و((التفسير))٤٦٦٨ و٤٦٦٩ (م) في ((الزكاة)) ١٠١٨
.(ق) في ((الزهد)) ٤١٥٥. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل صدقة قليل المال
(ومنها): مشروعيّة حثّ الإمام الناسَ على الصدقة لإزالة فاقة المحتاجين (ومنها): ما
كان عليه الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم، من المسارعة إلى الخيرات، كلٍّ على حسب
حاله، فالغنيّ يجود بالكثير، والفقير بقدر استطاعته (ومنها): بيان أخلاق المنافقين،
وسوء طويّتهم، وأنهم لا يَسْلَم منهم أحدٌ من المؤمنين، لا الأغنياء، ولا المقلّون،
فيتّهمون كلّ منهم بما هم بريؤون منه، بل هو من صفات المنافقين أنفسِهِم، فإن الرياء
والسمعة، وحبّ المحمدة بما لم يفعلوا، ونحوها من الأخلاق المذمومة هي
بضاعتهم، وفيها تجارتهم، ولقد جازاهم الله تعالى على هذا الخلق الذميم، كما أخبر
بذلك في قوله: ﴿سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]. ((والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب)).
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٥٠- (الْيَدُ الْعُلْيَا)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل اليد العليا، وهي المنفقة، وهي يد
المعطي، كما سيأتي تفسيرها بعد باب، إن شاء اللّه تعالى.

٣٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٢٥٣١- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ،
وَعُزْوَةُ، سَمِعَا حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، فَأَعْطَانِ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ،
فَأَعْطَانِ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ، حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَّهُ بِطِيبٍ
نَفْسٍ، بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافٍ نَفْسٍ، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ، وَلَّا
يَشْبِّعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٢- (سفيان) بن عيينة المكي الثقة الثبت الحجة [٨]١/١.
٣- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدني [٤]١/١.
٤- (سعيد) بن المسيب الحجة الثبت الفقيه المدني، من كبار[٣]٩/ ٩ .
٥- (عروة) بن الزبير بن العوام المدني الثقة الثبت الفقيه [٣]٤٤/٤٠.
٦- (حَكِيمْ بْن حِزَام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزَّى الأسديّ، أبو خالد المكيّ،
ابن أخي خديجة الكبرى، أم المؤمنين تثبيتها، أسلم يوم الفتح، وصحب النبيّ ◌َّر،
وله أربع وسبعون سنة، ثم عاش إلى سنة أربع وخمسين، أو بعدها، وكان عالمًا
بالنسب، تقدّمت ترجمته رَّه في ١٠٨٤/١٢٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغلاني، وسفيان فمكي. (ومنها):
أن فيه رواية تابعي، عن تابعيين. (ومنها): أن فيه اثنين من الفقهاء السبعة: سعيد، وعروة.
(ومنها): أن صحابيّه رَظّ من الصحابة الذين عاشوا (١٢٠) سنة، نصفها في الجاهليّة،
ونصفها في الإسلام، وقد ذكرهم السيوطي في ((ألفية الحديث)) فقال:
عِشْرِينَ بعد مائَةٍ تُكَمَّلُ
وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا
حُوَيْطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفِلٍ
سِتُونَ فِي الإِسْلامِ حَسَّانْ يَلِي
وَآخَرُونَ مُطلَقًا لَبِيدُ
ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْثَنْ سَعَيدُ
لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيُّ نَافِعُ
عَاصِمُ سَغدْ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ
أَنْ عاشَ ذا أَبٌّ وَجَدُّهُ وَجَدْ
نَابَغَةٌ ثُمَّتَ حَسَّانُ أنّفَرَدْ
(ومنها): أنه ولد في جوف الكعبة، ولا يُعرف هذا لغيره، كما قال الحافظ السيوطيّ
رحمه الله تعالى في ((ألفيّة المصطلح)):

٣٥٩
٥٠- (الیدُ العُلیا) - حديث رقم ٢٥٣١
ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِذْ بِكَغْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِذْ
وهذا كله قد سبق، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الزُّهْرِيِّ) وفي رواية للبخاريّ في ((كتاب الرِّقَاق)): ((سمعت الزهريّ يقول ... ))
(قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ) هو ابن المسيّب الفقيه الحجة المدنيّ (وَعُزْوَةٌ) بن الزبير بن العوّام
الفقيه الحجة المدنيّ أيضًا (سَمِعَا) يقدّر قبله ((أنّ)) واسمها: أي أنهما سِمعا (حَكِيمَ بْنَ
حِزَام) رَّهِ (يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ وَِّ) أي المالَ (فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي،
ثُمَّ سَّأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِ، ثُمَّ قَالَ) وفي الرواية الآتية - ٢٦٠٣/٩٣ -: ثم قال رسول الله
حَله: ((يا حكيم ... )) (((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الضاد
المعجمة، قال في ((القاموس)): والْخَضِرُ، كَكَتِفٍ: الْغُصن، والزرع، والْبَقْلَةُ
الْخَضْرَاء، كالْخَضِرَة، والْخَضِيرِ انتهى (حُلْوَةٌ) بضمّ، فسكون: ضدّ الْمُرّة.
قال الزركشيّ رحمه الله تعالى: تأنيث الخبر تنبيه على أن المبتدأ مؤنثٌ، والتقدير:
أن صورة هذا المال، أو يكون التأنيث للمعنى؛ لأنه اسمٌ جامعٌ لأشياء كثيرة، والمراد
بالخَضِرَة الروضة الخضراء، أو الشجرة الناعمة، والحلوة المستحلاة الطعم. انتهى (١).
وقال العينيّ رحمه الله تعالى: التأنيث: إما باعتبار الأنواع، أو الصورة، أو تقديرُهُ:
كالفاكهة الخَضِرَة الحُلْوَة، شبّهَ المالَ في الرغبة فيه بها، فإن الأخضر مرغوب من حيث
النظر، والحلو من حيث الذّوقُ، فإذا اجتمعا زادا في الرغبة.
حاصله أن التشبيه في الرغبة فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة
الخضراء المستلذّة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده،
فاجتماعهما أشدّ، وفيه إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضروات لا تبقى، ولا تراد للبقاء.
قاله في ((عمدة القاري))(٢). (فَمَنْ أَخَذَهُ) أي من أخذ المال الذي يُبذل له (بِطِيبٍ نَفْسٍ)
أي مع طيب نفس، فالباء للمصاحبة، يعني أنه أخذه من غير شَرَهٍ، ولا إلحاح. وفي
الرواية الآتية في ٢٦٠٣/٩٣ -: ((بسخاوة نفس)). قال القاضي: فيه احتمالان:
أظهرهما أنه عائدٌ إلى الآخذ، أي من أخذه بغير حرصٍ، وطمع، وإشراف عليه.
والثاني: إلى الدافع، أي من أخذه ممن يدفعه منشرحًا بَدفعه، طيّب النفس انتهى(٣)
(بُورِكَ لَهُ فِيهِ) أي جعل اللَّه تعالى البركة له في ذلك المال (وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ)
(١) - ذكره في ((زهر الربى)) ج٥ص٦٠.
(٢) - ((عمدة القاري» ج٩ ص٥٢ .
(٣) - ((عمدة القاري)) ج٩ ص٥٢ .

٣٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(الإشراف)) على الشيء: الاطلاع عليه، والتعرّض له. وقيل: معنى إشراف النفس أن
المسؤول يُعطيه عن تكرّه. وقيل: يريد به شدّة حرص السائل، وإشرافه على المسألة
(لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ) الضمير في ((له)) يرجع إلى الآخذ، وفي ((فيه)) إلى المال المأخوذ،
وإنما لم يبارك له فيه؛ لأنه لم يمنع نفسه عن المسألة التي هي مذمومة شرعًا، ولم يصُنْ
ماء وجهه، فعوقب بعدم البركة فيما أخذ (وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ، وَلَا يَشْبَعُ) أي لا ينقطع
اشتهاؤه، فيبقى في حيرة الطلب على الدوام، ولا يقضي شهواته التي لأجلها طلبُهُ،
فكان كمن به الجوع الكاذب، المسمَّى بجوع الكلب، كلما ازداد أكلًا ازداد جوعًا؛ لأنه
يأكل من سقم، وكلما أكل زاد سقمًا، ولا يجد شبعًا، ويزعم أهل الطبّ أن ذلك من
غلبة السوداء، ويسمّونها الشهوة الكلبيّة، وهي صفة لمن يأكل، ولا يشبع(١).
(وَالْيَدُ الْعُلْيَا) هي المنفقة على الصواب، كما صحّ تفسيره بذلك في الحديث الآتي
قريبًا (خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) هي السائلة على الصواب أيضًا، وسيأتي بيان اختلاف أهل
العلم في تفسير هذه الجملة بعد باب، إن شاء الله تعالى.
وزاد في الرواية الآتية في - ٢٦٠٣/٩٣ -: ((قال حكيمٌ: فقلت: يا رسول الله،
والذي بعثك بالحقّ، لا أَرْزَأَ أحدًا بعدك حتى أفارق الدنيا بشيء)). ونحوه في رواية
للبخاريّ، وزاد: «فکان أبو بکر رڅ یدعو حکیمًا إلی العطاء، فیأبی أن يقبله منه، ثم
إن عمر تَّ دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر
المسلمين على حكيم، أنّي أَعرِضُ عليه حقّه من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزا
حكيم أحدًا من الناسَ بعد رسول اللّه وَّ ر حتى توفّي)). والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث حكيم بن حزام رَزفي هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٥٣١/٥٠ و٢٦٠١/٩٣ و٢٦٠٢ و ٢٦٠٣ - وفي («الكبرى»٢٣١٠/٥٢
و٢٣٨٢/٩٥ و٢٣٨٣ و٢٣٨٤. وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٢٨ و١٤٧٢ و((الوصايا))
٢٧٥٠ و((فرض الخمس))٣١٤٣ و((الرقاق)) ٦٤٤١ (م) في ((الزكاة)) ١٠٣٤ و١٠٣٥ (د) في
((الزكاة)) ١٦٧٦ (ت) في ((صفة القيامة)) ٢٤٦٣ (أحمد) في ((مسند المكّتين)) ١٤٨٩٣
و١٤٩٠٢ و١٥١٤٦ (الدارميّ) في ((الزكاة)) ١٦٥٠ و((الرقاق)» ٢٧٥٠ . والله تعالى أعلم.
(١) - راجع ((عمدة القاري)) ج٩ ص ٥٢ .